أشدّ الحاجة ، وهو مأخوذ من فقار الظهر كأنّه لاحتياجه انكسر فقاره فهو لا ينهض. كما قيل : إنّ المسكين من السكون ، لاحتياجه سكن وانقطع عن الحركة ، وقيل : هو فعيل بمعنى مفعول ، فالفقير هو المكسور الفقار على التشبيه ، ومنه : فقرته الفاقرة ، أي الداهية التي تكسر فقار ظهره.
وقولهم : أفقرك الصّيد فارمه ، أي مكّنك من فقاره ، ويقال : فقره : أي أصاب فقار ظهره ، نحو كبده ورأسه.
والفقر : خرزات الظهر ، الواحدة فقرة ، كسدرة وسدر.
وقوله تعالى : (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ)(١) أي داهية عظيمة تكسر منها الفقار. وفي حديث عثمان رضي الله عنه : «استحلّوا منه الفقر الثلاث» (٢) أي الأمور العظام : حرمة الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، وحرمة الخلافة. وقالت عائشة رضي الله عنها في حقّه (٣) : «المركوب فيه الفقر الأربع» ، ضربت ذلك مثلا لما ارتكب منه ، لأنّ الظهر محلّ الركوب والفقر فيه ، وأرادت أنه ارتكب منه أربع حرم فانتهكوها وهي : حرمة صحبته وصهره ، وحرمة البلد ، وحرمة الخلافة ، وحرمة الشهر الحرام. وقال الأزهريّ : هي الفقر ، بضم الفاء (٤).
وقيل : اشتقاق الفقير من قولهم : فقرت البعير ، وذلك أن يحزّ أنف البعير إلى أن يصل الحزّ إلى العظم ثم يلوى عليه جرير ، أي حبل ونحوه ليذلّ بعد صعوبته ، فكذلك الفقير يحصل له من الغلّ ما يجعله بمنزلة البعير المذلّل المقيّد. وقيل : اشتقاقه من الفقرة أي الحفرة ، ومنه قيل لكلّ حفيرة يجتمع فيها الماء.
وفقرت للفسيل : حفرت له حفرة غرسته فيها ، قال الشاعر (٥) : [من الرجز]
__________________
(١) ٢٥ / القيامة : ٧٥.
(٢) النهاية : ٣ / ٤٦٣.
(٣) الضمير عائد على عثمان (رضي) ، والحديث في النهاية : ٣ / ٤٦٣.
(٤) قال الأزهري : ومفردها الفقرة ، وهي الأمر العظيم الشنيع.
(٥) من شواهد اللسان ـ مادة فقر ، وعجزه :
مجنونة تودي بروح إنسان
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
