في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

احتمل هذا المعنى الفاضل التفرشي (١).

الثالث : أن يكون العنى أنّ ذكركم في الذاكرين أي ذاكري الله تعالى لأنّكم سادات الذاكرين ، وكذلك إذا ذُكرت الأسماء الشريفة ، والأجساد الطاهرة ، والأرواح الطيّبة ، والأنفس السليمة ، والآثار الحسنة ، والقبور المقدّسة ، فأسماؤكم وأجسادكم وأرواحكم وأنفسكم وآثاركم وقبوركم داخلة فيها لأنّكم سادة السادات وقادة الهداة وأقدس الموجودات.

احتمل هذا المعنى السيّد شبّر أيضاً (٢).

وجميع هذه المعاني تعطي تفوّق أهل البيت عليهم السلام على الآخرين ، ورفعتهم في جميع الجهات على الخلق أجمعين.

فذكرهم الشريف ذكر الله الأكبر ، وهو يمتاز حتّى على ذكر الطيّبين.

كما تلاحظه في تفسير قوله تعالى : (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) (٣) ففي حديث سعد الخفّاف عن الإمام الباقر عليه السلام : «نحن ذكر الله ونحن أكبر» (٤).

وأسماؤهم المباركة هي أسماء الله الحسنى ، فتكون لها المرتبة العليا على جميع الأسماء كما تلاحظه في تفسير قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا) (٥) ـ (٦).

وأجسادهم الشريفة مخلوقة من أعلى علّيين ، كما أنّ أرواحهم السامية مخلوقة من نور عظمة الله العظيم ، فلا يدانيهم أجساد وأرواح العالمين.

وقد عرفت أحاديثه فيما تقدّم من فقرة : «وأنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة».

__________________

(١) هامش الفقيه : ج ٢ ص ٦١٦.

(٢) الأنوار اللامعة : ص ١٨٨.

(٣) سورة العنكبوت : الآية ٤٥.

(٤) الكافي : ج ٢ ص ٥٩٨ ح ١.

(٥) سورة الأعراف : الآية ١٨٠.

(٦) كنز الدقائق : ج ٥ ص ٢٥١.

٦٠١

.........................................

____________________________________

وأنفسهم الطيّبة نفوس عالية مطمئنة راضية مرضية ، فلا يقاس بها نفوس الآخرين. تلاحظها في تفسير قوله تعالى : (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) (١) ـ (٢).

وآثارهم الحسنة تتعالى على كلّ حسنة ، بل هي الهادية إلى الحسنات والموصلة إلى المكرمات.

حيث إنّ من آثارهم الحكم بالحقّ ، والتذكير بالله تعالى ، والدعوة إليه ، والحرص على سعادة الخلق وصلاح شأنهم والرأفة بهم وغير ذلك.

تلاحظ بيان الآيات والروايات لذلك في فصل ضرورة الإمامة (٣).

وقبورهم الشامخة من البقع التي طهّرها الله تعالى وشرّفها ، بل هي من البيوت التي أذن الله أن ترفُع (٤).

وقد تقدّم بيانه في فقرة «فجعلكم في بيوتٍ أذن الله أن تُرفع».

فأهل البيت عليهم السلام في جميع شؤونهم السامية لا يقاس بهم أحد من الخلق قاطبة. وفي حديث نهج البلاغة : «لا يقاس بآل محمّد صلى الله عليه وآله من هذه الاُمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً» (٥).

وكذا في حديث طارق بن شهاب ، عن أمير المؤمنين عليه السلام : «... فلا يقاس بهم من الخلق أحد ، فهم خاصّة الله وخالصته ...» (٦).

__________________

(١) سورة الفجر : الآية ٢٧ ـ ٢٨.

(٢) كنز الدقائق : ج ٤ ص ٢٧٩ ـ ٢٨٠.

(٣) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص ٢٦٦.

(٤) بحار الأنوار : ج ١٠٢ ص ١٤١.

(٥) نهج البلاغة : الخطبة رقم ٢ ص ٢٤.

(٦) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ١٧٤ ب ٣ ح ٣٨.

٦٠٢

فَما اَحْلى اَسْمائَكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ ما أحلى : فعل تعجّب من الحلاوة بمعنى الحُسن.

والحلاوة : نقيض المرارة ، وحلا الشيء بعينيْ أي أعجبني وحسُن عندي ، قيل : الحلاوة هي ما تلائم الطبع ويلتذّ به ، ويكون في كلّ شيء بحسبه ، ويستعمل للاُمور الحسّية والمعنوية كلتيهما.

فالمعنى : ما أحسن أسماؤكم الشريفة.

حيث عرفت أنّها أسماء الله تعالى.

٦٠٣

وَاَكْرَمَ اَنْفُسَكُمْ (١) وَاَعْظَمَ شَأنَكُمْ (٢) وَاَجَلَّ خَطَرَكُمْ (٣) وَاَوْفى عَهْدَكُمْ (٤)

____________________________________

(١) ـ أي وما أكرم ، وهو أيضاً فعل تعجّب من الكرم الذي هو ضدّ اللؤم ، والذي هو صفة لكل ما يُرضى ويحمد من الصفات الحسنة والسجايا الطيّبة.

فامعنى : ما أكرم وأحمد وأطيب نفوسكم العالية.

حيث عرفت أنّها النفوس المطمئنة الراضية المرضية.

(٢) ـ الشأن : هو الأمر والحال ، أي ما أعظم شأنكم الرفيع وأمركم المنيع ورتبتكم الشامخة.

حيث إنّهم آتاهم الله تعالى ما لم يؤت أحداً من العالمين ، فكان شأنهم أعظم من الخلق أجمعين.

(٣) ـ الخَطَر : بفتحتين هو القدر والمنزلة ، أي ما أجلّ وأعظم قدركم ومنزلتكم عند الله تعالى.

حيث كانوا أحبّ الخلق إلى الله وأقربهم إليه وأعزّهم عنده ، إذ هم صفوته.

(٤) ـ العهد : ورد في اللغة لمعانٍ منها الوصيّة ، والتقدّم في الأمر في الشيء ، والمَوثِق ، واليمين ، والأمان ، والذمّة والضمان (١).

أي ما أوفى عهدكم الذي عاهدتم به الله تعالى ، كما تقدّم في فقرة : «ووكّدتم ميثاقه» وكذلك ما أوفى عهودكم مع الناس.

حيث إنّ الوفاء بالعهد من شيمة الصادقين ، وأمثل الصادقين هم الأئمّة الطاهرون.

__________________

(١) مرآة الأنوار : ص ١٥٨.

٦٠٤

وَاَصْدَقَ وَعْدَكُمْ (١) كَلامُكُمْ نُورٌ (٢)

____________________________________

(١) ـ أي وما أصدق وعدكم ، والوعد في الخير.

وقد صدقهم الله تعالى وعده ، وهو أصدق الصادقين.

كما صدقوا هم في وعدهم مع الناس.

حيث إنّهم أهل آية الصادقين. وقد تقدّم بيانه ودليله في فقرة «الصادقون».

(٢) ـ النور : هو الضوء المنتشر ، والكيفية الظاهرة بنفسها المُظهرة لغيرها.

وُصف به كلام أهل البيت عليهم السلام لأنّه علمٌ وهداية نَوَّر القلوب ، ونوّر العالَم ، فكان كلامهم نوراً في نفسه ، ومنوّراً بالهداية لغيره ، ومجلّياً مذهِباً للعمى والظلمة عن الناس.

وذلك لما يلي :

أوّلاً : أنّهم مخلوقون من نور عظمة الله تعالى فكانوا بشراً نورانيين ، ومن الواضح أنّ كلامهم شعاع منهم ، ولا يشعّ من النور إلاّ النور.

وتلاحظ خلقتهم النورية في حديث الإمام الصادق عليه السلام (١).

وحديث أمير المؤمنين عليه السلام (٢).

وتفصيل البيان والدليل مرّ في فقرة «خلقكم الله أنواراً».

ثانياً : أنّهم عليهم السلام نور الله عزّ وجلّ ، ومظاهر نوره في السماوات والأرض ، ينوّر الله بهم قلوب المؤمنين ، فكان كلامهم نوراً.

وتلاحظ حديث ذلك في مجامعنا (٣) ومضى البيان والدليل في فقرة «ونوره».

وقد ورد في زيارة الإمام الحجّة عليه السلام : «السلام عليك يا نور الله الذي يهتدي به

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٣٨٩ ح ٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ١ ب ١٣ ح ١.

(٣) الكافي : ج ١ ص ١٩٤ ح ١.

٦٠٥

.........................................

____________________________________

المهتدون» (١).

ثالثاً : أنّ كلامهم عليهم السلام مأخوذ من كلام الله تعالى وقرآنه الذي هو نور منزّلعلى الرسول ، فيكون كلامهم نوراً أيضاً ، بتبعية الجزء للكل والفرع للأصل.

ففي حديث هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيره قالوا : سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول : «حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله قول الله عزّ وجلّ» (٢).

ويدلّ على نوريّة كلام الله تعالى قوله عزّ إسمه : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) (٣).

وقد برهن الدليل الوجداني حسّاً على نورانية كلام الله تعالى في وقائع عديدة مثل قضية محمّد كاظم الكريمي الساروقي رحمه الله تعالى.

وحاصل قضيّته كما حكى هو أنّه : كان يسكن هذا المؤمن البالغ من العمر (٧٠) سنة في قرية ساروق التابعة لبلدة أراك ، وفي عصر إحدى أيّام الخميس يذهب إلى زيارة حرم بعض أولاد المعصومين عليهم السلام (امامزاده باقر وجعفر) فيرى هناك سيّدين جليلين ، يقولان له : إقرأ هذه الكتيبة القرآنية المكتوبة في أطراف الحرم.

فيجيب : أنا لا أعرف القراءة والكتابة.

فيقولان له : إقرأ ما تتمكّن من القراءة.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١٠٢ ص ٢١٥ ب ٥٨.

(٢) وسائل الشيعة : ج ١٨ ص ٥٨ ح ٢٦.

(٣) سورة النساء : الآية ١٧٤.

٦٠٦

.........................................

____________________________________

فيلتفت الساروقي وتطرأ عليه حالة خاصّة ، يسقط فيها على الأرض في ذلك الحرم إلى عصر يوم غد حين يأتي أهل القرية لزيارة الحرم ، فيفيقونه من حالته.

ومباشرةً يرى الساروقي نفسه حافظاً لجميع القرآن الكريم ويشير إلى الكتيبة الموجودة في الحرم ويقول : إنّها سورة الجمعة فيقرأها ، ويقرأ جميع السور القرآنية بنحو الحفظ وبشكلٍ صحيح. بل يمكنه قراءة كلّ سورة بالعكس من الآخر إلى الأوّل ، ويعرف كلّ آية من كلّ سورة.

وكان يميّز في كلّ كتاب الآية القرآنية عن غيرها وسُئل عن ذلك.

فقال : إنّي أرى الآية القرآنية نوراً ومنيرة ، فاُميّزها عن غيرها (١).

ويرهن الوجدان أيضاً على نورانية كلام أهل البيت عليهم السلام في مثل مكاشفة العالم الجليل الميرزا مهدي الأصفهاني أعلى ألله مقامه الشريف ، فيما حكاه عنه بعض تلامذته بما حاصله :

أفاد الميرزا قدس سره : إنّي حيث عرفت أنّ طريق القرآن الكريم والأحاديث الشريفة مختلف مع طريق الفلسفة اليونانية والتصوّف العرفاني ، وعلمت أنّ أكبر عالم واُستاذ لهداية الاُمّة إلى حقيقة المعرفة في زماننا هو بقيّة الله الحجّة بن الحسن المهدي عليه السلام التجئت إليه وتضرّعت له وتوسّلت به في مواضع عديدة ، في مسجد السهلة وغيره ، للهداية إلى المعرفة الحقّة.

فتشرّفت يوماً عند النبيَّين هود وصالح في وادي السلام في النجف الأشرف بخدمة الإمام المنتظر سلام الله عليه ، وقرّت عيني به ، رأيته واقفاً وعلى صدره المبارك ورقةً مزيّنة الأطراف بماء الذهب ، وقد كتب في وسطها سطر واحد بخطّ

__________________

(١) داستانهاي شگفت : ص ١٠٠.

٦٠٧

.........................................

____________________________________

نوريّ أخضر : «طلب المعارف من غيرنا أهل البيت مساوق لإنكارنا».

وكتب تحته بخطّ أنعم امضاؤه الشريف :

«وقد أقامني الله وأنا الحجّة بن الحسن».

فأحسست في نفسي نوراً من المعرفة ، وتجسّم في نظري فساد الفلسفة ومخالفتها لمعارف الإسلام (١).

وأضاف السيّد شبّر في تفسير : «كلامكم نور» إنّ لكلامهم امتياز عن غيره كامتياز النور عن الظلمة ، فإنّ كلامهم دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.

ثمّ قال قدس سره : (وما ترى في كثير من الروايات من عدم سلاسة الألفاظ وجزالة المعاني والتكرار ونحو ذلك فإمّا لأنّه نقل بالمعنى ، أو لأنّهم يكلّمون الناس على قدر عقولهم وأفهامهم) (٢)

وأهل البيت عليهم السلام اُمراء الكلام منهم نشبت عروقه ، وعليهم تهدّلت أغصانه ، وهم ورثة رسول الله تعالى الذي كلامه وحي الله ، وهم بمنزلة الرسول في خصائصهم (٣).

__________________

(١) أبواب الهدى : المقدّمة ص ٤٥.

(٢) الأنوار اللامعة : ص ١٩٠.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٥٠ ب ١٨ ح ٢.

٦٠٨

وَاَمْرُكُمْ رُشْدٌ (١)

____________________________________

(١) ـ الرُشد : هي الهداية مع إصابة الحقّ (١). ويكون في الاُمور الدنيوية والاُخروية (٢). وهي الاستقامة في طريق الحقّ ، مع تصلّب فيه (٣).

ومن أسماء الله تعالى : (الرشيد) أي الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم أي هداهم ودلّهم.

ومن أوصاف الأئمّة الأطهار عليهم السلام : (الراشدون) أي الهادون إلى طريق الحقّ والصواب.

ومعنى «أمركم رشد» أنّ ما أمرتم به أنتم يكون مصيباً للحقّ ، وموجباً للهداية ، ومؤدّياً إلى الإستقامة في طريق الحقّ.

فإنّهم عليهم السلام لا يأمرون إلاّ بأمر الله تعالى ، ولا يكون ذلك إلاّ صلاحاً للعباد في الدنيا والمعاد.

والدليل على ذلك :

١ / أنّهم عليهم السلام مع الحقّ والحقّ معهم ولن يفترقا إلى يوم القرار.

فلا يكون أمرهم إلاّ بما هو حقّ ورشد وصواب كما نصّت على ذلك الأحاديث المتواترة بين الفريقين (٤).

٢ / أنّهم عليهم السلام هم الأئمّة الراشدون كما نصّ على ذلك الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله (٥) فتكون أوامرهم راشدة.

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٢٠٥.

(٢) المفردات : ص ١٩٦.

(٣) القاموس : ج ١ ص ٢٩٤.

(٤) غاية المرام : ص ٥٣٩ من الخاصّة في (١٠) طرق ومن العامّة في (١٥) طريقاً ، وتلاحظها بالتفصيل في بحار الأنوار : ج ٣٨ ص ٢٦ ، إحقاق الحقّ : ج ٤ ص ٢٧ ، وج ٩ ص ٤٧٩.

(٥) غاية المرام : ص ٢٠٥ ح ٤٨.

٦٠٩

.........................................

____________________________________

وبذلك تعرف أنّ أهل البيت عليهم السلام هم الراشدون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لملازمة الحقّ معهم ، وعصمتهم ، والتنصيص على راشديتهم.

ولا يتّصف بالرشد غيرهم ممّن ادّعى لهم ذلك ، لما تلاحظه من الجهل والزلل الصادر منهم ، ممّا سُجّلت في مصادر نفس العامّة.

وليحكم بعدها ذوو الأنصاف والسداد هل تجتمع هذه الاُمور مع الرشاد؟!

مثل ما في :

١ ـ حديث ابن سعد في طبقاته : لمّا بويع أبو بكر قام خطيباً (فقال :) أمّا بعد فإنّي ولّيت هذا الأمر وأنا له كاره (إلى أن قال :) وإنّما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني ، فإذا رأيتموني استقمت فاتّبعوني ، وإن رأيتموني زغت فقوّموني.

واعلموا أنّ لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني (الخطبة) روى هذا الحديث ابن جرير الطبري في تاريخه ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، والهيثمي في المجمع ، والهندي في كنز العمّال (١).

٢ ـ حديث ابن حجر في كتابه فتح الباري : أنّه عقد أبو طلحة زيد بن سهل مجلس خمر في بيته ودعا عشرة أشخاص من المسلمين ، فشربوا وسكروا ، حتّى أنّ أبا بكر أنشد أشعاراً في رثاء قتلى المشركين في بدر!!! وهم :

١ ـ أبو بكر بن أبي قحافة ٢ ـ عمر بن الخطّاب ٣ ـ أبو عبيدة الجرّاح ٤ ـ اُبيّ ابن كعب ٥ ـ سهل بن بيضاء ٦ ـ أبو أيّوب الأنصاري ٧ ـ أبو طلحة «صاحب البيت» ٨ ـ أبو دحانة سمّاك بن خرشة ٩ ـ أبو بكر بن شغوب ١٠ ـ أنس بن مالك ، وكان عمره يومذاك (١٨) سنة ، فكان يدور في المجلس بأواني الخمر ويسقيهم.

__________________

(١) السبعة من السلف : ص ٩.

٦١٠

.........................................

____________________________________

وروى البيهقي في سننه عن أنس أنّه قال : وكنت أصغرهم سنّاً وكنت الساقي في ذلك المجلس!

وروى هذا الحديث البخاري في صحيحه ، في تفسير الآية الكريمة : (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (١).

ومسلم في صحيحه في كتاب الأطعمة والأشربة / باب تحريم الخمر.

والإمام أ؛مد بن حنبل في مسنده ج ٣ / ١٨١ و ٢٢٧.

وابن كثير في تفسيره ج ٢ / ٩٣ و ٩٤.

وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور ج ٢ / ٣٢١.

والطبري في تفسيره ج ٧ / ٢٤.

وابن حجر العسقلاني في الإصابة ج ٤ / ٢٢ ـ وفي فتح الباري ج ١٠ / ٣٠.

وبدر الدين الحنفي في عمدة القاري ج ١٠ / ٨٤.

والبيهقي في سننه ٢٨٦ و ٢٩٠ (٢).

٣ ـ حديث الأبشيهي قال ما نصّه : قد أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات الاُولى : قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) (٣) الآية فكان من المسلمين من شارب ومن تارك ، إلى أن شرب رجل فدخل في الصلاة فهجر ، فنزل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (٤).

فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها ، حتّى شربها عمر فأخذ بلحى

__________________

(١) سورة المائدة : الآية ٩١.

(٢) ليالي پيشاور : ص ٦٥٦.

(٣) سورة البقرة : الآية ٢١٩.

(٤) سورة النساء : الآية ٤٣.

٦١١

.........................................

____________________________________

بعير وشجّ به رأس عبد الرحمن بن عوف ، ثمّ قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر ويقول :

ألا من مبلغ الرحمن عنّي

بأني تاركٌ شهر الصيام

فقل لله يمنعني شرابي

وقل لله يمنعني طعامي

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج مغضباً يجرّ رداءه ، فرفع شيئاً كان في يده فضربه به.

فقال : أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.

فأنزل الله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ).

فقال عمر : انتهينا انتهينا (١).

٤ ـ حديث جرأة عثمان على رسول الله صلى الله عليه وآله وإيذاءه له فيما حكي عن الحميدي في الجمع بين الصحيحين أنّه قال السدي في تفسير قوله تعالى : (وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا) (٢) أنّه لمّا توفّي أبو سلمة ، وعبد الله بن حذافة وتزوّج النبي صلى الله عليه وآله امرأتيهما : اُمّ سلمة وحفصة.

قال طلحة وعثمان : أينكح محمّد نساءنا إذا متنا ولا تنكح نساؤه إذا مات؟! والله لو قد مات لقد أجلبنا على نسائه بالسهام ، وكان طلحة يريد عائشة ، وعثمان يريد اُمّ سلمة.

فأنزل الله تعالى : (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا * إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ

__________________

(١) المستطرف ك ج ٢ ص ٢٢٩.

(٢) سورة الأحزاب : الآية ٥٣.

٦١٢

.........................................

____________________________________

عَلِيمًا) (١) ، وأنزل : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا) (٢) ـ (٣).

__________________

(١) سورة الأحزاب : الآية ٥٣ ـ ٥٤.

(٢) سورة الأحزاب : الآية ٥٧.

(٣) بحار الأنوار : ج ٣١ ص ٢٣٧ ، وجاء في حديث ابن عبّاس عن رجل في الدرّ المنثور : ج ٥ ص ٢١٥.

٦١٣

وَوَصِيَّتُكُمُ التَّقْوى (١)

____________________________________

(١) ـ الوصيّة : هو العهد.

والتقوى في اللغة : فرط الصيانة ، وفي العرف : صيانة النفس عمّا يضرّها في الآخرة وقصرها على ما ينفعها فيها ، ولها ثلاث مراتب كما تقدّم بيانه (١). ، وتقدّم التفصيل في فقرة : «وأعلام التقى».

وقلنا : إنّ أجمع وألطف تفسير للتقوى هو ما في الحديث الصادقي عليه السلام :

«أن لا يفقدك حيث أمرك ، ولا يراك حيث نهاك» (٢).

وأهل البيت عليهم السلام هم سادة المتّقين ، ولم يزالوا يوصون بالتقوى الخلق أجمعين ، أرشدوا الناس إليها وحثّوهم عليها بالقول والعمل ، فكانوا في ذلك الاُسوة والقدوة ، شهد لهم بذلك الولي والعدوّ.

فقد روى سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس : (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) (٣) علي بن أبي طالب عليه السلام خاف فانتهى عن لمعصية ، ونهى عن الهوى نفسه.

(فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) (٤) خاصّاً لعلي عليه السلام ومن كان على منهاجه هكذا عامّاً.

وروى قتادة ، عن الحسن ، عن ابن عبّاس في قوله : (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) (٥) هو علي بن أبي طالب عليه السلام سيّد من اتّقى عن ارتكاب الفواحش.

ثمّ ساق التفسير إلى قوله : (جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ) (٦) لأهل بيتك خاصّاً لهم وللمتّقين عامّاً.

وفي تفسير أبي يوسف : يعقوب بن سفيان ، عن مجاهد وابن عبّاس (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٧٠ ص ١٣٦.

(٢) سفينة البحار : ج ٨ ص ٥٥٨.

(٣) سورة النازعات : الآية ٤٠.

(٤) سورة النازعات : الآية ٤١.

(٥) سورة النبأ : الآية ٣١.

(٦) سورة النبأ : الآية ٣٦.

٦١٤

.........................................

____________________________________

فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ) (١) من اتّقى الذنوب علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام.

وروى الأصبغ بن نباتة قال علي عليه السلام : «دخلت بلادكم بأشمالي هذه ورحلتي وراحلتي ها هي ، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنّني من الخائنين».

وفي رواية : «يا أهل البصرة ما تنقمون منّي ، إنّ هذا لمن غزل أهلي؟» ـ وأشار إلى قميصه ـ.

وترصّد غداءه عمرو بن حريث ، فأتت فضّة بجراب مختوم ، فأخرج منه خبزاً متغيّراً خشناً.

فقال عمرو : يا فضّة لو نخلت هذا الدقيق وطيّبتيه.

قالت : كنت أفعل فنهاني ، وكنت أضع في جرابه طعاماً طيّباً فختم جرابه.

ثمّ إنّ أمير المؤمنين عليه السلام فتّه في قصعة ، وصبّ عليه الماء ، ثمّ ذرّ عليه الملح وحسر عن ذراعه ، فلمّا فرغ قال : يا عمرو لقد حانت هذه ـ ومدّ يده إلى محاسنه ـ وخسرت هذه أن اُدخلها النار من أجل الطعام ، وهذا يجزيني.

ورآه عدي بن حاتم وبين يديه شنّة فيها قراح ماء وكسرات من خبز شعير وملح ، فقال : إنّي لا أرى لك يا أمير المؤمنين لتظلّ نهارك طاوياً مجاهداً وبالليل ساهراً مكابداً ، ثمّ يكون هذا فطورك ، فقال عليه السلام :

علّل النفس بالقنوع وإلاّ

طلبت منك فوق ما يكفيها (٢)

هذه سيرتهم في التقوى عملاً ، وقد أوصوا بها قولاً أيضاً.

ففي الرسالة الجليلة للإمام الصادق عليه السلام في جواب النجاشي : «واعلم أنّ

__________________

(١) سورة المرسلات : الآية ٤١.

(٢) بحار الأنوار : ج ٤٠ ص ٣٢٠ ـ ٣٢٥ ب ٩٨.

٦١٥

.........................................

____________________________________

الخلائق لم يوكّلوا بشيء أعظم من التقوى فإنّه وصيّتنا أهل البيت» (١).

وقد أكّدو عليهم السلام على التقوى غاية التأكيد ، ويحسن ملاحظة خطبة المتّقين لأمير المؤمنين عليه السلام ، ورسالته إلى عثمان بن حنيف ، وكلام جميع المعصومين عليهم السلام في الوصية بذلك.

وبحقٍ كانوا عليهم السلام سادة المتّقين ، بل أعلام التقى ، والمثل الأعلى في الوصية بالتقوى.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٧٧ ص ١٩٤ ب ٧ ح ١١.

٦١٦

وَفِعْلُكُمُ الْخَيْرُ (١) وَعادَتُكُمُ الاْحْسانُ (٢) وَسَجِيَّتُكُمُ الْكَرَمُ (٣)

____________________________________

(١) ـ الخير : ضدّ الشرّ ، وكلّ شيء لا سوء فيه (١).

والخيرات هي الأعمال الصالحة ، وفسّر الخير بمكارم الأخلاق (٢).

والخير هو ما يرغب فيه الكل كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع (٣).

والمعنى : أنّ ما تفعلونه أهل البيت هو الخير ، فلا يصدر منكم الشرّ أبداً ، فإنّهم عليهم السلام خلفاء الله تعالى الذي هو أصل كلّ خير ، ولا يريد بعباده الشرّ ، فيكون خلفاؤه أيضاً مظاهر فعل الخير.

(٢) ـ العادة : اسم لتكرير الشيء مراراً بحيث يكون تعاطيه سهلاً كالطبع ، لذلك قيل العادة طبيعة ثانية (٤).

والإحسان : ضدّ الإساءة ، وهو الإنعام على الغير (٥).

والمعنى : أنّ ما اعتاده أهل البيت عليهم السلام هو الإحسان والإنعام إلى الخلق جميعهم ، صديقهم وعدوّهم وبرّهم وفاجرهم.

فإنّهم خلفاء الله المحسن إلى جميع خلقه فيحسنون.

مضافاً إلى قيام دليل الوجدان على هذا الإحسان.

(٣) ـ السجيّة : هي الغريزة والطبيعة التي جُبل عليها الإنسان (٦).

والكرم : ضدّ اللؤم ، وهو كلّ ما يُرضى ويحمد ويحسن ، من الجود في العطاء ، وبذل أنواع الخير.

والمعنى : أنّ أهل البيت عليهم السلام طبيعتهم الكرم ، جادوا بالمكارم حتّى صار الكرم

__________________

(١) مرآة الأنوار : ص ٩٤.

(٢) مجمع البحرين : ص ٢٥٨.

(٣) المفردات ص ١٦٠.

(٤) المفردات : ص ٣٥٢.

(٥) المفردات : ص ١١٩.

(٦) مجمع البحرين : ص ٤٣.

٦١٧

.........................................

____________________________________

لهم طبيعة وسجيّة.

فإنّهم خلفاء الله تعالى الذي هو أكرم الأكرمين ، وهم وسائل الفيض الإلهي من ربّ العالمين ، كما تقدّم في الزيارة الشريفة في فقرة «واُصول الكرم».

ويكفيك دليلاً وجدانياً على هذه الصفات الحسنة فيهم ، ملاحظة حياتهم المليئة بالخيرات ، والموسومة بالبركات.

ولقد جادوا بكلّ غالٍ ونفيس في سبيل ربّهم ، وأنفقوا وأحسنوا إلى غيرهم بالرغم من خصاصتهم ، فأنزل الله تعالى فيهم : (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (١) ـ (٢).

ولقد آثروا غيرهم على أنفسهم في مواضع عديدة يكفيك منها إيثار المسكين واليتيم والأسير ثلاثة أيّام مع تحمّل الجوع حتّى أنزل الله فيهم : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (٣) ـ (٤).

وتظافر الحديث في كرمهم وكراماتهم فيما تلاحظه في سيرتهم (٥).

ولقد كان معروفهم وفضلهم مبذولاً حتّى في ساعة عسرتهم كما في إنفاق الإمام الحسين عليه السلام في عاشوراء.

وقد شهد بسخائهم وكرمهم حتّى أعداؤهم كما تلاحظه في النقل (٦).

وأهل البيت عليهم السلام هم المختصّون برحمة الله الواسعة الفيّاضة التي تلاحظ المثل الأعلى منها في حديث الإمام الرضا عليه السلام المتقدّم (٧).

__________________

(١) سورة الحشر : الآية ٩.

(٢) كنز الدقائق : ج ١٣ ص ١٧٥ ، إحقاق الحقّ : ج ٩ ص ١٤٤.

(٣) سورة الدهر : الآية ٨.

(٤) كنز الدقائق : ج ١٤ ص ٥٢.

(٥) بحار الأنوار : ج ٤١ ص ٢٤ ب ١٠٢ الأحاديث.

(٦) شرح نهج البلاغة : ج ١ ص ٢١.

(٧) بحار الأنوار : ج ٢٤ ص ٢٦ ب ٢٩ ح ٤٤.

٦١٨

وَشَأنُكُمُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالرِّفْقُ (١) وَقَوْلُكُمْ حُكْمٌ وَحَتْمٌ (٢)

____________________________________

(١) ـ الشأن : هو الأمر والحال.

والحقّ : هو كلّ شيء ثابت محقّق ذو حقيقة ، ضدّ الباطل الذي لا حقيقة له.

والصدق : خلاف الكذب ، وهو مطابقة الخبر لما في نفس الأمر.

والرفق : ضدّ العنف والخرق ، وهو لين الجانب ، وأن يحسن الرجل العمل.

والمعنى : أنّكم أهل البيت شأنكم هو الحقّ في أحوالكم ، والصدق في أقوالكم ، والرفق في أفعالكم ومعاشرتكم.

فإنّهم عليهم السلام حجج الله تعالى على خلقه ، والسائرون فيهم من قِبَله ، ومظاهر صفاته فيكونون متّصفين بالحقّ والصدق والرفق.

وفي نسخة الكفعمي : «وشأنكم الحقّ ، وكلامكم الصدق ، وطبعكم الرفق».

(٢) ـ الحكم : هو العلم والفقه والقضاء بالعدل (١).

وفسّره والد المجلسي والسيّد شبّر بالحكمة ، التي عرفت بأنّها هي العلوم الحقيقيّة الإلهية.

والحتم : هو المعزوم الذي يجب اتّباعه.

والمعنى : أنّ قولكم أهل البيت هو ما قضاه الله تعالى الذي هو محتوم يجب اتّباعه ، أو حكمة الله التي يجب متابعتها.

وحتميّة اتّباع أقوال أهل البيت عليهم السلام ووجوب طاعتهم ممّا ثبت بصريح الكتاب في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) (٢).

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٥١٢.

(٢) سورة النساء : الآية ٥٩.

٦١٩

وَرَأيُكُمْ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَحَزْمٌ (١) اِنْ ذُكِرَ الْخَيْرُ كُنْتُمْ اَوَّلَهُ وَاَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَمَعْدِنَهُ وَمَأواهُ وَمُنْتَهاهُ (٢)

____________________________________

(١) ـ الحلم : هو العقل ، وفسّر به قوله تعالى : (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم) (١) أي عقولهم.

والحزم : ضبط الرجل أمره ، والحذر من فواته ، من قولهم : حزمت الشيء حزماً أي شددته ... وقوله : أخذت بالحزم أي المتقن المتيقّن (٢).

فالمعنى : أنّ رأيكم أهل البيت هو علم إلهي وليس برأي ظنّي أو تخميني ، وهو صادر عن عقل سليم لا عن سفه ، وهو مضبوط متقن متيقّن لا شكّ فيه.

فإنّه رأي معصوم عصمه الله من الزلّة ، وأيّده بالروحية القدسيّة ، فلا مجال فيه لسفاهة النظر أو خطل الرأي ، كما تقدّم في فقرة : «عصمكم الله من الزلل».

وفي نسخة الكفعمي : «ورأيكم علم وحلم وكرم ، وأمركم عزم وحزم».

(٢) ـ عرفت فيما تقدّم أنّ الخير هو ما لا سوء فيه ، والعمل الصالح ، ومكارم الأخلاق ، وما يرغب فيه الجميع ، والشيء النافع.

وأهل البيت عليهم السلام مثال الخير الكامل ، وأكمل الخير ، والخير الكثير كما يدلّ عليه الكتاب والسنّة.

فمن الكتاب سورة الكوثر المباركة. ومن السنّة أحاديث تفسيرها (٣).

وهم عليهم السلام أوّل الخير ... فابتداؤه بهم ومنهم وببركتهم ، كما ينبىء عنه حديث لولاك (٤).

وأصل الخير منهم عليهم السلام ... فهم المقصودون بالخير أصالة ، ثمّ وصل منهم إلى

__________________

(١) سورة الطور : الآية ٣٢.

(٢) مجمع البحرين : ص ٥١٠.

(٣) كنز الدقائق : ج ١٤ ص ٤٥٩ ، مجمع البيان : ج ١٠ ص ٥٤٩.

(٤) بحار الأنوار : ج ١٥ ص ٢٨ ب ١ ح ٤٨ ، وفي العوالم : ج ١١ قسم ٢ ص ٤٣.

٦٢٠