في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

وبهذا يتّضح جليّاً عدم صحّة رمي هذه الشهادة المباركة بالبدعة ، فقد تبيّن أنّها سنّة وليست ببدعة.

قال السيّد شرف الدين قدس سره : وقد أخطأ وشذّ من حرّم ذلك ، وقال بأنّه بدعة فإنّ كلّ مؤذّن في الإسلام يقدّم كلمة للأذان يوصلها به كقوله : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) (١) الآية ، أو نحوها ، ويلحق به كلمة يوصله بها كقوله : (الصلاة والسلام عليك يا رسول الله) أو نحوها. وهذا ليس من المأثور عن الشارع في الأذان ، وليس ببدعة ، ولا هو محرّم قطعاً ، لأنّ المؤذّنين كلّهم لا يرونه من فصول الأذان ، وإنّما يأتون به عملاً بأدلّة عامّة تشمله.

وكذلك الشهادة لعلي بعد الشهادتين في الأذان فإنّما هي عمل بأدلّة عامّة تشملها.

على أنّ الكلام القليل من سائر كلام الآدميين لا يبطل به الأذان ولا الإقامة ولا هو حرام في أثنائهما ، فمن أين جاءت البدعة والحرام (٢)؟

__________________

(١) سورة الإسراء : الآية ١١١.

(٢) النصّ والإجتهاد : ص ١١٤.

١٠١

وَاُمَناءَ الرَّحْمنِ (١)

____________________________________

(١) ـ اُمناء جمع أمين من الأمانة ضدّ الخيانة ، والأمانة في كلّ شيء عدم الخيانة فيه ، والأمين هو المؤتمن على الشيء الذي لا يخون فيه ؛ ومنه محمّد أمين الله أي ائتمنه الله تعالى ، ومحمّد الأمين أي الذي ائتمنه الناس ولم يخنهم في الأمانة (١).

والرحمن هو الواسع رحمته لجميع العالم وفي عموم رزقه وإنعامه (٢).

وأهل البيت سلام الله عليهم اُمناء الله في أرضه ، والمؤتمنون منه على أمره وشهوده الاُمناء وسفراؤه النجباء في عباده.

ويدلّ عليه الزيارة المطلقة الثانية لأمير المؤمنين عليه السلام المروية عن الإمام السجّاد عليه السلام والموجودة في كتب المزار المعتبرة وقد جاء في أوّلها : «السلام عليك يا أمين الله» (٣).

وكذلك الزيارة السادسة التي رواها صفوان ، عن الإمام الصادق عليه السلام التي ورد فيها : «قصدتك يا مولاي يا أمين الله وحجّته ...» (٤).

والأئمة الطاهرون سلام الله عليهم اُمناء الله تعالى بجميع معنى الكلمة كجدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي جاء في التسليم عليه بالأمانة فيما رواه الشيخ المفيد والشهيد الأوّل والسيّد ابن طاووس في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام الاُولى : «السلام من الله على محمّد رسول الله ، أمين الله على وحيه ورسالاته وعزائم أمره» (٥).

__________________

(١) لاحظ مجمع البحرين : مادّة أمن ص ٥٤٧.

(٢) توحيد الصدوق : ص ٢٠٣.

(٣) وقد عدّها العلاّمة المجلسي في الزيارات الجامعة ، وروي عن الإمام الباقر عليه السلام «أنّه ما قالها أحد من شيعتنا عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام ، أو أحد من الأئمّة عليهم السلام إلاّ رفع دعاؤه في درج من نور ، وطبع عليه بخاتم محمّد صلى الله عليه وآله حتّى يُسلّم إلى القائم عليه السلام ، فيلقى صاحبه بالبشرى والتحيّة والكرامة» كما في بحار الأنوار : ج ١٠٢ ص ١٧٦.

(٤) بحار الأنوار : ج ١٠٠ ص ٣٠٦ ب ٤ ح ٢٣.

(٥) بحار الأنوار : ج ١٠٠ ص ٣٨٤ ب ٤ ح ١٨.

١٠٢

.........................................

____________________________________

فإنّهم عليهم السلام مشتركون مع الرسول الأكرم في جميع الخصائص إلاّ النبوّة والنساء كما تلاحظه في حديث محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : «الأئمّة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله إلاّ أنّهم ليسوا بأنبياء ، ولا يحلّ لهم من النساء ما يحلّ للنبي صلى الله عليه وآله ، فأمّا ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله» (١).

وكيف لا يكونون اُمناء وقد عصمهم الله من كلّ زلّة ، وليس بينهم وبين كتاب الله فرقة. وفي حديث سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام : «إنّ الله تبارك وتعالى طهّرنا وعصمنا ، وجعلنا شهداء على خلقه ، وحجّته في أرضه ، وجعلنا مع القرآن ، وجعل القرآن معنا ، لا نفارقه ولا يفارقنا» (٢).

ونبّه في الشموس الطالعة على أنّ في إضافة اُمناء إلى الرحمن إشارةً إلى أنّهم لا تنحصر صفاتهم ـ ومنها أمانتهم ـ بالمؤمنين خاصّة ، بل تعمّ جميع الخلائق ، كما أنّ الرحمة الرحمانية الإلهية تعمّهم كافّة.

فهم عليهم السلام مظاهر الرحمة التي وسعت كلّ شيء ولذلك عرضت ولايتهم التي هي من الرحمة على جميع الخليقة أيضاً كما صرّحت بذلك رواية جامع البزنطي عن سليمان بن خالد قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :

«ما من شيء ولا من آدمي ولا إنسي ولا جنّي ، ولا ملك في السماوات إلاّ ونحن الحجج عليهم ، وما خلق الله خلقاً إلاّ وقد عرض ولايتنا عليه ، واحتجّ بنا عليه ، فمؤمن بنا وكافر وجاحد حتّى السماوات والأرض والجبال ...» (٣).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٥٠ ب ١٨ ح ٢.

(٢) الكافي : ج ١ ص ١٩١ ح ٥.

(٣) مستطرفات السرائر : ج ٣ ص ٥٧٥ ، الشموس الطالعة : ص ١٤٤.

١٠٣

وَسُلالَةَ النَّبِيّينَ (١)

____________________________________

(١) ـ السَلّ : النتزاع الشيء وإخراجه برفق ، يقال : سللت السيف من الغمد أي إنتزعته وأخرجته منه ، ومنه اُخذت السُلالة بضمّ السين كما في كتب اللغويين.

وقد فسّرت لغةً بمعنى الولد ، فيطلق على الذكر سليل وعلى الاُنثى سليلة كما عن الأخفش (١).

وفسّرها الشيخ الطريحي بمعنى الخلاصة من الشيء (٢).

فسلالة النبيين أولادهم ، والخلاصة المأخوذة منهم.

وهذه صفة أهل البيت صلوات الله عليهم ، فإنّهم الذرّية المصطفاه ، والسلالة المنتقاة ، من أنبياء الله الكرام ، ورسله العظام : آدم وشيث وإدريس ونوح وهود وإبراهيم وإسماعيل عليهم السلام وسيّدهم الرسول محمّد صلى الله عليه وآله.

فآل محمّد صلوات الله عليهم هم صفة الصفوة من البيت الهاشمي والسلالة الطاهرة من البيت النبوي.

وقد فسّر بهم عليهم السلام قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٣).

وقد وردت به أحاديث متظافرة من الطريقين الخاصّة والعامّة تلاحظها في غاية المرام وتفسير البرهان وتفسير الصافي (٤).

فهم بحقّ ، سلالة الأنبياء وذرّية الأزكياء من الشامخين أصلاباً ، ومن الطاهرات أرحاماً ، كما تلاحظ نسبهم السامي المنبثق من رسول الله أبي القاسم محمّد بن

__________________

(١) لسان العرب : ج ١١ ص ٢٣٩.

(٢) مجمع البحرين : مادّة سلل ص ٤٧٩.

(٣) سورة آل عمران : الآية ٣٣ ـ ٣٤.

(٤) غاية المرام : ص ٣١٨ ، تفسير البرهان : ج ١ ص ١٧١ ، تفسير الصافي : ج ١ ص ٣٢٨.

١٠٤

.........................................

____________________________________

عبد الله بن عبد المطلّب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن الياس بن مضر بن نزار بن معد عدنان (١) ... سلام الله عليهم أجمعين (٢).

فهم خاصّة ذريّة النبوّة في القرآن العظيم ، وليس لأحد من أعاديهم هذا النسب الكريم.

ولقد كذب من ادّعى أنّ بني اُميّة من بني عبد مناف ، إذ هم الشجرة الملعونة الكتاب (٣) ، وهم من أخسّ الأحساب والأنساب ، بل لم يكونوا من العرب أو من أهل الحسب والنسب.

فإنّ جدّهم اُميّة كان غلاماً روميّاً تبنّاه عبد شمس بن عبد مناف ، فصال لصيقاً به لا إبناً له ، وهذا ظاهر لا خفاء فيه ؛ لذلك لم يستطع معاوية إنكار ما كتبه إليه أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه : «ليس المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق» (٤).

خصوصاً وإنّ اُمّ معاوية كانت هند بنت عتبة التي حملت بمعاوية من أربعة اسخاص لم يكن منهم أبو سفيان حتّى ينسب إليه.

فقد صرّح الزمخشري بأنّه منسوب إلى أربعة لم يكن أبو سفيان مشتركاً معهم (٥).

وكانت جدّة معاوية حمامة بغيّة من ذوات الرايات في ذي المجاز (٦).

هذا أصل بني اُميّة اُمّاً وأباً ، فأي وصلة بينهم وبين بني عبد مناف نسباً أو حسباً؟!

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١٥ ص ١١٠.

(٢) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص ٢٣٣.

(٣) سورة الأسراء : الآية ٦٠.

(٤) بحار الأنوار : ج ٣٣ ص ١٠٧.

(٥) ربيع الأبرار : ج ٤ ص ٢٧٥ الباب ٦٨ الرقم ٩٩.

(٦) الزام النواصب : ص ١٦٦.

١٠٥

وَصَفْوَةَ الْمُرْسَلينَ (١)

____________________________________

(١) ـ الصفوة بتثليث الصاد من صفو الشيء : خالصه وخياره وأحسنه (١).

وفسّرت بمعنى النقاوة أيضاً (٢).

والمرسلين جمع المرسل ، وهو الرسول مطلقاً من الإنس والملك.

إذ المرسل بمعنى الموجّه إلى الأمر المبعوث له كالأنبياء ، بل وحتّى بعض الملائكة بدليل قوله تعالى : (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا) (٣) ـ (٤).

وأهل البيت عليهم السلام هم الأفضل والأحسن من المرسلين أجمعين ، ما عدا جدّهم خاتم النبيين صلى الله عليه وآله.

وهم الخلاصة التي إحتارها الله من رسله ، اُولئك الرسل الذين كانوا هم المصطفون من الحقّ.

وقد دلّت على ذلك آية الإصطفاء في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (٥) وتلاحظ تفسير آل إبراهيم بآل محمّد صلى الله عليه وآله في أحاديثه (٦). مثل :

حديث حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أي جعفر عليه السلام قال : (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) قال : «نحن منهم ونحن بقيّة تلك العترة» (٧).

وقد تمثّلت فيهم صفات الأنبياء وسنن المرسلين اُولئك الأنبياء والرسل الذين

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٥٤ مادّة.

(٢) لسان العرب : ج ١٤ ص ٤٦٢.

(٣) سورة الحجّ : الآية ٧٥.

(٤) مرآة الأنوار : ص ١١٠.

(٥) سورة آل عمران : الآية ٣٣.

(٦) تفسير كنز الدقائق : ج ٣ ص ٧١ ـ ٧٢.

(٧) تفسير كنز الدقائق : ج ٣ ص ٧١.

١٠٦

.........................................

____________________________________

كانوا بأنفسهم القدوة العليا للصفات الفاضلة ، والمحاسن الكاملة.

كما تلاحظه في مثل :

حديث فضيل ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «كانت في علي سنّة الف نبي» (١).

وحديث أبي ذرّ الغفاري قال : بينما ذات يوم من الأيّام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى ، ثمّ قال :

«يا جندب من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، ولى إبراهيم في خلّته ، وإلى موسى في مناجاته وإلى عيسى في سياحته ، وإلى أيّوب في صبره وبلائه ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل الذي هو كالشمس والقمر الساري ، والكوكب الدرّي ، أشجع الناس قلباً وأسخى الناس كفّاً ، فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ، قال : فالتفت الناس ينظرون مَن هذا المقبل ، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام (٢).

ولذلك لم يبعث الله تعالى نبيّاً إلاّ بمعرفة حقّهم ، وتفضيلهم على مَن سواهم كما في حديث عبد الأعلى قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :

«ما من نبي جاء قط إلاّ معرفة حقّنا وتفضيلنا على مَن سوانا» (٣).

بل أخذ من الأنبياء الميثاق بالشهادة بذلك كما في حديث أبي الصباح الكناني ، عن جعفر بن محمّد عليهما السلام قال :

أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام وهو في مسجد الكوفة قد احتبى بسيفه قال : يا أمير المؤمنين إنّ في القرآن آية قد أفسدت قلبي وشكّكتني في ديني.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٣٩ ص ٣٨ ب ٧٣ ح ٨.

(٢) بحار الأنوار : ج ٣٩ ص ٣٨ ب ٧٣ ح ٩.

(٣) الكافي : ج ١ ص ٤٣٧ ح ٤.

١٠٧

.........................................

____________________________________

قال له عليه السلام : وما هي؟

قال : قوله عزّ وجلّ : (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا) (١) هل كان في ذلك الزمان غيره نبيّاً يسأله؟

فقال له علي صلوات الله عليه : اجلس اُخبرك إن شاء الله.

إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) (٢).

فكان من آيات الله عزّ وجلّ التي أراها محمّداً صلى الله عليه وآله أنّه أتاه جبرئيل عليه السلام فاحتمله من مكّة ، فوافى به بيت المقدّس في ساعة من الليل.

ثمّ أتاه بالبراق فرفعه إلى السماء ، ثمّ إلى البيت المعمور ، فتوضّأ جبرئيل وتوضّأ النبي صلى الله عليه وآله كوضوئه ، وأذّن جبرئيل وأقام مثنى مثنى ، وقال للنبي صلى الله عليه وآله : تقدّم فصلّ واجهر بصلاتك ، فإنّ خلفك اُفقاً من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله ، وفي الصفّ الأوّل أبوك آدم ونوح وهود وإبراهيم وموسى وكلّ نبي أرسله الله مذ خلق السماوات والأرض إلى أن بعثك يا محمّد.

فتقدّم النبي صلى الله عليه وآله فصلّى بهم غير هائب ولا محتشم ركعتين ، فلمّا إنصرف من صلاته أوحى الله إليه : (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا) الآية.

فالتفت إليهم النبي صلى الله عليه وآله فقال : بم تشهدون؟

قالوا : نشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّك رسول الله صلى الله عليه وآله وأنّ عليّاً أمير المؤمنين ووصيّك ، وكلّ نبي مات خلّف وصيّاً من عصبته غير هذا ـ وأشار إلى عيسى بن مريم ـ فإنّه لا عصبة له ، وكان وصيّه شمعون الصفا بن حمّون بن عمامة.

__________________

(١) سورة الزخرف : الآية ٤٥.

(٢) سورة الإسراء : الآية ١.

١٠٨

.........................................

____________________________________

ونشهد أنّك رسول الله سيّد النبيّين ، وأنّ علي بن أبي طالب سيّد الوصيين ، اُخذت على ذلك مواثيقنا لكما بالشهادة.

فقال الرجل : أحييت قلبي وفرّجت عنّي يا أمير المؤمنين (١).

وما تكاملت النبوّة لنبي في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولاية محمّد وآل محمّد ، فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم ، كما في حديث حذيفة بن أسد الغفاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

«ما تكاملت النبوّة لنبي في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومُثّلوا له ، فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم» (٢).

واعلم أنّ في نسخة الزيارة (٣) بعد قوله هذا ، زيادة قوله : «وآل يس» ويس هو رسول الله صلى الله عليه وآله وآل محمّد آل يس عليهم السلام.

وقد خصّهم الله بالسلام في سورة الصافات (٤) التي سُلّم فيها على الأنبياء دون آلهم ، إلاّ آل يس كما تلاحظه في أحاديثنا المروية عن أئمّتنا الطاهرين سلام الله عليهم مثل حديث سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام قال :

«أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله إسمه ياسين ، ونحن الذين قال الله : (سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ)» (٥).

وفي المجمع (٦) قال ابن عبّاس : آل يس آل محمّد صلى الله عليه وآله ، وهو قراءة ابن عامر ونافع ورويس عن يعقوب.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٢٨٥ ح ٤٥.

(٢) المعالم الزلفى : ص ٣٠٣ ب ٢٦ ح ٦.

(٣) في البلد الأمين ، ومستدرك الوسائل.

(٤) سورة الصافات : الآية ١٣٠.

(٥) بحار الأنوار : ج ٢٣ ص ١٦٨ ب ٨ ح ٢.

(٦) مجمع البيان : ج ٨ ص ٤٥٦ و ٤٥٧.

١٠٩

وَعِتْرَةَ خِيَرَةِ رَبِّ الْعالَمينَ (١)

____________________________________

(١) ـ عترة الرجل : نسله ورهطه وعشيرته الأقربون. وجاء أيضاً بمعنى ذرّية الرجل من صلبه ، وجاء في اللغة أيضاً لمعان اُخرى فقد حكي عن ابن الأعرابي مجيئه بمعنى قطع المسك الكبار في النافجة ، وبمعنى الريقة العذبة ، وبمعنى الشجرة ، أو الشجرة المقطوعة التي تنبت من اُصولها. وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله هم آل محمّد صلوات الله عليهم كما جاء التصريح بذلك في حديث الريّان بن الصلت قال :

حضر الرضا عليه السلام مجلس المأمون بمرو ، وقد إجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان. فقال المأمون : مَن العترة الطاهرة؟

فقال الرضا عليه السلام : الذين وصفهم الله في كتابه ، فقال جلّ وعزّ : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (١) وهم الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إنّي مخلّف فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، أيّها الناس لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم» قالت العلماء : أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة ، أهم الآل أم غير الآل؟

فقال الرضا عليه السلام : هم الآل ... (٢). قال الشيخ الصدوق قدس سره : (العترة علي بن أبي طالب وذرّيته من فاطمة وسلالة النبي عليهم السلام ، وهم الذين نصّ الله تبارك وتعالى عليهم بالإمامة على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله ، وهم إثنى عشر أوّلهم علي وآخرهم القائم عليهم السلام ، على جميع ما ذهبت إليه العرب من معنى العترة ..) (٣) وهم إثنى عشر أوّلهم علي وآخرهم القائم عليهم السلام ، على جميع ما ذهبت إليه العرب من معنى العترة ...) (٤).

__________________

(١) سورة الأحزاب : الآية ٣٣.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ٢٢٠ ب ٦ ح ٢٠.

(٣) معاني الأخبار : ص ٩٢.

(٤) معاني الأخبار : ص ٩٢.

١١٠

.........................................

____________________________________

والخِيَرة بكسر الخاء وفتحها ، معناها المختار ، أي رسول الله الذي هو خيرة ربّ العالمين ، إختاره الله تعالى الذي هو المنشىء للخلق ، والمربّي لهم ، والمصلح لشأنهم والعالم بخيرهم.

قال في المجمع : (محمّد خيرتك من خلقك) أي المختار المنتجب (١).

وأهل البيت سلام الله عليهم هم عترة خيرة ربّ العالمين أي أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله كما أوضحه وبيّنه وخصّها بهم هو صلوات الله عليه وآله في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين في قوله : «وعترتي أهل بيتي» كما لاحظته في الحديث الرضوي المتقدّم (٢).

فلا يبقى أدنى ريب ، ولا أقلّ شبهة في أنّ أهل البيت عليهم السلام هم عترة الرسول دون غيرهم ، وإن ادّعاها الغير كذباً.

فقول أبي بكر في السقيفة : (نحن عترة رسول الله) يردّه ما يلي :

أوّلاً : أنّه من بني تيم بن مرّة وليس من بني هاشم ، فكيف بنسل النبي وعشيرته الأقربين حتّى يكون من عترته ، كما هو واضح.

ثانياً:أنّه لو كانت دعواه صحيحة لكانت قريش كلّها عترة واحدة ، بل كانوا بنو مُعد بن عدنان عترة واحدة ، بل كان جميع ولد ىدم عترة واحدة ، وهذا واضح الفساد (٣).

ثالثاً : أنّه يشهد بعدم كونه من العترة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ردّه حينما أمره بتبليغ سورة البراءة ، فهبط عليه جبرئيل عليه السلام بأنّه لا يبلّغها إلاّ هو أو رجل منه. فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام وقال : «علي منّي ولا يؤدّي عنّي إلاّ علي» (٤). ففعل الرسول يشهد على أنّ أبا بكر ليس من عترته ، بل ليس منه ، فالعترة خاصّة بأهل بيته.

__________________

(١) مجمع البحرين : مادّة خَيَر ص ٢٥٨.

(٢) وتلاحظ مصادر الحديث في إحقاق الحقّ : ج ٩ ص ٣٠٩ ، وغاية المرام : ص ٢١١.

(٣) تلخيص الشافي ، لشيخ الطائفة : ج ٢ ص ٢٤٢.

(٤) بحار الأنوار : ج ٢١ ص ٢٧٥ ب ٣١ ح ١٠ بطرق الخاصّة ونقله في التلخيص : ج ٢ ص ٢٢٣ في الهامش عن البخاري والترمذي والطبري والسيوطي والشوكاني والمتّقي وابن كثير والخوارزمي والزرقاني والكنجي وابن حجر وغيرهم.

١١١

وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ (١)

____________________________________

(١) ـ الرحمة والبركات معطوفتان على السلام الذي تقدّم في أوّ الزيارة الشريفة في قوله عليه السلام : «السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة».

والرحمة إمّا بيان للسلام ، أو أنّ السلام لرفع المكاره ، والرحمة لجلب الفضائل.

كما وأنّ الركة التي هي الخير والكرم تشمل البركات الدنيوية والاُخروية (١).

هذا تمام بيان السلام الأوّل من السلامات الخمسة التي إشتملت عليها هذه الزيارة الشريفة.

__________________

(١) روضة المتّقين : ج ٥ ص ٤٦١.

١١٢

الفصل الثاني

اَلسَّلامُ عَلى اَئِمَّةِ الْهُدى (١)

____________________________________

(١) ـ مضى بيان معنى السلام على ثلاثة وجوه ... وأنسبيّة المعنى الأخير منها بأن يراد من السلام إسم الله تعالى ، وخاصّية السلامة والرحمة.

فيكون حاصل المعنى من هذه الفقرة أنّ رحمة الله وسلامته على أئمّة الهدى سلام الله عليهم.

والأئمّة جمع إمام وهو المقتدى ، قال تعالى : (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) (١) أي يأتمّ بك الناس فيتّبعونك ويأخذون عنك ، لأنّ الناس يؤمّون أفعاله ، أي يقصدونها فيتّبعونها (٢).

والهدى هي الهداية والإرشاد ، والدلالة والبيان.

قال الكازراني : (خلاصة معنى الهداية في الإستعمال الشرعي ، الدلالة إلى الحقّ ، والدعاء إليه ، وإراءة طريقه ، والإرشاد إليه والأمر به) (٣).

وأهل البيت عليهم السلام هم أئمّة الهدى بمعنى إنّ الهدى يلازمهم ويتبعهم ، فهم أئمّته ، أو بمعنى أنّهم أئمّة الناس في الهداية كما أفاده شيخنا المجلسي قدس سره (٤).

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٢٤.

(٢) مجمع البحرين : مادّة أمَمَ ص ٥٠٣.

(٣) مرآة الأنوار ص ٢٢٧.

(٤) بحار الأنوار : ج ١٠٢ ص ١٣٥.

١١٣

.........................................

____________________________________

فهم الهداة ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قال فيه ربّه سبحانه : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (١).

وهم عدل القرآن الكريم الذين وصفه الله عزّ إسمه بقوله : (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (٢).

وقد جعلهم الله أعلام الهداية في قوله جلّ جلاله : (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (٣).

كما تلاحظ ذلك في تفسير هذه الآية في مثل :

حديث بريد العجلي ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :

«رسول الله صلى الله عليه وآله المنذر ، ولكلّ زمانٍ منّا هادٍ يهديهم إلى ما جاء به نبي الله صلى الله عليه وآله ثمّ الهداة من بعده عليٌّ ثمّ الأوصياء واحدٌ بعد واحد» (٤).

وجاء ذلك في أحاديث الخاصّة والعامّة (٥).

فمن أتاهم اهتدى ، ومن تركهم سلك طريق الردى ، كما في حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى من طرقنا (٦).

ومن اقتدى بهم هُدي إلى صراط مستقيم ، ولم يهب الله محبّتهم لعبد إلاّ أدخله الله الجنّة ، كما في حديث جابر من طرق العامّة (٧).

__________________

(١) سورة الشورى : الآية ٥٢.

(٢) سورة الإسراء : الآية ٩.

(٣) سورة الرعد : الآية ٧.

(٤) الكافي : ج ١ ص ١٩١ ح ٢.

(٥) إحقاق الحقّ : ج ٤ ص ٣٠٠.

(٦) الكافي : ج ١ ص ١٨١ ح ٦.

(٧) ينابيع المودّة : ص ٦٢ ، عنه إحقاق الحقّ : ج ٤ ص ٥٩.

١١٤

وَمَصابيحِ الدُّجى (١)

____________________________________

(١) ـ مصابيح جمع مصباح ـ وهو في اللغة بمعنى السراج الثاقب المضيء ، ويكنّى به عن كل ما يهتدى به.

والدُجى جمع الدُجْيَة بضمّ الدال أي الظلمة ، يقال : ليل دَجِيّ وليل داجٍ أي مظلم.

والأئمّة الأطهار عليهم السلام مصابيح الدجى ، وسُرُج الهداية في الدنيا ، وهادون للخلق من ظلمة الشرك والكفر ، والضلالة والجهل ، إلى نور الإيمان والطاعة والمعرفة والعلم.

بل هم المثل الأعلى لمصباح الهدى ، ووسائل النجاة في جميع الظلمات كما تلاحظ ذلك في حديث عبد العزيز بن مسلم ، عن الإمام الرضا عليه السلام قال فيه :

«الإمام كالشمس الطالعة المجلِّلة بنورها للعالَم وهي في الاُفق ، بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار ، الإمام البدرُ المنير ، والسراج الزاهر ، والنور الساطع ، والنجم الهادي ي غياهب الدجى» (١).

وقد تقدّم في حديث بريد العجلي أنهم الهادون في قوله تعالى : (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) وأفاد في الشموس الطالعة كأنّ قوله عليه السلام في الزيارة الشريفة : «ومصابيح الدجى» إشارة إلى قوله تعالى في الكتاب الكريم : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢) ـ (٣). فقد فسّرت بأهل بيت العصمة سلام الله عليهم كما تلاحظ ذلك في مثل : حديث صالح بن سهل الهمداني قال :

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢٠٠ ح ١.

(٢) سورة النور : الآية ٣٥.

(٣) الشموس الطالعة : ص ١٥٧.

١١٥

.........................................

____________________________________

قال أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) (١) ، فاطمة عليها السلام.

(فِيهَا مِصْبَاحٌ) : الحسن عليه السلام.

(الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) : الحسين عليه السلام.

(الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) : فاطمة كوكب درّي بين نساء أهل الدنيا.

(يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ) : إبراهيم عليه السلام.

(زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) : لا يهوديّة ، ولا نصرانيّة.

(يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ) : يكاد العلم ينفجر بها. (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ).

(نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ) : إمام منها بعد إمام.

(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) : يهدي الله للأئمّة عليهم السلام من يشاء. (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ) (٢).

وقد جاء هذا التفسير من العامّة أيضاً كابن المغازلي في المناقب والحضرمي في رشفة الصادي (٣) وذكر مفصّلاً أحاديث التفسير في المجامع (٤).

فأهل البيت سلام الله عليهم مصابيح الهداية في السماوات والأرضين ، والسرج المنيرة في غياهب الظلمات ، وكلّهم سفن النجاة.

وفي حديث عباية ، عن أمير المؤمنين عليه السلام : «مَثَلُ أهل بيتي مَثَل النجوم ، كلّما أَفَل نجمً طلع نجم آخر» (٥).

__________________

(١) سورة النور : الآية ٣٥.

(٢) تفسير كنز الدقائق : ج ٩ ص ٣٠٨.

(٣) مناقب علي بن أبي طالب : ص ٣١٦ ، رشفة الصادي : ص ٢٩ من الطبعة المصرية.

(٤) بحار الأنوار : ج ١٦ ص ٣٥٥ ب ١١ ح ٤٢ وما بعده.

(٥) بحار الأنوار : ج ٢٤ ب ٢٠ ص ٨٢ ح ٣٢.

١١٦

وَاَعْلامِ التُّقى (١)

____________________________________

(١) ـ أعلام : جمع عَلَم بفتحيتين مثل أسباب جمع سَبَب ، معناه العَلامة.

ويطلق على الجبل الذي يُعلم به الطريق ، والمنار المرتفع الذي يوقد في أعلاه النار ليهتدي به الضالّ ، والراية التي يعرف بها أهل تلك الراية وتكون علامةً لهم.

والتُّقى مصدر إتّقى يتّقي ، وتقى يتّقي ، تُقىً وتِقاء ، معناه التقوى.

والتقوى على وزن نجوى إسم من الإتّقاء ، وهي لغةً بمعنى التحذّر (١).

وجاء في الكتاب العزيز بمعنى الخشية والهيبة ، ومنه قوله تعالى : (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) (٢).

وبمعنى الطاعة والعبادة ، ومنه قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (٣).

وبمعنى تنزيه القلوب عن الذنوب ، ومنه قوله تعالى : (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (٤) ـ (٥).

وقال العلاّمة المجلسي : (التقوى من الوقاية ، وهي في اللغة فرط الصيانة ، وفي العرف صيانة النفس عمّا يضرّها في الآخرة ، وقصرها على ما ينفعها فيها ، ولها ثلاث مراتب :

١ ـ وقاية النفس عن العذاب المخلّد بتصحيح العقائد الإيمانيّة.

٢ ـ التجنّب عن كلّ ما يؤثم من فعل أو ترك ، كما هو المعروف عند أهل الشرع.

٣ ـ التوقّي عن كلّ ما يشغل القلب عن الحقّ ، وهذه درجة الخواصّ بل خاصّ

__________________

(١) لسان العرب : ج ١٥ ص ٤٠٢.

(٢) سورة البقرة : الآية ٤١.

(٣) سورة آل عمران : الاية ١٠٢.

(٤) سورة النور الآية ٥٢.

(٥) مجمع البحرين : مادّة تقا ص ٩٦.

١١٧

.........................................

____________________________________

الخاصّ (١).

وجاء في الحديث تفسير جامع لطيف للتقوى ، فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تفسير التقوى؟

فقال : «أن لا يفقدك حيث أمرك ، ولا يراك حيث نهاك» (٢).

وهذا معنى يجمع المعاني العالية للتقوى ، رزقنا الله الإتّصاف بها.

وأمّا حقيقته فأبلغ كلام وأتمّ بيان في حقيقة التقوى وصفات المتّقين هي غوالي لئالي سيّدهم ومولاهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبته الجليلة التي صعق لها همّام ، فلاحظها في نهج البلاغة (٣) ، وجاءت في اُصول الكافي باسناد ثقة الإسلام الكليني عن عبد الله بن يونس ، عن أبي عبد الله عليه السلام (٤).

وتوصيف أهل البيت عليهم السلام في هذه الزيارة الشريفة بأنّهم أعلام التُّقى بمعنى أنّهم الهادون إلى التّقى كالمنار المنير.

فهم أتقى المتّقين وسادة أهل التقوى واليقين ، فلا تُعرف التقوى إلاّ منهم ، ولا تؤخذ إلاّ عنهم.

وما أكثر وصيّتهم بها ، وحثّهم عليها ، وسَوقهم الناس إليها ، فكانوا أعلام التّقى بحقٍّ وحقيقة باعتراف الأحبّاء والأعداء.

وهم العلامات التي جعلها الله تعالى للعالمين ، وهدى بها المخلوقين كما يستفاد من حديث داود الجصّاص (٥).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٧٠ ص ١٣٦.

(٢) سفينة البحار : ج ٨ ص ٥٥٨.

(٣) نهج البلاغة : ج ٢ ص ١٨٥ الخطبة ١٨٨ من الطبعة المصرية.

(٤) الكافي : ج ٢ ص ٢٢٦ مع اختلاف يسير.

(٥) الكافي : ج ١ ص ٢٠٦ ح ١ ـ ٣.

١١٨

................................ ____________________________________

وقد تظافرت الأحاديث في أنّهم أعلام التقى ومناره (١) نتبرّك منها بحديثٍ واحد طريف جاء ذلك من آخره وهو :

حديث النوفلي ، عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال : حدّثني العبد الصالح الكاظم موسى بن جعفر ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين ، قال : حدّثني أخي وحبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله قال :

«من سرّه أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو مقبل عليه غير معرض عنه فليتوالك يا علي.

من سرّه أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو راضٍ عنه فليتوال إبنك الحسن عليه السلام.

من أحبّ أن يلقى الله ولا خوف عليه فليتوال إبنك الحسين عليه السلام.

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وقد محا الله ذنوبه عنه فليوال علي بن الحسين عليهما السلام ، فإنّه ممّن قال الله عزّ وجلّ : (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (٢).

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو قرير العين فليتوال محمّد بن علي الباقر عليهما السلام.

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ ويعطيه كتابه بيمينه فليتوال جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام.

ومن أحبّ أن يلقى الله طاهراً مطهّراً فليتوال موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام.

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو ضاحك فليتوال علي بن موسى الرضا عليهما السلام.

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وقد رفعت درجاته وبدّلت سيّئاته حسنات فليتوال محمّد بن علي الجواد عليهما السلام.

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ ويحاسبه حساباً يسيراً ، ويدخله جنّات عدن

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ١٠٧ ب ٤ ح ٨٠ وج ٩٤ ص ٨٣ ب ٣٠ ح ٢.

(٢) سورة الفتح : الآية ٢٩.

١١٩

.........................................

____________________________________

عرضها السماوات والأرض اُعدّت للمتّقين فليتوال علي بن محمّد الهادي عليهما السلام.

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو من الفائزين فليتوال الحسن بن علي العسكري عليهما السلام.

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وقد كمل إيمانه ، وحسن إسلامه فليتوال الحجّة بن الحسن المنتظر صلوات الله عليه.

هؤلاء أئمّة الهدى وأعلام التقى ، من أحبّهم وتوالاهم كنت ضامناً له على الله عزّ وجلّ الجنّة» (١).

وفي المقام بابً خاص في تقوى أمير المؤمنين عليه السلام وزهده وورعه في الآيات والروايات وكلمات الأصحاب فلاحظه في البحار (٢).

ولاحظ أيضاً الأخبار المتظافرة التي رواها العامّة في أنّ علياً ولي المتّقين وإمام المتّقين (٣).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ١٠٧ ب ٤ ح ٨٠.

(٢) بحار الأنوار : ج ٤٠ ص ٣١٨ ب ٩٨.

(٣) فهرس إحقاق الحقّ : ص ٥٨٤.

١٢٠