في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

فقال أبو الدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله (١).

وفي نهج البلغة تلمس بوضوح أسمى آيات تعظيم الله ، ومعاني تجليل الله ، فأمعن النظر من أوّل خطبة منه غلى آخر كلمة فيه ، تدرك أجلّ المعارف في معانيه.

وقد شهد الفريقان بشدّة تعظيمه لله جلّ جلاله ، وعظيم عبادته للمولى عزّ شأنه.

وتلاحظ شهادة عدوّه اللدود معاوية بذلك في حديث ضرار بن ضمرة (٢). وشهادة ابن أبي الحديد في شرح النهج (٣).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٤١ ص ١١ ب ١٠١ ح ١.

(٢) بحار الأنوار : ج ٤١ ص ١٤ ح ٦.

(٣) شرح نهج البلاغة : ج ١ ص ٢٧.

٣٠١

وَاَكْبَرْتُمْ (١) شَأْنَهُ ، وَمَجَّدْتُمْ كَرَمَهُ (٢)

____________________________________

(١) ـ الإكبار والتكبير : هو التعظيم والإستعظام.

والشأن : هو الأمر والمقام والمنزلة.

أي أنّكم أهل البيت عظّمتم مقام الله ومنزلته الشامخة ، وأعظمتم أمر الله تعالى فيما يفعله من أفعاله الحكيمة ومقاديره العظيمة.

وذلك أنّهم أعرف الناس بعظمة الله ، وأعلم الناس بمنزلة الله ، فكانوا أكثر الناس تعظيماً لله ، وأكثرهم إكباراً لشأن الله.

وتدلّ عليه الزيارة المطلقة العلويّة المتقدّمة التي ورد فيها : «وأكبرتم شأنه» ونفس سيرتهم وعباداتهم الرائعة المفيدة للتعظيم والإكبار.

وفي نسخة الكفعمي بعد هذه الفقرة : «وهِبتم عظمته».

(٢) ـ المجد في اللغة هو الشرف الواسع ، والرفعة العالية ، والعظمة الكاملة ، والتمجيد هو التعظيم والتشريف.

والكَرَم ضدّ اللؤم ، وفُسّر بالخير الكثير ، والكريم هو الجامع لأنواع الخير والشرف والكرامة. أي أنّكم أهل البيت سلام الله عليكم عظّمتم كرم الله تعالى على خلقه وخيره بعباده.

كما عظّمتم كرامته العلياء التي أكرمكم بها في الدنيا والآخرة فعرفتم قدرها ، وعظّمتم مقدارها ، وشكرتم المنعم بها.

وعظّمتم ذاته الكريمة المشتملة على الصفات المجيدة.

وأدعيتهم الغرّاء تدلّ على تمجيداتهم العلياء هذه.

ويتجلّى ذلك بوضوح في مثل مناجاة أمير المؤمنين عليه السلام ، ودعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة ، ودعاء الإمام السجّاد عليه السلام في الأسحار الذي رواه أبو حمزة الثمالي فلاحظها.

٣٠٢

وَاَدَمْتُمْ ذِكْرَهُ (١)

____________________________________

(١) ـ أدمتم : من الدوام وهو الثبوت والاستمرار.

وفي نسخة العيون (أدمنتم) مأخوذ من الإدمان ، وهي المداومة والمواظبة ، والاستمرار.

وذِكُر الله هو ما يذكّر بالله تعالى من الأذكار الشريفة بالقلب واللسان ، والعبادات المقرّبة كإقامة الصلاة وقراءة القرآن ، فهذه تذكّر الإنسان بالمولى المتعال لساناً وجَناناً.

قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (١).

وأهل البيت عليهم السلام أعظم العاملين بهذه الآية الشريفة ، والمديمين للأذكار المنيفة. وتشهد سيرتهم وحياتهم أنّهم بلغوا الدرجة القصوى ، والمكانة العظمى في ذكر الله تعالى بجميع معنى الكلمة.

فأوّلاً : كانوا مستمرّين في ذكر الله تعالى بالقلب واللسان في كلّ حال.

ففي حديث الإمام الصادق عليه السلام قال : «وكان أبي عليه السلام كثير الذكر ، لقد كنت أمشي معه وإنّه ليذكر الله ، وآكل معه الطعام وإنّه ليذكر الله ، ولقد كان يحدّث القوم [و] ما يشغله ذلك عن ذكر الله ، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول : لا إله إلاّ الله.

وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتّى تطلع الشمس ، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا ، ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر» (٢).

__________________

(١) سورة الأحزاب : الآية ٤١ ـ ٤٢.

(٢) الكافي : ج ٢ ص ٤٩٨ ح ١.

٣٠٣

.........................................

____________________________________

وتلاحظ أنحاء الذكر في سفينة البحار (١).

وثانياً : كانوا مداومين على عبادة الله المذكّرة بأحسن الوجوه ، وأكثر المقادير في أدوم الأزمان ، بالليل والنهار.

ففي حديث نوف قال : بتُّ ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلام فكان يصلّي الليل كلّه ، ويخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء ويتلو القرآن ، قال : فمرّ بي بعد هدءٍ من الليل فقال : «يا نوف أرقد أنت أم رامق؟

قلت : بل رامق ، أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين.

قال : يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، اُولئك الذين اتّخذوا الأرض بساطاً ، وترابها فراشاً ، وماءها طيباً ، والقرآن دثاراً ، والدعاء شعاراً ، وقرّضوا من الدنيا تقريضاً على منهاج عيسى بن مريم.

إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى عيسى بن مريم : قل للملأ من بني إسرائيل : لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلاّ بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأكفّ نقيّة ، وقل لهم : اعلموا أنّي غير مستجيب لأحد منكم دعوة ولأحد من خلقي قِبَله مظلمة» ، الخبر (٢).

وفي حديث حبّة العرني قال : بينا أنا ونوف نائمين في رحبة القصر إذ نحن بأمير المؤمنين عليه السلام في بقيّة من الليل ، واضعاً يده على الحائط شبيه الواله ، وهو يقول : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (٣) إلى آخر الآية.

قال : ثمّ جعل يقرأ هذه الآيات ويمرّ شبه الطائر عقله ، فقال لي : أراقد أنت

__________________

(١) سفينة البحار : ج ١ ص ٤٨٦ ، معاني الأخبار : ص ١٩٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ٤١ ص ١٦ ب ١٠١ ح ٩.

(٣) سورة البقرة : الآية ١٦٤.

٣٠٤

.........................................

____________________________________

يا حبّة أم رامق؟

قال : قلت ك رامق ، هذا أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن! فأرخى عينيه فبكى. ثمّ قال لي : «يا حبّة إنّ لله موقفاً ولنا بين يديه موقفاً [موقف ـ خ] لا يخفى عليه شيء من أعمالنا ، يا حبّة إنّ الله أقرب إليّ وإليك من حبل الوريد ، يا حبّة إنّه لن يحجبني ولا إيّاك عن الله شيء.

قال : ثمّ قال : أراقد أنت يا نوف؟

قال : قال : لا يا أمير المؤمنين ما أنا براقد ، ولقد أطلت بكائي هذه الليلة.

فقال : يانوف إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من الله تعالى قرّت عيناك غداً بين يدي الله عزّ وجلّ ، يانوف إنّه ليس من قطرة قطرت من عين رجل من خشية الله غلاّ أطفأت بحاراً من النيران ، يانوف إنّه ليس من رجل أعظم منزلة عند الله من رجل بكى من خشية الله ، وأحبَّ في الله ، وأبغضَ في الله ، يانوف إنّه من أحبّ في الله لم يستأثر على محبّته ، ومن أبغض في الله لم ينل ببغضه خيراً ، عند ذلك استكملتم حقائق الإيمان ، ثمّ وعظهما وذكّرهما وقال في أواخره : فكونوا من الله على حذر ، فقد أنذرتكما.

ثمّ جعل يمرّ وهو يقول : ليت شعري في غفلاتي أمعرض أنت عنّي أم ناظر إلىّ؟ وليت شعري في طول منامي وقلّة شكري في نعمك علىّ ما حالي؟».

ثالثاً : كانوا موظبين على ذكر الله القرآني ووحيه الرحماني بأتمّ قراءة ، وأحسن كيفية.

٣٠٥

.........................................

____________________________________

ففي حديث إبراهيم بن العبّاس قال : كان الرضا عليه السلام يختم القرآن في كلّ ثلاث ، ويقول : «لو اردت أن أختمه في أقلّ من ثلاث لختمته ، ولكن ما مررت بآية قطّ إلاّ فكّرت فيها وفي أي شيء اُنزلت ، وفي أي وقت ، فلذلك صرت أختم ثلاثة أيّام» (١).

وفي حديث معاوية بن عمّار ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : الرجل لا يرى أنّه صنع شيئاً في الدعاء والقراءة ، حتّى يرفع صوته.

فقال : «لا بأس إنّه علي بن الحسين عليهما السلام كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن ، وكان يرفع صوته حتّى يسمعه أهل الدار ، وإنّ أبا جعفر عليه السلام كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن ، وكان إذا قام من الليل ، وقرأ رفع صوته فيمرّ به مارّ الطريق من السقّائين وغيرهم ، فيقومون فيستمعون إلى قراءته» (٢).

وذكرهم القرآني الأعلى ثابت حتّى باعتراف غيرنا (٣).

ولم يسبق لهم نظير في التاريخ أن يقرأ أحد القرآن حتّى بعد وفاته ، كما قرأه سيّد الشهداء الحسين عليه السلام بعد شهادته ممّا تلاحظه في النقل المتظافر (٤).

فهم عليهم السلام أعظم الذاكرين لله تعالى ، ذكرهم الله تعالى بالسلام وحيّاهم بالتحيّة والإكرام.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٩٢ ص ٢٠٤ ب ٢٤ ح ١.

(٢) بحار الأنوار : ج ٩٢ ص ١٩٤ ب ٢١ ح ٩.

(٣) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : ج ١ ص ٢٧ ، الإمام الصادق : ج ١ ص ٥٣ ـ ٥٤.

(٤) معالي السبطين : ج ٢ ص ٦٨.

٣٠٦

وَوَكَّدْتُمْ ميثاقَهُ (١)

____________________________________

(١) ـ وكّدتم : من التوكيد بمعنى التأكيد وهي التقوية ، والتوكيد افصح من التأكيد.

والميثاق : هو العهد الموثّق ، مفعالٌ من الوثاق ، وهو في الأصل : الحبل الذي يُقيّد ويُشدّ به ، سمّي به العهد لوثاقته واستحكامه.

وأهل البيت عليهم السلام ممّن اتّصفوا بتقوية عهد الله تعالى ، والتزموا بالوفاء بميثاق الله ، إذ هم أطوع الخلق لله تعالى فكانوا أوفى بميثاقه.

والميثاق هذا فُسّر بمعنيين :

١ / الميثاق الذي أخذه الله تعالى من النبيّين بالدعوة إلى التوحيد ، وتبليغ الرسالة وإعلاء الكلمة ، وهو ما قال الله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (١) ـ (٢).

وأهل البيت عليهم السلام كانوا في أعلى درجات تأكيد هذا الميثاق ، كما يشهد له جهودهم وجهادهم إلى أن وقعت شهادتهم.

٢ / الميثاق الذي أخذه الله تعالى من بني آدم في عالم الذرّ ، المشار إليه بقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ) (٣) ـ (٤).

وأهل البيت عليهم السلام أسبق الخلق وأوفاهم بهذا الميثاق.

وقد تقدّم حديث الإمام الصادق عليه السلام : «لمّا أراد الله أن يخلق الخلق نثرهم بين

__________________

(١) سورة الأحزاب : الآية ٧.

(٢) البرهان : ج ١ ص ٣٧٤ ، وج ٢ ص ٨٣٣.

(٣) سورة الأعراف : الآية ١٧٢.

(٤) البرهان : ج ١ ص ٣٧٥ ، بحار الأنوار : ج ٥ ص ٢٢٥ ، وج ٦٠ ص ١٣١.

٣٠٧

.........................................

____________________________________

يديه ، فقال لهم : مَن ربّكم؟

فأول من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة عليهم السلام فقالوا : أنت ربّنا» (١).

وقد مضى بيانه في الفقرة الشريفة : «وحججُ الله على أهل الدنيا والآخرة والاُولى». فراجع.

ونُضيف هنا بمناسبة ذكر الميثاق ما أفادته الأحاديث الشريفة : أنّ هذا الميثاق الذي أخذه الله تعالى من عباده في عالم الذرّ ، وأقرّوا له بذلك سجّله الله تعالى وأثبته ، وكتب أسماء عبيده في رَقٍّ ـ وهو الجلد الرقيق الذي يكتب فيه ـ وأودعه في الحجر الأسود.

وكان لهذا الحجر آنذاك عينان ولسانان وشفتان ، لأنّه كان يومئذٍ قبل تبديله إلى هذه الصورة مَلَكاً من ملائكة الله العظام ، فقال له : إفتح فاك ، ففتح فاه ، فألقمه ذلك الرقّ ثمّ قال له : إشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة ، وسيشهد.

ولهذا استحبّ للطائف حول الكعبة المعظّمة ، وللداخل إلى المسجد الحرام إستلام الحجر ، وأن يقول عنده مشيراً إليه مخاطبة له : «أمانتي أدّيتُها وميثاقي تعاهدتُه ، لتشهد لي بالموافاة» (٢).

ولهذا الحجر المبارك خصوصيات فريدة ، فإنّه أنزله الله من الجنّة على آدم عليه السلام وهو بأرض الهند ، فحمله على عاتقه حتّى وافى به مكة المكرّمة ، فجعله في ركن البيت الشريف (٣).

واعلم أنّ هذا الحجر موضوع في الزاوية الشرقية من الكعبة المعظّمة في الركن

__________________

(١) كنز الدقائق : ج ٥ ص ٢٣٠.

(٢) علل الشرائع : ص ٤٢٣ ب ١٦١ الأحاديث.

(٣) سفينة البحار : ج ١ ص ٢٢٥.

٣٠٨

.........................................

____________________________________

العراقي في مبدأ الطواف ، وعلى إرتفاع مترٍ ونصف من أرض المسجد الحرام ، ملبّساً بإطارٍ من فضّة.

ويمتاز الحجر الأسود عن أحجار العالم بأنّه حجر كبير ضخامته (٣٠) سنتيمتراً ، وبالرغم من ذلك يساوي وزنه (٢) كيلو غرام فقط.

وهو أخفّ من الماء ولذلك لا يرسب فيه.

وهو ضدّ النار والحرارة ، ولذلك لا يتأثّر بالحرارة ، ولا يحترق بالنار ، بالرغم من إصابة الحريق له عدّة مرّات.

وأكبر خصوصية فيه أنّه (يمينُ الله في أرضه يصافح بها خلقه) كما ورد في الحديث ، فيجدر تعظيمه وتقبيله واستلامه (١).

كما وأنّه امتاز من بين الأحجار بعد وضعه في ركن البيت الشريف بخصوصية أن أنطقه الله تعالى وتكلّم بلسانٍ عربيّ مبين بإمامة مولانا الإمام زين العابدين عليه السلام كما تلاحظه في حديثي زرارة (٢) والكابلي (٣).

__________________

(١) أحكام حج واسرار آن : ص ٩٨.

(٢) الكافي : ج ١ ص ٣٤٨ ح ٥.

(٣) بحار الأنوار : ج ٤٦ ص ٢٩ ب ٣ ح ٢٠.

٣٠٩

وَاَحْكَمْتُمْ عَقْدَ طاعَتِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ أحكمتم من الإحكام بالكسر بمعنى : ضبط الشيء ، وجعله مستحكماً.

والعقد بمعنى المعقود ، وهو أوكد العهود ، وفيه معنى الإستيثاق والشدّ ، مأخوذ من عقد الشيء بغيره : أي وصله به كما يعقد الحبل.

أي أنّ أهل البيت عليهم السلام ضبطوا وأتقنوا وقوّوا ميثاق إطاعة الخلق لله تعالى وعهده الذي أخذه منهم ، بواسطة هدايتهم بالمواعظ الشافية والنصائح الوافية ، وإرشادهم بتحبيب الطاعة لهم ، وتحذيرهم عن وقوع المعصية منهم ، وبترغيبهم إلى الثواب وتجنيبهم عن العقاب.

فكان من تبعهم واهتدى بهداهم مطيعاً لله ، منقاداً لحضرته خاضعاً لجنابه كما هو الملحوظ في الخيرة من أصحابهم الكرام وشيعتهم العظام ، الذين ربّوهم على طاعة الله ، وهذّبوهم على عبادة الله ، وزيّنوهم بترك معصية الله.

وللنموذج من ذلك راجع أحوال كبار أصحابهم وما أكثرهم وأطوعهم من أمثال محمّد بن أبي عمير الأزدي رضوان الله تعالى عليه.

ففي رجال الكشّي : وجدت في كتاب أبي عبد الله الشاذاني بخطّه : سمعت أبا محمّد الفضل بن شاذان يقول : دخلت العراق فرأيت واحداً يعاتب صاحبه ويقول له : أنت رجل عليك عيال ، وتحتاج أن تكتب عليهم ، وما آمن أن يذهب عيناك لطول سجودك ، فلمّا أكثر عليه قال : أكثرتَ علىّ ، ويحك لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير ، ما ظنّك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما يرع رأسه إلاّ زوال الشمس.

وسمعته يقول : أخذ يوماً شيخي بيدي ، وذهب بي إلى ابن أبي عمير فصعدنا في غرفة وحوله مشايخ له يعظّمونه ويبجّلونه ، فقلت لأبي : مَن هذا؟

٣١٠

.........................................

____________________________________

قال : هذا ابن أبي عمير.

قلت : الرجل الصالح العابد؟

قال : نعم.

وسمعته يقول : ضُرب ابن أبي عمير مائه خشبة وعشرين خشبة بأمر هارون لعنه الله ، تولّى ضربه السندي بن شاهك على التشيّع ، وحبس فأدّى مائه وإحدى وعشرين ألفاً حتّى خلّي عنه.

فقلت : وكان متموّلاً؟

قال : نعم كان ربّ خمسمائة ألف درهم (١).

كما كانوا هم عليهم السلام في أنفسهم المثل الأعلى ن والقدوة العُليا لطاعة الله ، وتطويع الخلق لله ، وقد تقدّم شيء من ذلك في فقرة «المطيعون لله».

ولم يستطع أحد من الناس أن يصل إليهم في قدر الطاعة ، وما زالوا على ذلك حتّى أقاموا الحقّ والدين ، وقطعوا ظهور الشياطين ، وقامت بهم الطاعة والعبادة.

ولذلك ورد في الحديث : «ولولانا ما عُبِدَ الله» (٢).

وفي نسخة الكفعمي : «وأحكمتم عقد عُرى طاعته».

__________________

(١) رجال الكشّي : ص ٤٩٤.

(٢) الكافي : ج ١ ص ١٩٣ ح ٦.

٣١١

وَنَصَحْتُمْ لَهُ فِى السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ (١)

____________________________________

(١) ـ النُصح ، والإسم منه النصيحة هو : الخلوص وعدم الغشّ.

يُقال : نَصَحَه ونَصَحَ له : إذا فعل فعلاً أو تكلّم بكلامٍ أراد به الخير والصلاح للمنصوح.

وإشتقاقه من نصحت العسل إذا صفّيته ، فالناصح يُصفّي فعله وكلامه من الغشّ ، أو من نصحت الثوب إذا خطته ، فالناصح يصلح خلل أخيه كما يصلح الخيّاط خرق الثوب على ما يستفاد من اللغة.

والسرّ والعلانية هي الخفاء والظهور.

وفُسّرت النصيحة في السرِّ بالنصح في الإعتقاد والنيّة فيما بين الله تعالى وبين أنفسهم.

كما فُسّرت النصيحة في العلانية بالنصح في الأقوال والأفعال فيما بينهم وبين الناس.

والمعنى أنّكم أهل البيت سلام الله عليكم نصحتم لله تعالى عباده ، وأردتم لهم الخير ، وأصلحتم خللهم ، في السرّ والعلانية (١).

فإنّهم صلوات الله عليهم أرادوا بأقوالهم وأفعالهم الخير والصلاح لجميع عباد الله تعالى صالحهم وطالحهم.

كما تشهد به سيرتهم الطيّبة مع أوليائهم وأعدائهم ، بل مع الخلق كلّهم.

لذلك تظافرت زياراتهم بالشهادة لهم أنّهم نصحوا لله ولرسوله ...

وما مرّت عليهم فرصة في حياتهم إلاّ وتحرّوا الطريق الأرشد ، والمنهاج الأسعد لخير المخلوقين ، وصلاح العالمين ، وقد جَلَبوا لهم المصالح وجنّبوهم عن المفاسد.

__________________

(١) لاحظ روضة المتّقين : ج ٥ ص ٤٧٤.

٣١٢

.........................................

____________________________________

فأهل البيت عليهم السلام اتّصفوا بالنصيحة بالنحو الأكمل والنهج الأفضل.

ولم يكتفوا بنصيحة العباد بأنفسهم ، بل أمروا المؤمنين بالنصح فيما بينهم ، وأوجبوا عليهم النصيحة لهم ، وجعلوها من أفضل الأعمال.

ففي حديث سفيان بن عيينة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : «عليكم بالنصح لله في خلقه ، فلن تلقاه بعمل أفضل منه» (١).

وقد ضمنوا الجنّة لمن نصح لله ولرسوله ولكتابه ولدينه وللمسلمين ، على ما في حديث تميم الداري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «من يضمن لي خمساً أضمن له الجنّة.

قيل : وما هي يا رسول الله؟

قال : النصيحة لله عزّ وجلّ ، والنصيحة لرسوله ، والنصيحة لكتاب الله ، والنصيحة لدين الله ، والنصيحة لجماعة المسلمين» (٢).

وقد فسّر العلاّمة المجلسي أعلى الله مقامه هذه النصائح بقوله :

(المراد بنصيحة المؤمن : إرشاده إلى مصالح دينه ودنياه ، وتعليمه إذا كان جاهلاً ، وتنبيهه إذا كان غافلاً ، والذبّ عنه عن أعراضه إذا كان ضعيفاً ، وتوقيره في صغره وكبره ، وترك حسده وغشّه ، ودفع الضرر عنه ، وجلب النفع إليه ، ولو لم يقبل النصيحة سلك به طريق الرفق حتّى يقبلها ، ولو كانت متعلّقة بأمر الدين سلك به طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المشروع ...

ومعنى نصيحة الله : صحّة الإعتقاد في وحدانيّته ، وإخلاص النيّة في عبادته.

والنصيحة لكتاب الله هو : التصديق والعمل بما فيه.

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ص ٢٠٨ ح ٦.

(٢) الخصال : ج ١ ص ١٩٤ ح ٦٠.

٣١٣

.........................................

____________________________________

ونصيحة رسوله صلى الله عليه وآله : التصديق بنبوّته ورسالته ، والإنقياد لما أمر به ونهى عنه.

ونصيحة الأئمّة عليهم السلام : أن يطيعهم في الحقّ ، ولا يرى الخروج عليهم ...

ونصيحة عامّة المسلمين : إرشادهم إلى مصالحهم) (١).

__________________

(١) مرآة العقول : ج ٩ ص ١٤٢ ـ ١٤٤.

٣١٤

وَدَعَوْتُمْ اِلى سَبيلِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (١)

____________________________________

(١) ـ إشارة إلى أنّ أهل البيت عليهم السلام هم المصداق الكامل العامل بقوله تعالى : (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (١).

بمعنى أنّكم أهل البيت عليكم سلام الله دعوتم الخلق ، وهديتم المخلوق إلى سبيل الله لقويم ، وصراطه المستقيم ، ودينه العظيم ، بلسان الحكمة والموعظة الحسنة.

فما هي الحكمة وما هي الموعظة الحسنة؟

أمّا الحكمة فقد جاء تعريفها بالعلوم الحقيقيّة الإلهية (٢).

وفُسّرت هنا بالقرآن الكريم (٣).

وسُمّي القرآن حكمة لأنّه يتضمّن الأمر بالأفعال الحسنة والنهي عن الأفعال القبيحة ، وأصل الحكمة المنع عن القبيح والفساد كما اُفيد.

وأهل البيت سلام الله عليهم دَعَوا الخلق إلى دين الله تعالى بالقرآن الكريم وبما أخذوه من كلام الله الحكيم ، فكلّموا كلّ واحدٍ بغرر الحكم على ما يوافق عقله وبمقدار فهمه وبقدر إدراكه ، فإنّهم سلام الله عليهم كانوا كرسول الله صلى الله عليه وآله يكلّمون الناس على قدر عقولهم ، كما في حديث الإمام الصادق عليه السلام (٤).

وأمّا الموعظة الحسنة فمعناه : الوعظ الحسن ، وهو الصَّرف عن القبيح ، على وجه الترغيب في تركه ، والتزهيد في فعله ، ومن ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع (٥).

__________________

(١) سورة النحل : الآية ١٢٥.

(٢) الأنوار اللامعة : ص ٧٧.

(٣) تفسير البرهان : ج ١ ص ٥٨٥.

(٤) الكافي : ج ١ ص ٢٣ ح ١٥.

(٥) مجمع البيان : ج ٦ ص ٣٩٣.

٣١٥

.........................................

____________________________________

فالوعظ ، والاسم منه الموعظة هو التذكير بالعواقب ، كالوصيّة بالتقوى ، والحثّ على الطاعات ، والتحذير عن المعاصي والإغترار بالدنيا وزخارفها ، ونحو ذلك (١).

فيكون الوعظ بالزجر المقترن بالتخويف ، وبالتذكير بالخير فيما يرقّ له القلب (٢).

وعليه فتكون الموعظة الحسنة في محصّل معناها عبارة عن الوعظ بما يكون حسناً في نفسه ، ومؤثراً في غيره ، بحيث يكون جاذباً للقلوب ، ومقرّباً للمطلوب.

وجاء في الآية الشريفة بعد الأمر بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة الأمر بالجدال بالتي هي أحسن.

وقد فُسّرت في حديث الإمام العسكري عليه السلام بالحجج الإلهية.

مثل التي بيّنها الله تعالى لنبيّه الأكرم في جواب من قال : (قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)؟

فقال الله تعالى في ردّه : (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) (٣) كما في حديث التفسير (٤).

وأهل البيت عليهم السلام هم المثل الأعلى للدعوة إلى سبيل الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة.

ومن لاحظ سيرتهم ومواعظهم الحسان أيقن بذلك غاية الإيقان.

__________________

(١) مجمع البحرين : مادّة وعظ ص ٣٦٩.

(٢) المفردات : ص ٥٢٧.

(٣) سورة يس : الآيات ٧٨ ـ ٨٠.

(٤) تفسير البرهان : ج ١ ص ٥٨٥.

٣١٦

.........................................

____________________________________

والدليل الوجداني ظاهرٌ بالتدبّر في مواعظهم عليهم السلام المرويّة وإرشاداتهم العالية (١).

وأخصّ بالذكر مواعظ الإمام الصادق عليه السلام في رسالته المباركة إلى أصحابه ، التي رواها ثقة الإسلام الكليني في أوّل حديث من الروضة وهي موعظة جليلة الشأن ، بليغة المتن ، مفصّلة مستوفية ، يأتي مقدار منها في فقرة «وسننتم سنّته» فراجع (٢).

__________________

(١) بحار الأنوار : كتاب الروضة ج ٧٨ أبواب مواعظ الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجميعن.

(٢) روضة الكافي : ج ٨ ص ٢.

٣١٧

وَبَذَلْتُمْ اَنْفُسَكُمْ فى مَرْضاتِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ البذل في اللغة هو العطاء ضدّ المنع.

والمرضاة : مصدر ميمي من الرضا.

أي أنّكم أهل البيت سلام الله عليكم فديتم بأرواحكم الشريفة في سبيل ما يُرضي الله تعالى من المداومة على أوفر العبادات ، والإلتزام بأعظم الطاعات وإعلاء كلمة الله في جميع المجالات ، حتّى تحملّتم ما تحمّلتم من المشاقّ ، وأصابكم ما أصابكم من المحن ولاقيتم ما لاقيتم من المصائب ، إلى درجة الشهادة في سبيل الله وتحصيل مرضاته ، حتّى لم يكن منكم إلاّ مسموم أو مقتول ، كما في حديث جُنادة عن الإمام المجتبى عليه السلام أنّه عهد إلينا من رسول الله صلى الله عليه وآله (١).

وفي خطبته عليه السلام :

«لقد حدّثني حبيبي جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ الأمر يملكه إثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوته ، ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم» (٢).

ودراسة حياتهم المليئة بهذه المفاخر كفيلة بمعرفة غاية جهدهم ، في عبادتهم وجهادهم ، والإطّلاع على مدى محنهم ومصائبهم موصلٌ إلى العلم ببذل أنفسهم في سبيل مرضاة ربّهم.

وللنموذج تلاحظ بذل نفسهم في العبادة في مثل حديث عبادة الإمام السجّاد عليه السلام الذي رواه شيخ الطائفة الطوسي جاء فيه :

أنّ فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليه السلام لمّا نظرت إلى ما يفعل ابن أخيها علي ابن الحسين عليهما السلام بنفسه من الدأب في العبادة ، أتت جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٢١٧ ب ٩ ح ١٨.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٢١٧ ب ٩ ح ١٩.

٣١٨

.........................................

____________________________________

الأنصاري ، فقالت له : يا صاحب رسول الله ، إنّ لنا عليكم حقوقاً ، ومن حقّنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه إجتهاداً أن تذكّروه الله ، وتدعوه إلى البُقيا على نفسه.

وهذا علي بن الحسين بقيّة أبيه الحسين عليهما السلام ، قد انخرم أنفه ، وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه دأباً منه لنفسه في العبادة.

فأتى جابر بن عبد الله باب علي بن الحسين عليهما السلام ، وبالباب أبو جعفر محمّد ابن علي عليهما السلام في اُغيلمة من بني هاشم قد اجتمعوا هناك ، فنظر جابر إليه مقبلاً ، فقال : هذه مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسجيّته ، فمن أنت يا غلام؟

قال : فقال : أنا محمّد بن علي بن الحسين ، فبكى جابر بن عبد الله ٢. ثمّ قال : أنت والله الباقر عن العلم حقّاً ، اُدنُ منّي بأبي أنت واُمّي ، فدنا منه فحلّ جابر ازاره ووضع يده في صدره فقبّله ، وجعل عليه خدّه ووجهه ، وقال له : اُقرئك عن جدّك رسول الله صلى الله عليه وآله السلام ، وقد أمرني أن أفعل بك ما فعلت ، وقال لي : يوشك أن تعيش وتبقى حتّى تلقى من ولدي من إسمه محمّد يبقر العلم بقراً. وقال لي : إنّك تبقى حتّى تعمى ثمّ يكشف لك عن بصرك.

ثمّ قال لي : ائذن لي على أبيك ، فدخل أبو جعفر على أبيه عليهما السلام فأخبره الخبر ، وقال : إنّ شيخاً بالباب ، وقد فعل بي كيت وكيت.

فقال : يابني ذلك جابر بن عبد الله. ثمّ قال : أمن بين ولدان أهلك قال لك ما قال وفعل بك ما فعل؟ قال : نعم [قال :] إنّا الله ، إنّه لم يقصدك فيه بسوء ، ولقد أشاط بدمك.

ثمّ أذن لجابر ، فدخل عليه فوجده في محرابه قد أنضته العبادة ، فنهض علي عليه السلام فسأله عن حاله سؤالاً حفيّاً ، ثمّ أجلسه بجنبه.

فأقبل جابر عليه يقول : يابن رسول الله ، أما علمت أنّ الله تعالى إنّما خلق

٣١٩

.........................................

____________________________________

الجنّة لكم ولمن أحبّكم ، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم ، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟

قال له علي بن الحسين عليهما السلام : يا صاحب رسول الله ، أما علمت أنّ جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر فلم يدع الإجتهاد له ، وتعبّد ـ بأبي هو واُمّي ـ حتّى انتفخ الساق وورم القدم ، وقيل له : أتفعل هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر!

قال : أفلا أكون عبداً شكوراً.

فلمّا نظر جابر إلى علي بن الحسين عليهما السلام وليس يغني فيه من قول يستميله من الجهد والتعب إلى القصد ، قال له : يابن رسول الله ، البُقيا على نفسك ، فإنّك لمن اُسرة بهم يُستدفع البلاء ، وتستكشف اللأواء ، وبهم تُستمطر السماء.

فقال : يا جابر ، لا أزال على منهاج أبويّ مؤتسيّاً بهما صلوات الله عليهما حتّى ألقاهما ، فأقبل جابر على من حضر فقال لهم : والله ما أرى في أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلاّ يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، والله لذرّية علي بن الحسين عليهما السلام أفضل من ذرّية يوسف بن يعقوب ، إنّ منهم لمن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً (١).

وتلاحظ بذل النفس في مصائبهم ومحنهم في الأحاديث التي عقد لها شيخ الإسلام المجلسي باباً ، من ذلك : حديث أبان ، عن الإمام الباقر عليه السلام جاء فيه : قال أبان : ثمّ قال لي أبو جعفر الباقر عليه السلام : «ما لقينا أهل البيت من ظلم قريش وتظاهرهم علينا وقتلهم إيّانا ، وما لقيت شيعتنا ومحبّونا من الناس.

إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قُبض وقد قام بحقّنا وأمر بطاعتنا وفرض ولايتنا ومودّتنا ،

__________________

(١) أمالي الشيخ الطوسي : ص ٦٣٦ ح ١٣١٤.

٣٢٠