الإفاقة هي الرجوع ، فقولك : أفاق المريض والمجنون والسكران أي ثاب إليهم عقلهم وقوتهم بعد المرض والسكر والجنون.
والإفاقة ـ في الحلب : رجوع الدّرّ ، وكلّ درّة رجعت بعد الحلب تسمّى الفيقة ، ومنه حديث أمّ زرع : «وترويه الفيقة» (١) وقد اشتقّوا من ذلك : تفوّقت الشيء أي شربته. وفي حديث أبي موسى ، وقد ذكر القرآن العزيز : «وأمّا أنا فأتفوّقه تفوّق اللّقوح» (٢). يقول : أتدبّره وأتفهّمه شيئا فشيئا ولا أهدّه هدّا من غير تفهّم لمعناه ، وهذا شأن العلماء. ولذلك ذمّ الله اليهود حيث قال تعالى : (لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ)(٣). وقد ذكرنا في مقدمة التّفسير الكبير من ذلك جملة صالحة.
وقالوا : استفق ناقتك : أي اتركها ساعة بعد الحلب ، والمعنى حتى يفوق لبنها. وفوّق فصيلك : أي اسقه ساعة بعد أخرى. وظلّ فلان يتفوّق المحض : أي يشرب اللبن الخالص ، يقال ذلك لمن يتخيّر الأشياء ويصطفيها. وفي الحديث : «قسم غنائم بدر عن فواق» (٤) قيل : بقدر ما بين الحلبتين. وقيل : أراد التّفضيل كأنه جعل بعضهم أفوق من بعض. وقال ابن مسعود رضي الله عنه : «فأمّرنا عثمان ولم نأل عن خيرنا ذا فوق» (٥) ولم يقل خيرنا سهما لأنه قد يقال له سهم ، وإن لم يصلح فوقه فهو سهم ، فإن لم يكن تاما فكأنه قال : خيرنا سهما تاما في الإسلام والسابقة والفضل.
ف وم :
قوله تعالى : (وَفُومِها)(٦) اختلف الناس في ذلك اختلافا كثيرا ؛ فقيل : هو الثّوم
__________________
(١) ذكره ابن الأثير بالياء وليس بالواو (النهاية : ٣ / ٤٨٦) وفيه : «وترويه فيقة اليعرة». ويرى أن الفيقة : اسم اللبن الذي يجتمع في الضرع بين الحلبتين.
(٢) النهاية : ٣ / ٤٨٠ ، يعني قراءة القرآن.
(٣) ٧٨ / البقرة : ٢.
(٤) النهاية : ٣ / ٤٧٩. و «عن» ها هنا بمنزلتها في قولك : أعطيته عن رغبة وطيب نفس.
(٥) النهاية : ٣ / ٤٨٠ ، أي ولّينا أعلانا سهما ذا فوق.
(٦) ٦١ / البقرة : ٢.
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
