فقد كفر القائل بذلك ، واجتزي بكفره عن مناظرته في شيء من دينه ؛ لأنه يزعم أن الله سوغ للظالمين شيئا من معاصيه ، وأجاز لهم ترك فرائضه التي فرض ، وهذا تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله.
وإن قال : لا لم يجز الله لظالم في وقت ظلمه ، ولا لفاسق في وقت فسقه ترك شيء من أداء فرائضه ، والفرض لازم لهم ، واجب عليهم.
قيل له : فأي فرض أكبر من الجهاد في سبيل الله ، والقيام بمحاربة من عند عن أمر الله ، والمعاونة لأولياء الله؟
فإذا قال : لا فرض أكبر من ذلك.
قيل له : فمن أين أجزت لهم القعود عن نصره؟ ومن أين أجزت للإمام أن يدعهم من أداء هذا الفرض؟ ولم يجز له أن يكرههم عليه في حال فسقهم فضلا عن أن يأتوه طائعين ، ولحكمه مسلمين. فإن أجزت للإمام أن يدع إلزامهم فرض الجهاد الأكبر وقد أتوه طائعين ، ولفرض الله في الجهاد معه مسلمين ، أو أجزت له أن يترك الاستعانة بهم من طريق القهر لهم إن قدر على ذلك ، أو قلت لا يجوز أن يقهرهم على ذلك إن أطاق قهرهم ، فضلا عن أن يسلموا أو يطيعوا ، فيجب عليك أن تقول : إنه لا يجب على الإمام أن يقهرهم على طاعة الله كلها أو فرائضه من الصلاة ، والصيام ، وغير ذلك مما هو دون الجهاد. وقد أغنى الله من عقل بما كان من فعل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك ، من الاستعانة بغير أهل الملة من اليهود ، وغيرهم من مشركي الحبش ، وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم يستعين باليهود في حربه ، وبالمنافقين الكافرين به المستهزءين بحقه ، وكتاب الله يبين ذلك له من أمرهم ، وينزل عليه بكرة وعشيا ، وأمر صلىاللهعليهوآله أصحابه الذين آمنوا به ، وهم اثنان وسبعون رجلا ، أن يمضوا ويهاجروا إلى بلاد الحبش ، وأمرهم أن يستعينوا به ، وبطعامه وشرابه على من يريدهم بسوء ، فجهزت قريش لما جاءوا إليه البرد (٥٨٤) في أمرهم ، وبذلوا الأموال في تسليمه إياهم إليهم ، فأرسل رسول الله صلى
__________________
(٥٨٤) البرد : جمع بريد. تمت من اللسان.
