اى مغيّرة غاية التّغيير أو مسوّدة (لِلْبَشَرِ) روى عن الباقر (ع) انّ في جهنّم جبلا يقال له : صعود ، وانّ في صعود لواديا يقال له : سقر ، وانّ في سقر لجبّا يقال له هبهب كلّما كشف غطاء ذلك الجبّ ضجّ أهل النّار من حرّه وذلك منازل الجبّارين (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) ملكا أو صنفا من الملائكة لجميع الثّقلين أو لكلّ واحد منهم ، قيل في وجه هذا العدد : انّ المنصرف عن الانسانيّة يحكم عليه المادّة والطّبيعة الجسمانيّة والطّبائع العنصريّة والصّورة الجماديّة والنّفس النّباتيّة والنّفس الحيوانيّة والمدارك العشرة الحيوانيّة والقوى الثّلاثة الشّيطانيّة والبهيميّة والسّبعيّة ، وقيل فيه : هي الملكوت الارضيّة الّتى تلازم المادّة من روحانيّات الكواكب السّبعة والبروج الاثنى عشر الموكّلة بتدبير العالم السّفلىّ المؤثّرة فيه تقمعهم بسياط التّأثير وتردّهم الى مهاويها ، وقيل غير ذلك ، وكلّ ذلك من قبيل الاستحسانات والتّخمينات ، فانّ علم أمثال ذلك موكول الى الله والى من كان علمه علم الله ولا حظّ لغيرهم فيه ولذلك لم يرد من المعصومين (ع) في بيان ذلك شيء ، قيل : لمّا نزلت هذه الآية قال ابو جهل لقريش : ثكلتكم أمّهاتكم أتسمعون ابن ابى كبشة يخبركم انّ خزنة النّار تسعة عشر وأنتم الدّهم (١) الشّجعان أفيعجز كلّ عشرة منكم ان يبطشوا برجل من خزنة جهنّم؟! فقال رجل منهم : انا أكفيكم سبعة عشر عشرة على ظهري وسبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين ، فنزلت هذه الآية (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً) يعنى لا يقوم تمام أهل الدّنيا بواحد منهم (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الفتنة بالكسر الاختبار والضّلال والإثم والكفر والفضيحة والعذاب والإضلال والجنون والمحنة واختلاف النّاس في الآراء ، والكلّ مناسب هاهنا لانّ خزنة النّار وان كانوا في الآخرة لكن بمضمون (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) يكون من كلّ أنموذج في الدّنيا ويكون موكّلا بانموذجه على الكافر في الدّنيا كما انّه في الآخرة بنفسه يكون موكّلا عليه ، وقيل : سبب افتتانهم بهذا العدد استهزاؤهم واستبعادهم ان يتولّى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثّقلين (لِيَسْتَيْقِنَ) قيل تعليل لمحذوف اى قلنا ذلك ليستيقن (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) من اليهود والنّصارى بنبوّة محمّد (ص) لمّا رأوا الخبر موافقا لما في كتبهم (وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا) اى أسلموا بمحمّد (ص) (إِيماناً) لمّا أخبرهم أهل الكتاب بموافقته لما في كتبهم (وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) هذا ما فسّروه بحسب الظّاهر به ولكن نقول إيتاء الكتاب كناية عن قبول النّبوّة ايّة نبوّة كانت ولا اختصاص باليهود والنّصارى بل كلّ من قبل نبوّة محمّد (ص) بالبيعة على يده وقبول احكام نبوّته والانقياد تحت حكمه وقبول دعوته الظّاهرة كان ممّن اوتى الكتاب والايمان ، وان كان يستعمل في الإسلام وقبول الدّعوة الظّاهرة بالبيعة العامّة مجازا أو على سبيل الاشتراك ، لكنّ المراد به هاهنا الايمان الحقيقىّ الحاصل بالبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة والدّخول تحت احكام الولاية ، والى هذين أشار تعالى بقوله : (لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) فانّ الاوّل اشارة الى المؤمن المحقّق والثّانى الى المسلم المقلّد ، وقد ذكرنا انّ كلّما يكون في الآخرة يكون أنموذجه في الدّنيا فانّ الدّنيا بوجه مادّة الآخرة وبوجه صورة الجحيم أو انموذجها ، فالمعنى عليها تسعة عشر صنفا أو شخصا من الملائكة ليكونوا سائقين للكفّار الى النّار وللمؤمنين الى الجنّة ، ومن قبل النّبوّة لمّا لم يكن يدرك بالذّوق والوجدان أمور الآخرة لم يكن يستيقن بمحض تلك البيعة لأمور الآخرة ، ولمّا كان هؤلاء الملائكة في الدّنيا سائقين لهم الى الآخرة كانوا بذلك السّوق يدركون بالوجدان أمور الآخرة فيستيقنونها ، ولمّا كان المؤمنون موقنين فسوقهم يصير سببا لازدياد ايقانهم ، ويجوز ان يكون تعليلا لقوله : وما جعلنا أصحاب النّار الّا ملائكة ، أو لقوله وما جعلنا عدّتهم الّا فتنة ، ويجوز ان يكون تعليلا للكلّ على سبيل التّنازع
__________________
(١) الدّهم العدد الكثير.
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٤ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3373_tafsir-bayan-alsaade-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
