أمرين وجوديّين (١) يتعاقبان على محلّ واحد (٢) [كالسّواد والبياض (٣)] في المحسوسات [والإيمان والكفر (٤)] في المعقولات (٥). والحقّ أنّ بينهما (٦) تقابل العدم والملكة ، لأنّ الإيمان هو تصديق النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام في جميع ما علم
________________________________________
والمعلوليّة ، والأبوّة والبنوّة ، فيكون التّقابل تقابل التّضايف ، وأخرى لا يكون الأمر كذلك ، كالسّواد والبياض ، حيث لا يستلزم تصوّر مفهوم أحدهما تصوّر مفهوم الآخر ، فيكون تقابل التّضادّ ، وعلى الثّاني إن اعتبر في جانب العدم شأنيّة الوجود ، فالتّقابل يسمّى بتقابل العدم والملكة ، وإن لم يعتبر ذلك كان التّقابل تقابل السّلب والإيجاب.
(١) خرج به تقابل الإيجاب والسّلب ، كتقابل الإنسان واللّا إنسان ، وتقابل العدم والملكة كتقابل العمى والبصر.
(٢) احترز به عن القديم والحادث ، كعلم الله تعالى ، وعلم زيد مثلا ، فإنّهما لا يتعاقبان في محلّ واحد ، لعدم إمكان اتّصاف الله سبحانه بالوصف الحادث ، وعدم إمكان اتّصاف زيد بالوصف القديم ، ثمّ ليس المراد بالوجوديّ هنا خصوص ما يمكن رؤيته ، بل المراد به هنا ما ليس العدم داخلا في مفهومه ، فيشمل الأمور الاعتباريّة ، وحينئذ فيدخل في التّعريف الأمران المتضايفان ، فلا بدّ من زيادة قيد لا يتوقّف تعقّل أحدهما على تعقّل الآخر لأجل إخراجهما.
(٣) أي فيصحّ أن يقال : ذهب السّواد وجاء البياض ، أو يقال : السّواد لون قبيح ، والبياض لون حسن.
(٤) أي فيصحّ أن يقال : ذهب الكفر وجاء الإيمان ، أو يقال : الإيمان حسن والكفر قبيح.
(٥) أي حال كونهما من المعقولات ، فيكون قوله : من المعقولات حالا.
(٦) أي بين الإيمان والكفر ، هذا الكلام من الشّارح اعتراض على المصنّف ، جعل المصنّف التّقابل بين الكفر والإيمان تقابل التّضادّ.
ويقول الشّارح : الحقّ أنّ بين الكفر والإيمان تقابل العدم والملكة ، لا تقابل التّضادّ كما هو ظاهر كلام المصنّف ، إذ على ما زعمه المصنّف لا بدّ أنّ ن يكون الكفر أمرا وجوديّا ، بأن يكون الإيمان عبارة عن التّصديق بما جاء به النّبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من الوحدانيّة جج والبعث والرّسالة ، مع الإقرار باللّسان ، والكفر عبارة عن جحد ذلك وإنكاره ، والجحد أمر وجوديّ كالتّصديق ،
![دروس في البلاغة [ ج ٣ ] دروس في البلاغة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1981_doros-fi-albalagha-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
