منهم بل كان ديدنهم وهجّيراهم (١). والتكبّر ـ أيضا ـ يقال على وجهين أحدهما أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيرها ، وبهذا وصف الله تعالى نفسه فقال : (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)(٢) وما أبلغ تناسب هذه الصفات الثلاث : العزة والجبروت والتكبّر! والثاني أن يوصف به من يشبّع بما ليس له ويتكلّف ذلك ، وهذا في أوصاف الناس كقوله تعالى : (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)(٣) قرىء بإضافة القلب إليه (٤). ويوصف القلب بالمتكبّر ، ولا يجوز أن يوصف بالثاني غير الباري تعالى : وجوّز ذلك الراغب فقال (٥) : ومن وصف بالتكبّر على الوجه الأول فمحمود. ثم قال : ويدلّ على أنه قد يصحّ أن يوصف الإنسان بذلك ولا يكون مذموما.
قوله : (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ)(٦) فافهم أنّ التكبّر فيها بحقّ سائغ ، وفيه نظر لأنه من باب قوله : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ)(٧) إذ لا مفهوم لهذه الصفة ، أو يكون فائدة قوله : (بِغَيْرِ الْحَقِّ) أنهم لو سئلوا عن تكبّرهم لأجابوا بأنه بغير حقّ كما قيل ذلك في قوله : (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ)(٨).
والكبر : كبر السّنّ ، ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم : «كبّر الكبر» (٩) أي قدّموا الكبير منكم. والكبرياء : الترفّع عن الانقياد والطاعة ، وذلك لا ينبغي أن يوصف بها غير الله تعالى ، ولذلك قال : (وَلَهُ الْكِبْرِياءُ)(١٠) أي له خاصة لا لغيره. وإليه أشار رسول الله صلىاللهعليهوسلم فيما حكاه عن
__________________
(١) الهجّير : الدأب والعادة ، وكذلك الهجيّري والإهجيري (اللسان ـ مادة هجر).
(٢) ٢٣ / الحشر : ٥٩.
(٣) ٣٥ / غافر : ٤٠.
(٤) يقول الفراء : ومن نوّن جعل القلب هو المتكبر الجبار. وهي في قراءة عبد الله «كذلك يطبع الله على قلبّ كلّ متكبر جبار» (معاني القرآن : ٣ / ٨).
(٥) المفردات : ٤٢٢.
(٦) ١٤٦ / الأعراف : ٧.
(٧) ١١٧ / المؤمنون : ٢٣.
(٨) ١١٢ / آل عمران : ٣.
(٩) في الأصل : «كبرّ كبّر» والتصويب من النهاية : ٤ / ١٤١ ، وفيه رواية «الكبر الكبر» ، وهو حديث القسامة.
(١٠) ٣٧ / الجاثية : ٤٥.
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
