في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

قلت : ينكرون علينا أنّهما إبنا رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال : فبأي شيء احتججتم عليهم؟

قلت : بقول الله في عيسى بن مريم : (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ـ إلى قوله : ـ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) (١) فجعل عليسى من ذرّية إبراهيم ، واحتججنا عليهم بقوله تعالى : (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) (٢).

قال : فأي شيء قالوا؟

قال : قلت : قد يكون ولد البنت من الولد ولا يكون من الصلب.

قال : فقال أبو جعفر عليه السلام : والله يا ابا الجارود لاُعطينّكها من كتاب الله آية تسمّي لصلب رسول الله صلى الله عليه وآله لا يردّها إلاّ كافر.

قال : قلت : جعلت فداك وأين؟

قال : حيث قال الله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ـ إلى قوله : ـ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) (٣) فسلهم يا أبا الجارود هل يحلّ لرسول الله صلى الله عليه وآله نكاح حليلتهما؟ فإن قالوا : نعم فكذبوا والله ، وإن قالوا : لا ، فهما والله إبنا رسول الله لصلبه ، وما حرّمت عليه إلاّ للصلب» (٤).

هذا مضافاً إلى دليل اللغة وتصريح أهلها بتفسير الذرّية بالأولاد الشامل للذكور والإناث كما تقدّم.

ومضافاً إلى أنّه قد اُطلق على الحسنين عليهما السلام الإبن ، والأصل في الإستعمال الحقيقة.

ولإبن أبي الحديد كلام شافٍ وإعتراف وافٍ قال فيه :

فإن قلت : أيجوز أن يقال للحسن والحسين وولدهما : أبناء رسول الله وولد

__________________

(١) سورة الأنعام : الآية ٨٤ و ٨٥.

(٢) سورة آل عمران : الآية ٦١.

(٣) سورة النساء : الآية ٢٣.

(٤) بحار الأنوار : ج ٤٣ ص ٢٣٢ ب ٩ ح ٨.

١٦١

.........................................

____________________________________

رسول الله ، وذرّية رسول الله ، ونسل رسول الله؟

قلت : نعم ؛ لأنّ الله تعالى سمّاهم «أبناءه» في قوله تعالى : (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) ، وإنّما عنى الحسن والحسين ، ولو أوصى لولد فلان بمال دخل فيه أولاد البنات ، وسمّى الله تعالى عيسى ذرّية إبراهيم في قوله : (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) إلى أن قال : (وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ) ؛ ولم يختلف أهل اللغة في أنّ ولد البنات من نسل الرجل.

فإن قلت : فما تصنع بقوله تعالى : (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ) (١)؟

قلت : أسألك عن اُبوّته لإبراهيم بن مارية ؛ فكما تجيب به عن ذلك ؛ فهو جواب عن الحسن والحسين عليهما السلام.

والجواب الشامل للجميع أنّه عنى زيد بن حارثة لأنّ العرب كانت تقول : «زيد بن محمّد» على عادتهم في تبنّي العبيد ، فأبطل الله تعالى ذلك ، ونهى عن سنّة الجاهلية ، وقال : إنّ محمّداً عليه السلام ليس أباً لواحد من الرجال البالغين المعروفين بينكم ليعتزي إليه بالنبوّة ، وذلك لا ينفي كونه أباً لأطفال ، لم تطلق عليهم لفظة الرجال ، كإبراهيم وحسن وحسين عليهم السلام.

فإن قلت : أتقول إنّ ابن البنت ابن على الحقيقة الأصلية أم على سبيل المجاز؟

قلت : لذاهب أن يذهب إلى أنّه حقيقة أصلية ؛ لأنّ أصل الإطلاق الحقيقة ، وقد يكون اللفظ مشتركاً بين مفهومين وهو في أحدهما أشهر ، ولا يلزم من كونه أشهر في أحدهما ألاّ يكون حقيقة في الآخر.

ولذاهب أن يذهب إلى أنّه حقيقة عرفية ، وهي التي كثر إستعمالها ؛ وهي في الأكثر مجاز ؛ حتّى صارت حقيقة في العرف ، كالرواية للمزَادة ، والسماء للمطر.

ولذاهب ان يذهب إلى كونه مجازاً قد إستعمله الشارع ، فجاز إطلاقه في كلّ حال ؛ وإستعماله كسائر المجازات المستعملة (٢).

__________________

(١) سورة الأحزاب : الآية ٤٠.

(٢) شرح نهج البلاغة : ج ١١ ص ٢٦.

١٦٢

الفصل الرابع

اَلسَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللهِ (١)

____________________________________

(١) ـ جاء في ابتداء السلام الرابع في هذه الزيارة المباركة التسليم على أهل البيت صلوات الله عليهم بوصف أنّهم الدعاة إلى الله تعالى.

والدعاة : جمع الداعي كقضاة جمع قاضٍ ، مشتقّ من الدعوة بمعنى الطلب.

والدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى معرفته ، وإطاعته ، وعبادته ، ودينه ، وشريعته.

وآل محمّد سلام الله عليهم داعون إلى الله كجدّهم الرسول الأعظم الذي كان داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، إذ هم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وبمنزلته كما تلاحظه في حديث محمّد بن مسلم (١).

وهم يدعون الخلق إلى معرفة الله تعالى ، ويطلبون منهم الإلتزام بطاعته ، ويهدونهم إلى عبادته ، ويرشدونهم إلى التخلّق بأخلاقه ، ويسلكون بهم مسالك التقوى وطرق الجنّة ، يهدونهم إلى ذلك ويدعونهم إليها ، ببياناتهم الوافية ، ومواعظهم الشافية.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٥٠ ب ١٨ ح ٢.

١٦٣

.........................................

____________________________________

لا بالقول فحسب بل بالقول والعمل ، بل نفس وجودهم دعوة إلى الله ، وتذكرة بالله ، فهم الاُسوة والقدوة بأقوالهم وأفعالهم ، كما إعترف بذلك الصديق والعدوّ ، بل أقرّ بذلك ألدّ أعدائهم كمعاوية عليه الهاوية في مثل حديث عدي بن حاتم الطائي (١).

والدليل على دعوتهم إلى الله تعالى ومنصبهم في ذلك :

أوّلاً : من الكتاب قوله تعالى : (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (٢) فقد ورد تفسيره بأنّ من اتّبعني هو أمير المؤمنين والأوصياء من بعده عليهم السلام (٣).

ثانياً : من السنّة الأحاديث الكثيرة الناصّة على ذلك كحديث عبد العزيز بن مسلم ، عن الإمام الرضا عليه السلام ورد فيه : «الإمام أمين الله في خلقه : وحجّته على عباده وخليفته في بلاده ، والداعي إلى الله ، والذابّ عن حُرُم الله» (٤).

وهم صلوات الله عليهم أعلى مُثُل الدعوة الحقّة إلى الله ، وأتمّ مصاديق الدعاة الحقيقيين إلى الربّ ، بل لا يدانيهم أحدٌ فيها ، لأنّها دعوة بأمر الله وإذنه ، وإلى رضا الله ومرضاته.

وقد بيّنت هذه الزيارة الشريفة مميّزات دعوتهم التي تختصّ بهم ويمتازون بها عن غيرهم في الفقرات التالية : «الأدلاّء على مرضات الله» ثمّ قوله : «عباده المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون».

__________________

(١) سفينة البحار ج ٦ ص ١٨٤.

(٢) سورة يوسف : الآية ١٠٨.

(٣) تفسير البرهان : ج ١ ص ٥١٥ ، كنز الدقائق : ج ٦ ص ٣٩٦.

(٤) الكافي : ج ١ ص ٢٠٠ ح ١.

١٦٤

وَالأَدِلاّءِ عَلى مَرْضات اللهِ (١)

____________________________________

(١) ـ أدلاّء جمع دليل ، كأعزّاء جمع عزيز وأخلاّء جمع خليل ، والدليل هو الذي يدلّ ويرشد ويهدي.

والمرضات مصدر ميمي من الرضا ـ أي رضا الله عزّ إسمه ـ.

وأهل البيت عليهم السلام هم الذين يدلّون الناس على المعارف الإلهية ، والأحكام الشرعية ، وسبل الهداية ، وطريق الجنّة ، التي توجب رضا الله تعالى والقرب إليه.

وقد بذلوا في مرضات الله النفس والنفيس كما يشهد به القرآن الكريم في قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) (١). حيث نزلت في سيّد الوصيّين أمير المؤمنين عليه السلام (٢) واتّفقت عليها أحاديث الفريقين (٣).

ويدلّ على أنّهم عليه السلام هم الأدلاّء ، الأحاديث المتظافرة مثل :

١ ـ حديث عبد العزيز بن مسلم المبيّن لصفات الإمام عليه السلام عن مولانا الرضا سلام الله عليه قال : «الإمام الماءُ العذب على الظمأ ، والدالّ على الهدى ، والمنجي من الردي» (٤).

٢ ـ حديث الكفعمي عن الإمام الباقر عليه السلام : «إنّ الأئمّة الدعاة إلى الجنّة والأدلاّء عليها إلى يوم القيامة» (٥).

٣ ـ حديث كتاب المعراج عنه عليه السلام : «نحن الدليل الواضح لمن اهتدى» (٦).

٤ ـ حديث الإمام الصادق عليه السلام : «بنا عُرِف الله وبنا عُبِد الله ، نحن الأدلاّء على الله» (٧).

٥ ـ دعاء العهد الشريف : «وكما جعلتهم السبب إليك ، والسبيل إلى طاعتك

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٠٧.

(٢) كنز الدقائق : ج ٢ ص ٣٠٥.

(٣) غاية المرام : ص ٣٤٣ ـ ٣٤٤.

(٤) الكافي : ج ١ ص ٢٠٠ ح ١.

(٥) مرآة الأنوار : ص ١٠٠.

(١ و ٦) مرآة الأنوار : ص ١٠٠.

() بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٢٦٠ ب ٢ ح ٣٨.

١٦٥

.........................................

____________________________________

والوسيلة إلى جنّتك ، والأدلاّء على طرقك» (١).

واعلم أنّ في نسخة البلد الأمين هنا زيادة : «والمؤدّين عن الله ، والقائمين بحقّ الله ، والناطقين عن الله».

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٨٩ ص ٣٤١ ب ٩٧ ح ٣.

١٦٦

وَالْمُسْتَقِرّينَ فِي اَمْرِ اللهِ (١)

____________________________________

(١) ـ المستقرّين : جمع المستقرّ بمعنى الثابت ، من الاستقرار بمعنى الثبوت.

والاستقرار في أمر الله بمعنى ثبوت العمل بأوامر الله تعالى وإطاعته ، أو أمر الخلافة والإمامة.

وأهل البيت سلام الله عليهم في أتمّ العمل والقيام بأوامر الله تعالى واجبة كانت أو مندوبة ، عبادة أو غير عبادة.

وهم المستقرّون الثابتون في أمر الإمامة والخلافة ، والقائمون بها أحسن قيام (١).

وكلا المعنيين صادق فيهم سلام الله عليهم.

أمّا بالمعنى الأوّل فهم أطوع الناس لله تعالى ، وامتثال أوامره ، والثبوت في طاعته ، كما تلاحظ ذلك في سيرتهم الغرّاء التي لم يأخذهم فيها لومة لائم ، حتّى كانوا من طاعة الله في الدرجات العلى والعصمة الكبرى ، كما تشهد به آية التطهير (٢).

فهم الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، كما يأتي في آخر السلام الخامس بيانه ودليله.

وأمّا بالمعنى الثاني فهم القائمون بأمر الله ، الثابتون في خلافة الله والمصطفون لولاية الأمر عن الله ، كما تشهد به آية الإطاعة (٣) وتلاحظ أحاديثه في التفسير (٤).

والعقل والنقل دالاّن على استقرارهم في أمر الله.

أمّا العقل فلأنّه يحكم بلزوم أفضليّة الإمام من سائر الخلق في جميع الجهات ، وفي محاسن الصفات ، حتّى لا يلزم تقديم المفضول على الفاضل ، ومن تلك الجهات الحسنة التي يلزم أفضلية الإمام فيها استقراره في أمر الله تعالى.

__________________

(١) والمنقول عن بعض النسخ : (المستوفرين) من الوفور بمعنى الكثرة ، أي العاملين بأوامر الله تعالى أكثر من سائر الخلق.

(٢) سورة الأحزاب : الآية ٣٢.

(٣) سورة النساء : الآية ٥٩.

(٤) كنز الدقائق : ج ٣ ص ٤٣٧.

١٦٧

.........................................

____________________________________

وأمّا النقل فمثل حديث عبد العزيز بن مسلم المتقدّم (١) الذي جاء فيه : «الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد منه بدل ، ولا له مثل ولا نظير ... مضطلع بالإمامة ... قائم بأمر الله عزّ وجلّ».

ويشهد لثبوتهم وثباتهم في أمر الله ، وعدم ضعفهم فيه ، وعدم استكانتهم في الامتثال ، ما ذكره أديب عصره ابن دأب في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبة السبعين التي ليس لأحد فيها نصيب.

فذكر في أوّل كتابه أنّه لم تجتمع هذه الخصال إلاّ في علي بن أبي طالب ، ولذلك حسدوه عليها حسداً انغلّ القلوب وأحبط الأعمال ، قال في جملة ذلك :

(ثمّ ترك الوهن والاستكانة ، أنّه انصرف من اُحد وبه ثمانون جراحة ، يدخل الفتائل من موضع ويخرج من موضع ، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله عائداً وهو مثل المُضغة على نطع (٢).

فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وآله بكى فقال له : «إنّ رجلاً يصيبه هذا في الله لحقّ على الله أن يفعل به ويفعل.

فقال مجيباً له وبكى : بأبي أنت وأُمّي الحمد الله الذي لم يرني ولّيت عنك ولا فررت ، بأبي واُمّي كيف حرمت الشهادة؟

قال : إنّها من ورائك إن شاء الله.

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّ أبا سفيان قد أرسل موعدة بيننا وبينكم حمراء الأسد.

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢٠٠ ـ ٢٠٢ ح ١.

(٢) النطع ـ بكسر النون وفتحها وسكون الطاء ومحرّكة وبكسر النون وفتح الطاء ـ : بساط من الجلد.

١٦٨

.........................................

____________________________________

فقال : بأبي أنت واُمّي والله لو حُملت على أيدي الرجال ما تخلّفت عنك.

قال : فنزل القرآن : (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (١) ونزلت الآية فيه قبلها : (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (٢)».

ثمّ ترك الشكاية في ألم الجراحة شكت المرأتان (٣) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ما يلقى وقالتا : يا رسول الله قد خشينا عليه ممّا تدخل الفتائل في موضع الجراحات ، من موضع إلى موضع ، وكتمانه ما يجد من الألم.

قال : فعُدّ ما به من أثر الجراحات عند خروجه من الدنيا فكانت ألف جراحة من قرنه إلى قدمه صلوات الله عليه) (٤).

__________________

(١) سورة آل عمران : الآية ١٤٦.

(٢) سورة آل عمران : الآية ١٤٥.

(٣) إحداهما نسيبة الجرّاحة ، والاُخرى امرأة غيرها تتصدّيان معالجة الجرحى في الغزوات.

(٤) الاختصاص : ص ١٥٨.

١٦٩

وَالتّامّينَ فى مَحَبَّةِ اللهِ (١)

____________________________________

(١) ـ يقال : أتممتُ الشيء اي أكملته ـ فمعنى التامّين ـ أي الكاملين.

وتمّ في محبّة الله تعالى : أي بلغ أعلى مراتب محبّته.

في المحيط : المحبّة مأخوذة من الحبّ ضدّ البغض (١).

وفي المفردات : الحبّ بالضمّ معناه الوداد (٢).

والمحبّة هي تلك الصفة النفسانية والعُلقة الوجدانية المعروفة ، المعبّر عنها بميل النفس ، نقيض كُرة النفس.

ومحبّة العبد لله تعالى حالة يجدها العبد في قلبه ، يحصل منها التعظيم لله ، وإيثار رضاه ، والاستئناس بذكره (٣).

ويأتي مزيد بيان المحبّة في آخر هذه الفقرة إن شاء الله.

وأهل البيت سلام الله عليهم حازوا أعلى المراتب في حبّ الله عزّ شأنه ، لأنّهم عرفوا الله بأعلى درجات المعرفة ، وكلّما كانت المعرفة أرقى كانت المحبّة أقوى ، وكلّما كانت المحبّة أقوى كانت الطاعة أسنى ، فإذا ازداد المخلوق حبّاً لله ازداد توجّهه إلى الله حتّى يبلغ درجة الإنقطاع إليه.

لذلك كان أهل البيت النبوي عليهم السلام أطوع لله تعالى من جميع الخلق ، حتّى انقطعوا إلى الله ، واشتغلوا عن غير الله.

وقد بلغ المعصومون عليهم السلام في محبّة الله تعالى هذه الدرجة القصوى ، فترى أنّه جاء في دعاء الصحيفة السجّادية المباركة قول الإمام زين العابدين عليه السلام : «اللهمّ إنّي أخلصت بانقطاعي إليك ، وأقبلتُ بكُلّي عليك» (٤).

__________________

(١) المحيط : ج ١ ص ٣٢١.

(٢) المفردات : ص ١٠٥.

(٣) مجمع البحرين : ص ١٠٩.

(٤) الصحيفة السجّادية : الدعاء ٢٨.

١٧٠

.........................................

____________________________________

وأهل البيت عليهم السلام كملوا في خصوصية حبّ الله والمحبّة التامّة لله كما يدلّ عليه القرآن الكريم بأحاديث تفسيره بآل محمّد سلام الله عليهم مثل :

١ ـ قوله تعالى : (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (١).

٢ ـ قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) (٢).

وأفاد العلاّمة المجلسي هنا أنّ في بعض النسخ القديمة (والنّامين) من النموّ ، أي نشأوا في بدو سنّهم في محبّة الله تعالى ، أو أنّ في كلّ آنٍ وزمان يزدادون حبّاً لله تعالى ، وكلا المعنيين يصدق على أهل البيت عليهم السلام كما هو واضح.

ثمّ ما هي معنى المحبّة؟ هذا ما يحسن تفصيل بيانه فنقول :

وقعت كلمة المحبّة في القرآن الكريم ، فلنقتبس من نوره في استفادة بيانه من أحاديث أهله.

في المجمع بعد ذكر قوله تعالى : (... فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قيل : محبّة الله للعباد إنعامه عليهم ، وأن يوفّقهم لطاعته ، ويهديهم لدينه الذي إرتضاه ، وحبّ العباد لله أن يطيعوه ولا يعصوه ...

ثمّ ذكر : (إنّ المحبّة حالة يجدها المحبّ في قلبه يحصل منها طاعة المحبوب ، وتعظيمه ، وإيثار رضاه ، والاستئناس بذكره ...) (٣).

والأحاديث المباركة بيّنت محبّة الله وآثارها التي منها الطاعة فلاحظ مثل :

١ ـ حديث المفضّل الجعفي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «كان فيما ناجى

__________________

(١) سورة المائدة : الآية ٥٤ ، لاحظ تفسيره بأهل البيت عليهم السلام في كنز الدقائق : ج ٤ ص ١٤١.

(٢) سورة البقرة : الآية ١٦٥ ، لاحظ تفسيره بأهل البيت عليهم السلام في تفسير العياشي : ج ١ ص ٧٢.

(٣) مجمع البحرين : مادّة حبب ص ١٠٩.

١٧١

.........................................

____________________________________

الله عزّ وجلّ به موسى بن عمران عليه السلام أن قال له :

يابن عمران! كذب من زعم أنّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام عنّي ، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه؟

ها أنا ذا يابن عمران مطّلع على أحبّائي إذا جنّهم الليل حوّلت أبصارهم من قلوبهم ، ومثّلت عقوبتي بين أعينهم ، يخاطبوني عن المشاهدة ، ويكلّموني عن الحضور.

يابن عمران هب لي من قلبك الخشوع ، ومن بدنك الخضوع ، ومن عينك الدموع في ظلم الليل ، وادعني فإنّك تجدني قريباً مجيباً» (١).

٢ ـ حديث ابن أبي عمير عمّن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول : ما أحبّ الله عزّ وجلّ من عصاه ثمّ تمثّل فقال :

تعصي الإله وأنت تُظهر حبّه

هذا محالٌ في الفعال بديعُ

لو كان حبّك صادقاً لأطعتَه

إنّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ» (٢)

 ٣ ـ حديث سليمان بن داود باسناده قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله : يا رسول الله علّمني شيئاً إذا أنا فعلته أحبّني الله من السماء وأحبّني الناس من الأرض.

فقال له : «أرغب فيما عند الله عزّ وجلّ يحبّك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبّك الناس» (٣).

٤ ـ حديث نوح بن درّاج ، عن الإمام الرضا عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «أوحى الله عزّ وجلّ إلى نجيّه موسى : احببني وحبّبني إلى خلقي!

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٧٠ ص ١٤ ب ٤٣ ح ٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ٧٠ ص ١٤ ب ٤٣ ح ٣.

(٣) بحار الأنوار : ج ٧٠ ص ١٤ ب ٤٣ ح ٤.

١٧٢

.........................................

____________________________________

قال : يا ربّ هذا اُحبّك فكيف اُحبّبك إلى خلقك؟

قال : اذكر لهم نعماي عليهم ، وبلاي عندهم ، فإنّهم لا يذكرون أو لا يعرفون منّي إلاّ كلّ الخير» (١).

٥ ـ حديث حنّان بن سدير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : قال الله : «ما تحبّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه ، وإنّه ليتحبّب إليّ بالنافلة حتّى اُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، إذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته ، وما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في موت المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (٢).

وفي نسخة البلد الأمين هنا : «والمخلصين في توحيد الله ، والصادعين بأمر الله ، الثابتين في محبّة الله ، والمظهرين لأمر الله ونهيه ، وعباده المكرمين الخ».

__________________

(١) مجمع البحرين : مادّة حبب ص ١٠٩.

(٢) مجمع البحرين : مادّة حبب ص ١٠٩.

١٧٣

وَالْمخْلِصينَ في تَوْحيدِ اللهِ (١)

____________________________________

(١) ـ الخلوص هو : الصفاء والخلوّ من كل شوب ، والخالص في اللغة هو : كلّما صفا وتخلّص ولم يمتزج بغيره.

والعمل الخالص في العرف هو ما كان لوجه الله ، وكان قصد القربة فيه مجرّداً عن جميع الشوائب ، ولا تريد أن يحمدك عليه إلاّ الله ؛ وهذا التجريد هو الإخلاص.

والمخلصين ، يُقرأ بكسر اللام وفتحه ، فبالكسر معناه : الذين أخلصوا في توحيد الله تعالى وكان اعتقادهم بالتوحيد خالصاً من كلّ شوب وريب.

وقد بلغ أهل البيت المرتبة العليا في هذا الإخلاص.

بدليل قوله صلى الله عليه وآله : «يا علي ما عرف الله حقّ معرفته غيري وغيرك ، وما عرفك حقّ معرفتك غير الله وغيري» (١).

وبالفتح معناه : الذين إختارهم الله وأخلصهم لتوحيده ، بمعنى أنّهم هم المختارون الذين عرّفوا الله تعالى بأقصى مراتب التوحيد ، وبسبيلهم عرف التوحيد.

وقد بلغ أهل البيت عليهم السلام مرتبة أن خصّهم الله بهذه الدرجة ، بدليل قول الإمام الباقر عليه السلام في حديث جابر : «بنا عُرف الله وبنا وُحّد الله وبنا عُبِد الله» (٢).

بل إنحصرت معرفة الله بمعرفتهم كما في حديث مِقرن ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال أمير المؤمنين عليه السلام : «ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله عزّ وجلّ إلاّ بسبيل معرفتنا» (٣).

بل هم المعيار في معرفة الله والإيمان به كما في حديث الفضيل بن يسار ، عن

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٣٩ ص ٨٤.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ٢٠ ب ١ ح ٣١.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٤ ص ٢٥٣ ب ٦٢ ح ١٤.

١٧٤

.........................................

____________________________________

أبي جعفر عليه السلام قال : «إنّ الله عزّ وجلّ نصب علياً عليه السلام عَلَماً بينه وبين خلقه ، فمن عرفه كان مؤمناً ومن أنكره كان كافراً ، ومن جهله كان ضالاً ، ومن نصب معه شيئاً كان مشركاً ، ومن جاء بولايته دخل الجنّة» (١).

والخير كلّ الخير في الإخلاص ، والنجاة كلّ النجاة يكون بالخلوص ، والثمر في العمل يكون للمخلصين ، فلاحظ أحاديث باب الإخلاص مثل :

١ ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله : «من أخلص لله أربعين يوماً فجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» (٢).

٢ ـ حديث الإمام الرضا عليه السلام : «إنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول : طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ، ولم ينس ذكر الله بما تسمع اُذناه ، ولم يحزن صدره بما اُعطي غيره» (٣).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٤٣٧ ح ٧.

(٢) سفينة البحار : ج ٢ ص ٦٦٨.

(٣) الكافي : ج ٢ ص ١٦ ح ٣ و ٥ و ٦.

١٧٥

وَالْمُظْهِرينَ لأَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ المظهرين جمع المُظِهر ، اسم فاعل من الظهور : بمعنى وضوح الشيء ، وبروزه ، وتبيّنه.

يقال : ظهر الشيء : إذا بان وبرز بعد الخفاء.

وأهل البيت النبوي هم خزنة علم الله وورثة علم الرسول ، فكانوا هم العالمون بأوامر الله ونواهيه ، والمظهرون لأمر الله ونهيه كما تلاحظه في حديث خطبة الإمام الصادق عليه السلام في شأن ألأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجميعن جاء فيه : «آتاه علمه ، وأنبأه فصل بيانه ... وانتدبه لعظيم أمره وأحيا به مناهج سبيله ، وفرائضه وحدوده» (١).

وهم العين الصافية ، والمعدن الفيّاض بالأحكام الشرعية والمعالم الربّانية ، وجميع الموضوعات المأمورة والمنهيّة كما تلاحظه في حديث عبد العزيز بن مسلم عن الإمام الرضا عليه السلام : «بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفيء والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف الإمام يحلّ حلال الله ، ويحرّم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذبّ عن دين الله» (٢).

وبالعيان والوجدان نجد ما ظهر من بياناتهم الشريفة في أحاديثهم المنيفة ، المبيّنة لحلال الله وحرامه ، وأموامره ونواهيه ، وسننه وأحكامه ، ممّا حُرّرت في كتب أصحابهم ورواتهم حتّى أنّه جمعت أحاديثهم الشريفة في الكتب الكثيرة فبلغت (٦٦٠٠) كتاباً كما أفاده المحدّث الحرّ العاملي (٣).

منها أربعمائة كتاب لأربعمائة مصنّف ، سمّيت بالاُصول الأربعمائة فصّلنا بيانها

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢٠٣ ح ٢.

(٢) الكافي : ج ١ ص ٢٠٠ ح ١.

(٣) وسائل الشيعة : ج ٢٠ ص ٤٩.

١٧٦

.........................................

____________________________________

في محلّه (١). وقد أخذ منها محدّثونا الكبار الكتب الشريفة الجوامع :

١ / الكافي ويشتمل على (١٦١٩٩) حديثاً.

٢ / الفقيه ويشتمل على (٥٩٦٣) حديثاً.

٣ / مدينة العلم وهو أكثر من أحاديث الفقيه.

٤ / التهذيب ويشتمل على (١٣٥٩٠) حديثاً.

٥ / الاستبصار ويشتمل على (٥٥١١) حديثاً.

وقد بلغ كبار أصحابهم عليهم السلام في الحديث أن كان لجابر الجعفي (٧٠٠٠٠) حديثاً ولأبان بن تغلب (٣٠٠٠٠) حديثاً ، ولكثير منهم كثيراً منها.

__________________

(١) الفوائد الرجالية : ص ٢٨ الفائده الثالثة.

١٧٧

وَعِبادِهِ الْمُكْرَمينَ الَّذينَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِاَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (١) وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.

____________________________________

(١) ـ عباده : اُضيفت العبودية إلى الضمير العائد إلى الله تعالى في قوله عباده لمزيد الاختصاص والتشريف.

والمكرمين : بالتخفيف وفي نسخة بالتشديد أي الذين أكرمهم الله تعالى بالعصمة والطهارة والمعرفة.

الذين لا يسبقونه بالقول : أي لا يقولون بقول إلاّ بأمر الله تعالى ، بل كلامهم كلام الله العزيز كجدّهم الرسول الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى.

وهم بأمره يعملون : أي في جميع أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

وقد أبانت هذه الفقرة الصفات الكريمة في أهل البيت عليهم السلام من حيث شرافتهم بالعبادة ، ثمّ كرامتهم عند الله ، ثمّ أدبهم أمام الله ، ثمّ إطاعتهم لله تعالى.

وقد فسّر بهم قوله تعالى : (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (١).

فعن الإمام الباقر عليه السلام أنّه أومأ بيده إلى صدره وقال : (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (٢).

وجميع ما فعلوه وهم أهل بيت العصمة كان بعهد من الله تعالى.

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني في الكافي باباً في أنّ الأئمّة عليهم السلام لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهد من الله عزّ وجلّ وأمر منه لا يتجاوزونه (٣).

__________________

(١) سورة الأنبياء : الآية ٢٦ و ٢٧.

(٢) تفسير البرهان : ج ٢ ص ٦٨٦ ، كنز الدقائق : ج ٨ ص ٤٠٤.

(٣) الكافي : ج ١ ص ٢٨١ الأحاديث خصوصاً الحديث ٤.

١٧٨

الفصل الخامس

اَلسَّلامُ عَلَى الاْئِمَّةِ الدُّعاةِ (١)

____________________________________

(١) ـ جاء في هذا التسليم الخامس والأخير من هذه الزيارة المباركة السلام على أهل البيت عليهم السلام بأوصافهم الجليلة الفائقة ، ومقاماتهم الربّانية الرائعة بأنّهم : الأئمّة الدُعاة ...

والأئمّة جمع إمام مثل أكسية جمع كساء ، والإمام هو المقتدى الذي يأتمّ به الناس ، فيتّبعونه ويأتمّون به ويأخذون عنه ؛ وهو ذلك المقام الشامخ للحجّة الذي لا يكون إلاّ بجعل من الله تعالى كما قال عزّ إسمه : (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) (١).

وقال أيضاً : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (٢).

عن أمير المؤمنين عليه السلام : «سُمّي الإمام إماماً لأنّه قدوة للناس ، منصوب من قبل الله تعالى ذكره ، مفترض الطاعة على العباد» (٣).

والأئمّة هم المحور للصفات الجليلة والمزايا النبيلة ، من ذلك كونهم : الدعاة إلى الله تعالى.

والدعاة : جمع داعي مثل قضاة وقاضي ، مأخوذ من الدعوة بمعنى الطلب (فراخواندن) بمعنى الدعوة إلى الله تعالى ، وإلى معرفته وطاعته ، وإلى تقواه وجنّته ،

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٢٤.

(٢) سورة الأنبياء : الآية ٧٣.

(٣) معاني الأخبار : ص ٦٤ ح ١٧.

١٧٩

.........................................

____________________________________

وإلى هداه وعبادته.

وأهل البيت سلام الله عليهم هم الأئمّة الحقّ الذين يدعون إلى الله تعالى بالدعوة الحسنى ، كما مرّ بيانه مفصّلاً في الفقرة الشريفة «السلام على الدعاة إلى الله» مع الإستدلال له بالكتاب والسنّة فلاحظ.

ويكفينا دليلاً على عظيم شأن الإمام والإمامة ـ مضافاً إلى ما مرّ من الأدلّة ـ حديث طارق بن شهاب المروي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو حديث جامع بليغ ، نذكره لعظيم نفعه وفائدته وهذا نصّه :

عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : «يا طارق الإمام كلمة الله ، وحجّة الله ، ووجه الله ، ونور الله ، وحجاب الله ، وآية الله ، يختاره الله ، ويجعل فيه ما يشاء ، ويوجب له بذلك الطاعة والولاية على جميع خلقه.

فهو وليّه في سماواته وأرضه ، أخذ له بذلك العهد على جميع عباده ، فمن تقدّم عليه كفر بالله من فوق عرشه ، فهو يفعل ما يشاء وإذا شاء الله شاء.

ويكتب على عضده : (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) (١) فهو الصدق والعدل.

وينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء ، يرى فيه أعمال العباد ، ويلبس اهيبة وعلم الضمير ، ويطّلع على الغيب ، ويرى ما بين المشرق والمغرب فلا يخفى عليه شيء من عالم الملك والملكوت ، ويعطى منطق الطير عند ولايته.

فهذا الذي يختاره الله لوحيه ، ويرتضيه لغيبه ، ويؤيّده بكلمته ، ويلقّنه حكمته ويجعل قلبه مكان مشيّته ، وينادي له بالسلطنة ، ويذعن له بالإمرة (٢) ويحكم له بالطاعة.

وذلك لأنّ الإمامة ميراث الأنبياء ، ومنزلة الأصفياء ، وخلافة الله ، وخلافة رسل

__________________

(١) سورة الأنعام : الآية ١١٥.

(٢) الإمرة بالكسر : الإمارة والولاية.

١٨٠