علم شيء من أخبار السماء ، لكيلا يسبقوا به ولا يفشوه إلى إخوانهم من كهنة أهل الدنيا ، فقذفهم بما جعل لهم من النجوم شهبا رصدا فرماهم بالنجوم من السماء ، ولم يكن قبل ذلك بشيء منها يرمى فهيل لذلك أهل الأرض والشياطين في الهواء ، فقالوا في ذلك كما أخبر الله به عنهم وحكى من قولهم : (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً) [الجن : ٩] ، فمن الملائكة علم إبليس أخبار آدم وذريته. ولو لم يعلم الله الملائكة بذلك لم يعلمه إبليس ولا هم ، كما لم يعلموا ما كتمهم من أسماء الأشياء التي أعلمهم آدم بأسمائها في وقت ما علمه الله أسمائها وكتم الملائكة إياها ، كما قال سبحانه : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة : ٣١ ـ ٣٣] ، فأنبأهم حين أمره الله أن ينبئهم بأسمائهم ما كان قد غبي عنهم علمه من الأشياء ، فعند ما رأى إبليس اللعين الرجس من كرامة الله لآدم وتعظيمه لقدره ، وإسجاده الملائكة من أجله ، ولما أظهر فيه من عجائب تدبيره وصنعه ، حسده على ذلك غاية الحسد حتى أخرجه حسده لآدم (إلى الكفر) (٢١٨) بربه ، وخالف فيما ترك من السجود عن أمره ، ثم خشي أن يؤاخذه الله تعالى مغافصة على ذنبه ، فطلب الإنظار والتأخير من ربه ، فأنظره وأمهله الله إلى يوم حشره.
ولو حجب الله علم (٢١٩) آدم وذريته عن الملائكة لم يكن ليعلمه إبليس ولا هم. وليس إعلامه إياهم سبحانه أنه سيجعل لآدم ذرية إلا كإعلامه ـ من قبل إيجاده لآدم ـ بآدم حين يقول عزوجل : (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة : ٣٠] ، وكما أعلمنا في كتابه على لسان نبيه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بما يكون في دار الآخرة
__________________
(٢١٨) في (ب) : إلى أن كفر.
(٢١٩) في (ب) : على.
