في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

قال : صدقت ، فما العاشرة؟

قال : أن جعلنا سبحانه ذكراناً قوّاماً على حلائلنا لا إناثاً.

قال : صدقت ، فما بعدها؟

قال : كثرت نعم الله ، يا نبيّ الله ، فطابت وتلا : (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (١).

فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : ليهنئك الحكمة ، ليهنئك العلم ، يا أبا الحسن. فأنت وارث علمي والمبيّن لاُمّتي ما اختلفت فيه من بعدي.

من أحبّك لدينك وأخذ بسبيلك ، فهو ممّن هُدي إلى صراط مستقيم ، ومن رغب عن هواك وأبغضك لقى الله يوم القيامة لا خلاق له (٢).

وحديث جابر قال : قرأ رجل عند أبي جعفر عليه السلام (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً).

قالك : أمّا النعمة الظاهرة فهو النبي صلى الله عليه وآله وما جاء به من معرفة الله عزّ وجلّ وتوحيده.

وأمّا النعمة الباطنة فولايتنا أهل البيت وعقد مودّتنا ، فاعتقد والله قوم هذه النعمة الظاهرة والباطنة ، واعتقدها قوم ظاهرة ولم يعتقدوا باطنة ، فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) (٣) ففرح رسول الله عند نزولها إذ لم يتقبّل الله تعالى إيمانهم إلاّ بعقد ولايتنا ومحبّتنا» (٤).

__________________

(١) سورة إبراهيم : الآية ٣٤ وسورة النحل : الآية ١٨.

(٢) كنز الدقائق : ج ١٠ ص ٢٦٢.

(٣) سورة المائدة : الآية ٤١.

(٤) تفسير القمّي : ج ٢ ص ١٦٥.

٨١

.........................................

____________________________________

فأهل البيت سلام الله عليهم أجمعين بأنفسهم من نعم الله عزّ وجلّ ، بل هم من أعاظم النعم.

كما أنّ بيُمنهم تدبّر النعمة لنا ، وببركتهم تحصل سعادتنا وفوزنا ، وبجودهم تنال الدرجات الرفيعة والمقامات المنيعة.

فيكونون أولياء النعم الفاخرة ، وأصحاب الجود والكرم لجميع الموجودات في الدنيا والآخرة.

وتلاحظ هذه الجهات بوضوح في الأحاديث الشريفة كحديث الكساء الشريف المتقدّم.

وحديث مروان بن صباح قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : «إنّ الله خلقنا فأحسن صورنا ، وجعلنا عينه في عباده ، ولسانه الناطق في خلقه ، ويده المسبوطة على عباده بالرأفة والرحمة ، ووجهه الذي يؤتى منه ، وبابه الذي يدلّ عليه وخزّانه في سمائه وأرضه ، بنا أثمرت الأشجار ، وأينعت الثمار ، وجرت الأنهار ، وبنا ينزل غيث السماء ، وينبت عُشب الأرض ، وبعبادتنا عبد الله ، ولو لا نحن ما عبد الله» (١).

وحديث الأصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله : ما بال أقوام غيّروا سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وعدلوا عن وصيّة؟ لا يتخوّفون أن ينزل بهم العذاب ، ثمّ تلا هذه الآية : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ) (٢) ثمّ قال : نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده ، وبنا يفوز من فاز يوم القيامة (٣).

وروى العياشي باسناده في حديث طويل قال : سأل أبو حنيفة أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (٤).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ١٤٤ ح ٥.

(٢) سورة إبراهيم : الآية ٢٨ و ٢٩.

(٣) الكافي : ج ١ ص ٢١٧ ح ١.

(٤) سورة التكاثر : الآية ٨.

٨٢

.........................................

____________________________________

فقال : ما النعيم عندك يا نعمان؟

قال : القوت من الطعام والماء البارد.

فقال : لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولنّ وقوفك بين يديه.

قال : فما النعيم جعلت فداك؟

قال : «نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد ، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين ، وبنا ألّف الله بين قلوبهم ، وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء ، وبنا هداهم الله للإسلام ، وهي النعمة التي لا تنقطع ، والله سائلهم عن حقّ النعيم الذي أنعم به عليهم ، وهو النبي صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام» (١).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٤ ص ٤٩ ب ٢٩.

٨٣

وَعَناصِرَ الاْبْرارِ (١)

____________________________________

(١) ـ عناصر جمع عُنصر بمعنى الأصل والحسب والنَسب.

والأبرار جمع بَرّ بالفتح ، بمعنى البارّ وهو فاعل الخير ، إذ البِرّ بالكسر ، اسم جامع للخير ، فيكون البارّ بمعنى فاعل الخير.

وفسّر الأبرار بأنّهم هم المطيعون لله ، المحسنون في أفعالهم ، وأهل البيت صلوات الله عليهم هم الأبرار في صفتهم ، والأصل والأساس للأبرار في عنصرهم ، لما يلي من الوجوه الأربعة :

(الف) امّا بتفسير الأبرار بنفس الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم ؛ كما يشهد له ظاهر عموم قوله تعالى : (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) (١).

وأهل البيت هم أصل الأبرار بهذا المعنى لأنّ كلّ واحد منهم خلّف من هو سيّد الأبرار ، فيكون الأئمّة اُصولاً وعناصر للأبرار.

(ب) : أو تفسير الأبرار البارّ وجميع المؤمنين الأبرار كما يشهد له ظاهر عموم قوله تعالى : (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (٢).

فإنّ المؤمنين الأبرار يهتدون بهدي الأئمّة الطاهرين وينتسبون إليهم ، وينتمون إلى ولايتهم ، فكان الأئمّة سلام الله عليهم هم الأصل للبارّين ، كما تلاحظه في صفوة أصحاب المعصومين ، وفي من تلاهم من كرام المؤمنين.

(ج) أو لأنّ الأئمّة الهداة هم السبب لإيجاد العالم وخلق الأبرار ، فكان خلق الأبرار ببركتهم ، وكانوا هم الأصل لهم ، كما يشهد له حديث «لو لاك لما خلقت الأفلاك ...» المتقدّم بمصادره (٣).

__________________

(١) سورة الإنسان : الآية ٥.

(٢) سورة الانفطار : الآية ١٣.

(٣) ص ٤٩ من هذا الكتاب.

٨٤

.........................................

____________________________________

(د) : أو لأنّهم عليهم السلام هم الأصل لشيعتهم الأبرار من حيث أنّ شيعتهم خُلقوا من فاضل طينتهم فكانوا متفرّعين منهم ، وكان أهل البيت هم الأصل لهم ، كما يشهد لهم أحاديث الطينة التي تلاحظها في مثل :

حديث بشر بن أبي عقبة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا : «إنّ الله خلق محمّداً صلى الله عليه وآله من طينة من جوهرة تحت العرش ، وإنّه كان لطينته نضج فجبل طينة أمير المؤمنين عليه السلام من نضج طينة رسول الله صلى الله عليه وآله وكان لطينة أمير المؤمنين عليه السلام نضج فجبل طينتنا من فضل طينة أمير المؤمنين عليه السلام.

وكان لطينتنا نضج فجبل طينة شيعتنا من نضج طينتنا ، فقلوبهم تحنّ إلينا ، وقلوبنا تعطف عليهم تعطّف الوالد على الولد ونحن خير لهم وهم خير لنا ، ورسول الله لنا خير ونحن له خير» (١).

وحديث أبي الحجّاج قال : قال لي أبو جعفر عليه السلام : «يا أبا الحجّاج إنّ الله خلق محمّداً وآل محمّد صلى الله عليه وآله من طينة علّيين ، وخلق قلوبهم من طينة فوق ذلك ، وخلق شيعتنا من طينة دون عليّين ، فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمّد.

وإنّ الله خلق عدوّ آل محمّد صلى الله عليه وآله من طين سجّين وخلق قلوبهم من طين أخبث من ذلك ، وخلق شيعتهم من طين دون طين سجّين ، وخلق قلوبهم من طين سجّين فقلوبهم من أبدان اُولئك ، وكلّ قلب يحنّ إلى بدنه» (٢).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ٨ ب ١ ح ١١.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ٨ ب ١ ح ١٢.

٨٥

وَدَعائِمَ الاْخْيارِ (١)

____________________________________

(١) ـ دعائم جمع دِعامة بكسر الدال ، وهي عماد البيت الذي يقوم عليه ، ويستند البيت إليه ، ويمنع عن سقوطه ، ومنه «لكلّ شيء دعامة ودعامة الإسلام الشيعة» (١).

والأخيار جمع خَيّر بالتشديد ، وهو الرجل ذو الخير ، وقيل هو من صلح عمله بعد ما صلح دينه (٢).

والخير في اللغة هو ما يرغب فيه الكلّ كالعقل ، والعدل والفضل ، والشيء النافع ، وضدّه الشرّ (٣).

والخيرات هي الأعمال الصالحة وفسّر الخير بمكارم الأخلاق (٤).

وفي الحديث العلوي الشريف : وسُئل عن الخير ما هو؟

فقال : «ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك وأن يعظم حلمك ، وأن تُباهي الناس بعبادة ربّك ، فإن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغفرت الله.

ولا خير في الدنيا إلاّ لرجلين : رجل أذنب ذنوباً هو يتداركها بالتوبة ، ورجل يسارع في الخيرات» (٥).

وفي حديث حفص بن غياث ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : «جعل الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا» (٦).

وأهل البيت سلام الله عليهم هم المعوَّل للصالحين والمعتمد للأخيار الطيبين ، وعليهم الاعتماد والاستناد في جميع المعارف والأحكام وكلّ معالم الإسلام (ومن

__________________

(١) مجمع البحرين : مادّة دَعَم ص ٥١٥.

(٢) مجمع البحرين : مادّة خير ص ٢٥٨.

(٣) مفردات الراغب : ص ١٦٠.

(٤) مجمع البحرين : ص ٢٥٨.

(٥) نهج البلاغة : رقم الحكمة ٩٤.

(٦) الكافي : ج ٢ ص ١٢٨ ح ٢.

٨٦

.........................................

____________________________________

لم يستند إليه كان ضالاً غاوياً في دنياه واُخراه) ، وهم الأساس القوام لجميع الخيرات ، التي من أفضلها العبادات ، ولو لاهم ما عُبد الله تعالى.

وتلاحظ دعاميّتهم للأخيار والخيرات في الأحاديث الشريفة مثل :

حديث أبي الجارود قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : يابن رسول الله هل تعرف مودّتي لكم وإنقطاعي إليكم وموالاتي إيّاكم؟

قال : فقال : نعم.

قال : قلت : فإنّي أسألك مسألة تجيبني فيها فإنّي مكفوف البصر قليل المشي ولا أستطيع زيارتكم كل حين؟ قال : هات حاجتك.

قلت :أخبرني بدينك الذي تدين الله عزّ وجلّ به أنت وأهل بيتك لاُدين الله عزّ وجلّ به.

قال : إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة ، والله لأعطينّك ديني ودين آبائي الذي ندين الله عزّ وجلّ به : «شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله والإقرار بما جاء به من عند الله ، والولاية لوليّنا والبراءة من عدوّنا ، والتسليم لأمرنا ، وانتظار قائمنا ، والإجتهاد ، والورع» (١).

وحديث محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : «كلّ من دان الله عزّ وجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول ، وهو ضالّ متحيّر والله شانىء لأعماله ، ومثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها ... وكذلك والله يا محمّد من أصبح من هذه الاُمّة لا إمام له من الله عزّ وجلّ ظاهر عادل ، أصبح ضالاً تائهاً ، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق» (٢).

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ص ٢١ ح ١٠.

(٢) الكافي : ج ١ ص ١٨٣ ح ٨.

٨٧

.........................................

____________________________________

وحديث إسحاق بن غالب ، عن أبي عبد الله عليه السلام في خطبة له يذكر فيها حال الأئمّة عليهم السلام وصفاتهم : «أنّ الله عزّ وجلّ أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه ... جعلهم الله حياة للأنام ومصابيح للظلام ، ومفاتيح للكلام ، ودعائم للإسلام» (١).

وفي نسخة البلد الأمين : (دعائم الجبّار) أي الدعائم التي جعلها الله تعالى في أرضه وسمائه لدينه وشريعته.

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢٠٣ ح ٢.

٨٨

وَساسَةَ الْعِبادِ (١)

____________________________________

(١) ـ ساسة جمع سائس ، يُطلق في اللغة على المعاني الآتية : سَوّس الرجل اُمور الناس إذا مُلّك أمرهم فيكون السائس هو من يملّك الأمر ، والسَّوْس هي الرئاسة ، والسياسة : فعل السائس ، وهي القيام على الشيء بما يصلحه (١).

وجاء (ساسة العباد) وهي مأخوذة من سست الرعية سياسة : أي أمرتها ونهيتها ... وفي الخبر : «كان بنو إسرائيل تسوسهم أنبيائهم» أي تتولّى أمرهم كالاُمراء والولاة بالنسبة إلى الرعية (٢).

وفلان مجرّب قد ساس واُسيس عليه : أي أَدّب واُدّب (٣).

والعباد جمع عبد ، وهو مقابل المولى ، أي عباد الله ، فالله هو المولى والخلق عبيده ، فالعباد بمعنى المخلوقين.

ويستفاد من الإستعمال القرآني لكلمة العباد أنّها تعمّ الصالحين والطالحين (٤).

من ذلك قوله تعالى : (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ) (٥) التي تعمّ جميع العباد ، التي تعمّ جميع العباد ، بل تشمل حتّى الملائكة ، لإطلاق العباد عليهم في قوله عزّ إسمه : (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ ...) (٦).

فساسة العباد معناه ملوك العباد وخلفاء الله عليهم ، كما أفاده العلاّمة المجلسي (٧) ووالده (٨) والسيّد شبّر (٩) رضوان الله عليهم ، وكذا من له الأمر والنهي

__________________

(١) لسان العرب : ج ٦ ص ١٠٨.

(٢) مجمع البحرين : مادّة سوس ص ٣٢٧.

(٣) تاج العروس : ج ٤ ص ١٦٩.

(٤) المعجم المفهرس : ص ٤٣٣.

(٥) سورة غافر : الآية ٣١.

(٦) سورة الزخرف : الآية ١٩.

(٧) بحار الأنوار : ج ١٠٢ ص ١٣٥.

(٨) روضة المتّقين : ج ٥ ص ٤٥٩.

(٩) الأنوار اللامعة : ص ٦١.

٨٩

.........................................

____________________________________

من الله تعالى كما عن المحدّث الكاشاني (١).

فالسياسة بالمفهوم الصحيح في معناها اللغوي والعرفي هي اُمور ثلاثة : الملوكية الربّانية ، والأمر والنهي الإلهي ، وتدبير الرعية بما هو صالح لهم.

وأهل البيت سلام الله عليهم هم المثل الأعلى لهذه المناصب الهامّة ، وهم المتأدّبون بآداب الله والعارفون بمصالح خلق الله فيستحقّون سياسة عباد الله ، وتلاحظ في أحاديثنا الشريفة دليل هذه المعاني وتوفّرها في سادتنا الأئمّة عليهم السلام.

فللمعنى الأوّل أي ملوكيتهم وخلافتهم الإلهية : لاحظ مثل :

حديث بُريد العجلي ، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى : (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) (٢).

قال : «جعل منهم الرسل والأنبياء والأئمّة ، فكيف يقرّون في آل إبراهيم عليه السلام وينكرونه في آل محمد صلى الله عليه وآله»؟

قال : قلت : (وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا)؟

قال : «الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة ، من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم عصى الله ، فهو الملك العظيم» (٣).

وحديث عبد الله بن سليمان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن الإمام فوّض الله إليه كما فوّ إلى سليمان بن داود؟

فقال : «نعم ...» (٤).

وللمعنى الثاني أي الآمرية والناهوية من قبل الله تعالى : لاحظ مثل :

__________________

(١) الوافي : ج ٢ القسم الثاني ص ٢٤٣ ، وحكاه عن عمدة الزائر : ص ٣٧٧.

(٢) سورة النساء : الآية ٥٤.

(٣) الكافي : ج ١ ص ٢٠٦ ح ٥.

(٤) الكافي : ج ١ ص ٤٣٨ ح ٣.

٩٠

.........................................

____________________________________

حديث الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر : «إنّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه فلمّا أكمل له الأدب قال : (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (١).

ثمّ فوّض إليه أمر الدين والاُمّة ليسوس عباده ، فقال عزّ وجلّ : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (٢).

وإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس ، لا يزلّ ولا يخطىء في شيء ممّا يسوس به الخلق ، فتأدّب بآداب الله.

ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين ، ركعتين ، عشر ركعات فأضاف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة ، لا يجوز تركهنّ إلاّ في سفر ، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك كلّه فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة.

ثمّ سنّ رسول الله صلى الله عليه وآله النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلَي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك ، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر ...» (٣).

ومثله أيضاً أحاديث باب التفويض إليهم في أمر الدين (٤).

وللمعنى الثالث اي تدبيرهم الرعية بما هو صالح لهم : لاحظ أحاديث باب جامع مكارم أخلاق أمير المؤمنين وآدابه وسننه وحسن سياستة (٥) مثل :

__________________

(١) سورة القلم : الآية ٤.

(٢) سورة الحشر : الآية ٧.

(٣) الكافي : ج ١ ص ٢٦٦ ح ٤.

(٤) الكافي : ج ١ ص ٢٦٥ الأحاديث العشرة.

(٥) بحار الأنوار : ج ٤١ ص ١٠٢ ب ٧ الأحاديث.

٩١

.........................................

____________________________________

حديث الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر : «إنّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه فلمّا أكمل له الأدب قال : (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (١).

ثمّ فوّض إليه أمر الدين والاُمّة ليسوس عباده ، فقال عزّ وجلّ (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (٢).

وإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس ، لا يزلّ ولا يخطىء في شيء ممّا يسوس به الخلق ، فتأدّب بآداب الله.

ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين ، ركعتين ، عشر ركعات فأضاف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة ، لا يجوز تركهنّ إلاّ في سفر ، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك كلّه فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة. ثمّ سنّ رسول الله صلى الله عليه وآله النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلَي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك كلّه فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة.

ثمّ سنّ رسول الله صلى الله عليه وآله النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلَي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك ، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر ...» (٣).

ومثله أيضاً أحاديث باب التفويض إليهم في أمر الدين (٤).

وللمعنى الثالث أي تدبيرهم الرعية بما هو صالح لهم : لاحظ أحاديث باب جامع مكارم أخلاق أمير المؤمنين وآدابه وسننه وحسن سياسته (٥) مثل :

__________________

(١) سورة القلم : الآية ٤.

(٢) سورة الحشر : الآية ٧.

(٣) الكافي : ج ١ ص ٢٦٦ ح ٤.

(٤) الكافي : ج ١ ص ٢٦٥ الأحاديث العشرة.

(٥) بحار الأنوار : ج ٤١ ص ١٠٢ ب ٧ الأحاديث.

٩٢

.........................................

____________________________________

حديث الإمام جعفر بن محمّد عليهما السلام أنّه ذكر عن آبائه عليهم السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى عمّاله : «أدقّوا أقلامكم ، وقاربوا بين سطوركم ، واحذفوا عنّي فضولكم ، واقصدوا قصد المعاني ، وإيّاكم والإكثار ، فإنّ أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار» (١).

ويكفي في النموذج الحي على عظيم تدبيره ومعالي سياسته (روحي فداه) رسائله وكتبه إلى عمّاله.

خصوصاً كتابه إلى مالك الأشتر النخعي لمّا ولاّه مصر وأعمالها وهو من أجلّ كتبه وأجمع محاسنه ، والدستور الأعلى لجميع الأزمان ، والأماكن والبلدان والجدير جدّاً دراسة نصّه بإمعان في النهج الشريف (٢).

كما يشهد للمعنى الثالث أيضاً دليل الوجدان وشهادة العيان ، بإزدهار الكوفة وترقّيها وإرتفاع مستوى حضارتها العلمية والعملية في أيّام حكومته عليه السلام بالرغم من قصر مدّتها وإزدحام الحروب من أعدائه فيها (٣).

وقد شهد بحسن سياسته في أيّام حكومته محبّوه ومخالفوه ، كما تلاحظه في كلام ابن أبي الحديد في شرحه (٤).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٤١ ص ١٠٥ ح ٦.

(٢) نهج البلاغة : قسم الرسائل ص ٩٢ رقم ٥٣.

(٣) لاحظ لمعرفة الإزدهار والرقيّ تاريخ الكوفة للبراقي.

(٤) شرح نهج البلاغة : ج ١ ص ٢٨.

٩٣

وَاَرْكانَ الْبِلادِ (١) ، وَاَبْوابَ الاْيمانِ (٢)

____________________________________

(١) ـ أركان جمع ركن مثل أقفال جمع قفل ، وركن الشيء هو جانبه القوي.

والبلاد جمع بلدة ، تطلق على كلّ موضع من الأرض عامراً كان أو خلأً.

فأركان البلاد هي جوانبها القويّة التي تمسكها وتحفظها وتبقيها.

وأهل البيت عليهم السلام أركان البلاد ، بمعنى أنّ نظام العالم ، وانتظامه ، وبقاءه يكون بوجودهم ، ولو لاهم لساخت الأرض بأهلها ، وماجت كما يموج البحر ، وهم الأركان القويّة الذين ببقائهم تبقى الأرجاء ، وبوجودهم ثبتت الأرض والسماء كما في دعاء العديلة الشريف.

وقد نطقت بركنيتهم أخبارنا الشريفة في هذا الباب (١) مثل :

حديث المفضّل بن عمر الجعفي ، عن أبي عبد الله عليه السلام جاء فيه : «كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله الذي لا يؤتى إلاّ منه ، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك ، وكذلك يجري لأئمّة الهدى واحداً بعد واحد.

جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها وحجّته البالغة على من فوق الأرض ومَن تحت الثرى» (٢).

(٢) ـ أبواب : جمع باب وهو طريق السلوك إلى الشيء ، فأبواب الإيمان بمعنى الطريق إليه.

والإيمان في اللغة : هو التصديق كما أفاده الشيخ الطريحي ، ثمّ قال : (الإيمان يرد على صيغتين : الإيمان بالله والإيمان لله.

فالإيمان بالله هو التصديق بإثباته على النعت الذي يليق بكبريائه.

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ١٩٦ باب أنّ الأئمّة هم أركان الأرض.

(٢) مجمع البحرين : ص ٥٦.

٩٤

.........................................

____________________________________

والإيمان لله هو الخضوع والقبول عنه والاتّباع لما يأمر والإنتهاء لما ينهى) (١).

وأمّا في الشرع : فقد قال العلاّمة المجلسي قدس سره : إنّ الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وحكمته ، وبالنبوّة ، وكل ما علم بالضرورة مجيء النبي به ، مع الإقرار بذلك (وعلى هذا أكثر المسلمين بل ادّعي بعضهم إجماعهم على ذلك) والتصديق بإمامة الأئمّة الإثنى عشر وبإمام الزمان عليه السلام (وهذا عند الإمامية) (٢).

والأحاديث المباركة توضّح حقيقة الإيمان بأتمّ بيان فلاحظ ما يلي :

١ ـ حديث محمّد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما السلام قال : «الإيمان إقرار وعمل ، والإسلام إقرار وعمل ، والإسلام إقرار بلا عمل» (٣).

٢ ـ جميل بن درّاج قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)؟ (٤).

فقال لي : «ألا ترى أنّ الإيمان غير الإسلام» (٥).

٣ ـ سفيان بن السمط قال : سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن الإسلام والإيمان. ما الفرق بينهما؟ فلم يجبه ، ثمّ سأله فلم يجبه ، ثمّ التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل.

فقال له أبو عبد الله عليه السلام : كأنّه قد أزف منك رحيل؟

فقال : نعم.

فقال : فألقني في البيت ، فلقيه فسأله عن الإسلام والإيمان ما الفرق بينهما؟

فقال : الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس : شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا

__________________

(١) مجمع البحرين : مادّة ص ٥٦.

(٢) بحار الأنوار : ج ٦٩ ص ١٤٩.

(٣) الكافي : ج ٢ ص ٢٤ ح ٢.

(٤) سورة الحجرات : الآية ١٤.

(٥) الكافي : ج ٢ ص ٢٤ ح ٣.

٩٥

.........................................

____________________________________

شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصيام شهر رمضان ، فهذا الإسلام.

وقال الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا فإن أقرّ بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلماً وكان ضالاً» (١).

٤ ـ سماعة قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟

فقال : إنّ الإيمان يشارك الإسلام ، والإسلام لا يشارك الإيمان.

فقلت : فصفهما لي.

فقال : «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله ، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس.

والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به ، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة ، إنّ الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر ، والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن وإن إجتمعا في القول والصفة» (٢).

٥ ـ أبو الصباح الكناني ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله كان مؤمناً؟

قال : فأين فرائض الله؟

قال : وسمعته يقول : كان علي يقول : «لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام» (٣).

٦ ـ أبو الصلت الخراساني قال : سألت الرضا عليه السلام عن الإيمان؟

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ص ٢٤ ح ٤.

(٢) الكافي : ج ٢ ص ٢٥ ح ١.

(٣) الكافي : ج ٢ ص ٣٣ ح ٢.

٩٦

.........................................

____________________________________

فقال : الإيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان وعمل بالجوارح ، لا يكون الإيمان إلاّ هكذا» (١).

٧ ـ حفص الكناسي قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً؟

قال : «يشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، ويقرّ بالطاعة ويعرف إمام زمانه ، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن» (٢).

٨ ـ أبو الربيع قال : قلت : ما أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان؟

قال : «الرأي يراه مخالفاً للحقّ فيقيم عليه» (٣).

والمستفاد من مجموع هذه الأحاديث الشريفة أنّ المعنى الشرعي للإيمان هو : التصديق بالله وحده لا شريك له وبصفاته ، وبالنبوّة ، وبكلّ ما جاء به النبي ومنها الإمامة للأئمّة الإثنى عشر إلى إمام الزمان عليهم السلام ، والمعاد والإقرار بذلك كلّه وعقد القلب عليه ، والتلفّظ به لساناً ، والعمل به جوارحاً.

وأهل البيت سلام الله عليهم هم الطرق إلى الإيمان ، والإيمان لا يعرف إلاّ منهم ، ولا يحصل بدون ولايتهم.

فهم خلفاء الله وأبوابه والطريق إليه كما نصّت عليه الأخبار الواردة مثل : حديث داود بن كثير أبي خالد الرقي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : قال الله عزّ وجلّ :

«... ألا وقد جعلت علياً علماً للناس ، فمن تبعه كان هادياً ومن تركه كان

__________________

(١) معاني الأخبار : ص ١٨٦ ح ٢.

(٢) معاني الأخبار : ص ٣٩٣ ح ٤١.

(٣) معاني الأخبار : ص ٣٩٣ ح ٤٢.

٩٧

.........................................

____________________________________

ضالاًّ ، لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق» (١).

وحديث جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «التاركون ولاية علي المنكرون لفضله المظاهرون أعداءه خارجون عن الإسلام ، من مات منهم على ذلك» (٢).

وحديث الجعفري قال : سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول :

«الأئمّة خلفاء الله عزّ وجلّ في أرضه» (٣) :

وحديث أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :

«الأوصياء هم أبواب الله عزّ وجلّ التي يؤتى منها ، ولو لاهم ما عُرف الله عزّ وجلّ وبهم احتجّ الله تبارك وتعالى على خلقه» (٤).

فمعرفة أهل البيت محصّل للإيمان ومحقّق له كما تقدّم في حديث سفيان ابن السمط (٥).

بل أنّهم ملاك الإيمان ومداره فمن قبلهم كان مؤمناً ومن جحدهم كان كافراً ، كما يستفاد من مثل حديث داود الرقي وجابر المتقدّمين.

هذا وقد عرفت من أحاديث الإيمان أنّ الإيمان إقرار وعمل كما صرّح به في حديث محمّد بن مسلم المتقدّم (٦).

ومن الواضح أنّ الإقرار بالشيء هو الإعتراف به ، والإعتراف إنّما يتحقّق باللسان ، فيلزم في الإيمان الإقرار باللسان مضافاً إلى الإذعان بالجَنان حتّى

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٣٩ ب ٨٧ ص ٢٥٣ ح ٢٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ٣٩ ب ٨٧ ص ٣٠٢ ح ١١٦.

(٣) الكافي : ج ١ ص ١٩٣ ح ١.

(٤) الكافي : ج ١ ص ١٩٣ ح ٢.

(٥) الكافي : ج ٢ ص ٢٤ ح ٤.

(٦) الكافي : ج ٢ ص ٢٤ ح ٢.

٩٨

.........................................

____________________________________

يحصل الإيمان ، كما صرّح به العلماء ، المحدّثون منهم والاُصوليون.

بل هو صريح الأحاديث المرويّة عن رسول الله والأئمّة الطاهرين عليهم السلام ممّا تلاحظها في كتاب حقّ اليقين (١). وقد عرفت في حديث أبي الصلت المتقدّم (٢) : أن الإيمان يحتاج إلى لفظ باللسان.

فيستفاد لزوم الشهادة لفظاً لتحصيل مقوّم الإيمان إقراراً ، فيشهد بالتوحيد والرسالة والإمامة التي يلزم معرفتها لتحقّق الإيمان.

فالشهادة الثالثة ومنها شهادة الأذان تكون من محقّقات ومقوّمات الإيمان ، وتلزم بلزومه ، وهي من شعائره وعلاماته.

مضافاً إلى الأمر بها في الأحاديث التي حكيت عن شيخ الطائفة في المبسوط ، والمحقّق في المعتبر ، والعلاّمة في المنتهى ، والشهيد الأوّل في الدروس ، وهي وإن كانت مرسلة ومرميّة بالشذوذ إلاّ أنّها تكفي في الإستحباب بضميمة التسامح في أدلّة السنن لأحاديث من بلغ.

مضافاً إلى عموم حديث الإحتجاج عن القاسم بن معاوية ، عن أبي عبد الله عليه السلام الذي جاء فيه : «فإذا قال أحدكم : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، فليقل : علي أمير المؤمنين» (٣).

مضافاً إلى إحراز مطلوبية الشهادة الثالثة بعد الشهادة بالرسالة في الشرع المقدّس. كما تستفاد هذه المطلوبية من صدر حديث الإحتجاج المتقدّم الذي بيِّن كتابة هذه الشهادة على العرش والكرسي واللوح وجبهة إسرافيل وجناحي جبرائيل وأبواب الجنّة والشمس والقمر.

__________________

(١) حقّ اليقين : ج ٢ ص ٢٢٧.

(٢) معاني الأخبار : ص ١٨٦ ح ٢.

(٣) إحتجاج الطبرسي : ج ١ ص ٢٣١.

٩٩

.........................................

____________________________________

ومن حديث أصبغ بن نباتة (١) الذي بيّن نداء ملك تحت العرش وقت كلّ صلاة بعد الشهادة بالرسالة : أنّ عليّاً خير الوصيّين.

ومن حديث سنان بن طريف أنّه لمّا خلق الله السماوات والأرض أمر منادياً فنادى بعد الشهادة بالتوحيد والرسالة : أنّ علياً أمير المؤمنين حقّاً (٢).

مضافاً إلى حديث المعراج في أذان جبرائيل وأخذ الإقرار بعد ذلك بالشهادة بولاية أمير المؤمنين عليه السلام (٣).

مضافاً إلى ما ورد في أحاديث الفريقين أنّ ذكر أمير المؤمنين عليه السلام عبادة (٤) فهي من سنخ الأذان فضلاً عن عدم منافاتها له.

بل ورد من طريق المخالفين في حديث «السُلافة في أمر الخلافة» تقرير رسول الله صلى الله عليه وآله لأذان سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري بالشهادة الثالثة في الأذان في فصوله (٥).

هذا بالإضافة إلى أنّ الشهادة الثالثة في الأذان في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز التشيّع ، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً ، بل قد يكون واجباً لكن لا بعنوان الجزئية كما في المستمسك (٦).

ويؤيّدنا في الرجحان والإستحباب فتوى مائة عالم من العلماء بذلك ممّا تلاحظها في كتاب الشهادة الثالثة (٧).

__________________

(١) الإحتجاج : ج ١ ص ٣٣٨.

(٢) الأمالي ، للشيخ الصدوق : المجلس ٨٨ ح ٤.

(٣) بحار الأنوار : ج ٣٧ ص ٣٣٨ ب ٥٤ ح ٨٢.

(٤) عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله : «ذكر علي عبادة ...» ، غاية المرام : ص ٩٢٦ ح ١٢ و ١٤.

(٥) سياسة الحسين عليه السلام : ج ٢ ص ١٠٩.

(٦) مستمسك العروة الوثقى : ج ٥ ص ٥٠٥.

(٧) كتاب الشهادة الثالثة ، للسيّد المقرّم قدس سره.

١٠٠