جهة التعبّد لا ينافي الإجماع على مرجعيّة ما يتعبّد به عند الكلّ ، وهو أمر واحد ينكشف بالإجماع كونه المرجع الّذي رضي به الإمام ، كما لو اجتمعوا على التعبّد بقول العدل مع اعتقادهم بانتفاء طريق آخر فأخذوا بمؤدّاه لكنّه عند بعضهم لكونه مفيدا للعلم بالواقع ، وعند غيره لكونه معلوم الاعتبار بدليل بلغه ، وعند غيرهما لكونه مفيدا للظنّ بالواقع ، وهذا كما ترى اختلاف في جهة المسألة وعلّة الحكم فيها لا في نفسها ، ولذا لو انكشف لكلّ من هؤلاء فساد الجهة وخطائه في العلّة لم يوجب ذلك عدوله عن المسألة ورفع اليد عنها ، نظيره في الفروع ما لو اجتمعوا على حرمة الخمر ، غير أنّ بعضهم علّله بأصل العنوان ، وآخر بإسكاره ، وثالث بنجاسته مثلا.
ولا ريب أنّ كذب العلّة على بعض هذه الطرق لا يستلزم كذب أصل القضيّة في نظر من علّلها بتلك العلّة ، والظاهر أنّ محلّ البحث من هذا الباب لا من باب المثالين المتقدّمين.
وضابطه الكلّي كلّ اختلاف لم يرجع إلى الاختلاف في موضوع القضيّة أو محمولها بحيث لزم من تعدّد القول فيه تعدّد القضيّة المقول بها ، بأن رجع قول كلّ إلى دعوى قضيّة غير منافية لما ادّعاها الآخر ، لتعدّد في موضوعيهما أو محموليهما.
وإن شئت فقل : كلّ اختلاف في المسألة لم يوجب تعدّد عنوان المسألة موضوعا ومحمولا ، وذلك فيما لو اتّفق الكلّ على دعوى قضيّة واحدة في موضوع واحد ومحمول واحد صالحة لجهات عديدة على البدل ، صار إلى اختيار كلّ جهة بعض من هؤلاء المتّفقين.
وهذا الاختلاف كما ترى لا تعلّق له بأصل القضيّة ولا أطرافها ، فلا يكون منافيا للاتّفاق عليها.
والمفروض من الاختلاف في محلّ البحث من هذا القبيل بعينه ، وذلك لأنّ الأصحاب بعد اتّفاقهم على أن لا طريق في امتثال أحكام الله تعالى سوى مؤدّيات الأدلّة الظنّية من الكتاب والسنّة وما يرجع إليهما ، وعلى أنّ المرجع منحصر فيها ، اختلفوا هذا الاختلاف ، كما يعلم ذلك من بنائهم على منع التعبّد بالقياس وغيره من الطرق المعمولة عند العامّة ، وعلى منع التعبّد بالنوم والرمل والجفر وما أشبه ذلك ، وعلى عدم وقوع التعبّد بالاحتياط الكلّي ، ولذا لو تبيّن لمن قال بمقالة السيّد ونظرائه فساد ما اعتقده من علميّة الأحكام لم يكن خارجا من الكتاب والسنّة وما يرجع إليهما ، كما أنّه كذلك لو تبيّن لمن زعمها من باب الظنّ الخاصّ فساد الاعتقاد ، وكذلك أيضا لو تبيّن لمن يأخذ بهما من باب الظنّ
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٧ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1392_taliqaton-ala-maalem-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
