أنّهم اختلفوا في أنّه إذا ذكر معطوفات كثيرة إنّ الجميع معطوف على الأوّل أو كلّ واحد عطف على ما قبله [نحو : (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا)(١) (١)] وذلك أنّ شعيبا عليهالسلام كان كثير الصّلاة ، وكان قومه إذا رأوه يصلّي تضاحكوا ، فقصدوا بقولهم : (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ) الهزء والسّخريّة لا حقيقة الاستفهام [والتّحقير (٢) نحو : من هذا] استحقارا بشأنه مع أنّك تعرفه
________________________________________
(١) الخطاب إلى شعيب على نبيّنا وعليهالسلام.
قوله تعالى : (أَصَلاتُكَ) حكاية عن الكافرين.
فكأنّهم لعنهم الله كانوا يقولون استهزاء وسخرية لشعيب : يا شعيب لا خصوصيّة لك توجب اختصاصك بأن تكون آمرا وناهيا لنا إلّا صلاتك الّتي تلازمها ، ولكن ليست هي بشيء ، كما لست بشيء ، فنسبوا الأمر إلى الصّلاة مجازا عقليّا ، واستعملوا همزة الاستفهام في التّهكّم ، وفي الآية مجاز عقليّ ومجاز لغويّ.
والأوّل باعتبار الإسناد إلى السّبب في الجملة.
والثّاني باعتبار أداة الاستفهام ، وذلك إنّ الاستفهام عن الشّيء يقتضي الجهل به ، والجهل به يقتضي الجهل بفائدته ، والجهل بها يقتضي الاستخفاف به ، وهو ينشأ عنه الهزؤ ، فهو مجاز مرسل علاقته اللّزوم ، فالمراد هو الاستهزاء والسّخريّة لا حقيقة الاستفهام أعني السّؤال عن كون الصّلاة آمرة بما ذكر.
(٢) أي استعمال الاستفهام مجازا بعلاقة اللّزوم ، لأنّ الاستفهام عن الشّيء يقتضي الجهل به ، وهو يقتضي عدم الاعتناء به لأنّ الشّيء المجهول غير ملتفت إليه ، وعدم الاعتناء بالشّيء يقتضي استحقاره ، فاستعمال الاستفهام في التّحقير مجاز مرسل.
__________________
(١) سورة هود : ٨٧.
![دروس في البلاغة [ ج ٣ ] دروس في البلاغة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1981_doros-fi-albalagha-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
