في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

وَخَزَنَةً لِعِلْمِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ أي رضيكم الله تعالى خازنين لعلمه.

وتقدّم أنّ الخزن هو حفظ الشيء في الخزانة.

وأهل البيت سلام الله عليهم إرتضاهم الله تعالى لأن يكونوا حافظين للعلوم الإلهية ، وخزائن للمعارف الربّانية ، وكانوا هم الصفوة اللائقون لميراث العلم وحقائق الحكمة.

وقد تقدّم ذكر دليل خازنيّتهم لعلم الله تعالى ، مع بيان جهات علومهم في قوله عليه السلام : «وخزّان العلم» فراجع.

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني باباً من الأحاديث في أنّ الأئمّة عليهم السلام ولاة أمر الله وخزنة علمه (١) ، من ذلك :

حديث عبد الله بن أبي يعفور قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :

«يابن أبي يعفور إنّ الله واحداً متوحّدٌ بالوحدانيّة ، متفرّد بأمره فخلق خلقاً فقدّرهم لذلك الأمر ، فنحن هم يابن أبي يعفور ، فنحن حجج الله في عباده ، وخزّانه على علمه ، والقائمون بذلك» (٢).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ١٩٢.

(٢) الكافي : ج ١ ص ١٩٣ ح ٥.

٢٨١

وَمُسْتَوْدَعاً لِحِكْمَتِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ المستودع بفتح الدال : هو من يودَع عنده الشيء ، من الإستيداع بمعنى الإستنابة في الحفظ ، يقال : إستودعته المال أي استحفظته إيّاه وجعلته حافظاً له.

والحكمة تقدّم بيانها بأنّها في اللغة : العلم الذي يرفع الإنسان ويمنعه عن فعل القبيح.

وفي الإصطلاح هي العلوم الحقيقية الإلهية كما عرّفه الأعاظم.

وفُسّرت في الأحاديث الشريفة بطاعة الله تعالى ، ومعرفة الإمام عليه السلام ، والولاية ، والتفقّه في الدين ، والعقل ، والفهم واجتناب الكبائر التي اُوجب عليها النار.

وأهل البيت عليهم السلام رضى الله تعالى بهم مستودعاً لحكمته ، ومحلاً لحفظها ، وكنزاً لمحافظتها ، وخزانةً لرعايتها.

حيث كانوا في أسمى مراتب اللياقة لأن يكونوا خزائن للحكمة الإلهية ، ومعادن للمعارف الربّانية ، فآتاهم الله الحكمة ، وفصل الخطاب.

والأدلّة تقدّم بيانها في فقرة «معادن حكمة الله» وقد تقدّم ذكر أحاديث حكمتهم كحديث ابي سعيد الخدري عن أمير المؤمنين عليه السلام (١) فراجع.

ويضاف الحديث عن الإمام الكاظم عليه السلام : «نحن حكماء الله في أرضه» (٢). وفي نسخة الكفعمي : «ومستودعاً لسرّه».

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٢٩٠ ح ٣٧.

(٢) مرآة الأنوار : ص ٨٩.

٢٨٢

وَتَراجِمَةً لِوَحْيِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ تراجمة بكسر الجيم : جمع تَرجُمان ، فتح التاء وضمّ الجيم على الأجود.

وهو الذي يبيّن الكلام ويوضّحه ، والذي يترجم الكلام ويعبّر عنه بلغة اُخرى غير لغة المتكلّم ().

والوحي : معروف المعنى وقد تقدّم معناه في قوله عليه السلام : «ومهبط الوحي».

وفسّر الوحي في هذه الفقرة المباركة بأنّه يراد به القرآن الكريم ، أو الوحي الإلهي بنحوٍ عام ، ممّا اُوحي إلى نبيّنا الأكرم صلى الله عليه وآله قرآناً ، وحديثاً قدسيّاً ، وما اُوحي إلى الأنبياء السلف سلام الله عليهم.

وأهل البيت عليهم السلام هم الذين إرتضاهم الله تعالى لبيان وحيه ، وهداية خلقه كما في خطبة الإمام الصادق عليه السلام (١).

وهم الذين جعلهم ورثة القرآن الكريم كما في حديث الإمام الرضا عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا) (٢).

قال : «ولد فاطمة عليها السلام» (٣).

وهم الذين اختارهم وجعلهم الوارثين لعلوم وكتب أنبيائه التي تجد ذكرها في حديث أبي ذرّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله (٤).

فهم ورثة الكتب الإلهية المقدّسة ، وتراجمة الوحي الربّاني الأقدس كما دلّت عليه الأحاديث الشريفة (٥). ومن ذلك :

__________________

(١) مجمع البحرين : مادّة ترجم ص ٥٠٦.

(٢) الكافي : ج ١ ص ٢٠٣ ح ٢.

(٣) سورة فاطر : الآية ٣٢.

(٤) الكافي : ج ١ ص ٢١٥ ح ٣ ، وص ٢٢٨ ح ١ ـ ٣.

(٥) مجمع البيان : ج ١٠ ص ٤٧٦.

(٦) الكافي : ج ١ ص ٢٢٢ ح ٦ ، وص ٢٢٥ ح ٥ و ٦

٢٨٣

.........................................

____________________________________

ما تقدّم عن هشام بن الحكم في حديث بريهة عن الإمام الصادق عليه السلام الذي ورد فيه : أنّ كتب الأنبياء هي عندنا وراثة من عندهم ، نقرأها كما قرأوها ونقولها كما قالوا (١).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢٢٧ ح ١.

٢٨٤

وَاَرْكاناً لِتَوْحيدِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ الأركان : جمع ركن ، وهو الجانب القوي للشيء الذي يكون به قوام ذلك الشيء وعليه استناده ، ومنه ركن البيت.

وتوحيده : هو الاعتقاد بوحدانية الله تعالى.

أي رضيكم الله تعالى بأن تكونوا أركاناً لتوحيده.

بمعنى أنّ ولايتهم هو الركن لتوحيد الله ، ولا يُقبل اعتقاد التوحيد من أحد إلاّ إذا كان مقروناً بالاعتقاد بولاية أهل البيت سلام الله عليهم.

كما يستفاد من الروايات الشريفة مثل حديث بُريد العجلي قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : «بنا عُبد الله ، وبنا عُرف الله ، وبنا وُحّد الله تبارك وتعالى» (١).

فقبول التوحيد مشروط باعتقاد الولاية كما تقدّم ذكره في فقرة «أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له» مع أحاديثه المتواترة ، ويأتي بيانه في فقرة : «بموالاتكم تمّت الكلمة».

وقد تظافرت الأخبار في عدم موحّدية أعدائهم ومخالفيهم ، وذمّ معانديهم ومبغضيهم (٢) كما سيأتي في الفقرة المذكورة.

وعلى هذا إجماع الإمامية الحقّة ، واعتقاد الطائفة المحقّة (٣).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ١٤٥ ح ١٠.

(٢) الكافي : ج ١ ص ٤٣٧ ح ٧ ، بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٢١٨ ب ١٠ الأحاديث.

(٣) مرآة الأنوار : ص ١٤.

٢٨٥

وَشُهَداءَ عَلى خَلْقِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ شهداء : جمع شاهد ، وهو : من يُخبر خبراً جزميّاً عن مشاهدة ، أو ما يقوم مقام المشاهدة من الأدلّة والبراهين كما يستفاد من شيخ الطائفة قدس سره (١).

فحقيقة الشهادة هي الحضور مع المشاهدة بصراً أو بصيرة.

وأهل البيت عليهم السلام رضى بهم الله تعالى شهداء على الخلق في أعمالهم وأفعالهم ، وفي تصديقهم وتكذيبهم.

وقد فُسّر بهم عليهم السلام قوله تعالى : (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (٢) ـ (٣).

وقد أفاد والد العلاّمة المجلسي تواتر الأخبار بكونهم عليهم السلام الشهداء على خلق الله (٤).

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني قدس سره باباً في أنّ الأئمّة عليهم السلام شهداء الله عزّ وجلّ على خلقه (٥) من ذلك :

حديث بريد العجلي قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ : (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)؟

قال : «نحن الاُمّة الوسطى ، ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه ... فرسول الله صلى الله عليه وآله الشهيد علينا بما بلّغنا عن الله عزّ وجلّ ، ونحن الشهداء على الناس ، فمن صدّق صدّقناه يوم القيامة ، ومن كذّب كذّبناه يوم القيامة» (٦).

__________________

(١) تفسير البيان : ج ٢ ص ٤١٦.

(٢) سورة البقرة : الآية ١٤٣.

(٣) تفسير الصافي : ج ١ ص ١٩٧.

(٤) روضة المتّقين : ج ٥ ص ٤٧٢.

(٥) الكافي : ج ١ ص ١٩٠.

(٦) الكافي : ج ١ ص ١٩٠.

٢٨٦

.........................................

____________________________________

ورواه العامّة أيضاً كالحاكم الحسكاني (١).

ولا غرو ولا عجب في شهادتهم على الخلق بعد أن كانوا حجج الله على خلقه ، وسادة بريّته ، وبعد أن كانوا حججاً صدّيقين وصادقين ومسدّدين ، وبعد عرض أعمال العباد عليهم (٢) ، بل بعد مشاهدتهم لها في عمود النور (٣) ، فيشهدون عليها في المحكمة الإلهية العادلة ، شهادة الصدق على هذا الخلق.

وفي نسخة الكفعمي بعد هذه الفقرة : «وأسباباً إليه».

__________________

(١) شواهد التنزيل : ج ١ ص ٩٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٣ ص ٣٣٣ ب ٢٠ الأحاديث ، والكافي : ج ١ ص ٢١٩ الأحاديث.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ١٣٢ ب ٨ الأحاديث.

٢٨٧

وَاَعْلاماً لِعِبادِهِ (١) وَمَناراً فى بِلادِهِ (٢)

____________________________________

(١) ـ الأعلام : جمع عَلَم بفتحتين مثل اسباب وسبب : يُطلق على الراية التي تكون علامة لأهلها ، والجبل الذي يُعلم به الطريق ، وسيّد القوم.

وأهل البيت عليهم السلام رضى بهم الله تعالى أعلاماً لهداية عباده كما في حديث إسحاق بن غالب ، عن الإمام الصادق عليه السلام :

«كلّ ما مضى منهم إمام ، نَصَب لخلقه من عقبه إماماً عَلَماً بيّناً ، وهادياً نيّراً وإماماً قيّماً ، وحجّة عالماً ، أئمّة من الله يهدون بالحقّ وبه يعدلون» (١).

وقد نصب الله تعالى عليّاً عَلَماً بينه وبين خلقه كما تلاحظه في حديث الفضيل بن يسار (٢).

وفي حديث الإمام الباقر عليه السلام في حديث شأن أهل البيت عليهم السلام : «هم النجوم الأعلام» (٣).

(٢) ـ المنار بفتح الميم : هو الموضع المرتفع الذي يوقد في أعلاه النار للهداية.

وأهل البيت عليهم السلام رضى بهم الله تعالى نجوماً رفيعة هداة ، يهتدي بهم أهل البلاد ، وتتنوّر بهم قلوب العباد ، كما يُهتدى بالمنار.

وقد تقدّمت الإشارة إلى أحاديثها في فقرة «وأعلام التُّقى» وتقدّم دليله فراجع (٤).

وفي نسخة الكفعمي بعد هذه الفقرة زيادة «وسبيلاً إلى جنّته».

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢٠٣ ح ٢.

(٢) الكافي : ج ١ ص ٤٣٧ ح ٧.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٣ ص ٢٤٦ ب ١٣ ح ١٦.

(٤) الكافي : ج ١ ص ٢٠٦ الأحاديث.

٢٨٨

وَاَدِلاّءَ عَلى صِراطِهِ (١). عَصَمَكُمُ اللهُ مِنَ الزَّلَلِ (٢)

____________________________________

(١) ـ الأدِلاّء : جمع دالّ ، وهو الهادي والمرشد.

والصراط ك هو الطريق المؤدّي إلى الله ، والموصل إلى قربه ، والسالك إلى الجنّة. وأهل البيت سلام الله عليهم رضى بهم الله تعالى هداة مرشدين إلى صراطه في الدنيا ، وصراطه في الاُخرى كما تلاحظه في أحاديث بابه (١).

وقد تقدّم بيان ذلك بدليله في فقرة «وصراطه».

فهم الطريق الفرد ، والسبيل الأوحد إلى الله تعالى ، وسبيل الهداية والنجاة في الدنيا والآخرة.

يستنقذون العباد من الغواية ، ويهدونهم صراط الهداية.

يخرجون الناس من الظلمات ، ويقودونهم إلى روضات الجنّات.

كما تلمس ذلك وجداناً في سيرتهم الشريفة وكلماتهم الهادية.

(٢) ـ تقدّم في الفقرة الشريفة «المعصومون» بيان أنّ :

العصمة في اللغة بمعنى المنع والدفع والوقاية.

فتكون العصمة من الزلل بمعنى المنع عن وقوعها ، ودفعها ، والوقاية منها.

وتقدّم أيضاً أنّ العصمة هي (الروحية القدسيّة التي تمنع عن مخالفة التكاليف اللازمة شرعاً أو عقلاً مع القدرة عليها) فيكون الامتناع عن الزلل بواسطة وجود تلك الروحية القدسيّة في المعصوم عليه السلام.

علماً بأنّ هذه الروحية القدسيّة العصمة الربّانية إنّما تكون في المحلّ اللائق ، ومحلّها اللائق هي الاُسرة النبوية الكريمة سلام الله عليهم الذين عرف الله منهم الوفاء ، وعلم بطاعتهم عند الإصطفاء ، فعصمهم من الزلل والأخطاء.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٤ ص ١١ ح ٣.

٢٨٩

................................ ____________________________________

وهذه الفقرات الآتية تفيد شؤون العصمة ومراتب الإعتصام ، وأنّها حصلت فيهم بلطف الله العاصم ، وفضله الدائم ، عناية منه ورعاية لهم ، مع لياقتهم صلوات الله عليهم ، ولا تخلّف لإرادته وعلمه وعصمته.

فالله تعالى هو الذي عصم أهل البيت عليهم السلام بواسطة إعطائهم النفوس القدسيّة ، والطهارة الأصلية ، والأرواح النوارانية ، والمعرفة التامّة الربّانية لطفاً منه تعالى وقابلية منهم عليهم السلام ، عصمهم من الزلل ... أي من كلّ زلّة.

والزلّة هي : المزلقة والخطأ والذنب (١).

وهي في الأصل إسترسال الرِّجل من غير قصدٍ ، وسُمّي به الذنب من غير قصد تشبيهاً بزلّة الرجل (٢).

وتطلق الزلّة على خطأ المقال أيضاً ، وعلى الزلّة الشيطانية وهو الضلال (٣).

كما تطلق على النقصان كذلك (٤).

وتطلق على زلّة الرأي أيضاً (٥).

وأهل البيت عليهم السلام معصومون عن جميع هذه الزلاّت ، وعصمهم الله تعالى عن كلّ زلّة.

بدليل أدلّة العصمة الأربعة التي تقدّمت الإشارة إليها في فقرة «المعصومون» واستوفينا بحثها في محلّها (٦).

مضافاً إلى الأحاديث المستفيضة الدالّة على أنّ الله تعالى يسدّدهم بروح القدس

__________________

(١) مجمع البحرين : مادّة زَلَلَ ص ٤٧٦.

(٢) المفردات : ص ٢١٤.

(٣) العين : ج ٧ ص ٣٤٨.

(٤) المحيط في اللغة : ج ٩ ص ١١.

(٥) لسان العرب : ج ١١ ص ٣٠٦.

(٦) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص ٣١٧.

٢٩٠

................................ ____________________________________

النوري الملكوتي ، الذي لا ينام ولا يغفل ولا يسهو ولا يزهو (١) كما تقدّم.

مضافاً إلى التصريح بصيانتهم وعصمتهم عن الزلل في حديث الإمام الباقر عليه السلام قال : «لمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله بات آل محمّد صلى الله عليه وآله بأطول ليلة ، حتّى ظنّوا أنّ لا سماء تظلّهم ، ولا أرض تقلّهم ، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وتر الأقربين والأبعدين في الله.

فبينا هم كذلك إذ أتاهم آتٍ لا يرونه ويسمعون كلامه فقال :

«السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، إنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة ، ونجاة من كلّ هلكة ، ودركاً لما فات.

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (٢).

إنّ الله اختاركم وفضّلكم وطهّركم وجعلكم أهل بيت نبيّه ، واستودعكم علمه ، وأورثكم كتابه ، وجعلكم تابوت علمه ، وعصا عزّه ، وضرب لكم مثلاً من نوره ، وعصمكم من الزلل ، وآمنكم من الفتن.

فتعزّوا بعزاء الله ، فإنّ الله لم ينزع منكم رحمته ، ولن يزيل عنكم نعمته ، فأنتم أهل الله عزّ وجلّ الذين بهم تمّت النعمة ، واجتمعت الفُرقة ، وائتلفت الكلمة ، وأنتم أولياؤه ، فمن تولاّكم فاز ، ومن ظلم حقّكم زهق ، مودّتكم من الله واجبة في كتابه على عباده المؤمنين ، ثمّ الله على نصركم إذا يشاء قدير ، فاصبروا لعواقب الاُمور فإنّها إلى الله تصير.

قد قبلكم الله من نبيّه وديعة ، واستودعكم أولياءه المؤمنين في الأرض ، فمن أدّى أمانته أتاه الله صدقه ، فأنتم الأمانة المستودعة ، ولكم المودّة الواجبة ، والطاعة المفروضة.

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢٨٢ ح ٢ و ٣ ، وص ٢٧٣ الأحاديث.

(٢) سورة آل عمران : الآية ١٨٥.

٢٩١

.........................................

____________________________________

وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أكمل لكم الدين ، وبيّن لكم سبيل المخرج ، فلم يترك لجاهل حجّة ، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى الله حسابه ، والله من وراء حوائجكم ، وأستودعكم الله ، والسلام عليكم». فسألت ابا جعفر عليه السلام ممّن أتاهم التعزية؟

فقال : «من الله تبارك وتعالى» (١).

وفي نسخة الكفعمي هنا «عصمكم الله من الذنوب ، وبرّأكم من العيوب ، وائتمنكم على الغيوب وجنّبكم الآفات ، ووقاكم من السيّئات ، وطهّركم من الدنس والزيغ ، ونزّهكم من الزلل والخطأ ، وأذهب عنكم الرجس وطهّركم تطهيراً ، وآمنكم من الفتن ، واسترعاكم الأنام ، وعرّفكم الأسباب وأورثكم الكتاب ، وأعطاكم المقاليد ، وسخّر لكم ما خلق».

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٤٤٥ ح ١٩.

٢٩٢

وَآمَنَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ (١)

____________________________________

(١) ـ آمنكم : من الأمان بمعنى عدم الخوف ، أي جعلكم آمنين مأمونين من الفتن ، وأعطاكم الأمان منها.

والفِتَن : جمع فتنة ، جاءت لمعانٍ عديدة كالإبتلاء ، وبمعنى الامتحان ، والإختبار ، والذنب ، والعقوبة ، والضلالة والشرّ والفساد.

وأهل البيت عليهم السلام بعيدون عن المفاتن الدينية ، وآمنون من الفتنة في الدين ، فلا يقع منهم ذنب ولا عصيان ، ولا يؤتى منهم الكبائر ولا الصغائر ، ولا يصدر منهم ضلال ولا فساد ، ولا يكون منهم شرٌّ ولا عليهم عقوبة ، ولا يحتاجون إلى الاختبار والامتحان بعد أن كانوا الاصطفاء ، والمعلوم منهم الوفاء.

وذلك لأنّ لازم العصمة الكبرى التي ثبتت بالأدلّة المتقدّمة هو عدم وجود هذه الفتن ، بل وجود العصمة ينافي حدوث الفتنة.

فيكونون عليهم السلام مبرّئين عنها ، ومأمونين منها ، بأمان الله الوثيق الذي لا يخذل من آمنه به.

هذا مع التصريح بها في حديث الإمام الباقر عليه السلام المتقدّم الذي ورد فيه : «وآمنكم من الفتن» (١).

وأمّا الإبتلاء بالمصائب فهو ليس بابتلاء في الدين ، بل هو ابتلاءٌ دنيوي كتب على المؤمنين.

ففي حديث الإمام الباقر عليه السلام : «إنّ الله ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة ...» (٢).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٤٤٥ ح ١٩.

(٢) بحار الأنوار : ج ٦٧ ص ٢٤٠ ب ١٢ ح ٦٢.

٢٩٣

.........................................

____________________________________

وهم عليهم السلام سادة المؤمنين والأولياء ، والدنيا اُعدّت لبلاء النبلاء.

وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام : «إنّ أشدّ الناس بلاءٌ الأنبياء ، ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ الأمثل فالأمثل» (١).

فيرفع الله لهم به المقامات المنيعة والدرجات الرفيعة ، كما تلاحظه في كلام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لولده الإمام الحسين عليه السلام : «إنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة» (٢).

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ص ٢٥٢ ح ١.

(٢) حياة الإمام الحسين عليه السلام : ج ٢ ص ٢٦٠.

٢٩٤

وَطَهَّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ (١)

____________________________________

(١) ـ الطهارة في الأصل هي النزاهة والنظافة.

والدنس ، بفتحتين ، وجمعه أدناس : أصله الوَسَخ ، يقال : دَنِس الثوب إذا توسّخ.

وأهل البيت عليهم السلام مطهّرون ومنزّهون من جميع ما يدنّس ساحتهم المقدّسة ، ما يدنّس النسب ، وما يدنّس العِرض ، وما يدنّس المروءة ، وما يدنّس القلب ، وما يدنّس الروح ، وما يدنّس الأخلاق ... فالدَّنس لغةً يستعمل في جميع هذه المعاني ، وهم عليهم السلام مطهّرون من جميعها.

وذلك لكون الطهارة منها هي من لوازم العصمة ، وقد ثبتت العصمة بالأدلّة الأربعة كما عرفت فيما تقدّم فثبتت هذه الطهارة.

مضافاً إلى التنصيص الصريح على الطهارة المطلقة المؤكّدة في آية التطهير بقوله عزّ إسمه : (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) ، وهي تقتضي التنزّه والخلوص عن لوث جميع الأرجاس ، والأنجاس والمعاصي والذنوب والخبائث والعيوب ، والنقائص الظاهرية والباطنية ، والقذارات والمآثم والأعمال القبيحة.

كلّ هذا بالإضافة إلى الأدلّة الخاصّة على طهارتهم من الأدناس نظير :

قوله عليه السلام في الزيارة الغديرية العلوية : «ولا شَرِهتَ إلى الحُطام ، ولا دَنَّسَك الآثام» (١).

وقوله عليه السلام في الزيارة المطلقة الحسينية : «أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة ، لم تنجّسك الجاهلية بأنجاسها ، ولم تلبسك من

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١٠٠ ص ٣٦٢ ب ٥ ح ٦.

٢٩٥

.........................................

____________________________________

مدلّهمات ثيابها» (١).

وفي الزيارة الحسينية المفصّلة : «أشهد أنّك طهر ، طاهر مطهّر ، ومن طهرٍ طاهر مطهّر ، طهرت وطهرت أرض أنت بها ، وطهر حرمك» (٢).

وعرفت أنّ في نسخة الكفعمي هنا : «وطهّركم من الدَنَس والزيغ» والزيغ هو الشكّ والميل عن الحقّ.

كما جاء فيه إضافة فقرات اُخرى نظير : «وبرّأكم من العيوب» التي تفيد أنّهم مبرّؤون عن المعايب والنقائض فلاحظ.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١٠١ ص ٢٠٠ ب ١٨ ح ٣٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ١٠١ ص ١٨٢ ب ١٨ ح ٣٠.

٢٩٦

وَاَذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ (أهل البيت) وَطَهَّرَكُمْ تَطْهيراً (١) ، فَعَظَّمْتُمْ جَلالَهُ (٢)

____________________________________

(١) ـ إشارة غلى عصمتهم الرفيعة الثابتة من الله تعالى في محكم كتابه بقوله : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (١).

وقد سبق منّا ذكر الإجماع على نزولها في آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين ، مع أحاديث الفريقين المتواترة في ذلك من الخاصّة في (٣٤) طريقاً ، ومن العامّة في (٤١) طريقاً (٢).

وقد فصّلناه في محلّه فراجع (٣).

(٢) ـ الفاء في فعظّمتم لبيان النتيجة ، ولإفادة أنّ في قبال ذلك الفضل الإلهي السامي عليكم أهل البيت بمنحكم العصمة الربّانية الكبرى ، وإعطائكم النعمة القدسيّة العظمى ... أنتم شكرتم النعمة ، وقدّرتم العطيّة ، فعظّمتم جلال الله تعالى الله تعالى ، وأكبرتم شأنه ، ومجّدتم كرمه ، وأدمتم ذكره ، ووكّدتم ميثاقه ... الخ.

والتعظيم في اللغة هو : التوقير والتبجيل والتفخيم والتكبير والخشوع.

وجلال الله تعالى : هي عظمته.

فالله تبارك وتعالى جليل ذو الجلال : (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (٤).

والجليل هو الموصوف بصفات العظمة من الغنى والمُلك والقدرة والعلم وكذلك المتقدّس والمنزّه عن صفات النقص كالإحتياج والضعف والنوم.

فهو تعالى الجليل الذي يصغر دونه كلّ جليل ، ويضع عنده كلّ رفيع.

و(الجليل) من أسمائه المقدّسة الحسنى الراجعة إلى كمال صفاته ، كما أنّ

__________________

(١) سورة الأحزاب : الآية ٣٣.

(٢) غاية المرام : ص ٢٨٧ ـ ٣٠٠.

(٣) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص ٣١٧.

(٤) سورة الرحمن : الآية ٧٨.

٢٩٧

.........................................

____________________________________

(الكبير من أسمائه الشريفة الحسنى الراجعة إلى كمال ذاته ، المبيّنة لكبر شأنه وتعاليه عن شبه المخلوقين.

وقد ورد توصيفه تعالى بالجليل في أسمائه وصفاته تعالى المجموعة الألف (١٠٠٠) في دعاء الجوشن الكبير المروي عن النبي صلى الله عليه وآله (١).

وفي أسمائه المباركة الحسنى التسعة والتسعين (٩٩) التي من دعا الله بها استجاب له ، ومن أحصاها دخل الجنّة (٢).

فمن الأسماء الحسنى الشريفة : (الجليل) الذي يفيد سيادة الله وعظمته وجلالته ، فهو جليل بصفات الجلالة والعظمة ، وهو يجلّ عن صفات النقص والحاجة ، فهذا الإسم الكريم يجمع الصفات الثبوتية الجمالية والصفات السلبية الجلالية.

وأهل البيت سلام الله عليهم هم المثل الأعلى والقمّة العليا لتعظيم وتوقير جلال الله تعالى وعظمته ، ولم يصدر منهم أدنى ما ينافي تعظيم الله وتبجيله.

عظّموا الله تعالى معرفةً واعتقاداً ، ووقّروه قولاً وفعلاً ، وبجّلوه في السرّ والعلانية ، وكبّروه عملاً وعبادةً ، وخشعوا له في جميع مراحل الحياة ، بل في جميع عوالم الوجود دائماً وأبداً.

كما يدلّنا على ذلك بوضوح سيرتهم المتلألئة ، وحياتهم الكريمة ، وأقوالهم الهادية ، وعباداتهم وصلاتهم التي يكون بها غاية التعظيم والتبجيل للموى الجليل ... وبكلّها عظّموا جلال الله ، وكانوا في تعظيم الله.

وفي الزيارة المطلقة لأمير المؤمنين عليه السلام التي يرويها في المزار الكبير :

__________________

(١) البلد الأمين : ص ٤٠٢.

(٢) كتاب التوحيد : ص ١٩٤ ب ٢٩ ح ٨ ، وتلاحظ شرحها من الصدوق بعد الحديث ، ومن الكفعمي في المصباح : ص ٣١٢.

٢٩٨

.........................................

____________________________________

«... وأعطاكم المقاليد ، وسخّر لكم ما خلق ، فعظّمتم جلاله ، وأكبرتم شأنه» (١).

وللمثال لاحظ كيفية عبادة سيّد أهل البيت أمير المؤمنين عليه السلام ، وكذلك عبادة سيّدة نساء العالمين ، كذلك عبادة سيّد الساجدين. حتّى تلمس أنّهم كانوا في أقصى درجة تعظيم جلال الله تعالى. ونموذج ذلك عبادة أمير المؤمنين عليه السلام.

ففي حديث عروة بن الزبير قال : كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان.

فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا اُخبركم بأقلّ القوم مالاً ، وأكثرهم ورعاً وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟

قالوا : مَن؟

قالوا : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ... يا قوم إنّي قائل ما رأيت وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا.

شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات النجّار ، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه ، واستتر بمغيلات النخل ، فافتقدته وبَعُدَ عليَّ مكانه ، فقلت : لحق بمنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول : «إلهي كم من موقبة حلمتَ عن مقابلتها بنقمتك (٢) ، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا براجٍ غير رضوانك».

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر ، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام بعينه ، فاستترت له وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثمّ فرغ إلى الدعاء

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١٠٠ ص ٢٤٤ ب ٤ ح ٣٣.

(٢) في المصدر : كم من موبقة حملت عنّي فقابلتها بنعمتك.

٢٩٩

.........................................

____________________________________

والبكاء والبثّ والشكوى ، فكان ممّا به الله ناجاه أن قال : «إلهي اُفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم علىّ بليّتي» ثمّ قال : «آه إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول : خذوه ، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملأ إذا اُذن فيه بالنداء» ثمّ قال : «آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزّاعة للشوى ، آه من غمرة من ملهبات لظى».

قال : ثمّ أنعم في البكاء فلم أسمع له حسّاً ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، اُوقظه لصلاة الفجر.

قال أبو الدرداء : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» مات والله علي بن أبي طالب.

قال : فأتيت منزلة مبادراً أنعاه إليهم.

فقالت فاطمة عليها السلام : يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصّته؟ فأخبرتها الخبر.

فقالت : هي والله يا ابا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله.

ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، ونظر إليّ وأنا أبكي ، فقال : ممّا بكاؤك يا أبا الدرداء؟

فقلت : ممّا أراه تنزله بنفسك.

فقال : «يا أبا الدرداء [فكيف] ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن اهل الجرائم بالعذاب. واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار ، قد أسلمني الأحبّاء ورحمني أهل الدنيا ، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية».

٣٠٠