[يعرف به إيراد المعنى الواحد (١)] ، أي المدلول عليه (٢) بكلام مطابق لمقتضى الحال [بطرق] وتراكيب (٣) [مختلفة في وضوح الدّلالة عليه (٤)]
________________________________________
(١) أي كلّ معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلّم ، فاللّام للاستغراق ، واحترز بالواحد عن علم المعاني ، لأنّ علم المعاني علم يعرف به إيراد المعنى بكلام مطابق لمقتضى الحال ، وعلم البيان علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بكلام مطابق لمقتضى الحال بطرق مختلفة ، فعلم المعاني بمنزلة المفرد ، وعلم البيان بمنزلة المركّب لأنّ رعاية المطابقة لمقتضى الحال معتبرة في علم البيان ، كما تعتبر في المعاني ، ولكن في البيان مع زيادة شيء ، وهو إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ، فبقوله : «إيراد المعنى الواحد» حصل الاحتراز عن علم المعاني.
(٢) وهذا التّفسير إشارة إلى أنّ اعتبار علم البيان إنّما هو بعد اعتبار علم المعاني ، فتعتبر فيه لمطابقة لمقتضى الحال ، كما تعتبر في علم المعاني ، فيكون هذا من ذاك بمنزلة المفرد من المركّب.
(٣) عطف تفسير على قوله «طرق».
(٤) أي سواء كانت تلك الطّرق من قبيل الكناية أو المجاز أو التّشبيه ، ومثال إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من الكناية أن يقال في وصف زيد مثلا بالجود : زيد مهزول الفصيل ، وزيد جبان الكلب ، وزيد كثير الرّماد ، فكلّ واحد من هذه التّراكيب يفيد وصفه بالجود بطريق الكناية ، لأنّ هزال الفصيل إنّما يكون بإعطاء لبنه للضّيوف ، وجبن الكلب لألفه بالإنسان الأجنبي بكثرة الواردين من الضّيوف ، فلا يعادى أحدا ولا يتجاسر عليه ، وهو معنى جبنه ، وكثرة الرّماد من كثرة الإحراق للطّبخ ، وكثرة الطّبخ من كثرة الضّيوف ، وهي مختلفة وضوحا ، وكثرة الرّماد أوضحها ، فيخاطب به عند المناسبة كأن يكون المخاطب لا يفهم بغير ذلك.
ومثال إيراده بطرق مختلفة من باب المجاز والاستعارة أن يقال في وصفه مثلا بالجود : رأيت بحرا في الدّار ، في الاستعارة التّحقيقيّة ، وطمّ زيد بالإنعام جميع الأنام ، في الاستعارة بالكناية ، لأنّ الطّموم وهو الغمر بالماء وصف البحر ، فدلّ على أنّ المتكلّم أضمر تشبيهه بالبحر في النّفس ، وهو معني الاستعارة بالكناية على ما يأتي بيانه ، ولجّة زيد تتلاطم بالأمواج ، لأنّ اللّجّة والتّلاطم بالأمواج من لوازم البحر ، وذلك ممّا يدلّ على إضمار تشبيهه به في النّفس أيضا ، وأوضح هذه الطّرق الأوّل ، وأخفاها الوسط ، ومثال إيراده بطرق مختلفة الوضوح من
![دروس في البلاغة [ ج ٣ ] دروس في البلاغة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1981_doros-fi-albalagha-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
