[الفن (١) الثّاني : علم البيان]
قدّمه (٢) على البديع للاحتياج إليه في نفس البلاغة ، وتعلّق البديع بالتّوابع (٣) ، [وهو (٤) علم] ، أي ملكة (٥) يقتدر بها على إدراكات جزئيّة ، أو أصول (٦) وقواعد معلومة ،
________________________________________
(١) الفنّ عبارة عن الألفاظ ، كما هو مقتضى ظاهر قول المصنّف أوّل الكتاب ، فإن جعل علم البيان عبارة عن المسائل ، فالتّقدير مدلول الفنّ الثّاني علم البيان ، أو الفن الثّاني دالّ علم البيان ، وإن جعل علم البيان عبارة عن الملكة ، فالتّقدير الفنّ الثّاني في تحصيل علم البيان.
(٢) أي قدّم المصنّف البيان على البديع للاحتياج إلى البيان في تحصيل بلاغة الكلام ، وذلك لأنّ الفصاحة مأخوذة في مفهوم بلاغة الكلام ، والاحتراز عن التّعقيد المعنوي مأخوذ في مفهوم الفصاحة ، وحيث إنّ المأخوذ فيما هو مأخوذ في مفهوم شيء مأخوذ في مفهوم هذا الشّيء ، يكون الاحتراز عن التّعقيد المعنوي مأخوذا من مفهوم بلاغة الكلام ، ولازم ذلك توقّف علم البلاغة على علم البيان ، لأنّ الاحتراز عن التّعقيد المعنوي لا يحصل إلّا به.
(٣) أي توابع البلاغة لما سيجئ من أنّه علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ، ووضوح الدّلالة فلا تعلّق له بالبلاغة ، وإنّما يفيد حسنا عرضيا للكلام البليغ ، وهذا هو المشهور ، ومنهم من جعله من تتمّة المعاني ، ومنهم من جعله من تتمّة البيان.
(٤) أي علم البيان ، لا يخفى أنّ المراد عن علم البيان في قوله : الفن الثّاني علم البيان ، هو القواعد ، فإذا أريد بقوله : علم ، في قوله : «وهو علم ...» ، الملكة أو إدراك القواعد لا بدّ من القول بالاستخدام في ضمير هو.
(٥) أي كيفيّة راسخة في النّفس حاصلة من كثرة ممارسة قواعد الفنّ.
(٦) عطف على «ملكة» ، فالمعنى أنّ المراد بالعلم هنا إمّا الملكة ، أو الأصول بمعنى القواعد المعلومة ، لأنّ بها يعرف إيراد المعاني بطرق مختلفة في الوضوح والخفاء ، وإنّما قيّد القواعد بالمعلومة ، لأنّه لا يطلق عليها علم بدون كونها معلومة من الدّلائل ، وإنّما كان المراد بالعلم هنا أحد الأمرين المذكورين ، لأنّ العلم مقول بالاشتراك على هذين المعنيين ، فيجوز إرادة كلّ منهما.
![دروس في البلاغة [ ج ٣ ] دروس في البلاغة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1981_doros-fi-albalagha-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
