في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

غيرهم ، وهم أصل الوجود الذي هو مبدأ الخيرات.

وفرع الخير هم عليهم السلام ... من حيث إنّ وجودهم وخيرهم نشأ من خير الله تعالى وفضله.

وهم عليهم السلام معدن الخير ... أي محلّ استقراره وإفاضته فإنّهم يفيضون كلّ خير.

وهم عليهم السلام مأوى الخير ... أي مرجعه إذ لا يوجد الخير إلاّ عندهم ، ولا يصدر إلاّ منهم.

وهم عليهم السلام منتهى الخير ... أي أنّ كلّ خير صادر من غيرهم يكون راجعاً إليهم ، فيكونون منتهى الخير.

فالخير الأمثل بالوصف الأفضل هو لأهل البيت عليهم السلام لأنّهم سبب الخير ، ووسيلة الفيض ، ومهبط الخيرات الإلهية ، والبركات الربّانية.

ففي الزيارة المطلقة الاُولى للإمام الحسين عليه السلام : «إرادة الربّ في مقادير اُموره تهبط إليكم ، وتصدر من بيوتكم» (١).

وقد دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالخير الكثير ودعاؤه مستجاب غير مردود (٢).

وهم الأساس لجميع الخيرات التي أفضلها العبادات التي هي خير الدنيا والآخرة ، ولو لاهم ما عُبد الله تعالى.

وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام :

«نحن أصل كلّ خير ، ومن فروعنا كلّ برّ ، فمن البرّ التوحيد ، والصلاة والصيام وكظم الغيظ ، والعفو عن المسيء ، ورحمة الفقير ، وتعهّد الجار ، والإقرار بالفضل

__________________

(١) الكافي : ج ٤ ص ٥٧٥ ح ٢ ، من لا يحضره الفقيه : ج ٢ ص ٥٩٦ ب ٢ ح ٣١٩٩ ، التهذيب : ج ٦ ص ٥٥ ب ١٦ ح ١.

(٢) بحار الأنوار : ج ٤٣ ص ١٢٠ ب ٥ ح ٢٩.

٦٢١

.........................................

____________________________________

لأهله ، وعدوّنا أصل كلّ شرّ ...» (١).

وفي نسخة الكفعمي هنا : «إن ذكر الخير كنتم أوّله وآخره ، وأصله وفرعه ، ومعدنه ومأواه ، وإليكم منتهاه».

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٥١٠.

٦٢٢

بِاَبي اَنْتُمْ وَاُمّي وَنَفْسي (١)

____________________________________

(١) ـ مضى أنّ هذه الكلمات موضوعة لإنشاء التحبيب في الخطاب ، وتعظيم المخاطب ، وتكريرها تأكيد وتثبيت لتفدية أعزّ ما يحبّه الإنسان ابيه واُمّه ونفسه لسادته وأئمّته الذين هم سبيل النجاة في المحيا والممات.

٦٢٣

كَيْفَ اَصِفُ حُسْنَ ثَنائِكُمْ (١) وَاُحْصي جَميلَ * بَلائِكُمْ (٢)

____________________________________

(١) ـ الثناء : هو المدح ، والذكر الحسن ، والكلام الجميل.

وحسن ثنائكم من إضافة الصفة إلى الموصوف ، نظير قولهم كريم الأب ، وأبيّ النفس ، يعني ابوه كريم ، ونفسه أبيّة ، وكذلك هنا بمعنى أنّ ثناؤهم ومدحهم الحسن.

فالمعنى أنّه كيف أقدر على توصيف حسن مدحكم يعني مدحكم الحسن الجميل ، أو حسن ثناءكم وتجميدكم لله تعالى؟ والحال أنّه بكم أخرجنا الله من الذلّ الخ.

فإنّ حسن ثنائهم لا يُتوصّل إلى غايته فكيف يوصف حقّ وصفه.

إذ أنّهم عليهم السلام أهل الثناء من بداية الخلقة إلى يوم القيامة.

(٢) ـ البلاء هنا هي : النعمة ومنه الدعاء : «الحمد لله على ما أبلانا» أي أنعم علينا وتفضّل ، من الإبلاء الذي هو الإحسان والإنعام (١).

وجميل بلائكم أيضاً من إضافة الصفة إلى الموصوف ، يعني نعمكم الجميلة وإحسانكم الجميل.

فالمعنى : أنّه كيف أقدر أيضاً على إحصاء نعمكم الجميلة التي أنعم الله تعالى بها علينا ، ومنها النعم الآتية يعني الإخراج من الذلّ الخ ، التي هي من أعظم النعم.

وأهل البيت عليهم السلام هم بأنفسهم نعم الله ، وولايتهم أولى النعم ، وبركاتهم سوابغ النعمة ، وقد تقدّم بيانه ودليله في فقرة : «وأولياء النعم».

ونعمهم الجميلة لا تستقصى فلا يمكن أن تحصى.

__________________

(*) في العيون : «وكيفَ اُحصي».

(١) مجمع البحرين : ص ١٣.

٦٢٤

وَبِكُمْ اَخْرَجَنَا اللهُ مِنَ الذُّلِّ (١) وَفَرَّجَ عَنّا غَمَراتِ الْكُرُوبِ (٢) وَاَنْقَذَنا مِنْ شَفا جُرُفِ الْهَلَكاتِ وَمِنَ النّارِ (٣)

____________________________________

(١) ـ أي بسببكم ووجودكم وإمامتكم أخرجنا الله تعالى من ذلّ الكفر والشرك إلى عزّ الإسلام والإيمان ، ومن ذلّ الجهل إلى عزّ العلم ، ومن ذلّ العذاب الدنيوي والاُخروي إلى عزّ الأمن والأمان كما يأتي بيانه.

وفي نسخة الكفعمي هنا زيادة : «وأطلق عنّا رهائن الغلّ».

(٢) ـ الكرب : هو الغمّ الشديد الذي يأخذ بالنفس.

اي وبكم فرّج الله تعالى عنّا شدائد الغموم التي كانت تأخذ بالنفس ، وتنتج من الكفر والظلم والخوف كما يأتي بيانه أيضاً في الفقرة الآتية.

(٣) ـ شفا : على وزن نوى هو طرف الشيء وجانبه.

وجُرُف بضمّتين ، وقد يسكّن الراء تخفيفاً هو : ما جرفته السيول وأكلته من الأرض. وفي نسخة الكفعمي : «ومن عذاب النار».

أي وبكم أنقذنا الله تعالى وخلّصنا ونجّانا من جانب مسيل المهالك ومن عذاب النار ، حيث كنّا مشرفين على مسالك الكفر والضلال ومخاطر النيران والتبعات ، فهدانا الله ببركتكم ، ونجّانا بهدايتكم.

فبرسول الله وأمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين عليهم السلام أخرجنا الله تعالى وأخرج آباءنا من الذلّ ، وفرّج عنّا غمرات الكروب ، وأنقذنا من المهالك والنار ، وجعل لنا وسام الشرف والعزّة ، وقد قال تعالى : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (١).

__________________

(١) سورة المنافقين : الآية ٨.

٦٢٥

.........................................

____________________________________

وأتمّ برهان وبيان لهذه الفقرات الثلاثة المتقدّمة خطبة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام حيث جاء فيها :

«... وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب (١) ونُهزة الطامع (٢) وقبسة العجلان ، وموطىء الأقدام (٣) ، تشربون الطَرَق (٤) ، وتقتاتون القدّ (٥) ، أذلّة خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم.

فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّد صلى الله عليه وآله ، بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مني ببهم (٦) الرجال ، وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب.

كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ، أو نجم قرن الشيطان (٧) أو فغرت فاغرة من المشركين (٨) قذف أخاه في لهواتها (٩) ، فلا ينكفىء حتّى يطأ جناحها بأخمصه (١٠) ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله قريباً من

__________________

(١) مذقة الشارب : شربته.

(٢) نهزة الطامع : بالضمّ ـ الفرصة ، أي الفرصة التي ينتهزها الطامع.

(٣) قبسة العجلان : مثل في الاستعجال. وموطىء الأقدام : مثل مشهور في المغلوبية والمذلّة.

(٤) الطرق : بالفتح ماء السماء الذي تبول به الإبل وتبعر فيه.

(٥) القد : ـ بكسر القاف وتشديد الدال ـ سير يُقد من جلد غير مدبوغ ، وفي البحار : وتقتاثون الورق.

(٦) بهم الرجال : شجعانهم.

(٧) نجم : ظهر ، وقرن الشيطان اُمّته وتابعوه.

(٨) فغرفاه : أي فتحه ، والفاغرة من المشركين : الطائفة منهم.

(٩) قذف : رمى ، واللهوات بالتحريك : ـ جمع لهات ـ : وهي اللحمة في أقصى شفة الفمّ.

(١٠) لا يتكفىء : لا يرجع ، والأخمص ما لا يصيب الأرض من باطن القدم ، وفي البحار : حتّى يطأ صماخها بأخمصه.

٦٢٦

.........................................

____________________________________

رسول الله ، سيّداً في أولياء الله ، مشمّراً ، مجدّاً ، كادحاً ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وأنتم في رفاهية من العيش ، وادعون (١) فاكهون (٢) ...» (٣).

ودونك شواهد وجدانية على تحقّق العزّ والفوز بأهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم سيّد العترة أمير المؤمنين عليه السلام في السيرة الغرّاء والجهود العصماء التي بذلوها سلام الله عليهم في سبيل الدين وأهله ، ولإنقاذ الناس من الجحيم وذُلّه (٤).

ففي يوم الخندق لم يبق بيت من بيوت المشركين إلاّ ودخله الوهن ، ولم يبق بين من المسلمين إلاّ ودخله العزّ (٥).

وقد أقرّ الصديق والعدوّ بذلك ، بل أجمعت الاُمّة على ذلك.

قال ابن دأب : (هدم الله عزّ وجلّ به بيوت المشركين ونصر به الرسول صلى الله عليه وآله واعتزّ به الدين ...

ثمّ الشجاعة كان منها على أمر لم يسبقه الأوّلون ، ولم يدركه الآخرون من النجدة والبأس ومباركة الأخماس على أمر لم يرَ مثله ، لم يولّ دبراً قطّ ، ولم يبرز إليه أحد قطّ إلاّ قتله ، ولم يكعّ عن أحد قطّ دعاه إلى مبارزته ، ولم يضرب أحداً قطّ في الطول إلاّ قدّه ، ولم يضربه في العرض إلاّ قطعه بنصفين ، وذكروا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله حمله على فرس ، فقال : بأبي أنت واُمّي ما لي وللخيل أنا لا أتبع أحداً ولا

__________________

(١) وادعون : ساكنون.

(٢) فاكهون : ناعمون.

(٣) الاحتجاج : ج ١ ص ١٣٥ ، بحار الأنوار : ج ٢٩ ص ٢٢٤ ، وتلاحظ الشرح في كتاب فاطمة الزهراء : ص ٤٢٣ ، وبهجة قلب المصطفى : ص ٣٣٧ ، وسوگنامه فدك : ص ٥٢٣.

(٤) بحار الأنوار : ج ٤١ ص ٥٩ ب ١٠٦ الأحاديث.

(٥) لاحظ الإمام علي من المهد إلى اللحد : ص ٧٩.

٦٢٧

.........................................

____________________________________

أفرّ من أحد ، وإذا ارتديت سيفي لم أضعه إلاّ للذي أرتدي له) (١).

وقال ابن أبي الحديد : (وأمّا الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوّه أنّه سيّد المجاهدين وهل الجهاد لأحد من الناس إلاّ له ... وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه لأنّه من المعلومات الضرورية) (٢).

فأهل البيت عليهم السلام مثال العزّة لدين الإسلام ووسيلة النجاة للأنام ، وتفريج الكربات والإنقاذ من الهلكات ، وهم نعمة الربّ للمخلوقين ، والحمد لله ربّ العالمين.

روى عن الإمام الصادق عليه السلام : «نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد ...» (٣).

__________________

(١) الاختصاص : ص ١٤٥ ـ ١٤٩.

(٢) شرح نهج البلاغة : ج ١ ص ٢٤.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٤ ص ٤٩ ب ٢٩.

٦٢٨

بِاَبي اَنْتُمْ وَاُمّي وَنَفْسي (١) بِمُوالاتِكُمْ عَلَّمَنَا اللهُ مَعالِمَ دِينِنا (٢)

____________________________________

(١) ـ هذه هي التفدية الخامسة والأخيرة في هذه الزيارة المباركة لأنفس خلق الله تعالى صلوات الله وسلامه عليهم.

(٢) ـ الموالاة : هي المتابعة.

ومعالم : جمع معلم مصدر ميمي بمعنى موضع العلم.

فالمعنى أنّ بمتابعتكم أهل البيت علّمنا الله تعالى معالم دين الإسلام.

وبأخباركم وأقوالكم وأفعالكم وآثاركم حصل لنا العلم بمواضع الدين ومعرفة شريعة سيّد المرسلين ، كما عرفت ذلك في فقرة : «ونشرتم شرائع أحكامه».

قال المحدّث الحرّ العاملي عند إحصاء كتب الأحاديث والأخبار للشيعة الأبرار : (إنّ ما نقلوا عنه الأحاديث وذكرت في كتب الرجال يزيد على (٦٦٠٠) كتاباً كما أحصيناه) (١). كلّها من بركاتهم ويستضاء منها بموالاتهم.

فإنّهم أئمّة المسلمين ، وحملة علم ربّ العالمين ، وعِدل القرآن في ما خلّفه الرسول الأمين ، وبهم يعرف معالم الدين ، الذي ارتضاه ربّ العالمين.

فهم عليهم السلام أخذوا العلم والمعالم من الخالق العليم جلّ جلاله ، كما تقدّم ذلك في باب علم الإمام عليه السلام (٢).

وهم عليهم السلام علّموا الخلق من ذلك النمير العلمي الصافي ، فتعلّم منهم العلماء والنبلاء وسعد بهم الأصفياء والأولياء ، كما تلاحظ ذلك في شيعتهم وأوليائهم من الصدر الأوّل كسلمان وأبي ذرّ ، إلى الظهور الأزهر كالكمّلين في زمان دولة الإمام المهدي عليه السلام في كمال علمهم وحكمتهم ورشدهم (٣).

__________________

(١) وسائل الشيعة : ج ٢٠ ص ٤٩.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ١٨ ب ١ الأحاديث.

(٣) الغيبة للنعماني : ص ٢٣٨ ب ١٣ ح ٣٠.

٦٢٩

وَاَصْلَحَ ماكانَ فَسَدَ مِنْ دُنْيانا (١)

____________________________________

(١) ـ أي أنّ بمتابعتكم أيضاً أصلح الله تعالى ما كان فسد من اُمور دنيانا فضلاً عن الآخرة.

فإنّ بإتّباع أوامرهم ونواهيهم ، وبالعمل بما رسموه وسنّوه في اُمور الدين من العبادات والمعاملات وأحكام المعاشرات ، تطيب الأموال والأولاد ويصلح نظام العيش والحياة.

ويشهد لذلك ملاحظة ما تكفّلته أحاديثهم الشريفة من بيان السُبل الصالحة الدينية في جميع الجوانب الحياتية ، وفي جميع الجهات الاجتماعية والفرديّة ممّا تجدها في أبوابها العديدة من الأحكام والمواعظ والأخلاق والآداب والإرشاد والتربية والتعليم والحكم وغيرها.

ممّا يحكم الوجدان أنّه لو طُبّبقت تلك المعالم الشرعية ، لكانت الحياة أسعد الحياة الإنسانية.

وفي مقابله لو تركت واُهملت كانت المعيشة عيشة الجاهلية ، ومفسدة الحياة الهمجية.

٦٣٠

وَبِمُوالاتِكُمْ تَمَّتِ الْكَلِمَةُ (١)

____________________________________

(١) ـ يقال : أتممت الشيء بمعنى : أكملته ، ومنه قوله تعالى : (مُتِمُّ نُورِهِ) (١) أي مكمّله (٢) فتمّت الكلمة تكون بمعنى كملت الكلمة.

وفي الكلمة معنيان :

الأوّل : بمعنى تمّت كلمة التوحيد.

فيكون بموالاتكم التوحيد التامّ الكامل. إشارة إلى حديث سلسلة الذهب المرويّة عن الإمام الرضا عليه السلام وقد تقدّم ذكره في الشهادة الاُولى (٣).

الثاني : بمعنى تمّت كلمة الإيمان والدين.

فيكون بموالاتكم الإيمان والدين الكامل.

إشارة إلى قوله عزّ إسمه : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٤) ـ (٥).

فولاية أهل البيت عليهم السلام هو الركن الركين في حقيقة الدين ، والمكمّل لشريعة سيّد المرسلين ، والضمين لإمتداد الإسلام الذي يريده ربّ العالمين.

الإسلام الذي يريده الله تعالى الذي هو الحكيم في تدبيره ، والعليم بالطريق الائح والفرد الصالح للدين القويم.

وينحصر اختيار الطريق الصحيح والفرد الصالح بذاته المقدّسة : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (٦).

ولا اختيار لمن لا يعلم ما تخفى الصدور ، وما تكنّ الضمائر كما في حديث سعد

__________________

(١) سورة الصف : الآية ٨.

(٢) مجمع البحرين : ص ٥٠٦.

(٣) عيون الأخبار : ج ٢ ص ١٣٤ ب ٣٧ ح ٤.

(٤) سورة المائدة : الآية ٣.

(٥) كنز الدقائق : ج ٤ ص ٣٢.

(٦) سورة القصص : الآية ٦٨.

٦٣١

.........................................

____________________________________

بن عبد الله الأشعري القمّي ، عن الإمام الحجّة عليه السلام (١).

وقد اختار الله تعالى الدين المبين ، وجعل تمامه وكماله بولاية أمير المؤمنين والأئمّة المعصومين عليهم السلام.

كما عرفت ذلك من آية كمال الدين ، والحديث الرضوي المتين.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٣ ص ٦٨ ب ٣ ح ٢.

٦٣٢

وَعَظُمَتِ النِّعْمَةُ (١)

____________________________________

(١) ـ عظم الشيء عِظَماً : أي كَبُر (١).

أي أنّ بوالاتكم عظمت النعمة علينا ، ونلنا النعمة الكبيرة.

فأهل البيت عليهم السلام هم رحمة الله على خلقه ، وولايتهم هي السعادة الكبرى والنعمة العظمى على خليقته ، وبها كملت وعظمت النعمة على عباده.

كما قال تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٢).

وتعرف قيمة هذه النعمة العظمى إذا تدبّرت فيها ، وعرفت أنّ وجودها يوجب قبول أعمال الإنسان ثمّ الفوز بالجنان ، وأنّ فقدانها يوجب الخسارة والنيران ، فأي نعمة هي أعظم من نعمة الولاية التي توجب سعادة الدنيا والبرزخ والآخرة ، وتدفع الشقاء والعناء.

ويكفيك في المقام ملاحظة الأحاديث المباركة التي تبيّن قيمة هذه النعمة القيّمة مثل :

١ ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله : «يا علي أبشر وبشّر فليس على شيعتك كرب عند الموت ن ولا وحشة في القبور ، ولا حزن يوم النشور» (٣).

٢ ـ حديث الإمام الصادق عليه السلام [قال الراوي :] خرجت أنا وأبي ذات يوم فإذا هو باُناس من أصحابنا بين المنبر والقبر فسلّم عليهم ثمّ قال :

أما والله إنّي لاُحبّ ريحكم وأرواحكم ، فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد ، من ائتمّ بعبدٍ فليعمل بعمله.

أنتم شيعة آل محمّد صلى الله عليه وآله وأنتم شُرَطُ الله ، وأنتم أنصار الله ، وأنتم السابقون الأوّلون ، والسابقون الآخرون في الدنيا ، والسابقون في الآخرة إلى الجنّة.

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٥٢٧.

(٢) سورة المائدة : الآية ٣.

(٣) تفسير فرات الكوفي : ص ٣٤٨ ح ٤٧٥.

٦٣٣

.........................................

____________________________________

قد ضمنّا لكم الجنّة بضمان الله تبارك وتعالى وضمان رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته ، أنتم الطيّبون ونساؤكم الطيّبات ، كلّ مؤمنة حوراء وكلّ مؤمن صدّيق.

كم مرّة قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لقنبر : «يا قنبر أبشر وبشّر واستبشر ، والله لقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساخط على جميع اُمّته إلاّ الشيعة.

ألا وإنّ لكلّ شيء شرفاً ، وإنّ شرف الدين الشيعة.

ألا وإنّ لكلّ شيء عروة ، وإنّ عروة الدين الشيعة.

ألا وإنّ لكلّ شيء إماماً ، وإمام الأرض أرض يسكن فيها الشيعة.

ألا وإنّ لكلّ شيء سيّداً ، وسيّد المجالس مجالس الشيعة.

ألا وإنّ لكلّ شيء شهوة ، وإنّ شهوة الدنيا سكنى شيعتنا فيها.

والله لو لا ما في الأرض منكم ما استكمل أهل خلافكم طيّبات ما لهم ، وما لهم في الآخرة من نصيب.

والله إنّ صائمكم ليرعى في رياض الجنّة ، تدعو له الملائكة بالعون حتّى يفطر ، وإنّ حاجّكم ومعتمركم لخاصّ الله تبارك وتعالى ، وإنّكم جميعاً لأهل دعوة الله وأهل إجابته وأهل ولايته ، لا خوف علكم ولا حزن ، كلّكم في الجنّة ، فتنافسوا في فضائل الدرجات.

والله ما من أحد أقرب من عرش الله تبارك وتعالى تقرّباً بعدنا يوم القيامة من شيعتنا ، ما أحسن صنع الله تبارك وتعالى إليكم ، ولو لا أن تُفتنوا فيشمت بكم عدوّكم ويعلم الناس ذلك لسلّمت عليكم الملائكة قبلاً.

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : يخرج يعني أهل ولايتنا من قبورهم يوم القيامة مشرقة وجوههم قرّت أعينهم ، قد اُعطوا الأمان ، يخاف الناس ولا يخافون ، ويحزن الناس ولا يحزنون.

٦٣٤

.........................................

____________________________________

والله ما من عبد منكم يقوم إلى صلاته إلاّ وقد اكتنفته الملائكة من خلفه يصلّون عليه ، ويدعون له حتّى يفرغ من صلاته.

ألا وإنّ لكلّ شيء جوهراً ، وجوهر ولد آدم عليه السلام محمّد صلى الله عليه وآله ونحن وشيعتنا» (١).

٣ ـ حديث الإمام الصادق عليه السلام أيضاً : «... يا قبيصة إذا كان يوم القيامة جعل الله حساب شيعتنا علينا فما كان بينهم وبين الله استوهبه محمّد صلى الله عليه وآله من الله ، وما كان فيما بينهم وبين الناس من المظالم أدّاه محمّد صلى الله عليه وآله عنهم ، وما كان فيما بيننا وبينهم وهبناه لهم حتّى يدخلون الجنّة بغير حساب» (٢).

كلّ هذا بالإضافة إلى أحاديث ثواب حبّهم ونصرهم وولايتهم عليهم السلام التي تبلغ (١٥٤) حديثاً ، منها ما يلي :

٤ ـ حديث الهروي قال : سمعت الرضا عليه السلام يحدّث ، عن آبائه عليهم السلام ، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : سمعت الله جلّ جلاله يقول : «علي بن أبي طالب حجّتي على خلقي ، ونوري في بلادي وأميني على علمي ، لا اُدخل النار من عرفه وإن عصاني ، ولا اُدخل الجنّة من أنكره وإن أطاعني» (٣).

٥ ـ حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «من أراد التوكّل على الله فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد أن ينجو من عذاب القبر فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد الحكمة فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد دخول الجنّة بغير حساب فليحبّ أهل بيتي ، فوالله ما

__________________

(١) تفسير فرات الكوفي : ص ٥٤٩ ح ٧٠٥.

(٢) تفسير فرات الكوفي : ص ٥٥٢ ح ٧٠٧.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ١١٦ ب ٤ ح ٩١.

٦٣٥

.........................................

____________________________________

أحبّهم أحد إلاّ ربح ف الدنيا والآخرة» (١).

٦ ـ حديث بلال قال : طلع علينا النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم ووجهه مشرق كدارة القمر ، فقام عبد الله بن عوف وقال : يا رسول الله ما هذا النور؟

فقال : «بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي ، وأنّ الله زوّج علياً بفاطمة وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاعاً يعني صكاكاً بعدد محبّي أهل بيتي ، وأنشأ من تحتها ملائكة من نور ، ودفع إلى كلّ ملك صكّاً فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق ، فلا تلقى محبّاً لنا أهل البيت إلاّ دُفعت إليه صكّاً فيه فكاكه من النار.

بأخي وابن عمّي وابنتي فكاك رجال ونساء من اُمّتي من النار» (٢).

٧ ـ حديث موسى بن سيّار قال كنت مع الرضا عليه السلام وقد أشرف على حيطان طوس ، وسمعت واعية اتّبعتها ، فإذا نحن بجنازة ، فلمّا بصرت بها رأيت سيّدي وقد ثنى رجله عن فرسه ، ثمّ أقبل نحو الجنازة فرفعها ، ثمّ أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة باُمّها ثمّ أقبل عليَّ وقال :

«يا موسى بن سيّار من شيّع جنازة ولي من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته اُمّه لا ذنب عليه».

حتّى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيّدي قد أقبل فأفرج الناس عن الجنازة حتّى بدا له الميّت ، فوضع يده على صدره ثمّ قال : يا فلان بن فلان ابشر بالجنّة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة.

فقلت : جعلت فداك هل تعرف الرجل فو الله إنّها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا؟

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ١١٦ ب ٤ ح ٩٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ١١٧ ب ٤ ح ٩٦.

٦٣٦

.........................................

____________________________________

فقال لي : يا موسى بن سيّار أما علمت إنّا معاشر الأئمّة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً ، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصفح لصاحبه ، وما كان من العلوّ سألنا الله الشكر لصاحبه» (١).

٨ ـ حديث تفسير قوله تعالى : (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (٢) عن الإمام الصادق عليه السلام : «النعيم حبّنا أهل البيت وموالاتنا» (٣).

٩ ـ حديث الإمام الصادق عليه السلام في تفسير : (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ) : «هي أعظم نعم الله على خلقه ، وهي ولايتنا» (٤).

١٠ ـ حديث الإمام أبي الحسن عليه السلام : «كلّ من تقدّم إلى ولايتنا تأخّر عن سقر ، وكلّ من تأخّر عن ولايتنا تقدّم إلى سقر» (٥).

وفي نسخة الكفعمي زيادة : «وكملت المنّة».

__________________

(١) الأنوار البهيّة : ص ١٠٦.

(٢) سورة التكاثر : الآية ٨.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٤ ص ٥٠ ب ٢٩ ح ١.

(٤) بحار الأنوار : ج ٢٤ ص ٥٩ ب ٢٩ ح ٣٥.

(٥) بحار الأنوار : ج ٨ ص ٢٧٣ ب ٢٤ ح ٢.

٦٣٧

وَائْتَلَفَتِ الْفُرْقَةُ (١)

____________________________________

(١) ـ الائتلاف والاُلفة : ضدّ الاختلاف ، وهو الإلتئام والإجتماع.

والفُرقة : هو التفرّق وإنفصال الأجزاء.

والمعنى : أنّ بموالاتكم ومتابعتكم والرجوع إليكم حصل الإئتلاف والاتّفاق والإلتئام بين الاُمّة.

وارتفعت الفُرقة والتفرّق الحاصل بالآراء الفاسدة والمذاهب الباطلة ، وطبيعي عدم حصول الفُرقة حتّى بين الاُمم المتعدّدة إذا رجعت إلى زعيم واحد إمام معصوم ، متّصل بربّ السماء ، ويهدي الاُمم بالأنوار العليا.

وفي خطبة الصدّيقة الطاهرة عليها السلام : «وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً للفُرقة» (١).

إذ هم عليهم السلام عدل القرآن الذي يلزم المسّك به مع القرآن ، ولا يحصل بينهما خلاف في أيّ آن ، وولايتهم قطب كلام الرحمن.

ففي حديث الإمام الصادق عليه السلام : «إنّ الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن ، وقطب جميع الكتب ، عليها يستدير محكم القرآن ، وبها يوهب الكتب ، ويستبين الإيمان ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقتدى بالقرآن وآل محمّد عليهم السلام ، وذلك حيث قال في آخر خطبة خطبها : إنّي تارك فيكم الثقلين ...» (٢).

وبهم تأتلف القلوب وتجتمع الفُرقة كما في حديث النوادر عن الإمام الباقر عليه السلام جاء فيه : «فأنتم أهل الله الذين بكم تمّت النعمة ، واجتمعت الفُرقة ، وائتلفت الكلمة» (٣).

ولقد ائتلفت الفرقة بجّدهم الرسول ثمّ بهم ، ولم يظهر الشقاق والنفاق إلاّ

__________________

(١) الاحتجاج : ج ١ ص ١٣٤.

(٢) بحار الأنوار : ج ٩٢ ص ٢٧ ب ١ ح ٢٩.

(٣) بحار الأنوار : ج ٥٩ ص ١٩٤ ب ٢٣ ح ٥٨.

٦٣٨

.........................................

____________________________________

بالخلاف معهم عليهم السلام.

وستجتمع الاُمم على كلمة واحدة عند ظهور مهديّهم المنتظر عليه السلام ، قال تعالى : (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (١) ـ (٢).

__________________

(١) سورة التوبة : الآية ٣٣.

(٢) كنز الدقائق : ج ٥ ص ٤٤٤.

٦٣٩

وَبِمُوالاتِكُمْ تُقْبَلُ الطّاعَةُ الْمُفْتَرَضَةُ (١)

____________________________________

(١) ـ المفترضة بصغة اسم المفعول : أي التي اُوجبَتْ وصارت واجبة ، يقال : افترضه الله أي أوجبه.

أي أنّ بموالاتكم أهل البيت تُقبل الطاعات المفترضة ، والفرائض الواجبة ، وبدون ولايتكم لا تكون مقبولة عند الله تعالى.

وإنّما لا تقبل الطاعات والعبادات بدون ولايتهم :

أوّلاً : لأنّها ليست من العبودية والطاعة في شيء لأنّ عبادة الله وطاعته لا تكون إلاّ من حيث أراد الله لا حيث أراد العبد ، والذي ثبت فيما أراده الله هو طاعة أهل البيت عليهم السلام.

ثانياً : أنّ الولاية من الاُصول ، ولا تقبل الطاعات من الفروع بدون الاُصول.

ثالثاً : للأخبار المتواترة في ذلك ومنها :

١ ـ حديث محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام ، يقول : «كلّ من دان الله عزّ وجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ، ولا إمام له من الله ، فسعيه غير مقبول ، وهو ضالّ متحيّر ، والله شانىء لأعماله.

(إلى أن قال) : وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق.

واعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله ، قد ضلّوا وأضلّوا ، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ، ذلك هو الضلال البعيد» (١).

٢ ـ حديث زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال : «ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته.

__________________

(١) وسائل الشيعة : ج ١ ص ٩٠ ب ٢٩ ح ١.

٦٤٠