في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

إلى العظام يطير بعضها إلى بعض ، فعادوا أحياءاً ينظر بعضهم إلى بعض ، يسبّحون الله ويكبّرونه ويهلّلونه.

فقال حزقيل عند ذلك : أشهد أنّ الله على كل شيء قدير» (١).

فبإخبار الله أصدق الصادقين ، وإخبارات الهداة المعصومين ، بالتواتر الموجب للعلم واليقين نعلم بوقوع الرجعة إلى الدنيا ، والوقوع أدلّ شيء في البراهين المُثلى ، وقد دلّت الأدلّة القطعية على رجعة الأئمّة عليهم السلام فلاحظ.

__________________

(١) الإيقاظ من الهجعة : ص ١١٣ ح ١ و ٢ و ٩.

٥٠١

مُنْتَظِرٌ لاِمْرِكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ الانتظار : هي الكيفية النفسانية التي ينبعث منها التهيّؤ لما تنتظره ، وصدّ اليأس.

والأمر فسّر في اللغة بالشأن والحادثة.

والمعنى هنا أنّي منتظر ومتهيّؤٌ لظهوركم ، وغلبتكم على الأعداء ، ودولتكم العلياء بعد ظهور الإمام المهدي (أرواحنا فداه).

وانتظار الفَرَج هذا من أفضل الأعمال ، بل من دعائم الدين كما يظهر من أحاديثه المتظافرة التي تلاحظها في باب مستقل (١) مثل :

١ ـ حديث الأربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام : «انتظروا الفَرَج ولا تيأسوا من روح الله ، فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ انتظار الفَرَج».

وقال عليه السلام : «الآخذ بأمرنا معنا غداً في حظيرة القدس ، والمنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله».

٢ ـ حديث الفيض بن المختار قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : «من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه ، قال : ثمّ مكث هنيئة ثمّ قال : لا بل كمن قارع معه بسيفه ، ثمّ قال : لا والله إلاّ كمن استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله».

٣ ـ حديث الكوفي قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فكنت عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام ، وهو غلام فقمت إليه وقبّلت رأسه وجلست.

فقال لي أبو عبد الله عليه السلام : «يا أبا إبراهيم أما إنّه صاحبك من بعدي أما ليهلكنّ فيه أقوام ويسعد آخرون ، فلعن الله قاتله ، وضاعف على روحه العذاب.

__________________

(١) مكيال المكارم : ج ٢ ص ١٥٢ ، بحار الأنوار : ج ٦ ص ٣٣٣ ب ٣ ح ٩ ، وج ١٣ ص ٣٨٥ ب ١٤ ح ٦ ، عن روضة الكافي : ج ٨ ص ١٩٨ ح ٢٣٧.

٥٠٢

.........................................

____________________________________

أما ليُخرجنّ الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه ، بعد عجائب تمرّ به حسداً له ، ولكنّ الله بالغ أمره ولو كره المشركون.

يخرج الله تبارك وتعالى من صلبه تكملة اثني عشر إماماً مهديّاً اختصّهم الله بكرامته ، وأحلّهم دار قدسه ، المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذبّ عنه.

فدخل رجل من موالي بني اُميّة فانقطع الكلام ، وعدتُ إلى أبي عبد الله عليه السلام خمسة عشر مرّة اُريد استتمام الكلام فما قدرت على ذلك ، فلمّا كان من قابل دخلت عليه وهو جالس ، فقال لي :

يا أبا إبراهيم هو المفرِّج للكرب عن شيعته ، بعد ضنك شديد ، وبلاء طويل وجور ، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان وحسبك يا أبا إبراهيم».

قال أبو إبراهيم : فما رجعت بشيء أسرَّ إليّ من هذا ولا أفرح لقلبي منه.

٤ ـ حديث أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال ذات يوم : «ألا اُخبركم بما لا يقبل الله عزّ وجلّ من العباد عملاً إلاّ به؟

فقلت : بلى.

فقال : شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله والإقرار بما أمر الله ، والولاية لنا ، والبراءة من أعدائنا ، يعني أئمّة خاصّة والتسليم لهم ، والورع والاجتهاد ، الطمأنينة ، والانتظار للقائم ثمّ قال : إنّ لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء.

ثمّ قال : من سرّ أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق ، وهو منتظر ، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه ، فجدّوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّتها العصابة المرحومة».

٥ ـ حديث جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال : «يأتي على الناس زمان يغيب

٥٠٣

.........................................

____________________________________

عنهم إمامهم ، فياطوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان ، إنّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم الباري عزّ وجلّ : عبادي آمنتم بسرّي ، وصدّقتم بغيبي ، فأبشروا بحسن الثواب منّي ، فأنتم عبادي وإمائي حقّاً ، منكم أتقبّل وعنكم أعفو ، ولكم أغفر ، وبكم أسقي عبادي الغيث ، وأدفع عنهم البلاء ، ولو لا كم لأنزلت عليهم عذابي».

قال جابر : فقلت ك يابن رسول الله فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟

قال : «حفظ اللسان ولزوم البيت» (١).

ولا يخفى أنّه كلّما كان الانتظار أشدّ كان التهيّؤ آكد ، والاستعداد يظهر بالإعداد.

والمؤمن المنتظر لقدوم مولاه كلّما اشتدّ انتظاره إزداد جهده في التهيّؤ لذلك بالورع والاجتهاد ، وتهذيب النفس عن الأخلاق الرذيلة ، واقتناء الأخلاق الحميدة ، ولذلك أمر الأئمّة الطاهرون عليهم السلام بتهذيب الصفات ، وملازمة الطاعات كما أفاده السيّد التقي الأصفهاني (٢).

واستدلّ لذلك بما تقدّم من حديث أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام الذي جاء فيه : «من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر ...» (٣).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٥٢ ص ١٢٢ ب ٢٢ المشتمل على (٧٧) حديثاً ح ٧ و ١٨ و ٢٤ و ٥٠ و ٦٦.

(٢) مكيال المكارم : ج ٢ ص ١٥٢.

(٣) الغيبة ، للنعماني : ص ٢٠٠ ح ١٦.

٥٠٤

مُرْتَقِبٌ لِدَوْلَتِكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ الإرتقاب : هو الإنتظار.

أي منتر لدولتكم الحقّة التي تكون عند الرجعة.

وهي الدولة الكريمة التي يُعزّ الله تعالى بها الإسلام وأهله ، ويُذلّ بها النفاق وأهله ، ويكون بها كرامة الدنيا والآخرة.

وفي حديث ابن أبي عمير ، عمّن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول :

لكلّ اُناسٍ دولة يرقبونها

ودولتنا في آخر الدهر تظهرُ (١)

وتمتاز دولة الإمام المهدي (أرواحنا فداه) بأنّها تكون أفضل العصور الذهبية في الكرة الأرضية ، في جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية.

فأوّلاً : الحياة الثقافية تزدهر بالعلم والحكمة في أرقى المراتب.

ففي حديث الإمام الباقر عليه السلام : «... تؤتون الحكمة في زمانه ...» (٢).

وثانياً : الحياة الإقتصادية تكون في أعلى الدرجات ، إذ يسود فيها الخيرات والبركات والغنى والاستغناء ، ويزول الفقر والاحتياج.

ففي حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أنّه قال : «اُبشّركم بالمهدي يبعث في اُمّتي على اختلاف من الناس ، وزلزال ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت جوراً وظلماً ، يرضى عنه ساكن السماء ، وساكن الأرض ، يقسم المال صحاحاً».

فقال له رجل : ما صحاحاً؟

قال : بالسويّة بين الناس.

قال : «ويملأ الله قلوب اُمّة محمّد غنىً ، ويسعهم عدله ، حتّى يأمر منادياً

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٥١ ص ١٤٣ ب ٦ ح ٣.

(٢) بحار الأنوار : ج ٥٢ ص ٣٥٢ ب ٢٧ ح ١٠٦.

٥٠٥

.........................................

____________________________________

فينادي ، فيقول : من له في المال حاجة؟

فما يقوم من الناس إلاّ رجل واحد ، فيقول : أنا.

فيقال له : إيت السادن ـ يعني الخازن ـ فقل له : إنّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً.

فيقول له : احْثُ. فيحثي ، حتّى إذا جعله في حجره وأبرزه في حجره ندم ، فيقول : كنت أجشع اُمّة محمّد نفساً ، أو عَجَزَ عنّي ما وسعهم. فيردّه فلا يُقبل منه ، فيقال له : إنّا لا نأخذ شيئاً أعطيناه» (١).

وثالثاً : الحياة الزراعية التي هي من أقوى مصادر الثروة تكون في غاية الحسن وغزارة البركة ، ونهاية النماء كما تلاحظ ذلك في الأحاديث التالية :

١ ـ حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله «يخرج في آخر اُمّتي المهدي ، يسقيه الله الغيث ، وتخرج الأرض نباتها ، ويعطي المال صحاحاً ، وتكثر الماشية ، وتعظم الاُمّة» (٢).

٢ ـ حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قال : «تنعم اُمّتي في زمن المهدي نعمة لم يتنعّموا مثلها قطّ ، ترسل السماء عليهم مدراراً ، ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلاّ أخرجته» (٣).

٣ ـ حديث أمير المؤمنين عليه السلام : «... ويزرع الإنسان مُدّاً يخرج له سبعمائة مدّ ، كما قال الله تعالى : (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) (٤) ، ويذهب الربا والزنا ، وشرب الخمر والرياء ، وتقبل الناس على العبادة ، والمشروع ، والديانة ، والصلاة في الجماعات ، وتطول الأعمار ، وتؤدّى

__________________

(١) عقد الدرر : ص ٢١٩ ب ٨.

(٢) عقد الدرر : ب ٧ ص ١٩٤.

(٣) عقد الدرر : ب ٧ ص ١٩٥.

(٤) سورة البقرة : الآية ٢٦١.

٥٠٦

.........................................

____________________________________

الأمانة ، وتحمل الأشجار ، وتتضاعف البركات ، وتهلك الأشرار ، ويبقى الأخيار ، ولا يبقى من يبغض أهل البيت عليهم السلام» (١).

ورابعاً : الحياة السكنية لا يكون فيها مشكلة قطّ ، بل يزدهر بالبناء والعمران حتّى أنّه تعمر الصحاري والقفار.

ففي حديث الإمام الصادق عليه السلام : «إذا قام اتّصلت بيوت الكوفة بنهر كربلاء» (٢).

وخامساً : كلّ هذا مع اقتران العيش والحياة بالأمن والأمان كما في حديث الأربعمائة :

«ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ، ولأخرجت الأرض نباتها ، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد ، واصطلحت السباع والبهائم ، حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام ، لا تضع قدميها إلاّ على النبات ، وعلى رأسها زبّيلها لا يهيّجها سبع ولا تخافه» (٣).

حتّى إنّ الحيوانات تعيش بأمان كما في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام : «فيبعث المهدي عليه السلام إلى اُمرائه بسائر الأمصار بالعدل بين الناس ، وترعى الشاة والذئب في مكان واحد ، ... ويذهب الشرّ ، ويبقى الخير» (٤).

ولا يكون ما ينغّص العيش ويكدّره بل تكون الحياة حياة سلامة وعافية كما في الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام :

__________________

(١) عقد الدرر : ب ٧ ص ٢١١.

(٢) بحار الأنوار : ج ٥٢ ص ٣٣٧ ب ٢٧ ح ٧٦.

(٣) بحار الأنوار : ج ٥٢ ص ٣١٦ ب ٢٧ ح ١١.

(٤) عقد الدرر : ب ٧ ص ٢١١.

٥٠٧

.........................................

____________________________________

«من أدرك قائم أهل بيتي من ذي عاهة برىء ، ومن ذي ضعف قوي» (١).

ويتجلّى أهنأ العيش ، وأعدل الحياة ، تحت القيادة الحكيمة العليمة الجامعة لمولانا صاحب الزمان عليه السلام التي هي مشرفة على جميع نقاط الكون والمكان.

ففي الحديث قال أبو عبد الله عليه السلام : «إنّه إذا تناهت الاُمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له كلّ منخفض من الأرض ، وخفّض له كلّ مرتفع حتّى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته ، فأيّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها» (٢).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٥٢ ص ٣٣٥ ب ٢٧ ح ٦٨.

(٢) بحار الأنوار : ج ٥٢ ص ٣٢٨ ب ٢٧ ح ٤٦.

٥٠٨

آخِذٌ بِقَوْلِكُمْ (١) عامِلٌ بِاَمْرِكُمْ (٢)

____________________________________

(١) ـ إذ من المعلوم أنّ ما قاله أهل البيت عليهم السلام هو الحقّ ، وما نطق به آل محمّد عليهم السلام هو الصدق ، ففي طريق الحقّ لا آخذ إلاّ بقولكم أنتم المعصومون الصادقون.

وفي حديث ابي مريم قال أبو جعفر عليه السلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة : «شرّقا وغرّبا ، لن تجدا علماً صحيحاً إلاّ شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت» (١).

وهم أبواب مدينة العلم والحكمة فيلزم أخذ العلم منهم لا من غيرهم.

كلّ هذا مع وجوب إطاعتهم الذي يقتضي وجوب الأخذ بقولهم كما يأتي في الفقرة التالية.

(٢) ـ فإنّكم أهل البيت حجج الله الصدّيقون ، لا تأمرون إلاّ بما يأمر به الله تعالى ويريده.

فيكون العمل بأمركم عملاً بأمر الله عزّ إسمه ، لذلك فإنّي عامل بأمركم ، ومعتقد لذلك ، وعازمٌ عليه إن عصيت أحياناً.

وأنتم أهل البيت أبواب الله وسبيل الوصول إليه وطاعتكم طاعة الله تعالى ، فلا تتحقّق الإطاعة إلاّ بإمتثال أوامركم ونواهيكم ، ولا يصاب العلم إلاّ منكم.

كما تلاحظه في الأحاديث الشريفة ، مثل :

١ ـ حديث سعد ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن هذه الآية : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) (٢).

فقال : «آل محمّد صلى الله عليه وآله أبواب الله ، وسبيله ، والدعاة إلى الجنّة ، والقادة إليها ، والأدلاّء عليها ، إلى يوم القيامة».

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢ ص ٩٢ ب ١٤ ح ٢٠.

(٢) سورة البقرة : الآية ١٨٩.

٥٠٩

.........................................

____________________________________

٢ ـ حديث اليقطيني قال أبو عبد الله عليه السلام : «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بالأسباب فجعل لكلّ شيء سبباً ، وجعل لكلّ سبب شرحاً ، وجعل لكّ شرح مفتاحاً ، وجعل لكلّ مفتاح علماً ، وجعل لكل علم باباً ناطقاً ، من عرفه عرف الله ، ومن أنكره أنكر الله ، ذلك رسول الله ونحن» (١).

وإنّما كانت إطاعتهم إطاعة الله تعالى لأنّ الله أمر بطاعتهم يدلّ على ذلك :

أوّلاً : دليل الكتاب مثل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) (٢) فإنّها نزلت فيهم باتّفاق الفريقين في أحاديثهم (٣).

وتلاحظ أحاديث نزولها فيهم من الخاصّة في الكنز (٤) ، ومن مصادر العامّة مجموعة في الإحقاق (٥).

وثانياً : دليل السنّة الشريفة كما تجده في مثل :

١ ـ حديث الثمالي المتقدّم سألت أبا جعفر عليه السلام : ما حقّ الإمام على الناس؟

قال : «حقّه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا ...» (٦).

٢ ـ حديث النهج الشريف المتقدّم قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه : «أيّها الناس إنّ لي عليكم حقّاً ولكم عليَّ حقّ ، فأمّا حقّكم عليَّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كي لا تجهلوا وتأديبكم كي ما تعلموا ، وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة ، والنصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم ، والطاعة

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢ ص ١٠٤ ح ٦٠ ، وص ٩٠ ح ١٥.

(٢) سورة النساء : الآية ٥٩.

(٣) غاية المرام : ص ٢٦٣ و ٢٦٥.

(٤) كنز الدقائق : ج ٣ ص ٤٣٧.

(٥) إحقاق الحقّ : ج ٣ ص ٤٢٤ ، وج ١٤ ص ٦٥٤.

(٦) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٢٤٤ ب ١١ ح ٤.

٥١٠

.........................................

____________________________________

حين آمركم» (١).

٣ ـ حديث الثمالي أيضاً قال : قال علي بن الحسين عليهما السلام : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ، ولا يصاب إلاّ بالتسليم ، فمن سلّم لنا سلم ومن اهتدى بنا هُدي ، ومن دان بالقياس والرأي هلك ، ومن وجد في نفسه شيئاً ممّا نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم» (٢).

واعلم أنّ كمال الطاعة بل حقيقة الإيمان تكون بالتسليم لهم عليهم السلام في أوامرهم ونواهيهم وعدم ردّ كلامهم (٣).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٢٥١ ب ١١ ح ١٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢ ص ٣٠٣ ب ٣٤ ح ٤١.

(٣) لاحظ أحاديث سفينة البحار : ج ٤ ص ٢٣٦ ، وج ٦ ص ٤١.

٥١١

مُسْتَجيرٌ بِكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ الاستجارة : طلب الحفظ ، مأخوذ من الإجارة ، وهو الحفظ والإنقاذ ، وأجاره الله من العذاب أي أنقذه منه (١).

فالمعنى أنّي أطلب الحفظ والإنقاذ بكم أهل البيت أو بولايتكم أو بمحبّتكم أو بزيارتكم أو بجميع ذلك.

فإنّ المستجير بكم مأمون من أن يصل إليه سوء.

لأنّكم حجج الله والوسيلة إليه ، فتكون الاستجارة بكم استجارة واعتصاماً بذمام الله تعالى ، والله هو المجير ، والأمن والأمان يقيني بجوار الله تعالى.

وهم عليهم السلام ملجأ كلّ ضعيف كما في الحديث العلوي الشريف (٢).

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٢٤٨.

(٢) بحار الأنوار : ج ٤ ص ٨ ب ١ ح ١٨.

٥١٢

زائِرٌ لَكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ الزيارة في أصل اللغة هو القصد ، يقال : زاره يزوره ، زوْراً وزيارةً أي قصده ، فهو زائر وزَوْر وزَوّار.

والزيارة في العرف : قصد المزور إكراماً وتعظيماً له واستيناساً به (١) ، والقصد هو إتيان الشيء (٢).

فتکون الزيارة إتيان المزور والحضور عنده.

وزيارة أهل البيت عليهم السلام من المعالم الدينية المقدّسة التي أُمر بها وأخذ العهد عليها ، ورُتّب عليها الدرجات العالية ، والمثوبات الباقية.

لذلك تبيّن هذه الفقرة المباركة بأنّي زائر لكم ، ومتوجّه بهذه الزيارة الشريفة إليكم ، راجياً الفوز بالمقامات الكريمة ، والنجاة من الأهوال والشدائد العظيمة.

وقد تقدّم بيانه ودليله في أوّل الكتاب عند ذكر الأحاديث في ذلك (٣).

وفضل الزيارة الشريفة متّفق عليه بين الخاصّة والعامّة كما تلاحظه في (٢٢) حديثاً من طرق العامّة ، مع بيان استحبابها في كلمات (٤٢) شخص من أعلامهم ، جاءت بالتفصيل في كتاب الغدير (٤).

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٢٦٤.

(٢) مجمع البحرين : ص ٢٢٣.

(٣) بحار الأنوار : ج ١٠٠ ص ١١٦ ب ٢ الأحاديث ١ و ١١ و ٢٢ ، كامل الزيارات : ص ١٢١.

(٤) الغدير : ج ٥ ص ٨٦ ـ ١٨٠.

٥١٣

لائِذٌ عائِذٌ بِقُبُورِكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ هكذا في الفقيه ، لكن في العيون : (عائذ بكم ، لائذ بقبوركم).

أمّا معنى الفقرة الاُولى يعني عائذ بكم فيقال : عذت إليه : أي لجأت إليه واعتصمت به. أي إنّي ملتجاٌ إليكم ومعتصم بكم.

لأنّهم حبل الله المتين الذي يكون الاعتصام به إعتصاماً بالله تعالى كما يشهد به تفسير آية الاعتصام الذي تلاحظه في الكنز (١).

وأمّا معنى الفقرة الثانية : يعني لائذ بقبوركم فيقال : لاذ به لوذاً أي لجأ إليه واستغاث به ، وفي الدعاء : اللهمّ بك ألوذ أي ألتجأ وأنضم وأتغيث.

أي إنّي ملتجاٌ بقبوركم الشريفة التي هي من مظاهر إظهار الولاء ، ومن أسباب النجاة في السرّاء والضرّاء.

وقد تقدّمت أحاديثه في أوّل الكتاب.

ومراقدهم المقدّسة من بيوت النبي الأعظم صلى الله عليه وآله الرفيعة (٢).

ومن البُقع التي طهّرها الله وزكّاها وأظهر فيها أدلّة التوحيد ، وأشباح العرش المجيد كما في استئذاناتهم الشريفة (٣).

وهي متضمّنة لأبدان حجج الله وخلفائه الذين يكون الالتجاء بهم التجاء بالله تعالى.

وكم من شدائد كُشفت ، وحوائج قضيت ببركة الالتجاء بهم سلام الله عليهم وهي من المشاهدات الوجدانية الواضحة ، إضافة إلى ما سُجّلت في الكتب المعتبرة.

ولكلّ من المؤمنين بل حتّى بعض غير المؤمنين حوائج مقضيّة بواسطة التجائهم بأهل البيت عليهم السلام ... يستدعي ذكرها الكتب المفصّلة.

__________________

(١) كنز الدقائق : ج ٣ ص ١٨٤.

(٢) بحار الأنوار : ج ١٠٢ ص ١٤١.

(٣) بحار الأنوار : ج ١٠٢ ص ١١٥.

٥١٤

مُسْتَشْفِعٌ اِلَى اللهِ عَزَّوَجَلَّ بِكُمْ (١) وَمُتَقَرِّبٌ بِكُمْ اِلَيْهِ (٢)

____________________________________

(١) ـ الاستشفاع : هو طلب الشفاعة.

أي إنّي أطلب شفاعتكم أهل البيت وأجعلكم شفعائي إلى الله تعالى.

وذلك لأنّهم الشفعاء إليه ، والمرضيين في مقام شفاعتهم لديه.

كما تقدّم دليله في الفقرة السابقة «وشفعاء دار البقاء».

(٢) ـ أي إني أتقرّب بكم أهل البيت وأجعلكم وسائل قربي المعنوي إلى الله الجليل.

حيث إنّهم الوسائل إلى الله تعالى كما تلاحظه في تفسير قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) (١) ـ (٢).

وفي حديث طارق بن شهاب ، عن أمير المؤمنين عليه السلام : إنّ الأئمّة من آل محمّد الوسيلة إلى الله (٣).

وفي عدّة الداعي عن سلمان الفارسي قدس سره قال : سمعت محمّداً صلى الله عليه وآله يقول : «إنّ الله عزّ وجلّ يقول : يا عبادي أو ليس من له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلاّ أن يتحمّل عليكم بأحبّ الخلق إليكم ، تقضونها كرامة لشفيعهم؟

ألا فأعلموا أنّ أكرم الخلق عليّ وأفضلهم لديّ محمّد وأخوه علي ومن بعده الأئمّة ، الذين هم الوسائل إليّ.

ألا فليدعني من همّته حاجة يريد نفعها ، أو دته داهية يريد كشف ضررها بمحمّد وآله الطيبيّن الطاهرين أقضها له أحسن ما يقضيها من يستشفعون بأعزّ الخلق عليه».

فقال له قوم من المشركين والمنافقين وهم المستهزؤون به : يا أبا عبد الله فما لك

__________________

(١) سورة المائدة : الآية ٣٥.

(٢) كنز الدقائق : ج ٤ ص ١٠٤.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ١٧٤ ب ٣ ح ٣٨.

٥١٥

.........................................

____________________________________

لا تقترح على الله بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة؟

فقال سلمان قدس سره : دعوت الله وسألته ما هو أجلّ وأنفع وأفضل من ملك الدنيا بأسرها ، سألته بهم عليهم السلام أن يهب لي لساناً ذاكراً لتحميده وثنائه ، وقلباً شاكراً لآلائه ، وبدناً على الدواهي الداهية صابراً ، وهو عزّ وجلّ قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك ، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها وما اشتمل عليه من خيراتها مائة ألف ألف مرّة.

وفي هامش الكتاب نقل حديث الأمالي عن الإمام العسكري عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال :

«إنّ الله سبحانه يقول : عبادي من كانت له إليكم حاجة فسألكم بمن تحبّون أجبتم دعائهم ، ألا فأعلموا أنّ أحبّ عبادي إليّ وأكرمهم لدي محمّد وعلي حبيبي ووليي.

فمن كانت له إليّ حاجة فليتوسّل إليّ بهما ، فإنّي لا أردّ سؤال سائل يسألني بهما وبالطيبين من عترتهما ، فمن سألني بهم فإنّي لا أردّ دعاءه ، وكيف أردّ دعاء من سألني بحبيبي وصفوتي ووليي وحجّتي وروحي ونوري وآيتي وبابي ورحمتي ووجهي ونعمتي!

ألا وإنّي خلقتهم من نور عظمتي ، وجعلتهم أهل كرامتي وولايتي ، فمن سألني بهم عارفاً بحقّهم ومقامهم ، أوجبت لهم منّي الإجابة وكان ذلك حقّاً» (١).

وفي حديث شعيب العقرقوفي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «إنّ يوسف أتاه جبرئيل فقال : يا يوسف إنّ ربّ العالمين يقرئك السلام ، ويقول لك : من جعلك أحسن خلقه؟

__________________

(١) عدّة الداعي : ص ١٥١.

٥١٦

.........................................

____________________________________

قال : فصاح ووضع خدّه على الأرض ثمّ قال : أنت يا ربّ.

قال : ثمّ قال له : ويقول لك : من حبّبك إلى أبيك دون إخوتك؟

قال : فصاح ووضع خدّه على الأرض ثمّ قال : أنت يا ربّ.

قال : ويقول لك : من أخرجك من الجُبّ بعد أن طرحت فيها وأيقنت بالهلكة؟

قال : فصاح ووضع خدّه على الأرض ثمّ قال : أنت يا ربّ.

قال : فإنّ ربّك قد جعل لك عقوبة في استعانتك بغيره ، فالبث في السجن بضع سنين.

قال : فلمّا انقضت المدّة أذن له في دعاء الفَرَج ، ووضع خدّه على الأرض ثمّ قال : اللهمّ إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك ، فإنّي أتوجّه إليك بوجه آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. قال : ففرّج الله عنه».

قال : فقلت له : جعلت فداك أندعو نحن بهذا الدعاء؟

فقال : ادع بمثله ، «اللهمّ إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإنّي أتوجّه إليك بوجه نبيّك نبيّ الرحمة صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة عليهم السلام» (١).

وفي نسخة الكفعمي : (ومتقرّب إليه بمحبّتكم).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٩٤ ص ١٩ ب ٢٨ ح ١٣.

٥١٧

وَمُقَدِّمُكُمْ اَمامَ طَلِبَتى وَحَوائِجى وَاِرادَتى فى كُلِّ اَحْوالي وَاُمُورى (١)

____________________________________

(١) ـ التقديم هنا بمعنى : التوجّه والاستشفاع.

اي إنّي أتوجّه إلى الله تعالى وأستشفع إليه بكم أهل البيت وأسأله بحقّكم لتنجيز جميع ما أطلبه وأحتاجه واُريده من الله تعالى في جميع أحوالي ولجميع اُموري.

وذلك لأنّكم الوسائل المقبولة عند الله تعالى ، كما تقدّم بيانه ودليله في الفقرة السابقة.

فُسّرت هذه الفقرة بمعنى آخر أيضاً وهو إنّي اُقدّم الصلاة عليكم قبل طلباتي وحوائجي ليُستجاب دعائي وتُقبل حاجتي.

للأخبار الواردة المتواترة في أنّ الدعاء لا يقبل بدون الصلوات على محمّد وآل محمّد سلام الله عليهم (١).

فلاحظ مثل :

١ ـ حديث هشام بن سالم ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «لا يزال الدعاء محجوباً حتّى يُصلّي على محمّد وآل محمّد» (٢).

٢ ـ حديث السكوني ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «من دعا ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله رفرف الدعاء على رأسه فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله رفع الدعاء» (٣).

٣ ـ حديث ابن جمهور عن أبيه عن رجاله ، قال أبو عبد الله عليه السلام : «من كانت له إلى الله عزّ وجلّ حاجة فليبدأ بالصلاة على محمّد وآله ، ثمّ يسأل حاجته ، ثمّ يختم بالصلاة على محمّد وآل محمّد ، فإنّ الله عزّ وجلّ أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع

__________________

(١) روضة المتّقين : ج ٥ ص ٣٨٨ ، الأنوار اللامعة : ص ١٧٠.

(٢) الكافي : ج ٢ ص ٤٩١ ح ١.

(٣) الكافي ك ج ٢ ص ٤٩٤ ح ٢.

٥١٨

.........................................

____________________________________

الوسط إذ [ا] كانت الصلاة على محمّد وآل محمّد لا تحجب عنه» (١).

وفي نسخة الكفعمي : «ومقدّمكم أمام طلبتي ومسألتي وحوائجي وإرادتي ، ومتوسّل بكم إليه ، ومقدّمكم بين يدي من كلّ أحوالي واُموري».

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ص ٤٩٤ ح ١٦.

٥١٩

مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلانِيَتِكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ السرّ : هو الشيء الذي يُكتم ، وهذا من سرّ آل محمّد عليهم السلام أي من مكتوم آل محمّد عليهم السلام الذي لا يظهر لكلّ أحد (١).

ومقابله العلانية هو : الشيء الذي يظهر ، يقال : عَلَن الأمر عُلوناً. أي ظَهَر وانتشر ، والاسم منه العلانية (٢).

ومعنى الفقرة إنّي مؤمن بما استتر عن أكثر الخلق من غرائب أحوالكم وكمالاتكم ، وبما علن وظهر منها.

أو أنّي مؤمن باعتقاداتكم التي هي سرّ ، بأقوالكم وأفعالكم التي هي علانية.

أمّا المعنى الأوّل فلأنّ أهل البيت عليهم السلام حفظة الأسرار الإلهية.

وأسرار الله تعالى هي العلوم التي لا يجوز إظهارها وإفشاؤها إلاّ لمن هو أهل لها من الكمّلين والمتحمّلين كما أفاده في الأنوار (٣).

وقد فصّلنا فيه البحث عند بيان فقرة «حفظة سرّ الله» ، وذكرنا حديث أبي الجارود المتقدّم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله دعا علياً عليه السلام في

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٢٦٦.

(٢) مجمع البحرين : ص ٥٦٤.

(٣) الأنوار اللامعة : ص ٧٨.

٥٢٠