في رحاب الزيارة الجامعة

السيد علي الحسيني الصدر

في رحاب الزيارة الجامعة

المؤلف:

السيد علي الحسيني الصدر


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الغدير
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: ٧٠٤
  نسخة غير مصححة

.........................................

____________________________________

الأقوم ، والمخبرون عن الأنبياء ، وموضّحوا الشريعة الغرّاء ، فيكونون قد بيّنوا فرائض الله تعالى بدليل الوجدان ومشاهدة العيان ، كما سيأتي في فقرة «ونشرتم أحكامه».

وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام : «حتّى كان أبو جعفر ففتح لهم وبيّن لهم مناسك حجّهم وحلالهم وحرامهم ...» (١).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٦٨ ص ٣٣٧ ب ٢٧ ح ١١.

٣٤١

وَاَقَمْتُمْ حُدُودَهُ (١)

____________________________________

(١) ـ إقامة الشيء : تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ وإنحراف ، والمواظبة عليه ، والتشمير لأدائه من غير فتور ولا توانٍ (١).

والحدود : جمع حدّ ، وحدّ الشيء هو ما يتميّز به الشيء عمّا سواه.

ولكلّ شيء من اُمور الدين حدّ كما في أحاديثه (٢).

وحدود الله تعالى أحكامه ، وسمّيت حدوداً لأنّها كالحدود المضروبة للمكلّفين ، لا يجوز لهم أن يتجاوزوها (٣).

ومن حدود الله تعالى المناهي الشرعية والممنوعات ، والتأديبات المقرّرة على الجنايات.

وأهل البيت عليهم السلام هم الذين أقاموا حدود الله تعالى حقّ الإقامة ، وبيّنوها وعلّموها في كلّ زمانٍ بحسبه ، وللأزمنة الآتية تلوه ، كما تلاحظه في سيرتهم الشريفة.

فجميع ما جاء في الحدود الشرعية بمعناها العام والخاصّ ، فإنّما هو منهم سلام الله عليهم ، خصوصاً سيّدهم أمير المؤمنين عليه السلام ، الذي تلاحظ إقامته الحدود الشرعية الحقّة في أصعب الموارد القضائية بما علّمه الله تعالى من العلم والحكمة ، كما تصل إليه وجداناً في باب قضاياه سلام الله عليه (٤).

أقام حدود الله من دون أن تأخذه لومة لائم أو تضييع حقّ ، حتّى ذكر ابن دأب في كتابه أنّه أحجم الناس عن إقامة الحدّ عن غير واحد من أهل الشرف ، والنباهة ، وأقدم هو عليه السلام بإقامة الحدود عليهم فهل سمع أحد أنّ شريفاً أقام عليه أحد حدّاً غيره) (٥).

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٥٣٢.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢ ص ١٧٠ ب ٢٢ الأحاديث.

(٣) مجمع البحرين : ص ٢٠٢.

(٤) بحار الأنوار : ج ٤٠ ص ٢١٨ ب ٩٧ الأحاديث.

(٥) لاحظ الإختصاص : ص ١٥٩.

٣٤٢

وَنَشَرْتُمْ شَرايِعَ اَحْكامِهِ (١)

____________________________________

(١) ـ النشر : مأخوذ من نشرت الخبر أي أذعته ، وانتشر الخبر أي ذاع.

والشرائع : جمع شريعة ، وهي في الأصل اللغوي بمعنى مورد الناس للاستقاء ، سمّيت بذلك شريعة الإسلام المقدّسة التي هي المورد الصافي والمنهل العذب للعلم والحكمة.

وشريعة الإسلام هي ما شرّع الله تعالى وافترضه على الناس.

وإضافة الشرائع إلى الأحكام بيانيّة ، أي نشرتم الشرائع التي هي أحكام الله عزّ وجلّ.

وأهل البيت عليهم السلام هم المعدن الفيّاض لنشر الأحكام الإلهية ، والأدلّة الدينية ، وفي زيارة أمير المؤمنين عليه السلام : «وأقمت أحكام الله» (١).

وقد سارت بعلومهم الركبان ، وعمّ ذكرهم كلّ إنسان.

كما تربّى عندهم جيل كبير من الرواة العلماء ، وأعاظم الفقهاء حتّى أحصى ذكر أصحابهم الرواة في رجال شيخ الطائفة فكانوا زهاء (٨٩٠٠) راوياً.

وقد تخرّج على يد الإمام الصادق عليه السلام ما يقارب (٤٠٠٠) من الرواة ، وكتب من مسائله المروية عنه أربعمائة مصنَّف (٢).

وأمّا ما كتب من الروايات عن جميع المعصومين عليهم السلام فقد قال المحدّث الحرّ العاملي : إنّ ما نقلوا عنه الأحاديث ، وذكرت في كتب الرجال يزيد على (٦٦٠٠) كتاباً كما أحصيناه (٣).

ومن تلك الكتب أربعمائة كتاب ، اُصول معروفة بالاُصول الأربعمائة لأربعمائة مصنِّف (٤).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١٠٠ ص ٢٧٩ ب ٤ ح ١٥.

(٢) المعتبر : ص ٥.

(٣) وسائل الشيعة : ج ٢٠ ص ٤٩.

(٤) الذكرى : ص ٦.

٣٤٣

.........................................

____________________________________

ومن تلك الاُصول اختيرت أحاديث الكتب الأربعة الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار بأحاديثها الوفيرة (١).

مضافاً إلى كتاب مدينة العلم المشتمل على أحاديث كثيرة ، وهو أكبر من الفقيه (٢).

بالإضافة إلى كتب الحديث الاُخرى المحرّرة بعدها ، مثل :

بحار الأنوار ، وعوالم العلوم ، والوسائل ، والمستدرك ، والوافي ، وجامع الأحكام وغيرها ، ممّا هي دلائل حيّة وشواهد صادقة على أنّ أهل البيت عليهم السلام هم الذين نشروا الشرائع الإلهية والأحكام الربّانية.

وفي نسخة الكفعمي بدل هذه الفقرة : «وشرّعتم أحكامه».

__________________

(١) تأسيس الشيعة : ص ٢٨٨ ، ولنا تفصيل بيان لذلك في الفوائد الرجالية : ص ٢٨.

(٢) الفهرست : ص ١٨٥.

٣٤٤

وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ (١)

____________________________________

(١) ـ أي بيّنتم سنّة الله عزّ وجلّ ، وسلكتم طريقه.

والسنّة وجمعها سنن مثل غرفة وغُرف : هي في اللغة بمعنى الطريقة والسيرة.

وفي الصناعة والإصطلاح : هي طريقة النبي صلى الله عليه وآله قولاً وفعلاً وتقريراً (١).

فسنّة الله تعالى هي سنّة الرسول ، وسنّة الرسول هي سنّة أهل البيت عليهم السلام. وقد جاهدوا حقّ الجهاد حتّى أدّوا غاية الأداء سنّة الله وطريقه ، وأمروا بمتابعتها وأوصوا بإتّباعها كما تلاحظه في أحاديثهم الغرّاء ؛ خصوصاً في رسالة الإمام الصادق عليه السلام إلى جماعة الشيعة ، المشتملة على أهمّ الوصايا التي ينبغي تعاهدها ، وأنفع السنن التي ينبغي التزامها.

والحديث هذا رواه ثقة الإسلام الكليني بأسانيد ثلاثة عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام في الروضة وممّا جاء فيه من مضامينه العالية :

قوله عليه السلام : «واتّبعوا آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسنّته فخذوا بها ولا تتّبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلّوا ، فإنّ أضلّ الناس عند الله من اتّبع هواه ورأيه بغير هدى من الله ، وأحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم ، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ، وجاملوا الناس ولا تحمّلوهم على رقابكم ، تجمعوا (٢) مع ذلك طاعة ربّكم. وإيّاكم وسبّ أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبّوا الله عَدْواً بغير علم ، وقد ينبغي لكم أن تعلموا حدّ سبّهم لله كيف هو؟ إنّه من سبّ أولياء الله فقد انتهك سبّ الله ، ومن أظلم عند الله ممّن استسبّ لله ولأولياء الله ، فمهلاً مهلاً فاتّبعوا أمر الله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله».

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٥٦١.

(٢) جواب للأمر أي أنّكم إذا جاملتم الناس عشتم مع الأمن وعدم حمل الناس على رقابكم بالعمل بطاعة ربّكم فيما أمركم به من التقيّة.

٣٤٥

.........................................

____________________________________

وقال : «أيّتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم : عليكم بآثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسنّته وآثار الأئمّة الهداة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله من بعده وسنّتهم ، فإنّه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ ، لأنّهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم ، وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله : المداومة على العمل في اتّباع الآثار والسنن وإن قلّ أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الإجتهاد في البدع واتّباع الأهواء ، ألا إنّ اتّباع الأهواء واتّباع البدع بغير هدى من الله ضلال ، وكلّ ضلالة بدعة ، وكلّ بدعة في النار.

ولن ينال شيء من الخير عند الله إلاّ بطاعته والصبر والرضا ، لأنّ الصبر والرضا من طاعة الله ، واعلموا أنّه لن يؤمن عبد من عبيده حتّى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحبّ وكره ، ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلاّ ما هو أهله وهو خير له ممّا أحبّ وكره ، وعلكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وإيّاكم ...

وعليكم بحبّ المساكين المسلمين فإنّه من حقّرهم وتكبّر عليهم فقد زلّ عن دين الله والله له حاقر ماقت ، وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله : أمرني ربّي بحبّ المساكين المسلمين منهم ، واعلموا أنّ من حقّر أحداً من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقّرة حتّى يمقته الناس والله له أشدّ مقتاً ، فاتّقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين فإنّ لهم عليكم حقّاً أن تحبّوهم فإنّ الله أمر رسوله صلى الله عليه وآله بحبّهم ، فمن لم يحبّ مَن أمر الله بحبّه فقد عصى الله ورسوله ، ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين.

وإيّاكم والعظمة والكبر فإنّ الكبر رداء الله عزّ وجلّ ، فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذلّه يوم القيامة.

وإيّاكم أن يبغي بعضكم على بعض فإنّها ليست من خصال الصالحين ، فإنّه من بغى

٣٤٦

.........................................

____________________________________

صيّر الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بُغي عليه ، ومن نصره الله غلب وأصاب الظفرمن الله.

وإيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً فإنّ الكفر أصله الحسد.

وإيّاكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعوا الله عليكم ويستجاب له فيكم ، فإنّ أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول : إنّ دعوة المسلم المظلوم مستجابة.

وليعن بعضكم بعضاً ، فإنّ أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول : إنّ معونة المسلم خير وأعظم أجراً من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام.

وإيّاكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بالشيء يكون لكم قِبَله وهو معسر فإنّ أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول : ليس لمسلم أن يعسر مسلماً ، ومن أنظر معسراً أظلّه الله بظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه.

وإيّاكم ايّتها العصابة المرحومة المفضّلة على مَن سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة ، فإنّه من عجّل حقوق الله قِبَله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والآجل ، وإنّه من أخّر حقوق الله قِبَله كان الله أقدر على تأخير رزقه ، ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه ، فأدّوا إلى الله حقّ ما رزقكم يطيّب الله لكم بقيّته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الأضعاف الكثيرة التي لا يعلم عددها ولا كنه فضلها إلاّ الله ربّ العالمين».

وقال عليه السلام : «واعلموا أيّتها العصابة أنّ السنّة من الله قد جرت في الصالحين قبل. وقال : من سرّه أن يلقى الله وهو مؤمن حقّاً فليتولّ الله ورسوله والذين آمنوا وليبرأ إلى الله من عدوّهم ويسلّم لما انتهى إليه من فضلهم ، لأنّ فضلهم لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك.

ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل أتباع الأئمّة الهداة وهم المؤمنون قال : (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ

٣٤٧

.........................................

____________________________________

رَفِيقًا) (١) فهذا وجه من وجوه فضل أتباع الأئمّة فكيف بهم وفضلهم.

ومن سرّه أن يتمّ الله له إيمانه حتّى يكون مؤمناً حقّاً حقّاً [فليتّق] الله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فإنه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمّة المؤمنين إقام اصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وإقراض الله قرضاً حسناً ، واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، فلم يبق شيء ممّا فسّر ممّا حرّم الله إلاّ وقد دخل في جملة قوله (٢) ، فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصاً لله ولم يرخّص لنفسه في ترك شيء من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقّاً.

وإيّاكم والإصرار على شيء ممّا حرّم الله في ظهر القرآن وبطنه ، وقد قال الله تعالى : (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٣)».

«... ومن سرّه أن يعلم أنّ الله يحبّه فليعمل بطاعة الله وليتّبعنا ، ألم يسمع قول الله عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه وآله : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (٤)؟ والله لا يطيع الله عبدٌ أبداً إلاّ أدخل الله عليه في طاعته اتّباعنا.

ولا والله لا يتّبعنا عبد أبداً إلاّ أحبّه الله ، ولا والله لا يَدَع أحد أتّباعنا أبداً إلاّ أبغضنا ، ولا والله لا يبغضنا أحد أبداً إلاّ عصى الله ، ومن مات عاصياً لله أخزاه الله وأكبّه على وجهه في النار والحمد لله ربّ العالمين» (٥).

__________________

(١) سورة النساء : الآية ٦٩.

(٢) أي في الفواحش ، فقوله تعالى اجتناب الفواحش يشمل اجتناب جميع المحرّمات. وقوله : «فمن دان الله» أي عبد الله فيما بينه وبين ربّه أي مختفيّاً ول ينظر إلى غيره ولا يلتفت إلى مَن سواه.

(٣) سورة آل عمران : الآية ١٣٥.

(٤) سورة آل عمران : الاية ٣١.

(٥) روضة الكافي : ج ٨ ص ٢ ح ١.

٣٤٨

وَصِرْتُمْ في ذلِكَ مِنْهُ اِلَى الرِّضا (١)

____________________________________

(١) ـ أي صرتم في الجهاد وفيما ذكر من الاُمور أي : بذل نفسكم ، وصبركم على ما أصابكم ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإعلان دعوة الله ، وبيان فرائضه ، وإقامة حدوده ، ونشر أحكامه ، وتبيين سنّته ، إلى الرضا ورضوان الله ، بحيث رضى الله عنكم ، ورضيتم عنه ، فبلغتم رضوان الله الذي هو أكبر ، قال تعالى في شأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وكانوا خير البريّة وهم آل محمّد عليهم السلام كما ورد في التفسير : (اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (١) ـ (٢).

ومقام الرضا هو من أعظم المقامات العالية التي ينالها الصدّيقون ، بل هو أعلى درجة اليقين ، بل هو الموجب لاستجابة الدعاء من قِبَل ربّ العالمين كما تلاحظه في الأحاديث مثل :

١ ـ حديث عمرو بن نهيك بيّاع الهروي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : قال الله عزّ وجلّ : «عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء إلاّ جعلته خيراً له ، فليرض بقضائي وليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي ، أكتبه يا محمّد من الصدّيقين عندي».

٢ ـ حديث علي بن أسباط ، عمّن ذكره ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : لقي الحسن بن علي عليهما السلام عبد الله بن جعفر فقال : يا عبد الله! «كيف يكون المؤمن مؤمناً وهو يسخط قسمه ويحقّر منزلته والحاكم عليه الله ، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلاّ الرضا أن يدعوا الله فيستجاب له».

٣ ـ حديث ابن سنان ، عمّن ذكره ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قلت له : بأي شيء يُعلم المؤمن بأنّه مؤمن؟

__________________

(١) سورة البيّنة : الآية ٨.

(٢) كنز الدقائق : ج ١٤ ص ٣٨١.

٣٤٩

.........................................

____________________________________

قال : «بالتسليم لله والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط» (١).

ومقام الرضا هذا هو الداعي إلى محبوبية المخلوق عند ربّ العالمين ، بغاية الحبّ المتين كما تلاحظه في حديث حديقة الحكمة المنقول في السفينة جاء فيما أراده النبي موسى عليه السلام من الله تعالى :

أنّ موسى عليه السلام قال : «أرني أحبّ خلقك إليك وأكثرهم لك عبادة».

فأمره الله تعالى أن ينتهي إلى قرية على ساحل بحر ، وأخبره أنّه يجده في مكان قد سمّاه له ، فوصل عليه السلام إلى ذلك المكان فوقع على رجل مجذوم مقعد أبرص يسبّح الله تعالى ، فقال موصى : يا جبرئيل اين الرجل الذي سألت ربّي أن يُريني إيّاه؟

فقال : جبرئيل : هو يا كليم الله هذا.

فقال : يا جبرئيل إنّي كنت اُحبّ أن أراه صوّاماً قوّاماً.

فقال جبرئيل : هذا أحبّ إلى الله تعالى وأعبد له من الصوّام والقوّام ، وقد اُمرت بإذهاب كريمتيه فاسمع ما يقول ، فأشار جبرئيل إلى عينيه فسالتا على خدّيه ، فقال : متّعتني بهما حيث شئت ، وسلبتني إيّاهما حيث شئت ، وأبقيت لي فيك طول الأمل يا بارّ يا وصول.

فقال له موسى عليه السلام : يا عبد الله إنّي رجل مجاب الدعوة فإن أحببت أن أدعو لك تعالى يردّ عليك ما ذهب من جوارحك ويبريك من العلّة ، فعلت.

فقال (رحمة الله عليه) : لا اُريد شيئاً من ذلك ، اختياره لي أحبّ إليّ من اختياري لنفسي (وهذا هو الرضا المحض كما ترى).

فقال له موسى : سمعتك تقول : يا بارّ يا وصول ، ما هذا البرّ والصلة الواصلان إليك من ربّك؟

__________________

(١) الكافي : ج ٢ ص ٦٠ باب الرضا بالقضاء الأحاديث ٦ و ١١ و ١٢.

٣٥٠

.........................................

____________________________________

فقال : ما أحد في هذا البلد يعرفه غيري ، أو قال يعبده.

فراح عليه السلام متعجّباً وقال : هذا أعبد أهل الدنيا» (١).

وأهل البيت عليهم السلام هم المثل الأعلى وأصحاب الدرجة القصوى في هذا المقام الأوفى.

ودليله ما عرفت من نطق الله تعالى به في آية الرضا المتقدّمة.

خصوصاً سيّدنا ومولانا الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام الذي هو التجلّي الأعظم لهذا المقام المكرّم ، مضافاً إلى أنّه رضى به المخالفون من أعدائه كما رضى به الموافقون من أوليائه.

ففي حديث البزنطي قال : قلت لأبي جعفر محمّد بن علي بن موسى عليهم السلام : إنّ قوماً من مخالفيكم يزعمون أنّ أباك إنّما سمّاه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده؟

فقال عليه السلام : «كذبوا والله وفجروا ، بل الله تبارك وتعالى سمّاه بالرضا عليه السلام لأنّه كان رضي لله عزّ وجلّ في سمائه ، ورضي لرسوله والأئمّة بعده صلوات الله عليهم في أرضه.

قال : فقلت له : ألم يكن كلّ واحد من آبائك الماضين عليهم السلام رضي الله عزّ وجلّ ولرسوله والأئمّة بعده عليهم السلام؟

فقال : بلى.

فقلت : فلِمَ سمّي أبوك عليه السلام من بينهم الرضا؟

قال : لأنّه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي بن الموافقون من أوليائه ، ولم يكن ذلك لأحد من أبائه عليهم السلام فلذلك سمّي من بينهم الرضا عليه السلام» (٢).

وهو الإمام الرؤوف العطوف والرضيّ المرضي ، فعليه صلوات الله الربّ العلي.

__________________

(١) سفينة البحار : ج ٣ ص ٣٦٦.

(٢) بحار الأنوار : ج ٤٩ ص ٤ ب ١ ح ٥.

٣٥١

وَسَلَّمْتُمْ لَهُ الْقَضاءَ (١)

____________________________________

(١) ـ أي أنّكم أهل البيت حيث صرتم إلى رضا الله تعالى في جميع أعمالكم سلّمتم له القضاء في جميع اُموركم ؛ فكنتم تسليماً لجميع ما قدّره الله لكم حتّى الشهادة التي كتبت عليكم كرامةً لشأنكم ، وتعليةً لدرجتكم ، وترفيعاً لمنزلتكم.

والتسليم هو : عدم الإعتراض بل الإنقياد ظاهراً وباطناً ، كما يستفاد من تفسيره الوارد عند قوله تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (١).

كما تلاحظه في كتب التفسير (٢).

والتسليم لله تعالى من أبرز الصفات الحسنة ، والملكات المستحسنة ، ففي الحديث السجّادي الشريف : «إنّ المراتب الرفيعة لا تُنال إلاّ بالتسليم لله عزّ وجلّ» (٣).

ولقد بلغ أهل البيت عليهم السلام القمّة في هذا المقام ، فسلّموا أمرهم كاملاً إلى الله ربّهم واطمأنّوا بما قدّره الله وقضاه عليهم في قيامهم وقعودهم.

ففي حديث ضريس الكنّاسي عن الإمام الباقر عليه السلام جاء فيه : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول ـ وعنده اُناس من أصحابه ـ : «عجبت من قوم يتولّونا ويجعلونا أئمّة ويصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثمّ يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم ، فينقصونا حقّنا ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا.

أترون أنّ الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ، ثمّ يُخفي عنهم

__________________

(١) سورة النساء : الآية ٦٥.

(٢) كنز الدقائق : ج ٣ ص ٤٥٧ ، تفسير البرهان : ج ١ ص ٢٤٠.

(٣) سفينة البحار : ج ٤ ص ٢٣٦.

٣٥٢

.........................................

____________________________________

أخبار السماوات والأرض ، ويقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم؟!

فقال له حمران : جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر قيام علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام وخروجهم وقيامهم بدين الله عزّ ذكره وما اُصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم والظفر بهم حتّى قُتلوا وغلبوا؟

فقال أبو جعفر عليه السلام : يا حمران! إنّ الله تبارك وتعالى قد كان قدّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتّمه على سبيل الاختيار ثمّ أجراه.

فبتقدّم علمٍ إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله قام علي والحسن والحسين عليهم السلام ، وبعلم صمت من صمت منّا ، ولو أنّهم يا حمران! حيث نزل بهم ما نزل من أمر الله عزّ وجلّ وإظهار الطواغيت عليهم سألوا الله عزّ وجلّ أن يدفع عنهم ، وألحّوا عليه في طلب إزالة تلك الطواغيت ، وذهاب ملكهم إذاً لأجابهم ودفع ذلك عنهم ، ثمّ كان إنقضاء مدّة الطواغيت ، وذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم إنقطع فتبدّد.

وما كان ذلك الذي أصابهم يا حمران! لذنب اقترفوه ، ولا لعقوبة معصية خالفوا الله فيها ، ولكن لمنازل وكرامة من الله ، أراد أن يبلغوها ، فلا تذهبنّ بك المذاهب فيهم» (١).

ولقد أحسنوا في هدايتهم ، وصبروا في مصيبتهم ، وسلّموا المر لربّهم إلى حين شهادتهم لتتمّ الحجّة البالغة ، وليميّز الله الخبيث من الطيّب ، وليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة.

ولذلك ترى لهجة التسليم الكامل في كلام أمير المؤمنين عليه السلام مع تلك المصائب العظيمة التي تحمّلها في سبيل الله تعالى يقول : «شكراً لله على نعمائه ، وصبراً على بلائه ، وتسليماً ورضاً بقضائه» (٢).

__________________

(١) الكافي : ج ١ ص ٢٦١ ح ٤.

(٢) بحار الأنوار : ج ٣٣ ص ١٥٣ ب ١٦ ح ٤٢١.

٣٥٣

وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضى (١)

____________________________________

(١) ـ يقال : صدّقه تصديقاً أي نسبه إلى الصدق ، واعترف بصدقه ، وحقّقه.

أي إنّكم أهل البيت صدّقتم رسل الله تعالى السابقين ، ورسالة أنبياءه الماضين.

ولو لم يكن تصديقهم عليهم السلام للمرسلين لم تعلم رسالة الأنبياء وأحوالهم وعددهم وسيرتهم وزهدهم وعبادتهم ومواعظهم ومكارمهم وصبرهم وسجاياهم وأحكامهم وشرائعهم.

مع طول الزمان ، وبُعد المكان ، وخيانة الأهواء المختلفة ، والأعراض المتخالفة ، وافتراءات أعدائهم ، وتحريفات رؤسائهم.

فبإخبار الله العلاّم أخبر البيت الكرام بالرسالات الماضية ، وصدّقوا رسله السالفين ، وبيّنوا أنباء الأنبياء السابقين بالحقّ والصدق.

فكان لهم الحقّ العظيم على كلّ رسول كريم في استدامة حقيقتهم الإلهية وامتداد شخصيتهم الربّانية ، ولو لا هم لشوّه الاُمم تأريخ الأنبياء حتّى شخصية أنبيائهم.

ولم يكن تصديق أهل البيت للأنبياء بالقول فقط ، بل صدّقوهم بالعمل أيضاً حيث كانوا النموذج الحي لعمل الأنبياء ، والمثل الأعلى لرسالات السماء ، والدليل الواضح على علم المرسلين وعبادتهم وزهدهم وعصمتهم ومعجزتهم وصبرهم وكرمهم وكلّ فضيلة ومكرمة عندهم.

وهذه منقبة خاصّة بأهل البيت النبوي سلام الله عليهم أجمعين.

قال تعالى : (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (١).

وقال عزّ إسمه : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٠١.

٣٥٤

.........................................

____________________________________

وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (١).

قال في كنز الدقائق في تفسيره أي : (رقيباً على سائر الكتب يحفظه عن التغيير ، ويشهد لها بالصحّة والثبات) (٢).

وقد أُثبت ذكر الكتب السماوية والشرائع الإلهية التي تبلغ (١٠٤) كتاب وصحيفة ، مع ذكر الأنبياء الكرام في أحاديثنا (٣).

وأهل البيت وسيّدهم الرسول الأعظم عليهم سلام الله آمنوا بتلك الكتب المقدّسة كلّها ، وصدّقوا جميع المرسلين ، وشهدوا بالإخلاص لجميع النبيين كما تلاحظه في حديث مناجاة موسى عليه السلام وهي مناجاة جميلة جليلة جاء فيها :

«اُوصيك يا موسى وصيّة الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم صاحب الأتان والبرنس والزيت والزيتون والمحراب (٤) ، ومن بعده بصاحب الجمل الأحمر ، الطيّب الطاهر المطهّر ، فمَثله في كتابك أنّه مؤمن مهيمن على الكتب كلّها ، وأنّه راكع ساجد ، راغب ، راهب ، إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون ويكون في

__________________

(١) سورة المائدة : الآية ٤٨.

(٢) كنز الدقائق : ج ٤ ص ١٣٢.

(٣) بحار الأنوار : ج ١١ ص ٣٢ ب ١ ح ٢٤ و ٢٥ و ٢٨.

(٤) الأتان ـ بالفتح : الحمارة. والبرنس ـ بالضمّ ـ : قلنسوة طويلة وكان النسّاك يلبسونها في صدر الإسلام. والمراد بالزيتون والزيت : الثمرة لأنّه عليه السلام كان يأكلهما أو نزلتا له في المائدة من السماء ، أو المراد بالزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام كما ذكره الفيروز آبادي اي أعطاه الله بلاد الشام. وبالزيت الدهن الذي روي أنّه كان في بني إسرائيل وكان غليانها من علامات النبوّة. والمحراب لزومه وكثرة العبادة فيه. كما في مرآة العقول : ج ٢٥ ص ٩٢.

٣٥٥

.........................................

____________________________________

زمانه أزل وزلزال وقتل ، وقلّة من المال ، إسمه أحمد ، محمّد الأمين من الباقين من ثلّة الأوّلين الماضين ، يؤمن بالكتب كلّها ، ويصدّق جميع المرسلين ويشهد بالإخلاص لجميع النبيين.

اُمّته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على حقائقه ، لهم ساعات موقّتات يؤدّون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيّده نافلته ، فبه فصدّق ومنهاجه فاتّبع فإنّه أخوك.

يا موسى إنّه اُمّي ، وهو عبد صدق يبارك له فيما وضع يده عليه ويبارك عليه كذلك كان في علمي وكذلك خلقته ، به أفتح الساعة وباُمّته أختم مفاتيح الدنيا فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا إسمه ولا يخذلوه وإنّهم لفاعلون.

وحبّه لي حسنة ، فأنا معه وأنا من حزبه وهو من حزبي وحزبهم الغالبون ، فتمّت كلماتي لأظهرنّ دينه على الأديان كلّها ، ولاُعبدنّ بكلّ مكان ، ولاُنزلنّ عليه قرآناً فرقاناً شفاءاً لما في الصدور من نفث الشيطان ، فصلّ عليه يابن عمران فإنّي اُصلّي عليه وملائكتي» (١).

__________________

(١) روضة الكافي : ج ٨ ص ٤٣ ح ٨.

٣٥٦

فَالرّاغِبُ عَنْكُمْ مارِقٌ (١)

____________________________________

(١) ـ الفاء تفريع ونتيجة لما تقدّم ، أي بعد ما ثبت أنّكم الأئمّة الراشدون المهديّون المعصومون ـ إلى آخره ـ يكون الراغب عنكم أي المعرض عنكم مارقٌ ، أي خارج عن دين الله.

يقال : رَغِبَ عن الشيء أي : أعرض عنه وزهد فيه ولم يُردْه ، بخلاف الرغبة فيه.

ويقال : مَرَقَ من الدين أي : خرج منه وتجاوزه وتعدّى عنه ، مأخوذ من مرق السهم عن القوس أي تجاوز عنه بغير مهلة ، فمن أعرض عن أهل البيت عليهم السلام كان خارجاً عن الدين ، وضالاً عن شريعة سيّد المرسلين ، وداخلاً في حزب الشيطان اللعين ، ومعدوداً من الكافرين.

بأي وجه من وجوه الاعراض عنهم سواء بمعاداتهم ، أو ردّ قولهم ، أو تصغير قدرهم ، أو إنكار فضائلهم ، أو جحود ولايتهم ، أو صرف وجوه الناس عنهم ، أو تقديم غيرهم عليهم ، أو الحرب معهم.

وقد تواترت بذلك الأحاديث الشريفة من الخاصّة والعامّة من ذلك :

١ ـ حديث ابن عباس قال : قلت للنبي صلى الله عليه وآله : أوصني.

قال : «عليك بمودّة علي بن أبي طالب عليه السلام ، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لا يقبل الله من بعد حسنة حتّى يسأله عن حبّ علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو تعالى أعلم فإن جاءه بولايته قبل عمله على ما كان منه ، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شيء ثمّ أمر به إلى النار.

يابن عبّاس والذي بعثني بالحقّ نبيّاً إنّ النار لأشدّ غضباً على مبغض علي عليه السلام منها على من زعم أن لله ولداً.

يابن عبّاس لو أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه ولن يفعلوا لعذّبهم الله بالنار.

٣٥٧

.........................................

____________________________________

قلت : يا رسول الله وهل يبغضه أحد؟

قال : يابن عبّاس نعم يبغضه قوم يذكرون أنّهم من اُمّتي لم يجعل الله لهم في الإسلام نصيباً.

يابن عبّاس إنّ من علامة بغضهم له تفضيلهم من هو دونه عليه ، والذي بعثني بالحقّ ما بعث الله نبيّاً أكرم عليه منّي ، ولا أوصياء أكرم عليه من وصيّي علي.

قال ابن عبّاس : فلم أزل له كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وأوصاني بمودّته ، وإنّه لأكبر عملي عندي».

٢ ـ حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «من ناصب عليّاً حارب الله ، ومن شكّ في علي فهو كافر».

٣ ـ حديث جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «التاركون ولاية علي عليه السلام ، المنكرون لفضله ، المظاهرون أعداءه ، خارجون عن الإسلام من مات منهم على ذلك» (١).

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٢١٨ ـ ٢٣٨ ب ١٠ الأحاديث ٤ و ٤٤ و ٦٠ ، فهرس إحقاق الحقّ : ص ٤٨٧ مادّة كفر.

٣٥٨

وَاللاّزِمُ لَكُمْ لاحِقٌ (١)

____________________________________

(١) ـ يقال : لزم الشيء أي : اعتنقه ولازمه ، وثبت ودام عليه ولم يفارقه.

أي أنّ من لازمكم ، ولزم طريقتكم ، وقال بإمامتكم ، وأخذ بأقوالكم ، وتبع أعمالكم كان لاحقاً بكم في الدنيا والآخرة ، ومدركاً للدرجات العالية ، وواصلاً إلى الحقّ والحقيقة.

وتدلّ عليه الأخبار المتظافرة مثل :

١ ـ حديث بشر بن غالب ، عن الإمام الحسين بن علي عليهما السلام قال : قال لي : «يا بشر بن غالب من أحبّنا لا يحبّنا إلاّ لله جئنا نحن وهو كهاتين ـ وقدّر بين سبّابتيه ـ ، ومن أحبّنا لا يحبّنا إلاّ للدنيا فإنّه إذا قام قائم العدل وسع عدله البرّ والفاجر».

٢ ـ حديث جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «الروح والراحة والفلج والفلاح والنجاح والبركة والعفو والعافية والمعافاة والبشرى والنضرة والرضا والقرب والقرابة والنصر والظفر والتمكين والسرور والمحبّة من الله تبارك وتعالى على من أحبّ علي بن أبي طالب عليه السلام ، ووالاه ، وائتمّ به ، وأقرّ بفضله ، وتولّى الأوصياء من بعده.

وحقّ عليّ أن اُدخلهم في شفاعتي ، وحقّ على ربّي أن يستجيب لي فيهم ، وهم أتباعي ، ومن تبعني فإنّه منّي».

٣ ـ حديث الأنصاري ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله : «من أحبّنا وانتحل محبّتنا أسكنه الله معنا ، وتلا هذه الآية : (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) (١)» (٢).

__________________

(١) سورة القمر : الآية ٥٥.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٧ ب ٤ ص ٩٠ ـ ١٢٩ الأحاديث ٤٤ و ٥٢ و ١٢٠.

٣٥٩

.........................................

____________________________________

٤ ـ حديث الشيخ الذي كان يحبّ أهل البيت عليهم السلام ويبغض أعدائهم ، صرّح فيه الإمام السجّاد عليه السلام بقوله : «إن تمّت ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ويثلج قلبك ، ويبرد فؤادك ، وتقرّ عينك ، وتستقبل بالروح والريحان ، مع الكرام الكاتبين» (١).

وهذا مضافاً إلى أنّ ملازمة أهل البيت عليهم السلام هي السعادة العظمى التي توجب التفضّل منهم بملازمتهم لنا أيضاً وعدم مفارقتهم إيّانا ، كما في حديث إبراهيم بن أبي محمود ، عن الإمام الرضا عليه السلام : «من لزمنا لزمناه» (٢).

والتوقيع الشريف الصادر من الإمام الحجّة عليه السلام للشيخ المفيد جاء فيه : «إنّا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولو لا ذلك لنزل بكم اللأواء ، وإصطلمكم الأعداء ...» (٣).

__________________

(١) روضة الكافي : ج ٨ ص ٧٦ ح ٣٠.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢ ص ١١٥ ب ١٦ ح ١١.

(٣) الإحتجاج : ج ٢ ص ٣٢٢.

٣٦٠