أولئك طمعا ورجاء ، فترى لنا أن نجلس عن سوقنا هذا؟ فضحك المنصور ودعا بالكسا والصّلات ، فدفعت لهم ، وانصرفوا مسرورين بغدوتهم.
وفي الزهرة الرابعة والأربعين ما نصّه : كان بقرطبة على عهد الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر فتى من أهل الأدب قد رقّت حاله في الطلب ، فتعلّق بكتاب العمل ، واختلف إلى الخزانة مدّة ، حتى قلّد بعض الأعمال ، فاستهلك كثيرا من المال ، فلمّا ضمّ إلى الحساب أبرز عليه ثلاثة آلاف دينار ، فرفع خبره إلى المنصور ، فأمر بإحضاره ، فلمّا مثل بين يديه ولزم الإقرار بما برز عليه قال له : يا فاسق ، ما الذي جرّأك على مال السلطان تنتهبه؟ فقال : قضاء غلب الرأي ، وفقر أفسد الأمانة ، فقال المنصور : والله لأجعلنّك نكالا لغيرك ، ليحضر كبل (١) وحدّاد ، فأحضرا ، فكبل الفتى وقال : احملوه إلى السجن ، وأمر الضابط بامتحانه والشدّة عليه ، فلما قام أنشأ يقول : [السريع]
|
أوّاه أوّاه وكم ذا أرى |
|
أكثر من تكرار أوّاه (٢) |
|
ما لامرىء حول ولا قوّة |
|
الحول والقوة لله |
فقال المنصور : ردّوه ، فلما ردّ قال : أتمثلت أم قلت؟ قال : بل قلت ، فقال : حلّوا عنه كبله ، فلمّا حلّ عنه أنشأ يقول : [السريع]
|
أما ترى عفو أبي عامر |
|
لا بدّ أن تتبعه منّه |
|
كذلك الله إذا ما عفا |
|
عن عبده أدخله الجنّه |
فأمر بإطلاقه ، وسوّغه (٣) ذلك المال ، وأبرأه من التبعة فيه.
وفي الخامسة والأربعين : عرض على المنصور بن أبي عامر اسم أحد خدمه في جملة من طال سجنه ، وكان شديد الحقد عليه ، فوقّع على اسمه بأن لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمّه الهاوية ، وعرّف الرجل بتوقيعه ، فاهتمّ واغتمّ وأجهد نفسه في الدعاء والمناجاة ، فأرق المنصور إثر ذلك ، واستدعى النوم فلم يقدر عليه ، وكان يأتيه عند تنويمه آت كريه الشخص عنيف الأخذ يأمره بإطلاق الرجل ، ويتوعّده على حبسه ، فاستدفع شأنه مرارا إلى أن علم أنّه نذير من ربّه ، فانقاد لأمره ، ودعا بالدواة في مرقده فكتب بإطلاقه ، وقال في كتابه : هذا طليق الله على رغم أنف ابن أبي عامر ، وتحدّث الناس زمانا بما كان منه.
__________________
(١) الكبل : القيد.
(٢) في ب : تذكار أواه.
(٣) سوغه ذلك المال : جعله له سائغا.
![نفح الطّيب [ ج ١ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2786_nafh-altayeb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
