في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

الله ، فهي عصمة وولاية وسلطنة وهداية ، وإنّه تمام الدين ورجح الموازين.

الإمام دليل للقاصدين ، ومنار للمهتدين ، وسبيل السالكين ، وشمس مشرقة في قلوب العارفين ، ولايته سبب للنجاة ، وطاعته مفترضة في الحياة ، وعدّة (١) بعد الممات ، وعزّ المؤمنين ، وشفاعة المذنبين ، ونجاة المحبّين ، وفوز التابعين ، لأنّها رأس الإسلام ، وكمال الإيمان ، ومعرفة الحدود والأحكام ، وتبيين الحلال (٢) من الحرام ، فهي مرتبة لا ينالها إلاّ من اختاره الله وقدّمه وولاّه وحكّمه.

فالولاية هي حفظ الثغور وتدبير الاُمور ، وتعديد الأيّام والشهور (٣).

الإمام الماء العذب على الظمأ ، والدالّ على الهدى ، الإمام المطهّر من الذنوب ، المطّلع على الغيوب ، الإمام هو الشمس الطالعة على العباد بالأنوار ، فلا تناله الأيدي والأبصار.

وإليه الإشارة بقوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (٤) والمؤمنون علي وعترته ، فالعزّة للنبي وللعترة ، والنبي والعترة لا يفترقان في العزّة إلى آخر الدهر.

فهم رأس دائرة الإيمان ، وقطب الوجود ، وسماء الجود ، وشرف الموجود وضوء شمس الشرف ونور قمره ، وأصل العزّ والمجد ومبدؤه ومعناه ومبناه ، فالإمام هو السراج الوهّاج ، والسبيل والمنهاج ، والماء الثجّاج ، والبحر العجّاج والبدر المشرق ، والغدير المغدق ، والمنهج الواضح المسالك ، والدليل إذا عمّت

__________________

(١) العدّة : ما أعددته لحوادث الدهر من مال وسلاح.

(٢) في نسخة : وسنن الحلال.

(٣) في نسخة : [وهي بعدد الأيّام والشهور] ولعلّه مصحّف : وهي بعدد الشهور كما في حاشية البحار.

(٤) سورة المنافقون : (الآية ٨).

١٨١

.........................................

____________________________________

المهالك ، والسحاب الهاطل ، والغيث الهامل (١) والبدر الكامل ، والدليل الفاضل والسماء الظليلة ، والنعمة الجليلة ، والبحر الذي لا ينزف ، والشرف الذي لا يوصف والعين الغزيرة ، والروضة المطيرة ، والزهر الأريج ، والبدر البهيج (٢) والنيّر اللائح ، والطيب الفائح ، والعمل الصالح ، والمتجر الرابح ، والمنهج الواضح ، والطيّب الرفيق (٣) والأب الشفيق ، مفزع العباد في الدواهي (٤) ، والحاكم والآمر والناهي.

مهيمن (٥) الله على الخلائق ، وأمينه على الحقائق ، حجّة الله على عباده ومحجّته في أرضه وبلاده ، مطهّر من الذنوب ، مبرّأ من العيوب ، مطّلع على الغيوب ، ظاهره أمر لا يملك ، وباطنه غيب لا يدرك ، واحد دهره ، وخليفة الله في نهيه وأمره.

لا يوجد له مثيل ولا يقوم له بديل.

فمن ذا ينال معرفتنا ، أو يعرف درجتنا ، أو يشهد كرامتنا أو يدرك منزلتنا؟ حارت () الألباب والعقول ، وتاهت الأفهام فيما أقول.

تصاغرت العظماء وتقاصرت العلماء ، وكلّت الشعراء ، وخرست البلغاء ولكنت الخطباء ، وعجزت الفصحاء ، وتواضعت الأرض والسماء عن وصف شأن الأولياء.

وهل يُعرف أو يوصف أو يعلم أو يفهم أو يدرك أو يملك من هو شعاع جلال

__________________

(١) الوهّاج : شديد الاتّقاد. والثجّاج : سيّال شديد الانصباب. والعجاج : الصياح. والمغدق : من غدق عين الماء ، غزرت وعذبت ، ويقال : هطل المطر أي نزل متتابعاً متفرّقاً. عظيم القطر. ويقال هملت عينه أي فاضت دموعاً. والسماء : دام مطرها في سكون.

(٢) البهيج : الحسن.

(٣) لعلّه مصحّف والطبيب الرفيق.

(٤) الدواهي : المصائب والنوائب والشدائد.

(٥) المهيمن : بمعنى المؤتمن والشاهد ، والقائم على الخلق بأعمالهم وأرزاقهم.

(٦) حار : وتحيّر وتاه : تحيّر وضلّ.

١٨٢

.........................................

____________________________________

الكبرياء ، وشرف الأرض والسماء؟

جلّ مقام آل محمّد صلى الله عليه وآله عن وصف الواصفين ، ونعت الناعتين ، وأن يقاس بهم أحد من العالمين ، كيف وهم الكلمة العلياء ، والتسمية البيضاء ، والوحدانية الكبرى ، التي أعرض عنها من أدبر وتولّى ، وحجاب الله الأعظم الأعلى.

فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول من هذا؟ ومن ذا عرف أو وصف من وصفت؟

ظنّوا أنّ ذلك في غير آل محمّد كذبوا وزلّت أقدامهم ، اتّخذوا العجل ربّاً ، والشياطين حزباً ، كلّ ذلك بغضة لبيت الصفوة ودار العصمة ، وحسداً لمعدن الرسالة والحكمة ، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم ، فتبّاً لهم وسحقاً (١) ، كيف اختاروا إماماً جاهلاً عابداً للأصنام ، جباناً يوم الزحام؟

والإمام يحب أن يكون عالماً لا يجهل ، وشجاعاً لا ينكل ، لا يعلو عليه حسب ، ولا يدانيه نسب ، فهو في الذروة من قريش ، والشرف من هاشم ، والبقيّة من إبراهيم ، والنهج من النبع الكريم ، والنفس من الرسول ، والرضى من الله ، والقول عن الله.

فهو شرف الأشراف ، والفرع من عبد مناف ، عالم بالسياسة ، قائم الرياسة ، مفترض الطاعة إلى يوم الساعة ، أودع الله قلبه سرّه ، وأطلق به لسانه ، فهو معصوم موفّق ليس بجبان ولا جاهل ، فتركوه يا طارق واتّبعوا أهواءهم (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ)؟

والإمام يا طارق بشر ملكيّ ، وجسد سماويّ ، وأمر إلهي ، وروح قدسي ، ومقام عليّ ، ونور جليّ ، وسرّ خفي.

فهو ملك الذات ، إلهيّ الصفات ، زائد الحسنات ، عالم بالمغيبات ، خصّاً من ربّ

__________________

(١) تبّاً له أي ألزمه الله خسراناً وهلاكاً.

١٨٣

.........................................

____________________________________

العالمين ، ونصّاً من الصادق الأمين.

وهذا كلّه لآل محمّد ، لا يشاركهم فيه مشارك ، لأنّهم معدن التنزيل ، ومعنى التأويل ، وخاصّة الربّ الجليل ،ومهبط الأمين جبرئيل ، صفوة الله وسرّه وكلمته ، شجرة النبوّة ، ومعدن الصفوة ، عين المقالة ، ومنتهى الدلالة ، ومحكم الرسالة ، ونور الجلالة ، جنب الله ووديعته ، وموضع كلمة الله ومفتاح حكمته ، ومصابيح رحمة وينابيع نعمته ، السبيل إلى الله والسلسلبيل ، والقسطاس المستقيم ، والمنهاج القويم والذكر الحكيم ، والوجه الكريم ، والنور القديم ، أهل التشريف والتقويم والتقديم والتعظيم والتفضيل ، خلفاء النبي الكريم ، وأبناء الرؤوف الرحيم (١) واُمناء العلي العظيم ، ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم.

السنام الأعظم ، والطريق الأقوم ، من عرفهم وأخذ عنهم فهو منهم ، وإليه الإشارة بقوله : (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) (٢).

خلقهم الله من نور عظمته ، وولاّهم أمر مملكته ، فهم سرّ الله المخزون وأولياؤه ، المقرّبون ، وأمره بين الكاف والنون (٣) ، إلى الله يدعون ، وعنه يقولون وبأمره يعملون.

علم الأنبياء في علمهم ، وسرّ الأوصياء في سرّهم ، وعزّ الأولياء في عزّهم كالقطرة في البحر ، والذرّة في القفر.

والسماوات والأرض عند الإمام كيده من راحته يعرف ظاهرها من باطنها ، ويعلم برّها من فاجرها ، ورطبها ويابسها ، لأنّ الله علّم نبيّه علم ما كان وما يكون ،

__________________

(١) المراد به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الذي وصف بذلك في قوله تعالى : (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) سورة التوبة : الآية ١٢٨.

(٢) سورة إبراهيم : الآية ٣٦.

(٣) زاد في المصدر لا بل هم الكاف والنون.

١٨٤

.........................................

____________________________________

ووَرِثَ ذلك السرّ المصون الأوصياء المنتجبون ، ومن أنكر ذلك فهو شقي ملعون يلعنه الله ويلعنه اللاعنون.

وكيف يفرض الله على عباده طاعة من يحجب عنه ملكوت السماوات والأرض؟

وإنّ الكلمة من آل محمّد تنصرف إلى سبعين وجهاً.

وكلّ ما في الذكر الحكيم والكتاب الكريم والكلام القديم من آية تذكر فيها العين والوجه واليد والجنب فالمراد منها الولي ، لأنّه جنب الله ، ووجه الله ، يعني حقّ الله ، وعلم الله ، وعين الله ، ويد الله ، فهم الجنب العلي ، والوجه الرضي ، والمنهل الرويّ والصراط السوي والوسيلة إلى الله ، والوصلة إلى عفوه ورضاه.

سرّ الواحد والأحد ، فلا يقاس بهم من الخلق أحد ، فهم خاصّة الله وخالصته ، وسرّ الديّان وكلمته ، وباب الإيمان وكعبته ، وحجّة الله ومحجّته وأعلام الهدى ورايته ، وفضل الله ورحمته ، وعين اليقين وحقيقته ، وصراط الحقّ وعصمته ، ومبدأ الوجود وغايته ، وقدرة الربّ ومشيّته ، واُمّ الكتاب وخاتمته ، وفصل الخطاب ودلالته ، وخزنة الوحي وحفظته ، وآية الذكر وتراجمته ، ومعدن التنزيل ونهايته.

فهم الكواكب العُلوية ، والأنوار العَلَوية ، المشرقة من شمس العصمة الفاطمية ، في سماء العظمة المحمّدية ، والأغصان النبوية النابتة في الدوحة الأحمدية ، والأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية ، والذرّية الزكية ، والعترة الهاشمية ، الهادية المهدية ، اُولئك هم خير البريّة.

فهم الأئمّة الطاهرون ، والعترة المعصومون ، والذرّية الأكرمون ، والخلفاء الراشدون ، والكبراء الصدّيقون ، والأوصياء المنتجبون ، والأسباط المرضيّون والهداة المهديّون ، والغرّ الميامين من آل طه وياسين ، وحجج الله على الأوّلين والآخرين.

إسمهم مكتوب على الأحجار ، وعلى أوراق الأشجار ، وعلى أجنحة الأطيار ،

١٨٥

.........................................

____________________________________

وعلى أبواب الجنّة والنار ، وعلى العرش والأفلاك ، وعلى أجنحة الأملاك وعلى حجب الجلال ، وسرادقات العزّ والجمال ، وبإسمهم تسبّح الأطيار ، وتستغفر لشيعتهم الحيتان في لجج البحار.

وإنّ الله لم يخلق أحداً إلاّ وأخذ عليه الإقرار بالوحدانية والولاية للذرّية الزكية والبراءة من أعدائهم.

إنّ العرش لم يستقرّ حتّى كتب عليه بالنور : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله علي ولي الله» (١).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ١٦٩ ب ٤ ح ٣٨ ، عن مشارق الأنوار : ص ١١٤ ـ ١١٨.

١٨٦

وَالْقادَةِ الْهُداةِ (١)

____________________________________

(١) ـ القادة : جمع قائد ، وهو الأمير والرئيس ومن يقود ، يقال : (قوّاد أهل الجنّة) بمعنى الذين يسبقونهم ويقودونهم ويجرّونهم إلى الجنّة (١).

والهداة : جمع هادي ، فاعل الهداية ، وهي الدلالة والبيان والإرشاد.

وآل الرسول سلام الله عليهم هم القادة الهداة الذين يقودون شيعتهم إلى روضات الجنّات ، وأعلى الدرجات ، ويهدونهم إلى صراط الله ، وطريق النجاة.

وقد قال الله تعالى فيهم : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (٢) كما تلاحظ تفسيرها بالأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين في أحاديث البرهان (٣).

وهم المعنيّون بقوله تعالى : (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (٤) كما تلاحظه في حديث عبد الرحيم القصير (٥).

وتدلّ عليه الأحاديث المتظافرة ، من ذلك :

حديث الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : «آل محمّد صلى الله عليه وآله أبواب الله وسبيله ، والدعاة إلى الجنّة ، والقادة إليها ، والأدلاّء عليها إلى يوم القيامة» (٦).

__________________

(١) لاحظ مجمع البحرين : ص ٢٢٤.

(٢) سورة الأنبياء : الآية ٧٣.

(٣) تفسير البرهان : ج ٢ ص ٦٩٤ ، تفسير كنز الدقائق : ج ٨ ص ٤٤١.

(٤) سورة الرعد : الآية ٧.

(٥) الكافي : ج ١ ص ١٩٢ ح ٤.

(٦) بحار الأنوار : ج ٢ ص ١٠٤ ب ١٤ ح ٦٠.

١٨٧

وَالسّادَةِ الْوُلاةِ (١)

____________________________________

(١) ـ السادة : جمع السيّد ، مأخوذ من ساد يسود سيادةً ، والاسم : السؤدد يعني المجد الشرف.

والسيّد في اللغة هو الرئيس ، الكبير في قومه المطاع في عشيرته ، ويطلق على الذي يفوق في الخير ، والمالك ، والشريف ، والفاضل ، والكريم ، والحليم ، والمتحمّل أذى قومه ، والمقدَّم.

من ذلك حديث النبي صلى الله عليه وآله : «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر».

وفي حديث الحسنين عليهما السلام : «أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة» (١).

وأهل البيت عليهم السلام حائزون هذه السيادة المثلى على جميع أهل الدنيا ، كما يدلّ عليه :

حديث الإمام الرضا عليه السلام : «نحن سادة في الدنيا ، وملوك في الآخرة» (٢).

والولاة : جمع الوالي ، وهو الأولى بالتصرّف ، والأحقّ ، والذي يلي التدبير كما هو معناه الشائع الحقيقي المعهود ، وتظافر نقله في أصل اللغة.

وأهل البيت عليهم السلام الذين هم السادة بجميع معنى الكلمة هم أولياء الله ، والولاة من قِبَلِه ، والأولى بالخلق من أنفسهم بنصّ الكتاب الأعظم ، وتنصيص الرسول الأكرم في آيات عديدة ، وأحاديث متواترة ، متّفق عليها بين الفريقين ، ذكرنا تفصيل الإستدلال بها من الأدلّة الأربعة في مبحث الإمامة (٣).

قال تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ

__________________

(١) مجمع البحرين : مادّة سَيَد ص ٢١٠.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٢٦٢ ح ٤٤.

(٣) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى ص ٢٩١.

١٨٨

.........................................

____________________________________

الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (١).

ونَصَّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في حديث الغدير الشريف بقوله : «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

وأهل البيت عليهم السلام لهم ـ بإذن الله تعالى ـ الولاية الإلهية المطلقة على جميع الكائنات ، من الذروة إلى الذرّة ، تكوينية وتشريعية بالبيان التالي :

أمّا الولاية التشريعية فهي الولاية الإلهية الثابتة لهم في عالم التشريع ، وأولويتهم بالناس من أنفسهم في كلّ شيء ، ومنصبهم الشرعي في التصدّي لجميع الاُمور الشرعية.

وهي التي أشرنا إليها آنفاً ، الثابتة بالأدلّة الأربعة.

وأمّا الولاية التكوينية فهي السلطنة الثابتة لهم عليهم السلام ـ بإذن الله وحوله وقوّته ـ على جميع الموجودات ، فجميعها تابعة وخاضعة ومسخّرة لهم عليهم السلام ، فيتصرّفون في عالم الكون تصرّفاً تكوينياً وهذه الولاية هي التي تراها في معاجزهم الثابتة بالأدلّة المتواترة والتي هي من مظاهر ولايتهم التكوينية.

وقد دلّ على هذه الولاية في أهل البيت عليهم السلام الدليل العلمي المتواتر مثل :

١ ـ حديث يونس الذي يبيّن الطاعة العملية الكونية لهم عليهم السلام ، عن الإمام الصادق عليه السلام جاء فيه : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : «اجتمعوا أربعة عشر رجلاً أصحاب العقبة ليلة أربع عشرة منن ذي الحجّة ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله : ما من نبي إلاّ وله آية ، فما آيتك في ليلتك هذه؟

فقال النبي صلى الله عليه وآله : ما الذي تريدون؟

__________________

(١) سورة المائدة : الآية ٥٥.

١٨٩

.........................................

____________________________________

فقالوا : إن يكن لك عند ربّك قدر فأمر القمر أن ينقطع قطعتين.

فهبط جبرئيل فقال : يا محمّد إنّ الله يقرئك السلام ويقول لك : إنّي قد أمرت كلّ شيء بطاعتك.

فرفع رأسه فأمر القمر أن ينقطع قطعتين ، فانقطع قطعتين ، فسجد النبي صلى الله عليه وآله شكراً لله وسجد شيعتنا ، ثمّ رفع النبي صلى الله عليه وآله رأسته ورفعوا رؤوسهم.

فقالوا : تعيده كما كان. فعاد كما كان.

ثمّ قالوا : ينشقّ رأسه فأمره فانشقّ ، فسجد النبي صلى الله عليه وآله شكراً لله وسجد شيعتنا» (١).

٢ ـ حديث هشام ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) (٢) ما ذلك الملك العظيم؟

قال : «فرض الطاعة ومن ذلك طاعة جهنّم لهم يوم القيامة يا هشام» (٣).

٣ ـ حديث سلمان وأبي ذرّ ، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : ... يا سلمان ويا جندب.

قالا : لبّيك يا أمير المؤمنين صلوات الله عليك.

قال عليه السلام : «أنا اُحيي واُميت بإذن ربّي ، وأنا اُنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم بإذن ربّي ، وأنا عالم بضمائر قلوبكم ، والأئمّة من أولادي عليهم السلام يعلمون ويفعلون هذا إذا أحبّوا وأرادوا لأنّا كلّنا واحد ، أوّلنا محمّد وآخرنا محمّد وأوسطنا محمّد وكلّنا محمّد فلا تفرّقوا بيننا ، ونحن إذا شئنا شاء الله وإذا كرهنا كره الله.

__________________

(١) كنز الدقائق : ج ١٢ ص ٥٢٩.

(٢) سورة النساء : الآية ٥٤.

(٣) بصائر الدرجات : ص ٣٥ ب ١٧ ح ١.

١٩٠

.........................................

____________________________________

الويل كلّ الويل لمن أنكر فضلنا وخصوصيّتنا وما أعطانا الله ربّنا ، لأنّ من أنكر شيئاً ممّا أعطانا الله فقد أنكر قدرة الله عزّ وجلّ ومشيّته فينا».

يا سلمان ويا جندب ، قالا : لبّيك يا أمير المؤمنين صلوات الله عليك.

قال عليه السلام : «لقد أعطانا الله ربّنا ما هو أجلّ وأعظم وأعلى وأكبر من هذا كلّه».

قلنا : يا أمير المؤمنين ما الذي أعطاكم ما هو أعظم وأجلّ من هذا كلّه؟

قال : «قد أعطانا ربّنا عزّ وجلّ علمنا للإسم الأعظم ، الذي لو شئنا خرقت السماوات والأرض والجنّة والنار ، ونعرج به إلى السماء ونهبط به الأرض ، ونغرّب ونشرّق وننتهي به إلى العرش فنجلس (١) عليه بين يدي الله عزّ وجلّ ، ويطيعنا كلّ شيء حتّى السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والبحار والجنّة والنار ، أعطانا الله ذلك كلّه بالاسم الأعظم الذي علّمنا وخصّنا به ، ومع هذا كلّه نأكل ونشرب ونمشي في الأسواق ، ونعمل هذه الأشياء بأمر ربّنا ونحن عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.

وجعلنا معصومين مطهّرين وفضّلنا على كثير من عباده المؤمنين ، فنحن نقول : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله وحقّت كلمة العذاب على الكافرين ، أعني الجاحدين بكلّ ما أعطانا الله من الفضل والإحسان ، يا سلمان ويا جندب فهذا معرفتي بالنورانية فتمسّك بها راشداً فإنّه لا يبلغ أحد من شيعتنا حدّ الإستبصار حتّى يعرفني بالنورانية ، فإذا عرفني بها كان مستبصراً بالغاً كاملاً قد خاض بحراً من العلم ، وارتقى درجة من الفضل ، واطّلع على سرّ من سرّ الله ،

__________________

(١) في الهامش : هذا كناية عن شدّة قربهم وعظم منزلتهم عند الله ، أو كناية عن إحاطتهم العلمية باُمور السماوات والأرضين بإضافة الله تعالى إيّاهم ، أو قدرتهم عليها واطاعتها لهم عليهم السلام.

١٩١

.........................................

____________________________________

ومكنون خزائنه» (١).

٤ ـ حديث جابر ، عن الإمام السجّاد عليه السلام أنّه قال : «... اخترَعَنا من نور ذاته وفوّض إلينا اُمور عباده ، فنحن نفعل بإذنه ما نشاء ، ونحن إذا شئنا شاء الله ، وإذا أردنا أراد الله ونحن أحلّنا الله عزّ وجلّ هذا المحلّ ، واصطفانا من بين عباده ، وجعلنا حجّته في بلاده.

فمن أنكر شيئاً وردّه فقد ردّ على الله جلّ إسمه وكفر بآياته وأنبيائه ورسله يا جابر من عرف الله تعالى بهذه الصفة فقد أثبت التوحيد» (٢).

٥ ـ حديث زرارة ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يحدّث عن آبائه عليهم السلام أنّ مريضاً شديد الحمّى عاده الحسين عليه السلام فلمّا دخل باب الدار طارت الحمّى عن الرجل ، فقال له : رضيت بما اُوتيتم به حقّاً حقّاً ، والحمّى تهرب عنكم.

فقال له الحسين عليه السلام : «والله ما خلق الله شيئاً إلاّ وقد أمره بالطاعة لنا» ... الحديث (٣).

٦ ـ حديث ابن فضّال ، عن الإمام الصادق عليه السلام في وفد خراسان جاء فيه : «سبحان الذي سخّر للإمام كلّ شيء ، وجعل له مقاليد السماوات والأرض لينوب عن الله في خلقه ويقيم فيهم حدوده ، كما تقدّم إليه ليثبت حجّة الله على خلقه ، فإنّ الإمام حجّة الله تعالى في خلقه» (٤).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٦ ـ ٧ ب ١ ح ١.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ١٤ ب ١ ح ٢.

(٣) بحار الأنوار : ج ٤٤ ص ١٨٣ ب ٢٥ ح ٨.

(٤) الثاقب في المناقب : ص ٤١٨ ح ٢.

١٩٢

.........................................

____________________________________

٧ ـ حديث سليمان بن خالد المتقدّم عن الإمام الصادق عليه السلام قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : «ما من شيء ولا من آدمي ، ولا إنسي ولا جنّي ، ولا ملك في السماوات إلاّ ونحن الحجج عليهم ، وما خلق الله خلقاً إلاّ وقد عرض ولايتنا عليه ، واحتجّ بنا عليه ، فمؤمن بنا وكافر جاحد حتّى السماوات والأرض والجبال ...» (١).

٨ ـ حديث محمّد بن سنان ، عن الإمام الجواد عليه السلام أنّه قال له : «يا محمّد إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيته ثمّ خلق محمّداً وعلياً وفاطمة ، فمكثوا ألف دهر ، ثمّ خلق جميع الأشياء ، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض اُمورها إليهم ، فهم يحلّون ما يشاؤون ويحرّمون ما يشاؤون ، ولن يشاؤوا إلاّ أن يشاء الله تبارك وتعالى.

ثمّ قال : يا محمّد هذه الديانة التي من تقدّمها مَرَق ومن تخلّف عنها محق ومن لزمها لحق ، خذها إليك يا محمّد» (٢).

٩ ـ حديث الثمالي ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : «أوحى الله تعالى إلى محمّد صلى الله عليه وآله إنّي خلقتك ولم تك شيئاً ، ونفخت فيك من روحي كرامة منّي أكرمتك بها حين اُوجبت لك الطاعة على خلقي جميعاً ، فمن أطاعك فقد أطاعني ومن عصاك فقد عصاني ، وأوجبت ذاك في علي وفي نسله ممّن اختصصته منهم لنفسي» (٣).

١٠ ـ حديث يونس ، عن الإمام الصادق عليه السلام في زيارة الإمام الحسين عليه السلام قلت : جعلت فداك إنّي اُريد أن أزوره فكيف أقول وكيف أصنع؟

__________________

(١) مستطرفات السرائر : ج ٣ ص ٥٧٥.

(٢) الكافي : ج ١ ص ٤٤١ ح ٥.

(٣) الكافي : ج ١ ص ٤٤٠ ح ٤.

١٩٣

.........................................

____________________________________

قال : إذا أتيت أبا عبد الله عليه السلام فاغتسل على شاطيء الفرات ، ثمّ البس ثيابك الطاهرة ، ثمّ امش حافياً فإنّك في حرم من حرم الله وحرم رسوله ، وعليك بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والتعظيم لله عزّ وجلّ كثيراً ، والصلاة على محمّد وأهل بيته ، حتّى تصير إلى باب الحير ، ثمّ تقول :

السلام عليك يا حجّة الله وابن حجّته ... من أراد الله بدأ بكم ، بكم يبيّن الله الكذب وبكم يباعد الزمان الكَلِب ، وبكم فتح الله ، وبكم يختم الله وبكم يمحو الله ما يشاء وبكم يثبت ، وبكم يفكّ الذلّ من رقابنا ، وبكم يدرك الله ترة كلّ مؤمن يطلب بها وبكم تنبت الأرض أشجارها ، وبكم تخرج الأشجار أثمارها ، وبكم تنزّل السماء قطرها ورزقها ، وبكم يكشف الله الكرب ، وبكم ينزّل الله الغيث ، وبكم تسيخ الأرض (١) التي تحمل أبدانكم ، وتستقرّ جبالها عن مراسيها.

إرادة الربّ في مقادير اُموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم ، والصادر عمّا فصل من أحكام العباد» (٢).

__________________

(١) «وبكم تسيخ» ـ بالسين المهملة والياء المثنّاة التحتانية والخاء المعجمة ـ أي تستقرّ وتثبت الأرض بكم لكونها حاملة لأبدانكم الشريفة أحياءً وأمواتاً ، وفي بعض النسخ بالباء الموحّدة والهاء المهملة يعني تسبّح فيمكن أن يقرأ على بناء المفعول أي تُقدّس وتُنزّه وتُذكر بالخير بيوتكم وضرائحكم ومواضع آثاركم ، كما في مرآة العقول.

(٢) الكافي : ج ٤ ص ٥٧٦ ـ ٥٧٧ ح ٢.

١٩٤

وَالذّادَةِ الْحُماةِ (١)

____________________________________

(١) ـ الذادة : جمع الذائد مأخوذ من الذّود وهو دفع الضرر والضارّ ، مثل الذبّ بمعنى المنع والدفع ، أي الذين يدفعون عن دين الله تعالى ، ويُبَعّدون الناس عمّا يهلكهم ويردّون كيد الكائدين كما في حديث ابن وهب (١).

وفي الحديث الجامع لصفات الإمام عليه السلام «يَذُبّ عن دين الله» و«الذابّ عن حُرَمِ الله» (٢).

وصرّح بها حديث جابر : «نحن الكفاة والولاة والحماة» (٣).

والحماة : جمع الحامي من الحماية ، يقال : حمى الطبيبُ المريضَ أي منعه وجنّبه عمّا يضرّه ، وحمى الضعيف أي ساعَدَه ، وأهل البيت سلام الله عليهم يحمون شيعتهم عن الذاهب الفاسدة ، والمهالك الكبيرة في الدنيا والآخرة ، بعناياتهم وبركاتهم وشفاعتهم.

وقد وردت بذلك الأخبار المتواترة ، والأدلّة المتظافرة وعرفه الوجدان ، وأقرّ به كلّ ذي إيمان كما تلاحظه في أحاديث الاستشفاع (٤) وأحاديث الشفاعة (٥).

وتلاحظ لطفهم عليهم السلام في عدم إهمال ذكرنا ومراعاتنا في توقيع الناحية المقدّسة للشيخ المفيد قدس سره. جاء في التوقيع الأوّل : «إنّا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولو لا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء».

وجاء في التوقيع الثاني : «لأنّنا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء ، فليطمئن بذلك من أولياءنا القلوب ، وليثقوا بالكفاية منه وإن راعتهم بهم الخطوب ، والعاقبة بجميل صنع الله سبحانه تكون حميدة لم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب» (٦).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٥٤ ح ٥.

(٢) الكافي : ج ١ ص ٢٠٠ ح ١.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ٢٢ ب ١ ح ٣٨.

(٤) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٣١٩ ب ٧ الأحاديث.

(٥) بحار الأنوار : ج ٨ ص ٢٩ ب ٢١ ح ٤٢ و ٣١ و ٥٩.

(٦) الاحتجاج : ج ٢ ص ٣٢٣ ـ ٣٢٤.

١٩٥

وَاَهْلِ الذِّكْرِ (١)

____________________________________

(١) ـ إشارة إلى أنّ أهل بيت العصمة سلام الله عليهم هم أهل الذكر الذين أمر الله تعالى بمسألتهم في القرآن الكريم حيث قال : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١).

كما ورد تفسيره بهم في الأخبار المتواترة (٢١) حديثاً من طرق الخاصّة ، و(٢٣) حديثاً من طرق العامّة (٢).

والذِّكر في اللغة هو المذكِّر.

وهو إمّا عبارة عن القرآن الكريم الذي لا يزال يُذكِّر ويُذَكّرُ به بدليل قوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ) (٣).

وأمّا عبارة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الذي هو أعظم مذكّر بالله إلى يوم القيامة ، بدليل قوله عزّ إسمه : (قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) (٤).

وبكلا المعنيين يكون المعصومون أهل الذكر ، إذ هم أهل بيت الوحي القرآني ، وأهل البيت النبوي ، كما تلاحظه في أحاديثه الوافرة (٥) من ذلك :

١ ـ حديث محمّد بن مسلم ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : «إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله عزّ وجلّ : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أنّهم اليهود والنصارى.

قال : إذاً يدعونكم إلى دينهم ، قال : ـ قال بيده إلى صدره ـ : نحن أهل الذكر

__________________

(١) سورة النحل : الآية ٤٣.

(٢) غاية المرام : ص ٢٤٠.

(٣) سورة الزخرف : الآية ٤٤.

(٤) سورة الطلاق : الآية ١٠ ـ ١١.

(٥) الكافي : ج ١ ص ٢١٠ الأحاديث التسعة ، وبحار الأنوار : ج ٢٣ ص ١٧٣ ب ٩ ، ٦٥ حديثاً.

١٩٦

.........................................

____________________________________

ونحن المسؤولون» (١).

٢ ـ حديث الفضل ، عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله الله تبارك وتعالى : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ).

قال : «الذكر القرآن ونحن قومه ونحن المسؤولون» (٢).

٣ ـ حديث عبد الله بن عجلان ، عن الإمام الباقر عليه السلام : في قول الله عزّ وجلّ : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «الذكر أنا ، والأئمّة أهل الذكر» (٣).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢١١ ح ٧.

(٢) الكافي : ج ١ ص ٢١١ ح ٥.

(٣) الكافي : ج ١ ص ٢١٠ ح ١.

١٩٧

وَاُولِى الاْمْرِ (١)

____________________________________

(١) ـ تقدّم أنّ اُولي جمع لا واحد له من لفظه ، ويستعمل ذو مكان مفرده ، واُولو بمعنى أصحاب. واُولو الأمر أي الذين هم أولياء الأمر وولاة التدبير.

والأمر تقدّم معناه في فقرة «والمستقرّين في أمر الله».

وهذا إشارة إلى أنّ أهل البيت سلام الله عليهم هم الذين أمر الله بإطاعتهم في قوله عزّ إسمه : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) (١).

وقد وردت الأخبار المتواترة أيضاً من طرق الفريقين بتفسيرها بالآل الكرام صلوات الله عليهم (١٤) حديثاً من الخاصّة ، و(١١) حديثاً من العامّة (٢).

فمن الخاصّة مثل حديث الشيخ الصدوق باسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال : سألت النبي صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) عرفنا الله ورسوله فمن اُولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟

قال صلى الله عليه وآله : «هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين من بعدي أوّلهم علي بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ، ثمّ محمّد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام ، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ علي بن موسى ، ثمّ محمّد بن علي ، ثمّ علي بن محمّد ، ثمّ الحسن بن علي ، ثمّ سميّي وكنيّي حجّة الله في ارضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن علي ، ذلك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ...» (٣).

ومن العامّة مثل حديث الحاكم الحسكاني بسنده عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

__________________

(١) سورة النساء : الآية ٥٩.

(٢) غاية المرام : ص ٢٦٣ ، إحقاق الحقّ : ج ٣ ص ٤٢٤ ، وج ١٤ ص ٣٤٨.

(٣) غاية المرام : ص ٢٦٧ ح ١٠.

١٩٨

.........................................

____________________________________

«شركائي الذين قرنهم الله بنفسه وبي وأنزل فيهم : (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الآية ، فإن خفتم تنازعاً في أمر فأرجعوه إلى الله والرسول واُولي الأمر.

قلت : يا نبي الله مَن هم؟

قال : أنت أوّلهم» (١).

فهم أصحاب ولاية الأمر المقترنة ولا يتهم مع ولاية الله والرسول ، بل إنحصرت بهم الولاية العظمى في قوله عزّ إسمه : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (٢).

فقد فسّرت بأهل البيت عليهم السلام من طرق الخاصّة في (١٩) حديثاً ومن طرق العامّة في (٢٤) حديثاً (٣). واعترف به العامّة في (٦٦) كتاباً من مصادرهم (٤) ، وقد فصّلنا بيان الإستدلال به في كتاب العقائد (٥).

__________________

(١) إحقاق الحقّ : ج ١٣ ص ٣٤٨.

(٢) سورة المائدة : الآية ٥٥.

(٣) غاية المرام : ص ١٠٣.

(٤) الغدير : ج ٣ ص ١٥٦.

(٥) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص ٢٩١.

١٩٩

وَبَقِيَّةِ اللهِ (١)

____________________________________

(١) ـ بقيّة : جمعها بقايا وبقيّات مثل عطيّة التي جمعها عطايا وعطيّات ، هي ما يُبقى ويدّخر ، وهي تكون طبعاً ممّا هي نفيسة في ذاتها وينتفع بها في بقائها.

وبقيّة الله هم من أبقاهم الله رحمة لعباده ، وحججاً على خلقه.

وهي إشارة إلى الآية المباركة قوله تعالى : (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (١).

فقد فُسّرت بأهل البيت الذين هم بقيّة خلفاء الله وحججه في الأرض من الأنبياء والأوصياء ، فهم الذين أبقاهم الله ويبقيهم إلى آخر الدنيا حججاً لهداية الخلق إلى الله ، ولا يخلو منهم عصر.

هذا وتاتي البقيّة أيضاً بمعنى الرحمة فهم رحمة الله التي مَنّ بها على عباده كرسول الله الذي كان رحمةً للعالمين.

والآية الشريفة هذه وإن كان تنزيلها في النبي شعيب عليه السلام ، إلاّ أنّ تأويلها في المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.

وقد تمثّل بها المعصومون عليهم السلام ووُصفوا بها في عدّة موارد وأحاديث :

١ ـ تمثّل بها الإمام الباقر عليه السلام في حديث سفره إلى الشام ننقله بتفصيله لجزيل فائدته :

ذكر السيّد ابن طاووس رحمه الله في كتاب أمان الأخطار ناقلاً عن كتاب دلائل الإمامة تصنيف محمّد بن جرير الطبري الإمامي ، من أخبار معجزات مولانا محمّد بن علي الباقر عليهما السلام. ذكره باسناده عن الإمام الصادق عليه السلام قال :

__________________

(١) سورة هود : الآية ٨٦.

٢٠٠