قوله : (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ)(١). قيل : مختوم ، وكرم الكتاب ختمه ، وقيل : كرمه كونه من عند كريم. وقيل : لبداءته فيه ببسم الله الرحمن الرحيم ، وكأنّ قولها : (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)(٢) تفسير لكرمه أو جواب لمن قال : وما وجه كرمه؟ أو تعليل لقولها المشير للدّعوى. والظاهر عندي أنّ قولها : (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ) إلى آخره تفسير لنفس «كتاب» لا لكرمه بدليل قولها : (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)(٣). فهو أنّ لنا من كرمه بل من مقتضاه ومضمونه ، ويؤيّد ما قلته أنّ قوله : (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ) كان عنوانه ، ومن ثمّ عنونت الكتب. وقوله : («وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)» إلى آخره مضمونه ، كذا جاء في التفسير.
وكرام الخيل والطير : عتاقهما. والكريم ـ أيضا ـ من كان أبواه شريفين ، والمعرّف بضدّه ، وأنشد (٤) : [من الرمل]
|
كم بجود مقرف نال العلى |
|
وكريم بخله قد وضعه |
يعني أنّ الكرم قد يرفع الدّنيء ويحطّ الشريف ؛ فالكرم هنا ليس هو المتعارف بين الناس ، وما أطبع ما جاء في قوله : وكريم بخله .. فإنه كالمتنافي في العرف العام.
وفي الحديث : «لا تسمّوا العنب كرما إنّما الكرم الرجل المسلم» (٥) قال أبو بكر محمد بن القاسم في تفسير ذلك : إنّما سمي الكرم كرما لأنّ الخمرة المتخذة منه تحثّ على السّخاء والكرم ، فاشتقّوا اسم الكرم من الكرم الذي يتولّد منه. قلت : ومن ذلك قول حسان (٦) : [من الوافر]
__________________
(١) ٢٩ / النمل : ٢٧.
(٢) ٣٠ / النمل : ٢٧.
(٣) ٣١ / النمل : ٢٧.
(٤) البيت لأنس بن زنيم أو عبد الله بن كريز أو أبي الأسود وانظر (الكتاب : ٢ / ١٦٧ ، شرح المفصل : ٤ / ١٣٢ ، الإنصاف : ٣٠٣ ..). المقرف : النذل اللئيم أبوه. واستشهد به النحويون على جواز رفع «مقرف» ونصبه وجره.
(٥) النهاية : ٤ / ١٦٧ ، وفيه : « .. العنب الكرم».
(٦) الديوان : ١ / ١٧.
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
