🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
🚘 نسخة غير مصححة

وإن كان مشكوكا فيه بعد اليقين به سابقا ، إلا أنه لما كان الشيء معلوم الحدوث في الجملة ـ قبل الحادث الآخر أو بعده ـ فمن المحتمل أن يكون زمان حدوثه فاصلا بين زمان الشك المذكور وزمان اليقين المفروض.

مثلا لما فرض تردد زمان كل من موت الوارث وإسلام المورث بين الخميس والجمعة ، فزمان اليقين بعدم اسلام الوارث هو يوم الاربعاء ، وهو إنما يكون متصلا بزمان الشك المفروض ـ أعني زمان موت المورث ـ إذا كان الزمان المذكور هو يوم الخميس ، أما إذا كان هو يوم الجمعة كان منفصلا عنه بزمان حدوثه وهو يوم الخميس ، فلا يحرز اتصال أحدهما بالآخر.

ومنه يظهر أن ما ذكره في عنوان هذا الوجه أولى مما ذكره معاصره السيد الطباطبائي قدّس سرّه في العروة الوثقى من دعوى عدم الاتصال بين الزمانين.

لوضوح أن الاتصال محتمل ، لا مقطوع العدم.

إن قلت : زمان موت الوارث إن كان هو يوم الخميس كان متصلا بزمان اليقين ، وإن كان هو يوم الجمعة كان متصلا بيوم الخميس المتصل بزمان اليقين ، وذلك كاف في صحة الاستصحاب فيه ، إذ لا يعتبر في الاستصحاب في زمان ليترتب عليه الأثر اتصاله بنفسه بزمان اليقين ، بل يكفي اتصاله بزمان شك مثله متصل بزمان اليقين ، فاذا علم بالطهارة صباحا ، وشك في انتقاضها ضحى أمكن استصحابها إلى وقت صلاة الظهر ، لاتصال الوقت المذكور بالضحى الذي هو متصل بزمان اليقين. فالمقام نظير ما لو علم بنجاسة الجسم صباحا ، وعلم بملاقاته برطوبة ضحى أو ظهرا فتستصحب نجاسته إلى زمان الملاقاة المردد بين الضحى المتصل بنفسه بزمان اليقين والظهر المتصل بالضحى المتصل بزمان اليقين.

قلت : إنما يكفي اتصال زمان الشك الذي هو مورد الأثر بزمان شك متصل بزمان اليقين إذا اريد بالاستصحاب جره منه إليه ، لا من زمان اليقين ابتداء

٣٢١

اليه ، كما في مثال الطهارة المتقدم ، حيث يكون الغرض من استصحابها إلى وقت الظهر البناء على استصحابها من الصبح إلى الضحى الى الظهر ، لا استصحابها من الصبح إلى الظهر رأسا نظير الطفرة.

وعليه يصح الاستصحاب في المثال الملاقاة المذكور ، لوضوح أن زمان الملاقاة لو كان هو الظهر كان المقصود بالاستصحاب التعبد ببقاء النجاسة إليه من الصبح بعد عبورها على الضحى.

أما في المقام فلا يراد باستصحاب عدم إسلام الوارث إلى زمان موت المورث المردد بين الخميس والجمعة إلا البناء على عدم الاسلام في الزمان المذكور بعنوانه على ما هو عليه من التردد من دون أن يتضمن البناء على بقائه إلى زمان الموت حتى أنه لو كان هو يوم الجمعة كان عابرا إليه من يوم الخميس ، للقطع بعدم بقاء عدم الاسلام ليوم الجمعة ، بل هو منتقض في أحد اليومين.

ومنه يظهر أن عدم الاتصال بين زماني اليقين والشك لا يتوقف على فصل زمان يقين بانتقاض الحالة السابقة بينهما ، ليتجه المنع من تحقق ذلك في المقام ، بل يكفي فيه عدم اتصال الزمان المتعبد بوجود المتيقن فيه مع الزمان المتيقن وجوده فيه ، لفصل زمان لا يتعبد بوجود المتيقن فيه ، وإن كان زمان شك أيضا فلا يكون التعبد بالمتيقن في مورد الأثر تعبدا بالبقاء ، وهذا محتمل في المقام.

وبهذا التقريب يظهر أنه لا مجال لما ذكره بعض مشايخنا من الاشكال في ما ذكره المحقق الخراساني قدّس سرّه بأنه لا يعتبر في الاستصحاب سبق صفة اليقين على الشك ، فضلا عن اتصالهما ، بل المعتبر سبق المتيقن على المشكوك ، وهو في المقام حاصل ، وإن انفصلت صفة الشك ولم تحصل إلا بعد مضي الزمانين الاجماليين المعلوم حدوث الحادث الآخر في أحدهما.

إذ فيه : أنه لا يظهر من المحقق الخراساني قدّس سرّه إرادة اعتبار اتصال زمان

٣٢٢

حدوث الشك بزمان تحقق اليقين ، بل اتصال زمان المشكوك بزمان المتيقن ، الذي تقدم عدم الاشكال في اعتباره ، وهو غير محرز بالتقريب المتقدم.

هذا ، وقد ذكر غير واحد في تقرير مراد المحقق الخراساني قدّس سرّه أن عدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين إنما هو لاحتمال الانفصال بينهما بزمان اليقين بانتقاض الحالة السابقة ، لفرض العلم بانتقاض العدم السابق بالوجود إما سابقا على وجود الحادث الآخر أو لاحقا له.

ففي المثال المذكور لما كان من المحتمل وقوع إسلام الوارث المعلوم يوم الخميس قبل موت المورث احتمل كونه فاصلا بين زمان الشك في إسلام الوارث ـ وهو زمان موت المورث ـ وزمان اليقين بالعدم ـ وهو يوم الاربعاء ـ فلا يصح استصحاب عدم الاسلام في زمان موت المورث ، لعدم إحراز كون البناء على الاسلام فيه نقضا لليقين بالشك ، بل يحتمل كونه نقضا لليقين باليقين.

وقد أورد عليه غير واحد بوجوه متعددة تبتني على تقرير كلامه بالوجه المذكور.

عمدتها : أنه مبني على قيام العلم بالخارج بنحو يقبل التردد والشك ، وهو خلاف التحقيق ، بل هو كالشك من الصفات الوجدانية التابعة للصور الذهنية ، وليس لها وجود واقعي محفوظ يقبل الشك ، فان كانت موجودة كانت معلومة ، وإلا فهي معلومة العدم.

فزمان إسلام الوارث المعلوم بالإجمال وإن احتمل انطباقه على يوم الخميس ، إلا أنه لا يحتمل انطباقه عليه ، بما هو زمان اليقين بالاسلام ، بل ليس هو إلا زمان الشك فيه ، وليس المعلوم إلا الزمان الاجمالي على ما هو عليه من تردد ، فلا يكون البناء على إسلام الوارث حين موت المورث من نقض اليقين قطعا ، بل ليس هو إلا من نقض اليقين بالشك.

لكن لم يتضح من كلام المحقق الخراساني قدّس سرّه إرادة ما ذكروه في تقرير

٣٢٣

كلامه ، إذ هو لم يذكر إلا عدم إحراز الاتصال بين الزمانين ، دون احتمال الانفصال بينهما بزمان اليقين بانتقاض الحالة السابقة بالوجه الذي ذكروه ، كي يرد عليه ما سبق. ولعله اعتمد فى وجه احتمال الانفصال على ما ذكرنا ، وهو أجنبي عن ذلك جدا ، ولا يبتني على قيام العلم بالخارج وقابليته للوجود الواقعي المشكوك.

الثاني : أن الشك في بقاء شيء زمان الآخر ..

تارة : يكون للشك في امتداد ذلك الشيء ، كما لو علم بموت المورث يوم الجمعة وشك في أن اسلام الوراث كان ليلة الجمعة أو السبت.

واخرى : يكون للشك في تقديم ذلك الشيء الآخر وتأخره ، كما لو علم باسلام الوارث ليلة الجمعة ، وشك في أن موت المورث كان يوم الخميس أو الجمعة.

ولا إشكال في جريان الاستصحاب في الصورة الأولى.

وأما الثانية ، فالظاهر عدم جريان الاستصحاب فيها ، لأن المنساق من أدلة الاستصحاب المناسب لارتكازية مضمونه هو التعبد ببقاء المشكوك واستمراره وطول أمده ، لا محض وجوده في زمان الشك بما له من عنوان ، وإنما يحرز في الصورة الأولى كونه مستمرا حين الحادث الآخر لأجل تعيين أمد ذلك الحادث لا لوفاء الاستصحاب بذلك ، بل ليس مفاد الاستصحاب إلا التعبد ببقاء المستصحب في الزمان الخاص بذاته لا بعنوانه المذكور.

وعليه لو كان منشأ الشك هو الجهتين معا ، كما هو الحال في المقام ، فالظاهر أن الاستصحاب إنما ينفع في إبقاء المشكوك وإثبات امتداده تعبدا ، ولا ينهض باحراز خصوصية وجوده في زمان الحادث الآخر إذا لم تكن من شئون امتداده ، ففي المثال المتقدم يحكم بعدم إسلام الوارث يوم الخميس ، للشك في امتداده إليه ، ويترتب عليه أثره ، إلا أنه لا ينفع في إحراز عدمه حين

٣٢٤

موت المورث ، لعدم إحراز موت المورث في اليوم المذكور.

بل الخصوصية المذكورة تنشأ من الشك في امتداد عدم الإسلام والشك في تقدم موت المورث معا ، والاستصحاب أجنبي عن الجهة الثانية.

والظاهر أن هذا الوجه متين في نفسه ، مطابق للمرتكزات في مفاد الاستصحاب ، وقد نسب لبعض الأعيان المحققين قدّس سرّه وما تضمنه تقرير درسه قريب منه ، وإن تضمن الإشارة لما ذكرناه في الدفاع عن الوجه السابق. فراجع وتأمل جيدا.

المقام الثاني : في الجهل بتاريخ أحد الحادثين دون الآخر ، ولا ينبغي الإشكال في جريان الاستصحاب بالإضافة إلى مجهول التاريخ ، فيستصحب عدمه في زمان الآخر ، لاجتماع أركان الاستصحاب فيه ، وعدم توجه أحد الوجهين السابقين عليه ، كما يظهر بالتأمل فيهما.

نعم ، بناء على أن مرجع دعوى عدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين إلى احتمال انفصالهما بالزمان الإجمالي المعلوم وقوع الحادث فيه بنحو يحتمل الفصل بزمان اليقين بالانتقاض ، فيكون النقض باليقين لا بالشك ، يتعين جريان ذلك في المقام ، لفرض العلم بوقوع مجهول التاريخ إما قبل زمان الحادث الآخر المعلوم التاريخ أو بعده ، كما في مجهولي التاريخ.

لكن تقدم عدم تمامية التقرير المذكور لهذا الوجه ، وأن الذي يتم هناك هو التقرير الأول الذي لا يجري هنا.

وأما بالإضافة إلى معلوم التاريخ فلا يجري استصحاب عدمه في زمان الآخر المجهول ، فاذا علم باسلام الوارث ليلة الجمعة وبموت المورث إما يوم الخميس أو الجمعة ، لم يجر استصحاب عدم اسلام الوارث إلى حين موت المورث ، لجريان الوجهين السابقين فيه.

أما الأول فلاحتمال كون زمان الشك المذكور ـ وهو زمان موت

٣٢٥

المورث ـ يوم الجمعة ، فينفصل عن زمان اليقين بعدم الاسلام ـ وهو يوم الاربعاء ـ بيوم الخميس ، ولا يراد بالاستصحاب جره من زمان اليقين المذكور إلى زمان الشك ـ وهو يوم الجمعة ـ عابرا بالزمان الفاصل بينهما لو كان ، للعلم بعدم استمراره كذلك وانتقاضه ليلة الجمعة.

وأما الثاني فلوضوح عدم الشك في امتداد عدم الاسلام ، للعلم بتاريخه ، وإنما الشك في وجوده حين موت المورث ، لاحتمال تقدم موت المورث لا غير.

فالمقام أولى بجريان الوجه المذكور من المقام السابق ، كما يظهر بملاحظة ما سبق في تقريره.

ولو لا هذان الوجهان أشكل المنع من جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ مع فرض سبق اليقين بعدمه ، مع الشك في وجوده حين حدوث مجهول التاريخ.

ومنه يظهر الإشكال في كلام شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره ممن حكم بجريان الاستصحاب في مجهول التاريخ ، ومنع منه في معلوم التاريخ.

إذ بملاحظة الوجهين المذكورين يتعين المنع من الاستصحاب في المقامين ، ومع الغض عنهما يتعين جريانه فيهما معا.

ولعله لذا ذهب بعض مشايخنا إلى جريانه في معلوم التاريخ ، فيستصحب عدمه في زمان الآخر ، وإن لم يمكن استصحاب عدمه في عمود الزمان ، لفرض العلم بتاريخه. فراجع كلامهم وتأمل جيدا.

٣٢٦

المبحث الثاني

في الحالتين المتضادتين

كالطهارة والحدث ، والطهارة والنجاسة.

وليس الغرض هنا إحراز عدم أحدهما حين حدوث الآخر ، للقطع به بعد فرض التضاد ، بل تشخيص الوظيفة الفعلية ، للعلم باستمرار كل منهما لو لا الرافع المستلزم للعلم ببقاء المتأخر منهما ولزوم العمل عليه ، والجهل بالمتأخر منهما هو الذي أوجب الجهل بالباقي.

وله صورتان ..

الأولى : أن يجهل تاريخ كل منهما ، كما لو علم بإصابة البول للأرض ، إما في يوم الخميس أو الجمعة ، وبإصابة المطر لها في أحد اليومين أيضا قبل إصابة البول أو بعدها.

والمعروف ـ كما قيل ـ جريان الاستصحاب في كل منهما ذاتا ، وسقوطه بالمعارضة ، لاستلزامه التعبد ظاهرا بالضدين الراجع إلى التعبد بالنقيضين ، وهو ممتنع ، كجعلهما واقعا.

لكن ذهب غير واحد إلى عدم جريان الاستصحاب ذاتا ، والمذكور في كلامهم وجوه ..

الأول : ما سبق من بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من أن الاستصحاب إنما يجري بلحاظ الشك في امتداد المستصحب ، لا بلحاظ جهات أخر ، والشك في المقام ليس من هذه الجهة ، لأن المستصحب إن كان حادثا في الزمان الأول فهو

٣٢٧

مرتفع في الثاني قطعا ، وإن كان حادثا في الثاني فهو باق قطعا ، وعلى كلا التقديرين لا شك في امتداده ، وإنما الشك في تقدمه وتأخره ، والاستصحاب لا ينفع في ذلك.

وقد استشكل فيه سيدنا الأعظم قدّس سرّه في مستمسكه بقوله : «لا ريب في حصول الشك في امتداد المجهول التاريخ ، وإن كان السبب فيه الشك في التقدم والتأخر. وكون السبب ذلك لا يضر في حصول شرط الاستصحاب وقوامه».

وهذا بخلاف ما سبق ، لأن الغرض من الاستصحاب هناك ليس إحراز الامتداد فقط ، بل إحراز نحو نسبة المستصحب للحادث الآخر ، وهي لا تتقوم بالامتداد ، بل تنشأ منه ومن نحو وقوع الحادث الآخر ، ولا دخل للاستصحاب بذلك. فالمقام نظير ما تقدم منه من جريان استصحاب عدم كل من الحادثين في عمود الزمان.

الثاني : ما ذكره قدّس سرّه أيضا من أن الشك الذي هو موضوع الاستصحاب هو الشك في بقاء المستصحب وارتفاعه في الزمان المتصل بزمان اليقين بحدوثه ، بحيث يكون هناك زمان متصل بزمان اليقين بالحدوث بدور الأمر فيه بين البقاء والارتفاع ، ولا مجال لذلك في المقام ، إذ في يوم الجمعة يدور الأمر بين الحدوث والارتفاع ، وفي يوم السبت يدور الامر بين البقاء وعدم الوجود ، لعدم الارتفاع فيه ، بل في يوم الجمعة.

وفيه : أنه لا شاهد على الدعوى المذكورة ، بل يكفي الشك في البقاء ولو مع اختلاف زمانه عن زمان الارتفاع المحتمل ، كما في المقام ، لإطلاق قولهم عليهم السّلام : «لأنك كنت على يقين فشككت ..».

وأما ما استشهد به سيدنا الأعظم قدّس سرّه لمنع الدعوى المذكورة من أن لازمها عدم جريان الاستصحاب في ثاني أزمنة احتمال الارتفاع في سائر الموارد ، فلو علم بنجاسة الأرض يوم الخميس واحتمل تطهيرها يوم الجمعة ، لا مجال

٣٢٨

لاستصحابها يوم السبت ، لعدم احتمال الارتفاع فيه ، بل في ما قبله.

فيمكن الجواب عنه : بأن مراد المدعي اعتبار كون مبدأ زمان الشك المتصل بزمان اليقين مرددا بين البقاء والارتفاع ، لا أنه بتمام أجزائه مردد بينهما ، وهو حاصل في المثال المذكور ، للتردد بين البقاء والارتفاع يوم الجمعة ، بخلاف المقام ، حيث لا يمكن فيه فرض زمان محتمل للأمرين.

الثالث : أن الظاهر من دليل الاستصحاب أن لو رجعنا القهقرى من زمان الشك في وجود المستصحب لوصلنا إلى زمان تفصيلي يعلم بوجود المستصحب فيه ، وهذا المعنى غير حاصل في مجهول التاريخ بالنسبة الى الأزمنة التفصيلية ، كيوم الخميس والجمعة والسبت في المثال.

وأما بالنسبة الى الزمان الإجمالي المتصل بزمان الحدوث على إجماله فالاتصال وإن كان حاصلا ، إلا أنه إنما يقتضي صحة الاستصحاب بالإضافة إليه على إجماله ، من دون أن ينطبق على زمان تفصيلي بعينه.

وحينئذ لا يترتب إلا أثر الوجود في الزمان الإجمالي لو فرض ، دون مثل صحة الصلاة وجواز الدخول في المسجد وعدمهما في استصحاب الطهارة أو الحدث أو النجاسة ، فانها من آثار وجود أحد هذه الأمور في الزمان التفصيلي الخاص الذي تقع فيه الصلاة والدخول.

قال المقرر في نهاية الأفكار : ـ بعد أن أطال في بيان ذلك ـ «وقال الاستاذ قدّس سرّه : ان المحقق الخراساني قدّس سرّه في سالف الزمان في مجلس بحثه قرر شبهة الانفصال بمثل ما ذكرناه ، ولكنه قررها في الكفاية من جهة شبهة الفصل باليقين الناقض».

ويرد عليه ما اورد على سابقه من منافاته لإطلاق الأدلة.

مضافا إلى النقض عليه : بأن لازمه امتناع الاستصحاب في الزمان التفصيلي فيما لو تردد حدوث المستصحب بين زمانين ، واحتمل انعدامه في

٣٢٩

ثاني أزمنة حدوثه ، بحيث لو كان قد حدث في أول زماني التردد لم يبق إلى الثاني منهما ، كما لو علم بتطهير الأرض يوم الخميس أو الجمعة مع احتمال تنجسها في مساء يوم تطهيرها ، فلا مجال بناء على ذلك لاستصحاب الطهارة في زمان الشك التفصيلي ، كيوم السبت ، لعدم اتصاله بزمان شك تفصيلي ، وإنما يستصحب في زمان الشك الإجمالي ، كاليوم الثاني من وقوع النجاسة أو الثالث منه ، وقد فرض عدم انطباقه على الزمان التفصيلي.

وقد حاول قدّس سرّه دفع النقض المذكور بوجهين ..

أولهما : أن بناءهم على جريان الاستصحاب في مثله ليس باعتبار الأزمنة التفصيلية ، بل باعتبار الأزمنة الإجمالية ، ففي الزمان التفصيلي الثاني الذي يحتمل حدوثه فيه يعلم بحصول الأمر المستصحب إما وجدانا أو تعبدا ، ويستصحب منه الى بقية الأزمنة التفصيلية ، ففي المثال المذكور يعلم بالطهارة يوم الجمعة إما وجدانا أو تعبدا ، فيستصحب إلى يوم السبت وما بعده.

وفيه : ـ مع أنه مبني على نحو من التكلف في تطبيق دليل الاستصحاب ـ أن مبنى كلامه قدّس سرّه على عدم انطباق الأزمنة الإجمالية على التفصيلية ، فلا مجال لفرض العلم في الزمان التفصيلي الثاني بحصول الأمر المستصحب إما وجدانا أو تعبدا.

وإلا أمكن في المقام دعوى : أنه يكفي الاستصحاب بلحاظ اليوم الثاني والثالث لحدوث المستصحب على إجماله ، فيعلم حينئذ بوجوده تعبدا في يوم السبت ـ في المثال السابق ـ لأنه إما ثالث زمان الحدوث أو ثانيه.

والعلم بارتفاع المستصحب على تقدير كونه الثالث واقعا لا ينافي الشك في بقائه في الثالث على إجماله ، ولذا لا إشكال ظاهرا في جواز استصحابه في الثالث على إجماله لو فرض ترتب الأثر على ذلك.

ومنه يظهر حال ما ذكره سيدنا الأعظم قدّس سرّه في دفع النقض المذكور على

٣٣٠

نظير الوجه المذكور من أن الزمان الثالث ـ كيوم السبت ـ يعلم بصحة الاستصحاب إليه ، إما لانطباق ثالث زمان الحدوث الإجمالي عليه ، أو لانطباق ثاني زمان الحدوث عليه.

ثانيهما : أنه يمكن دعوى جريان الاستصحاب التقديري في مفروض النقض بالإضافة إلى الزمان التفصيلي الأول الذي يحتمل حدوثه فيه ، فيقال في المثال المذكور : إن كانت الطهارة حاصلة يوم الخميس فهي باقية ليوم الجمعة بالاستصحاب ، فيعلم بالطهارة يوم الجمعة إما وجدانا أو تعبدا ، ويستصحب منه إلى ما بعده من الأزمنة التفصيلية.

ولا مجال لذلك في المقام ، إذ على تقدير وقوع المتيقن في الزمان الأول يعلم بارتفاعه في الزمان الثاني.

وفيه : ـ مع أنه كالسابق في ابتنائه على نحو من التكلّف ـ يبتني على أن موضوع الاستصحاب ثبوت المستصحب واقعا ، لأنه أمر قابل للجهل ، فيناط الاستصحاب بوجوده ، إذ لو كان موضوعه اليقين به ـ كما تقدم تقريبه ـ امتنع الاستصحاب التقديري ، لعدم اليقين بالمستصحب.

ودعوى : حصول اليقين المنوط ـ كما يظهر من كلامه ..

غريبة ، لوضوح أن اليقين المأخوذ في الاستصحاب هو اليقين الخارجي الحقيقي ، وهو لا يقبل وجودا منوطا غير فعلي ، ولا مجال لقياسه بالأحكام الشرعية التي قيل : إن لها وجودا منوطا ، لأنها أمور جعلية خاضعة لسلطان الجاعل ، بخلاف الامور الخارجية التابعة لأسبابها الفعلية.

الرابع : ما ذكره بعض محشي الكفاية (١) من أن ظاهر أخبار الاستصحاب تعلق الشك بالمتيقن على كل تقدير ، وكل من الحالتين ليس كذلك ، للقطع بارتفاعه على تقدير وقوعه أولا ، وببقائه على تقدير وقوعه متأخرا.

__________________

(١) المرحوم المشكيني.

٣٣١

وفيه : ـ مع أن مقتضاه عدم تعلق الشك أصلا ، وجريانه فيما لو علم بتاريخ إحداهما ـ أن ذلك إنما يجري في العناوين التي تتحمل وجودا واقعيا تابعا لوجود الشرط واقعا ، كالاحتراق التابع لوجود النار ، دون مثل اليقين والشك من الامور الوجدانية المنوطة بالوجود العلمي للشرط ، لا الواقعي ، فاليقين بالارتفاع أو البقاء في المقام ليس منوطا بالسبق أو اللحوق الواقعي ، بل بالعلم بأحد الأمرين بعينه ، فمع فرض التردد بينهما لا يقين بشيء منهما ، بل ليس إلا الشك الذي هو موضوع الاستصحاب ، وإلا لم يبق للاستصحاب مورد ، لأنه على تقدير تحقق منشأ الشك يقطع بالارتفاع ، وعلى تقدير عدمه يقطع بالبقاء ، ولا يتحقق الشك على كل تقدير بالمعنى المذكور.

الخامس : ما حكاه المحشي المذكور عن المحقق الخراساني قدّس سرّه قال : «وهو أن الاستصحاب إنما هو في ما يمكن الابقاء ، وفي المقام ليس كذلك ، لكون إحدى الحالتين رافعة للاخرى. لا يقال : انه كذلك في كل ما علم إجمالا بارتفاع أحد المستصحبين. فانه يقال : انه فرق بينه وبين المقام ، حيث أن الرفع لأحد الأمرين بواسطة أمر خارج ، وفي المقام بواسطة أحدهما».

وفيه ـ مع جريانه فيما لو علم بتاريخ إحداهما ـ أن الفرق المذكور ليس فارقا في ما نحن فيه ، حيث يكون المعيار على الشك في البقاء.

مضافا إلى أن الرافع في المقام لاحدى الحالتين المستصحبتين ليس هو الحالة الاخرى ، بل سببها ، وهو أمر خارج.

السادس : ما ذكره المحقق الخراساني قدّس سرّه في الكفاية من عدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، وقد تقدم منه أيضا في المقام السابق ، وإن اختلف عنه بأن منشأ عدم إحراز الاتصال هناك هو تردد زمان الشك مع تعيين زمان اليقين ومنشؤه هنا هو تردد زمان اليقين مع تعيين زمان الشك ، ففي المثال السابق لا تردد في زمان الشك في الطهارة ، فانه يوم السبت لا غير ، أما زمان

٣٣٢

اليقين بها فهو مردد بين يومي الخميس والجمعة ، فان كان هو الأول كان منفصلا عن زمان الشك بالثاني الذي هو في الواقع زمان النجاسة وارتفاع الطهارة ، وكذا الحال في النجاسة. فيوم السبت مردد بين أن يكون بنفسه متصلا بزمان اليقين وأن يكون متصلا بزمان شك متصل بزمان اليقين ، وعلى الثاني لا يراد بالاستصحاب جر المستصحب وسحبه في كلا الزمانين ، للقطع بعدم بقائه كذلك ، وأن زمان المتيقن لو كان يوم الخميس فهو منتقض غير باق منه ليوم السبت ، بل المراد البناء على وجود المتيقن في زمان الشك تبعا لوجوده في زمان اليقين على ما هو عليه من إجمال ولو كان منفصلا عنه ، وقد تقدم عدم نهوض الاستصحاب بذلك.

ولعل هذا أمتن الوجوه ، ولا يظهر لي عاجلا ما يوجب وهنه ويلزم برفع اليد عنه ، وليس الأمر هنا بمهم ، لوضوح عدم الأثر العملي بعد عدم جريان الاستصحاب على كل حال إما لقصوره ذاتا أو للمعارضة ، وإنما يظهر مع العلم بتاريخ أحد الحادثين ، كما لا يخفى.

بقي الكلام في قولين آخرين للأصحاب في مسألة العلم بالحدث والطهارة ..

الأول : ما في المعتبر وجامع المقاصد وعن حاشية الشرائع من أنه مع العلم بالحالة السابقة عليهما يبني على ضدها.

قال في الثاني : «لانه إن كان محدثا فقد تيقن رفع ذلك الحدث بالطهارة المتيقنة مع الحدث الآخر ، لانها إن كانت بعد الحدثين أو بينهما فقد ارتفع الأول بها ، وانتقاضها بالحدث الآخر غير معلوم ، للشك في تأخره عنها ، ففي الحقيقة هو متيقن بالطهارة شاك في الحدث ...» ثم ذكر وجه الحكم في صورة تيقن الطهارة سابقا.

وكأنه راجع إلى دعوى : عدم جريان استصحاب نفس الحالة السابقة ،

٣٣٣

للعلم بانتقاضها ، ولا استصحاب مثلها ، للشك في ثبوته ، لاحتمال تعاقب المتجانسين.

وفيه : أنه لا دخل لخصوصية الاتحاد مع الحالة السابقة والمماثلة لها في موضوع الأثر ، بل موضوعه نفس الحالة ـ من الطهارة أو الحدث أو غيرهما ـ من حيث هي ، فلا مانع من استصحابها من حين حدوث السبب ، فيعارض استصحاب الضد.

ودعوى : أنه ليس من استصحاب الفرد ، لعدم الأثر له بل للكلي ، ولا مجال لجريان استصحاب الكلي ، لتردد حال الفرد حين وجود السبب بين أن يكون بقاء للحالة السابقة ، وأن يكون مماثلا لها ، فلا يجري استصحابه ، للعلم بارتفاع الفرد الأول المتيقن ، والشك في حدوث آخر منفصل عنه بالضد ، فهو أشد من القسم الثالث الذي يفرض فيه عدم انفصال الفرد المحتمل الحدوث عن الفرد المتيقن المعلوم الزوال.

مدفوعة : بأنه كذلك لو اريد الاستصحاب من زمان اليقين بالحالة السابقة قبل طروء الحالين ، وليس كذلك ، بل المدعى الاستصحاب من حين حدوثه السبب المتيقن لكل منهما ، ومن المعلوم عدم العلم بارتفاع ذلك الفرد الموجود حينه ، ولا ضير في تردده بالوجه المذكور بعد الشك في بقائه بنفسه.

نعم ، هو مردد حينئذ بين معلوم الارتفاع ومعلوم البقاء ، فهو ملحق بالقسم الثاني من استصحاب الكلي ، الذي لا إشكال في جريانه.

وبالجملة : لا فرق بين الحادثين بالإضافة إلى زمان اليقين بهما إجمالا في تحقق ركني الاستصحاب وشروطه.

الثاني : ما ذكره العلامة قدّس سرّه في القواعد وعن غيرها من كتبه من أنه مع العلم بالحالة السابقة عليهما يستصحبها.

وهو بظاهره ظاهر الضعف ، إذ لا معنى لاستصحابها مع العلم بانتقاضها

٣٣٤

وإنما يحتمل بقاء مثلها.

وحمله على ما إذا علم بكون كل من الحدث والطهارة المعلومي الحدوث ناقضا لما قبله ـ كما يظهر من محكي المختلف ـ مخرج له عن محل الكلام ، للقطع حينئذ بثبوت مثل الحالة السابقة ، فلا استصحاب ، كما حكي عنه قدّس سرّه في بعض تصريحاته وكذا حمله على ما إذا احتمل طروء الناقض للحالة الأخيرة منهما ـ كما قد يظهر من المختلف ـ لخروجه عن فرض اليقين بكل من الحدث والطهارة ـ الذي هو محلّ الكلام ـ إلى احتمال انتقاض الحالة الأخيرة المعلومة منهما ، ولا إشكال معه في الاستصحاب.

وبالجملة : لا مجال للبناء على ذلك في محل الكلام من العلم بطروء الحالتين المتضادتين المتعاقبتين مع الجهل بالمتقدمة منهما والاخرى الباقية.

الصورة الثانية : ما إذا علم تاريخ إحداهما دون الاخرى.

ويعلم حكمها مما تقدم ، حيث لا ينبغي الإشكال في جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ ، لعدم جريان ما تقدم فيه.

وأما مجهول التاريخ ، فان كان الجهل بالتاريخ في الصورة السابقة مانعا من جريان الاستصحاب ذاتا امتنع جريان الاستصحاب فيه هنا ، فلا معارض للاستصحاب في معلوم التاريخ ، وإلا تعين جريانه فيه ذاتا ومعارضته لاستصحاب معلوم التاريخ ، كما جرى عليه بعض مشايخنا.

وهو بعيد عن الأذواق العرفية ، وإن كان أقرب للتدقيق بناء على جريان الاستصحاب ذاتا في مجهولي التاريخ وسقوطه بالمعارضة ، وهو مؤيد لبطلان المبنى المذكور. فلاحظ.

٣٣٥
٣٣٦

الفصل التاسع

في استصحاب حكم المخصص

إذا ورد عام وورد مخصص له في بعض الأفراد بالإضافة إلى بعض الأزمنة ، فبعد انتهاء أمد التخصيص لو شك في حكم الفرد هل يرجع لعموم العام ، أو لاستصحاب حكم المخصص؟.

مثلا : بعد تخصيص عموم نفوذ العقود بدليل خيار الغبن ، وخيار الزوجة في فسخ النكاح بجنون الزوج ونحوهما ، لو شك في أن الخيار على الفور أو التراخي ، لاجمال دليله ، فهل المرجع في الزمان الثاني هو عموم نفوذ العقود المقتضي لسقوط الخيار ، والمستلزم لكونه فوريا ، أو استصحاب الخيار الموافق عملا للتراخي؟.

ومن الظاهر أن الكلام ليس في رفع اليد عن العموم بالاستصحاب كبرويا ، لما تقدم في المقام السابق من تقديم الدليل ـ ومنه العموم ـ على الاستصحاب ، بل في حجية العموم بعد انتهاء أمد التخصيص ، لترفع به اليد عن الاستصحاب ، فهو نزاع صغروي ، كما هو حال النزاع المحرر في كل الفصول المتقدمة.

وينبغي التمهيد لمحل الكلام بأمرين

الأول : أن محل الكلام ما إذا كان العام متكفلا باثبات الحكم في جميع الأزمنة ، دون ما لو لم يتعرض إلا للحدوث ، وكان الحكم بالبقاء لأمر خارج عنه ، كاستعداد الحكم للبقاء لذاته ، أو الاستصحاب ، فانه خارج عن محل الكلام ،

٣٣٧

لعدم كون انتفاء الحكم في الزمان اللاحق عن تمام الافراد ، فضلا عن بعضها منافيا للعام بوجه ، كما هو الحال في عموم ما دل على تنجس الجسم بملاقاة النجاسة وما دل على تحقق الزوجية بالعقد على المرأة ، فان بقاء النجاسة والزوجية بعد الملاقاة والعقد وعدم ارتفاعهما برافع ليس مقتضى العمومين المذكورين ، ولذا لا يكون ما دل على ارتفاع النجاسة بالغسل والزوجية بالطلاق منافيا لهما بوجه ، كي يكون مخصصا.

فلو فرض إجمال الدليل المتكفل لارتفاع حكم العام عن بعض الأفراد ، بحيث شك في أمد ارتفاعه ، فلا مجال للرجوع لعموم العام ، بل لا بد فيه من مرجع آخر من دليل أو أصل.

نعم ، لو تضمن الدليل عدم ثبوت حكم العام في بعض الأفراد من أول الأمر كان منافيا له في الدلالة على الحدوث ، فيكون مخصصا له ، مثل ما دل على عدم تنجس الكرّ بالملاقاة ، وعدم صحة العقد على ابنة أخ الزوجة أو ابنة اختها مع عدم إذنها ، بالإضافة إلى العمومين المذكورين.

فلو فرض إجمال المخصص المذكور والشك في أمد الحكم الذي تضمنه ـ كما لو احتمل صحة العقد برضا العمة والخالة بعده ـ لم يصلح العموم لبيان الحكم في زمان الشك ، لفرض قصوره عن بيان حال الحكم في الزمان الثاني.

إلا أن يجمع عرفا بين دليلي العام والخاص بحمل العام على أن عنوانه من سنخ المقدمة الاعدادية لحكمه في مورد الخاص ، وأن تمام علته بارتفاع عنوان الخاص ، وهو محتاج لعناية خاصة خارجة عن محل الكلام موكولة لنظر الفقيه ، لعدم الضابط لها.

الثاني : أن الكلام في المقام إنما هو بعد الفراغ عن جريان الاستصحاب في حكم الخاص ذاتا ، لبقاء الموضوع.

٣٣٨

وقد تقدم عند الكلام في موضوع الاستصحاب وفي استصحاب الزمانيات التعرض لضابط ذلك ، وأنه لا بد من إحراز عدم دخل الخصوصية الزمانية في متعلقه ، بأن لا يكون موضوعه مقيدا بالزمان الأول بل هو الذات المحفوظة في كلا الزمانين ، إما لكون المتعلق جزئيا غير قابل للتقييد بالزمان فلا يتكثر بتعدده ، أو لكونه كليا يعلم بعدم أخذ الزمان قيدا فيه ، بل أخذه ظرفا لا يضر تعدده بوحدته.

وقد يظهر من شيخنا الأعظم قدّس سرّه أن ذلك مستلزم لكون الزمان ظرفا لحكم العام أيضا ، فلا يكون للعام أفراد طولية متعددة بعدد الخصوصيات الزمانية ، بل ليس له إلا أفراد عرضية مستمرة الحكم في عمود الزمان.

كما أن كون الزمان قيدا في موضوع حكم الخاص بنحو يمتنع معه استصحابه ، مستلزم لكون عموم العام بالإضافة إلى الخصوصيات الزمانية إفراديا ، بحيث يكون كل جزء من أجزاء الزمان مقوما لموضوع مستقل ذي حكم مستقل ، فكما يكون للعام أفراد عرضية يكون له أفراد طولية.

لكن الظاهر عدم تمامية الملازمة من الطرفين ، لوضوح أن لكل من العام والخاص دليلا يخصه ، وظهور أحدهما في أحد الوجهين ـ من كون الخصوصيات الزمانية قيدا في متعلق الحكم ومقومة له ، فيتعدد بتعددها ، أو ظرفا له لا تنافي وحدته ـ لا يستلزم ظهور الثاني في ذلك.

نعم ، لو كان المتعلق جزئيا غير قابل للتقييد تعين كون الزمان ظرفا له في كل من العام والخاص. لكنه قد يكون كليا قابلا للأمرين ، فالمتبع فيه ظهور الدليلين اللذين عرفت إمكان اختلافهما في ذلك.

وتوهم ابتناء ما ذكره قدّس سرّه من الملازمة على مبناه من الاعتماد على التسامح العرفي ، حيث لا يفرق فيه بين حكمي العام والخاص.

مدفوع : بأن المبنى المذكور ـ لو تم ـ مختص بموضوع الاستصحاب

٣٣٩

الذي هو مورد الخاص ، ولا يجري في العموم ، بل المتبع فيه ظهور دليله في أحد الأمرين ، كما يظهر منه قدّس سرّه في المقام فراجع.

ومن ثمّ فرض المحقق الخراساني قدّس سرّه الصور في المقام أربعا ناشئة من تردد كل من العام والخاص بين الوجهين.

إذا عرفت هذا ، فاعلم أن للعام المتكفل بحال الزمان اللاحق صورا ..

الأولى : أن يكون الاستمرار مأخوذا في متعلق الحكم ، لأخذ مجموع الزمان قيدا فيه مع وحدة الحكم في كل فرد بلحاظ تمام أجزاء الزمان كوجوب الصوم في تمام النهار بنحو الارتباطية والمجموعية ، مع وحدة التكليف والمكلف به في اليوم الواحد.

الثانية : أن يكون مبنى الحكم على الاستمرار مع وحدة متعلقه ، فلكل فرد حكم واحد مستمر ، كوجوب الوفاء بالعقود الذي هو كناية عن نفوذها ، لوضوح أن نفوذ كل عقد مستمر له بتعاقب أجزاء الزمان وليس له في كل ان نفوذ مباين لنفوذه في الآن الآخر.

الثالثة : أن يكون لكل فرد في كل جزء من أجزاء الزمان حكم خاص مع عدم أخذ الخصوصيات الزمانية في متعلق تلك الأحكام ، بل في نفس الأحكام ، كما لو قيل : يجب في كل يوم إكرام كل عالم ، حيث لم تؤخذ الأيام قيدا للاكرام الذي هو موضوع الوجوب ومتعلقه ، بل ظرفا للحكم عليه بالوجوب مع كون المتعلق هو ماهية الإكرام المطلقة ، كما أن تعدد الأيام يوجب تعدد الأحكام ، ولكل حكم طاعته ومعصيته فهو مبني على تكرر حكم الفرد لا استمرار حكمه. وبهذا اختلفت هذه الصورة عن الصورة السابقة.

والمعيار في الفرق المذكور هو تخلل العدم بين الأحكام المتعاقبة في هذه الصورة ، دون الصورة السابقة.

الرابعة : أن تكون الخصوصيات الزمانية المختلفة مقومة لمتعلق الحكم

٣٤٠