في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

اَنّى مُؤْمِنٌ بِكُمْ وَبِما آمَنْتُمْ بِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ أي إنّي مؤمن بإمامتكم ووجوب طاعتكم وفضلكم وعصمتكم ومقاماتكم القدسيّة ، فإنّ إمامتهم من اُصول الدين ، وخلافتهم من دعائم شريعة سيّد المرسلين ، وولايتهم ثابتة بالبرهان المبين.

وتعرف من أحاديث دعائم الإسلام أنّ الإمامة من الأركان.

كما تعرف من أحاديث معرفة لاحظ مبحث الإمامة فقد فصّلنا البحث هناك في الأدلّة الخمسة للإمامة يعني دليل الكتاب والسنّة والعقل والإجماع والإعجاز (١).

وكذلك إنّي مؤمن بما آمنتم به إيماناً بجميعها ، لأنّها اُمور حقّة يقيناً ، فيكون الإيمان بها حقّاً ، أكون مؤمناً بها جملةً وإن لم أعلمها تفصيلاً.

إذ أنّ أهل البيت عليهم السلام متّصلون بمبدأ الوحي الإلهي والعلم الربّاني ، فتكون قلوبهم منيرة بالمعارف الحقيقية ، ومشرقة بالعلوم اللدنّية.

__________________

(١) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص ٢٥٩.

٤٨١

كافِرٌ بَعَدُوِّكُمْ وَبِما كَفَرْتُمْ بِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ الكفر : ضدّ الإيمان ، وقد كفر بالشيء أي جحده وأنكره.

أي إنّي منكر وجاحد لأعدائكم ، فإنّ أعدائهم أعداء الله ، والبراءة من أعداء الله لازمة.

قال السيّد شبّر في شرحه : (وفيه إشارة إلى أنّ الإيمان بهم لا يتمّ إلاّ مع الكفر بعدوّهم والبراءة منه ، وإنّ حبّهم لا يجتمع مع حبّ أعدائهم ، فإنّ المحبّ من يحبّ أولياء المحبوب ويبغض أعدائه.

وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله : (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ) (١)).

فالتبرّي من أعداء أهل البيت من الأركان الاُخرى التي بها يتمّ الدين كما تلاحظه في الأحاديث المتظافرة مثل :

١ ـ حديث أبي الجارود ، عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله : (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (٢) «فيحبّ بهذا ويبغض بهذا ، فأمّا محبّنا فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه.

من أراد أن يعلم حبّنا فليمتحن قلبه فإن شاركه في حبّنا حبّ عدوّنا فليس منّا ولسنا منه ، والله عدوّهم وجبرئيل وميكائيل والله عدوٌ للكافرين» (٣).

٢ ـ حديث الأعمش ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال :

«حبّ أولياء الله واجب ، والولاية لهم واجبة.

والبراءة من أعدائهم واجبة ومن الذين ظلموا آل محمّد صلّى الله عليهم ، وهتكوا

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٥٦.

(٢) سورة الأحزاب : الآية ٤.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٥١ ب ١ ح ١.

٤٨٢

.........................................

____________________________________

حجابه وأخذوا من فاطمة عليها السلام فدك ومنعوها ميراثها وغصبوها وزوجها حقوقهما وهمّوا باحراق بيتها وأسّسوا الظلم وغيّروا سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله ، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة ، والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمّة الضلال وقادة الجور كلّهم أوّلهم وآخرهم واجبة ، والبراءة من أشقى الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود قاتل أمير المؤمنين عليه السلام واجبة ، والبراءة من جميع قتلة أهل البيت عليهم السلام واجبة.

والولاية للمؤمنين الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا بعد نبيّهم صلى الله عليه وآله واجبة ، مثل سلمان الفارسي ، وأبي ذرّ الغفاري ، والمقداد بن الأسود الكندي ، وعمّار بن ياسر ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وحذيفة بن اليمان ، وأبي الهيثم بن التيهان ، وسهل بن حنيف ، وأبي أيّوب الأنصاري ، وعبد الله به الصامت ، وعبادة بن الصامت ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، وأبي سعيد الخدري ، ومن نحا نحوهم وفعل مثل فعلهم ، والولاية لأتباعهم والمقتدين بهم وبهداهم واجبة» (١).

٣ ـ حديث هشام بن سالم ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : «من جالس لنا عائباً ، أو مدح لنا قالياً ، أو واصل لنا قاطعاً ، أو قطع لنا واصلاً ، أو والى لنا عدوّاً ، أو عادى لنا وليّاً ، فقد كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم» (٢).

٤ ـ حديث الصفواني عن الإمام الصادق عليه السلام قيل للصادق عليه السلام : إنّ فلاناً يواليكم إلاّ أنّه يضعف عن البراءة من عدوّكم.

فقال : «هيهات كذب من ادّعى محبّتنا ولم يتبرّأ من عدوّنا» (٣).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٥٢ ب ١ ح ٣.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٥٢ ب ١ ح ٤.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٥٨ ب ١ ح ١٨.

٤٨٣

.........................................

____________________________________

٥ ـ حديث سليمان الأعمش ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : «يا علي أنت أمير المؤمنين وإمام المتقّين.

يا علي أنت سيّد الوصيّين ووارث علم النبيّين وخير الصدّيقين وأفضل السابقين.

يا علي أنت زوج سيّدة نساء العالمين وخليفة خير المرسلين.

يا علي أنت مولى المؤمنين والحجّة بعدي على الناس أجمعين ، استوجب الجنّة من تولاّك ، واستوجب دخول النار من عاداك.

يا علي والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميع البريّة لو أنّ عبداً عبد الله ألف عام ما قبل ذلك منه إلاّ بولايتك وولاية الأئمّة من ولدك.

وإنّ ولايتك لا تقبل إلاّ بالبراءة من أعدائك وأعداء الأئمّة من ولدك.

بذلك أخبرني جبرئيل عليه السلام عمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر» (١).

لذلك قال الصدوق قدس سره في كتاب الإعتقادات :

(واعتقادنا في البراءة أنّها واجبة من الأوثان الأربعة ، والإناث الأربع ، ومن جميع أشياعهم وأتباعهم ، وأنّهم شرّ خلق الله عزّ وجلّ ، ولا يتمّ الإقرار بالله برسوله وبالأئمّة عليهم السلام إلاّ بالبراءة من أعدائهم (٢).

وغير خفي على المنصفين أنّ أعداء أهل البيت قد غيّروا الدين وبدّلوا شريعة سيّد المرسلين فكان عليهم وزر الوازرين إلى يوم الدين كما تلاحظه في الأحاديث الشريفة مثل :

١ ـ حديث القمّي ،، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : «والله ما اُهريقت محجمة من دم ، ولا قُرعت عصا بعصا ، ولا غُصب فَرْ ج حرام ، ولا اُخذ مال من غير حلّه ،

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٦٣ ب ١ ح ٢٢.

(٢) الإعتقادات ، للشيخ الصدوق : ص ١٠٥.

٤٨٤

.........................................

____________________________________

إلاّ ووزرُ ذلك في أعناقهما ، من غير أن ينقص من أوزار العالمين شيء» (١).

٢ ـ حديث سدير قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عنهما؟

فقال : «يا أبا الفضل! ما تسألني عنهما؟! فو الله ما مات منّا ميّت قطّ إلاّ ساخطاً عليهما ، وما منّا اليوم إلاّ ساخطاً عليهما يوصّي بذلك الكبير منّا الصغير ، إنّهما ظلمانا حقّنا ، ومنعنانا فيئنا ، وكانا أوّل من ركب أعناقنا وبثقا (٢) علينا بَثْقاً في الإسلام لا يسكر أبداً حتّى يقوم قائمنا أو يتكلّم متكلّمنا.

ثمّ قال : أما والله لو قد قام قائمنا وتكلّم متكلّمنا لأبدى من اُمورهما ما كان يُكْتَم ، وَلَكَتَمَ من اُمورهما ما كان يظهر.

والله ما اُسّست من بليّة ولا قضيّة تجري علينا أهل البيت إلاّ هما أسّسا أوّلها ، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٣).

لذلك كلّه تعرف الوجه في البراءة من أعداء أهل البيت عليهم السلام ، ويتّضح الدليل لقوله عليه السلام في هذه الزيارة الشريفة «كافر بعدوّكم».

وأمّا قوله عليه السلام : «وبما كفرتم به» فمعناه : إنّي كافرٌ ومنكرٌ لكلّ ما كفرتم به وأنكرتموه وإن لم أعلمها تفصيلاً. فإنّ ما كفر به أهل البيت عليهم السلام وأنكروه هو الطاغوت بجميع أفراده من المشركين والكافرين والمنافقين ، وبجميع أعمال الطاغوت من المعاصي والمنكرات والسيّئات والأباطيل.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٣٠ ص ١٤٩ ب ٢٠ ح ٤.

(٢) من قولهم : بثق النهر : انكسر شطّه ، أي ثلما علينا ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء ، ويقال : بثقت الماء بثقاً ـ من بابي ضرب وقتل ـ : إذا أهرقته.

اُنظر : مجمع البحرين : ص ٤٢٤

(٣) بحار الأنوار : ج ٣٠ ص ٢٦٩ ب ٢٠ ح ١٣٨.

٤٨٥

.........................................

____________________________________

وبعبارة موجزة : الذي آمن به أهل البيت عليهم السلام هو الحقّ ، فيكون الإيمان بما آمنوا به هو الإيمان بالحقّ.

والذي كفر به أهل البيت عليهم السلام هو الباطل ، فيكون الكفر بما كفر به أهل البيت هو إنكار الباطل.

فالمدار في الواقع هنا هو الإيمان بالحقّ واستنكار الباطل.

٤٨٦

مُسْتَبْصِرٌ بِشَأنِكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ الاستبصار : هو طلب البصيرة.

والبصيرة والبُصرة هي الخبرة والعلم ، والبصائر هي البيّنات والدلائل التي يبصر بها الهدى ويميّز بها الحقّ عن الباطل ، والمستبصر هو المستبين للشيء (١).

فالمعنى إنّي طالب للبصيرة والعلم والخبزة بشأنكم ، أي مقامكم وأمركم وحالكم.

وفيه إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن ادّعاء البصيرة بمقامهم السامي ومرتبتهم العليا فنطلب البصيرة الكاملة بها.

فإنّهم أنوار الله ومظاهر صفاته ، والقوّة البشرية لا تطيق الإحاطة بمعرفتها وكما التبصّر فيها.

__________________

(١) حظ مجمع البحرين : ص ٢٤٢.

٤٨٧

وَبِضَلالَةِ مَنْ خالَفَكُمْ (١) مُوالٍ لَكُمْ وَلاِوْلِيائِكُمْ ، مُبْغِضٌ لاِعْدائِكُمْ وَمُعادٍ لَهُمْ (٢)

____________________________________

(١) ـ الضلالئ : ضدّ الهداية ، والضلال هو العدول عن الطريق المستقيم ، فإنّ المخالفة مع أهل البيت عليهم السلام ضلالة ، وعدم معرفتهم جاهلية.

وقد تقدّم دليل ذلك في فقرة : «من والاكم فقد والى الله ، ومن عاداكم فقد عادى الله» بالآيات الشريفة والروايات المباركة على ذلك.

فيلزم التولّي لهم ، ولأوليائهم ، والتبرّي من أعدائهم ومعاداتهم.

وتلاحظ وجوب ذلك ـ مضافاً إلى ما تقدّم ـ في الحديث الرضوي الشريف في بيان محض الإسلام وشرائع الدين الذي ورد فيه :

«والبراءة من الذين ظلموا آل محمّد صلى الله عليه وآله وهمّوا بإخراجهم وسنّوا ظلمهم وغيّروا سنّة نبيّهم صلى الله عليه وآله ، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين الذين هتكوا حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله ونكثوا بيعة إمامهم وأخرجوا المرأة وحاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وقتلوا الشيعة المتّقين رحمة الله عليهم واجبة.

والبراءة ممّن نفى الأأخيار وشرّدهم وآوى الطرداء اللعناء وجعل الأموال دولة بين الأغنياء واستعمل السفهاء مثل معاوية وعمرو بن العاص لعينَي رسول الله صلى الله عليه وآله.

والبراءة من أشياعهم والذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وقتلوا الأنصار والمهاجرين وأهل الفضل والصلاح من السابقين.

والبراءة من أهل الاستيثار ومن أبي موسى الأشعري وأهل ولايته (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) وبولاية أمير المؤمنين عليه السلام (وَلِقَائِهِ) كفروا بأن لقوا الله بغير إمامته (فَحَبِطَتْ

٤٨٨

.........................................

____________________________________

أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (١) فهم كلاب أهل النار.

والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمّة الضلالة وقادة الجور كلّهم أوّلهم وآخرهم. والبراءة من أشباه عاقري الناقة أشقياء الأوّلين والآخرين وممّن يتولاّهم.

والولاية لأمير المؤمنين عليه السلام والذين مضوا على منهاج نبيّهم صلى الله عليه وآله ولم يغيّروا ولم يبدّلوا مثل سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري والمقداد بن الأسود وعمّار بن ياسر وحذيفة اليماني وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وعبادة ابن الصامت وأبي أيّوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي سعيد الخدري وأمثالهم رضي الله عنهم ورحمة الله عليهم والولاية لأتباعهم وأشياعهم والمهتدين بهداهم والسالكين منهاجهم رضوان الله عليهم ...» (٢).

__________________

(١) سورة الكهف : الآية ١٠٤ و ١٠٥.

(٢) عيون الأخبار : ج ٢ ص ١٢٥.

٤٨٩

سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ (١) مُحَقِّقٌ لِما حَقَّقْتُمْ ، مُبْطِلٌ لِما اَبْطَلْتُمْ (٢)

____________________________________

(١) ـ السِّلم : بكسر السين هي المسالمة والمصالحة والإنقياد ، مقابل الحرب.

أي إنّي مسالم ومصالح ومنقاد لمن كان مسالماً ومصالحاً ومنقاداً لكم أهل البيت وكذلك إنّي حربٌ وعدوٌّ لمن كان حرباً معكم وعدوّاً لكم.

وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنّه كان سلماً لمن سالم أهل البيت ، وحرباً لمن حاربهم. ورواه الفريقان وجاء حتّى من طريق العامّة متواتراً (١).

(٢) ـ الحقّ : ضدّ الباطل ، وحقائق الشيء هي ما ثبتت ، والباطل : غير الثابت.

وتحقيق الشيء هو إثباته وإظهاره ، ويُحقّ الله الحقّ أي يُثبته ويُظهره (٢).

فمعنى الفقرة الشريفة إنّي اُبت واُظهر واُبيّن حقّية ما حقّقتموه وأثبتموه ، وكذا إنّي اُبطل واُنفي ما أبطلتموه ونفيتموه.

وفُسّر أيضاً بأنّي أعتقد حقّية ما حقّقتم ، وبطلان ما أبطلتم.

فإنّ أهل البيت عليهم السلام مدار الحقّ ومحور الحقيقة ، وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال ، فيكون كلّ ما أثبتوه حقّاً ، وكلّ ما نفوه باطلاً.

وقد تقدّم دليل أنّ أهل البيت عليهم السلام مع الحقّ والحقّ معهم ، لا يفارقهم ولا يفارقونه (٣).

وفي حديث مناقب الخوارزمي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : «علي أمي البررة وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ، ألا وإنّ الحقّ معه ويتبعه ، ألا فميلوا معه» (٤).

__________________

(١) إحقاق الحقّ : ج ٩ ص ١٦١ ـ ١٧٤.

(٢) مجمع البحرين : ص ٤٢٥.

(٣) إحقاق الحقّ : ج ٩ ص ٤٧٩.

(٤) لاحظ الحديث بطرقه وأسانيده في إحقاق الحقّ : ج ٤ ص ٢٣٧ وص ٢٧.

٤٩٠

مُطيعٌ لَكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ الطاعة في اللغة : إسم من طاعَ طوعاً إذا أذعن وانقاد.

فالطاعة هو الإذعان والإنقياد (١).

وحقيقة الطاعة جَرْيُ العامل على ما وافق رضا الآمر ابتغاء مرضاته (٢).

فالمعنى : إنّي مذعن بكم ومنقاد لكم ومعترف بوجوب إطاعتكم ، وإن صدر منّي مخالفة في بعض الأحيان.

فإنّهم اُولو الأمر الذين أوجب الله طاعتهم ، وأمر في كتابه بإطاعتهم كما تلاحظه في أحاديث باب وجوب إطاعتهم المشتمل على (٦٥) حديثاً منها حديث الإمام الباقر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى : (٣) «فجعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمّة فكيف يقرّون في آل إبراهيم وينكرون في آل محمّد صلى الله عليه وآله؟

قلت : فما معنى قوله :.

قال : الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة ، من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم عصى الله ، فهو الملك العظيم» (٤).

وترى وجوب طاعتهم بدليل الكتاب في أحاديث الفريقين في الغاية ص ٢٦٣.

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٣٨٧.

(٢) الشموس الطالعة : ص ٣٨٨.

(٣) سورة النساء : الآية ٥٤.

(٤) بحار الأنوار : ج ٢٣ ص ٢٨٧ ب ١٧ ح ١٠.

٤٩١

عارِفٌ بِحَقِّكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ معرفة الشيء : إدراكه ، ومعرفة أهل البيت : هو تصديقهم ، والاعتراف بإمامتهم.

وعارفٌ بحقّكم أي بحقّهم الواجب علينا مثل وجوب طاعتهم ومعرفتهم والوفاء بعهدهم وإجابتهم وعدم خيانتهم.

وقد ورد ذلك في باب حقّ الإمام على الرعية ، في مثل :

١ ـ حديث أبي حمزة قال : سألت أبا جعفر عليه السلام : ما حقّ الإمام على الناس؟

قال : «حقّه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا.

قلت : فما حقّهم عليه؟

قال : يقسّم بينهم بالسويّة ويعدل في الرعية ، فإذا كان ذلك في الناس فلا يبالي من أخذ ههنا وههنا».

٢ ـ حديث هارون بن صدقة ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : «لا تختانوا ولاتكم ، ولا تغشّوا هداتكم ، ولا تجهّلوا أئمّتكم ، ولا تصدّعوا عن حبلكم فتفشلوا وتذهب ريحكم ، وعلى هذا فليكن تأسيس اُموركم ، والزموا هذاه الطريقة فإنّكم لو عاينتم ما عاين من قدمات منكم ممّن خالف ما قد تدعون إليه لبدرتم وخرجتم ولسمعتم ، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا وقريباً ما يطرح الحجاب».

٣ ـ حديث النهج الشريف قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه : «أيّها الناس إنّ لي عليكم حقّاً ، ولكم عليّ حقٌّ ، فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كي لا تجهلوا وتأديبكم كي ما تعلموا.

وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة والصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم ، والطاعة حين آمركم» (١).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٢٤٢ ب ١٣ ح ٤ و ٥ ، وص ٢٥١ ح ١٢.

٤٩٢

مُقِرٌّ بِفَضْلِكُمْ (١) مُحْتَمِلٌ لِعِلْمِكُمْ (٢)

____________________________________

(١) ـ من الإقرار وهو الإعتراف أي معترف بفضلكم الشامخ.

والفضل والفضيلة : هي الدرجة الرفيعة (١).

وأهل البيت عليهم السلام بلغوا ذروة الفضيلة ، وأعلى درجات الفضل.

ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله :

«يا علي إنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين ، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين ، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمّة من بعدك ...» (٢).

(٢) ـ محتمل : من الاحتمال بمعنى التحمّل.

أي إنّي أتحمّل علمكم الفيّاض ، وأعلمُ أنّه حقّ ، ولا أردّ ما ورد عنكم وإن لم يبلغه فكري القاصر.

فإنّ تحمّل علمهم يستدعي الإيمان ، وحديثهم إنّما يتحمّله المؤمن الممتحن كما في حديث ميثم التمّار قال :

بينما أنا في السوق إذ أتى أصبغ بن نباتة قال : ويحك يا ميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين عليه السلام حديثاً صعباً شديداً.

قلت : وما هو؟

قال : سمعته يقول : «إنّ حديث أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب ، أو نبي مرسل ، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان» ، فقمت من فورتي فأتيت علياً عليه السلام.

فقلت : يا أمير المؤمنين حديث أخبرني به أصبغ عنك قد ضقت به ذرعاً.

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٤٨٩.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٣٣٥ ب ٨ ح ١.

٤٩٣

.........................................

____________________________________

فقال عليه السلام ما هو؟

فأخبرته به فتبسّم ثمّ قال : «اجلس يا ميثم ، أوَكلّ علم يحتمله عالم؟ إنّ الله تعالى قال للملائكة : (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (١) فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟

قال : قلت : وإنّ هذا أعظم من ذلك.

قال : والأخرى أنّ موسى بن عمران أنزل الله عليه التوراة فظنّ أن لا أحد أعلم منه فأخبره أنّ في خلقه أعلم منه ، وذلك إذ خاف على نبيّه العُجب قال : فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم قال : فجمع الله بينه وبين الخضر عليهما السلام فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسى ، وقتل الغلام فلم يحتمله ، وأقام الجدار فلم يحتمله وأمّا النبيّون فإنّ نبيّنا صلى الله عليه وآله أخذ يوم غدير خمّ بيدي فقال : «اللهمّ مَن كنت مولاه فعلي مولاه» فهل رأيت احتملوا ذلك غلاّ من عصم الله منهم!

فأبشروا ثمّ أبشروا فإنّ الله قد خصّكم بما لم يخصّ به الملائكة والنبييّن والمرسلين فيما احتملتم ذلك في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمه ...» (٢).

وفي نسخة الكفعمي هنا زيادة : «مقتدٍ بكم».

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٣٠.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ٣٨٣ ب ١٣ ح ٣٨.

٤٩٤

مُحْتَجِبٌ بِذِمَّتِكُمْ (١) مُعْتَرِفٌ بِكُمْ (٢)

____________________________________

(١) ـ الاحتجاب : هو الإستتار ، مأخوذ من الحجاب وهو الستر الحائل بين الرائي والمرئي (١).

والذمّة : هو العهد ، وما يجب أن يُحفظ ، وبمعنى الأمان ، والضمان ، والحرمة ، والحقّ (٢).

أي إنّي مستتر عن المهالك بدخولي في ذمّتكم وأمانكم وإمامتكم ، فإنّ الدخول في ذلك هو الحصن الحصين من العذاب المهين ، وهو الأمان الأمين من وسوسة الشياطين.

وقد ثبت من طريق الفريقين الحديث القدسي في قول الله عزّ وجلّ : «ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي» (٣).

(٢) ـ أي معترف ومقرّ بإمامتكم.

وهي المنصب الإلهي الحقّ الذي يجب الإقرار به كما ثبت بأدلّته العلمية في مبحث الإمامة (٤).

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ١١٩.

(٢) مجمع البحرين : ص ٥١٦.

(٣) عيون الأخبار : ج ٢ ص ١٣٥ ، إحقاق الحقّ : ج ١٤ ص ٥٢٢.

(٤) العقائد الحقّة الطبعة الأولى : ص ٢٥٩.

٤٩٥

مُؤْمِنٌ بِاِيابِكُمْ (١) مُصَدِّقٌ بِرَجْعَتِكُمْ (٢)

____________________________________

(١) ـ الإياب : هو الرجوع.

أي أنّي مؤمنّ ومعتقد ومقرّ برجوعكم إلى الدنيا قبل القيامة ، لإعلاء الدين المبين ، والإنتقام من المنافقين والكافرين.

وهي الرجعة التي يأتي بيانها وتفسيرها في الفقرة التالية.

(٢) ـ يقال : صدّقَة أي نسبه إلى الصدق ، وصدّق الشيء أي اعترف بصدقه ، وصدّق كلامه أي اعتبره صحيحاً لا كذب فيه.

أي إنّي على الصعيد الاعتقادي الإيماني بإيابكم ، معترف بصدق رجعتكم وصحّتها ووقوعها في وقتها.

يعني رجعة الأئمّة الطاهرين في زمان ظهور الإمام المهدي المنتظر سلام الله عليهم أجمعين.

وهاتان الفقرتان في زيارتهم الجامعة يستفاد منها رجعة جميع الأئمّة المعصومين عليهم السلام.

والرجعة من الحقائق الجليّة الثابتة بالأدلّة القطعية من الكتاب العزيز ، والأحاديث المتواترة ، مع الإجماع المحقّق ، والحكم العقلي كما تلاحظ بيانها كاملاّ في مبحثها الخاصّ فلا نكرّر (١).

والمخالفون قد أنكروا الرجعة ، إلاّ أنّه يردّهم مفاد الأدلّة العلميّة ، مضافاً إلى البراهين الوجدانية بوقوع الرجوع إلى الدنيا في الأنبياء السالفين ، والاُمم السابقين ، وأدلّ برهان على إمكان الشيء وقوعه ، وأصدق دليل على وقوعه إخبار الله تعالى به في آياتٍ من الذكر الحكيم مثل :

__________________

(١) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص ٣٥٨ ـ ٣٦٨.

٤٩٦

.........................................

____________________________________

١ ـ قوله تعالى (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١).

٢ ـ قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (٢).

٣ ـ قوله تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٣).

وكذلك إخبار المعصومين عليهم السلام بوقوع الرجوع إلى الدنيا في الأحاديث المتظافرة مثل :

١ ـ حديث البزنطي قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول : «إنّ رجلاً من بني اسرائيل قتل قرابة له ، ثمّ أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني اسرائيل ، ثمّ جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى : إنّ سبط آل فلان قتلوا فلاناً فأخبِرنا من قتله؟ قال : ايتوني ببقرة (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (٤) ولو أنّهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم. ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم (إلى أن قال :) فاشتروها وجاءوا بها ، فأمر بذبحها ، ثمّ أمر أن يضربوا الميّت بذَنَبها ، فلمّا فعلوا ذلك حيى المقتول وقال :

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٥٥ ـ ٥٦.

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٤٣.

(٣) سورة البقرة : الآية ٢٥٩.

(٤) سورة البقرة : الآية ٦٧.

٤٩٧

.........................................

____________________________________

يا رسول الله إنّ ابن عمّي قتلني دون من يدّعي عليه قتلي» الحديث (١).

٢ ـ حديث الهاشمي في ذكر احتجاج الإمام الرضا عليه السلام على أهل المقالات جاء فيه : قال الرضا عليه السلام لبعض علماء النصارى : «ما أنكرت أنّ عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى باذن الله؟».

فقال الجاثليق : أنكرت ذلك من قبل أنّ مَن أحيى الموتى وأبرىء الأكمه والأبرص فهو ربّ مستحقّ لأن يُعبد.

فقال الرضا عليه السلام : «فإنّ اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى عليه السلام : مشى على الماء ، وأحيى الموتى ، وأبرىء الأكمه والأبرص فلم تتّخذه اُمّته ربّاً ، ولم يعبده أحد من دون الله ، ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى بن مريم عليه السلام ، فأحيى خمسة وثلاثين رجلاً بعد موتهم بستّين سنة.

ثمّ التفت إلى رأس الجالوت فقال له : أتجد هؤلاء في شباب بني اسرائيل في التوراة؟ اختارهم بخت نصّر من سبي بني اسرائيل حين غزى بيت المقدس ، ثمّ انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله إليهم فأحياهم ، هذا في التوراة لا يدفعه إلاّ كافر منكم؟».

قال رأس الجالوت : قد سمعنا به وعرفناه.

قال : صدقت ... ثمّ أقبل على النصراني فقال : «يانصراني هؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟».

قال : بل كانوا قبله.

قال الرضا عليه السلام : «لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يحيي لهم

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٧٤ ص ٦٨ ب ٢ ح ٤١ ، عن عيون أخبار الرضا : ج ٢ ص ١٣ ب ٣٠ ح ٣١.

٤٩٨

.........................................

____________________________________

موتاهم ، فوجّه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : يا علي أذهب إلى الجبّانة فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك : يا فلان ويا فلان ويا فلان ، يقول لكم محمّد صلى الله عليه وآله : قوموا بإذن الله ، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ، فأقبلت قريش تسألهم عن أحوالهم ، ثمّ أخبروهم أنّ محمّداً قد بعث نبيّاً قالوا وددنا إنّا أدركناه فنؤمن به.

(إلى أن قال) : ... إنّ قوماً من بني اسرائيل خرجوا من ديارهم من الطاعون وهم اُلوف حذر الموت ، فأماتهم في ساعة واحدة ، فعمد أهل القرية فحظروا عليهم حظيرة ، فلم يزالوا فيها حتّى نخرت عظامهم وصارت رميماً ، فمر! بهم نبي من أنبياء بني اسرائيل فتعجّب من كثرة العظام البالية ، فأوحى الله إليه : أتحبّ أن اُحييهم لك فتُنذرهم؟

قال : نعم يا ربّ.

فأوحى الله إليه : نادهم.

فقال : أيّتها العظام البالية قومي بإذن الله تعالى ، فقاموا أحياء أجمعون ، ينفضون التراب عن رؤوسهم.

ثمّ إبراهيم خليل الرحمن حين أخذ الطير فقطّعهنّ قطعاً ، ثمّ وضع على كلّ جبان منهم جزءاً ، ثمّ ناداهنّ فأقبلن سعياً إليه.

ثمّ موسى بن عمران وأصحابه الذين كانوا سبعين اختارهم فصاروا معه إلى الجبل ، فقالوا : إنّك قد رأيت الله سبحانه فأرناه كما رأيته.

فقال : إنّي لم أره.

فقالوا : لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرةً ، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم ، فبقى موسى وحيداً فقال : يا ربّ أنّي اخترت منهم سبعين رجلاً فجئت بهم

٤٩٩

.........................................

____________________________________

وأرجع وحدي فكيف يصدّقني قومي بما أخبرهم به؟ فلو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي ، أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا؟ فأحياهم الله تعالى من بعد موتهم.

وكلّ شي ذكرته لك لا تقدر على دفعه ، لأنّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به» (١).

٣ ـ حديث الإمامين الصادقين عليهما السلام في قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) (٢) فقال : «إنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام وكانوا سبعين ألف بيت ، كان الطاعون يقع فيهم في كلّ أوان ، وكانوا إذا أحسّوا به خرج الأغنياء لقوّتهم ، وبقي الفقراء لضعفهم ، فيقلّ الطاعون في الذين خرجوا ويكثر في الذين أقاموا ، قال : فاجتمع رأيهم جميعاً أنّهم إذا أحسّوا بالطاعون خرجوا من المدينة كلّهم ، فلمّا أحسّوا بالطاعون خرجوا جميعاً وتنحّوا عن الطاعون حذر الموت ، فساروا في البلاد ما شاء الله.

ثمّ إنّهم مرّوا بمدينة خربة قد جلا أهلها وأفناهم الطاعون ، فنزلوا بها فلمّا حطّوا رحالهم قال لهم الله : موتوا جميعاً ، فماتوا من ساعتهم ، وصاروا ميماً وكانوا على طريق المارّة ، فجمعوهم في موضع فمرّ بهم نبي من أنبياء بني اسرائيل يقال له : حزقيل ، فلمّا رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال : ربّ لو شئت لأحييتهم الساعة كما أمتّهم فعمّروا بلادك ، وولدوا عبادك ، وعبدوك مع من يعبدك من خلقك.

فأوحى الله إليه أفتحبّ ذلك؟

قال : نعم يا ربّ فأوحى الله إليه أن قل كذا وكذا ، فقال الذي أمره ، إلى أن يقول ... قال أبو عبد الله عليه السلام : وهو الاسم الأعظم ، قال : فلمّا قال حزقيل ذلك الكلام ونظر

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١٠ ص ٣٠٣ ب ١٩ ح ١ ، عن عيون أخبار الرضا : ج ١ ص ١٥٩ ب ١٢ ح ١ ، التوحيد : ص ٤٧٧ ح ١.

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٤٣.

٥٠٠