🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
🚘 نسخة غير مصححة

العقلاء من حجية بعض الأمارات وناقضيتها لليقين. ولا سيما مع ورود ذلك في النوم الذي لا يتيسر غالبا قيام الأمارة المعتبرة عليه.

إن قلت : لازم ذلك عدم البناء على المتيقن السابق في ظرف وجود غير الشك مما هو خارج عن حالات المكلف النفسية وغير معتبر في نفسه ـ كالقياس ـ لعدم الدليل على عدم نقض اليقين به ـ بعد فرض كون الحصر إضافيا ـ لا بمعنى البناء على مؤداه ، بل بمعنى التوقف وعدم البناء على مقتضى المتيقن السابق والرجوع إلى أصل آخر غير الاستصحاب.

قلت : لما كان المستفاد من عدم نقض اليقين بالشك اقتضاء اليقين السابق للبناء على البقاء واحتياجه للناقض ، فما لم تثبت ناقضيته ـ لعدم ثبوت حجيته ـ لا طريق لرفع اليد به عن المقتضي المذكور ارتكازا ، ولو لا ذلك لم يترتب الأثر على عدم نقض اليقين بالشك ، إذ لا بد من مقارنة الشك لغيره مما لا يكون حجة بنفسه ويمكن عقلا ناقضيته لليقين ، بمعنى التوقف وعدم البناء على بقاء المتيقن معه.

لكن الانصاف : أن الارتكاز المذكور راجع إلى ما ذكرناه أولا من ارتكاز أن ذكر اليقين في الذيل ليس لخصوصيته ، بل بما هو طريق يقوم مقامه سائر الطرق مع كون الحصر حقيقيا ومقتضاه إلحاق كل ما ليس طريقا معتبرا بالشك في عدم نقض اليقين السابق به.

ومن هنا يتضح أن مقتضى الذيل المذكور ناقضية الأمارة المعتبرة لليقين السابق ويبقى معها الشك الذي لا يصلح لنقض اليقين ، فيكون مؤكدا لما ذكرناه من عدم منافاة دليل الاستصحاب لدليل حجية الأمارة.

إن قلت : النقض في المقام وإن لم يكن بالشك ، بل بالأمارة ، إلا أنه بعد فرض تحقق موضوع الاستصحاب ببقاء الشك يلزم التعبد ببقاء المتيقن السابق ، فينافي مفاد الأمارة ويتعارضان ، ولا وجه لتقديم الأمارة.

١٦١

قلت : التعبد بالمتيقن في الاستصحاب فرع عدم نقض اليقين ، لعدم صلوح الشك له ، فمع فرض انتفاض اليقين بالأمارة ـ بمقتضى إطلاق دليلها ـ لا مجال للتعبد بالمتيقن ، فالاستصحاب مع الأمارة ، كاللامقتضي مع المقتضي ، حيث لا شك في تأثير المقتضي مع اجتماعهما.

ولذا لا إشكال في أنه لو ثبت عدم نقض خبر زيد بخبر عمرو ونقضه بخبر بكر ، لزم العمل بخبر بكر ونقض خبر زيد به ، وإن اجتمع مع خبر عمرو. فالاستصحاب مع الأمارة كحكم العنوان الأولي مع حكم العنوان الثانوي ، الذي يكون عليه العمل به عند اجتماعهما.

إن قلت : هذا إنما يقتضي تقديم الأمارة على الاستصحاب مع اختلافهما ، أما مع اتفاقهما فهو لا يقتضي تقديمها ، بل جريانهما معا ، لاجتماع موضوعيهما ، مع أن المرتكز تقدم الأمارة رتبة ، كيف! ولازم جريانهما معا سقوطه مع الأمارة الموافقة له لو فرض تعارض الأمارتين ، مع ظهور اتفاقهم ـ تبعا للمرتكزات ـ على كونه مرجعا بعد تعارض الأمارتين.

قلت : مرجع المرتكزات العقلائية في المقام على تقدم الأمارة على الاستصحاب رتبة ليس إلى ارتفاع موضوعه معها ، بل إلى كونها الأولى بأن يعول عليها عند اجتماعهما بملاك أن الاعتماد في البناء على بقاء الشيء على المقتضي إثباتا لبقائه المستقل بالتأثير أولى من الاعتماد فيه على عدم المقتضي ثبوتا لارتفاعه بلحاظ أن من شأنه البقاء ، لأن مبنى الاستصحاب على البناء على بقاء الشيء لعدم الدليل على ارتفاعه ، ومبنى الأمارة الموافقة له على البناء على البقاء لكونها دليلا عليه.

واختلافهما في ذلك هو الموجب لكونه مرجعا بعد تساقط الأمارتين المتعارضتين ، لوضوح أن التزاحم إنما هو بين الجهتين الاقتضائيتين ، ولا دخل للجهة غير الاقتضائية فيه ، بل تكون هي المرجع بعد سقوط الجهتين

١٦٢

الاقتضائيتين ، ولا دخل للجهة غير الاقتضائية فيه ، بل تكون هي المرجع بعد سقوط الجهتين الاقتضاءتين معا.

وإن شئت قلت : لا يكفي في فعلية التعبد ببقاء المتيقن عدم نقض اليقين بالشك المفروض حصوله في المقام ، ليكون الاستصحاب في عرض الأمارتين المتعارضتين اللتين كان مقتضى كل منهما التعبد بمؤداها ، كى يسقط معهما بالمعارضة ، بل تتوقف فعلية التعبد بالمتيقن مع ذلك على عدم انتقاض اليقين بأمر آخر غير الشك ، كما سبق ، وهو موقوف على سقوط الأمارة المخالفة بالمعارضة للأمارة الموافقة له.

فهو وإن لم يكن متأخرا رتبة عن الأمارة الموافقة له ، لعدم ارتفاع موضوعه بسببها ، فلا تكون واردة عليه ، إلا أن فعلية التعبد بالمتيقن بمقتضى الاستصحاب في ظرف تعارض الأمارتين موقوفة على سقوطهما معا بالمعارضة ، فلا يكون في عرضهما ليسقط معهما.

وبالتأمل في جميع ما ذكرنا يظهر أن لنا في المقام أمرين ..

الأول : عدم نقض اليقين بالشك ، وهو مفاد الكبرى المصرح بها في النصوص.

الثاني : التعبد بالمتيقن السابق ، وهو مترتب على الأول ، ولأجله سيقت الكبرى المتقدمة ، والاستصحاب عبارة عنه لا عن الأول ، لما تقدم من أنه الحكم بالبقاء.

وموضوع الأول محض اليقين والشك ، وهو لا يرتفع بالأمارة المخالفة له ولا الموافقة ، فلا تكونان واردتين عليه ، بل يكون في رتبتهما.

أما الثاني فلا بد فيه ـ مع عدم نقض اليقين بالشك ـ من عدم انتقاض اليقين السابق بأمر آخر غير الشك ، لما تقدم من أنه مع اجتماع المقتضي واللامقتضي يكون التأثير للمقتضي ، فالأمر المذكور مأخوذ في موضوع

١٦٣

الاستصحاب لبا ، وإن لم يصرح به لفظا.

ومن الظاهر أن ذلك يرتفع حقيقة بقيام الأمارة المخالفة ، فهي من سنخ المانع منه الرافع لموضوعه المتقدم عليه رتبة ، فيصح دعوى ورودها عليه بلحاظ ذلك ، لا بلحاظ رفعها للشك ، كما هو مدعى القائلين بالورود.

أما الأمارة الموافقة فلا مجال لدعوى ورودها على الاستصحاب ، لتمامية موضوعه معها.

كما لا وجه لتقدمها عليه رتبة ، إلا بلحاظ ما أشرنا إليه من ارتكاز أولوية الاستناد في البقاء إلى وجود ما يقتضيه من الاستناد إلى عدم المقتضي لارتفاعه.

وبذلك يتجه كون الاستصحاب مرجعا بعد تساقط الأمارتين ، لعدم فعليته إلا في رتبة متأخرة عن سقوط الأمارة المخالفة بالمعارضة ، وإن لم يكن متأخرا رتبة عن الأمارة الموافقة. فتأمل جيدا.

ثم إن هذا الوجه قد أشار إليه المحقق الخراساني قدّس سرّه في حاشيته على الرسائل ، لكنه ساقه لبيان ورود الأمارة على الاستصحاب مجيبا عن إشكال منافاة حجية الأمارة لما تضمنه الذيل من حصر الناقض باليقين بأن نقض اليقين بالأمارة نقض له باليقين ، بلحاظ العناوين الثانوية الناشئة من قيام الأمارة الموجبة لليقين بالحكم لفعلي الظاهري على خلاف الحالة السابقة.

ويظهر الإشكال فيه مما تقدم.

وكان الأولى له الجواب عن ذلك : بأنه وإن لم يكن نقضا له باليقين ، إلا أنه ملحق به بلحاظ ما ذكرناه من أخذ اليقين بما هو طريق لا بما هو صفة. فلاحظ.

هذا ، وربّما يوجه الورود بوجه آخر يبتني على كون عموم الاستصحاب ارتكازيا ، تأتي الإشارة إليه في الوجه الأول من وجهي الجمع العرفي. ولا بأس به في نفسه. وإن كان الوجه الذي ذكرناه مغنيا عنه. فلاحظ.

المبنى الثاني : أن دليل حجية الأمارة موجب لحكومتها على

١٦٤

الاستصحاب. وهو مبني على غض النظر عن دعوى الورود المتقدمة.

وقد ذهب إلى ذلك شيخنا الأعظم قدّس سرّه بدعوى : أن دليل حجية الأمارة في ظرف الشك يقتضي رفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف ، ومنها الاستصحاب. قال : ـ بعد بيان ضابط الحكومة ـ «ففيما نحن فيه إذا قال الشارع : اعمل بالبينة في نجاسة ثوبك ، والمفروض أن الشك موجود مع قيام البينة على نجاسة الثوب ، فإن الشارع حكم في دليل وجوب العمل بالبينة برفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف للبينة التي منها استصحاب الطهارة».

لكن لا يخفى أن مجرد حكم الشارع بوجوب العمل بالبينة لا يقتضي رفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف ـ ومنها الاستصحاب ـ إلا بلحاظ منافاة العمل بالبينة لتلك الآثار ، فلو فرض عدم التنافي لم ينهض برفعها.

وهذا وحده لا يكفي في الحكومة قطعا ، لجريانه في جميع موارد تعارض الأدلة ، لوضوح أن دليل حجية كل دليل لما كان مقتضيا للعمل به كان منافيا للعمل بالدليل المعارض له ، فيستلزم رفع اليد عن وجوب العمل به الذي هو من آثار قيامه ، فإذا حكم الشارع بمقتضى عدم نقض اليقين بالشك بوجوب البناء على طهارة الثوب ، فحيث كان ذلك منافيا لوجوب البناء على نجاسته ، الذي هو من آثار قيام البينة لزم منه رفع اليد عن الوجوب المذكور.

نعم ، إذا كان مفاد دليل البينة إلغاء احتمال الخلاف ادعاء ، وتنزيله منزلة العدم ، لتنزيلها منزلة العلم اتجهت دعوى الحكومة في المقام ، لأن ارتفاع موضوع أحد الدليلين أو تحققه تنزيلا بسبب الآخر موجب عندهم لحكومة الثاني على الأول ، كما يقتضي تقدمه عليه في الجملة ـ على ما يأتي الكلام فيه في محله من مباحث التعارض إن شاء الله تعالى ـ كما هو الحال في مثل : لا شك لكثير الشك ، والمطلقة رجعيا زوجة وعلى هذا جرى بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه في المقام.

١٦٥

وربما كان هو مراد شيخنا الأعظم قدّس سرّه في المقام ، كما قد يومئ إليه تفسيره للحكومة بما يلائم ما ذكرناه في ضابطها. بل هو صريح ما في بعض النسخ الآخر ، لقوله فيها : ـ بعد تفسير الحكومة بما ذكرناه صريحا ـ «فإن الشارع جعل الاحتمال المخالف للبينة كالعدم».

لكن عدوله عن النسخة المذكورة ـ كما هو الظاهر ـ وإجمال كلامه في مبحث التعارض أو ظهوره في ما نقلناه عنه أولا موجب للريب في إرادته لذلك.

وكيف كان ، فالتوجيه المذكور يبتني على ما تقدم التعرض له غير مرة من الكلام في استفادة التنزيل المذكور من أدلة اعتبار الأمارات ، وأنه لا أصل له. وقد تقدم تفصيله في مبحث القطع الموضوعي.

هذا ، وقد استشكل المحقق الخراساني قدّس سرّه في تقريب الحكومة في المقام بما يرجع إلى الكلام في ضابط الحكومة. ولا مجال لإطالة الكلام فيه هنا ، بل يوكل لمبحث التعارض.

أما بعض الأعاظم قدّس سرّه فقد قرب حكومة الأمارة على الاستصحاب وغيره من الأصول بناء على مسلكه في أدلة الحجية من أن مفادها إلغاء احتمال الخلاف تشريعا ، للحكم فيها بإحراز الواقع بسبب الأمارة ، بأنه حيث كان الشك مأخوذا في موضوع الأصول كانت الأمارة رافعة لموضوعها تشريعا ، وإن كان باقيا حقيقة ، وذلك هو المعيار في الحكومة.

وهو مبني على مسلكه في مفاد أدلة الأمارات ، وفي تفسير الحكومة ، وقد تقدم الكلام في الأول في مبحث القطع الموضوعي ، ويأتي الكلام في الثاني في مبحث التعارض إن شاء الله تعالى.

المبنى الثالث : أن مقتضى الجمع العرفي بين عموم الاستصحاب وعمومات حجية الأمارات هو تقديم الأمارة لو غض النظر عما سبق من دعوى الورود أو الحكومة.

١٦٦

وذلك لأنه وإن كان بين عموم حجية كل أمارة وعموم الاستصحاب عموم من وجه بدوا ، إلا أن عموم الحجية مقدم لوجهين ..

الأول : أن كبرى الاستصحاب في الأدلة لما كانت ارتكازية ، كما تقدم غير مرة ، وكان المرتكز عرفا عدم الرجوع للقضية المذكورة مع الدليل ، فالارتكاز المذكور إن كان من الوضوح بحيث يكون من القرائن المحيطة بالكلام كان مانعا من انعقاد ظهور كبرى الاستصحاب في ما يعم قيام الأمارة المعتبرة وكان مرجع ذلك إلى الورود ، فيجري فيه ما سبق. وإلا كان قرينة عرفية على تقديم عمومها على عمومه وترجيحه في مورد التنافي.

الثاني : أن تقديم أدلة الحجج على الاستصحاب لا يوجب كثرة التخصيص المستهجن أو الموجب للغوية عموم الاستصحاب عرفا ، لكثرة موارد فقد الأمارة المعتبرة ، بخلاف العكس ، وهو تقديم دليل الاستصحاب على أدلة الحجج ، فإنه موجب لكثرة تخصيصها ، إذ لا يبقى تحتها إلا مورد اتفاق الاستصحاب معها ، ومورد عدم جريان الاستصحاب لمعارضة أو جهل بالحالة السابقة أو نحوهما ، والأول لا يصحح عرفا جعل الأمارة ، للاستغناء فيه بالاستصحاب عنها ، والثاني نادر يبعد عرفا كونه غرضا مصححا لعمومها.

وأما التفكيك بين الموارد ، فتقدم الأمارة على الاستصحاب في بعض وتؤخر عنه في بعض ، فلا مجال له ، لعدم الفرق عرفا بين الموارد من هذه الجهة ، ليتوجه الجمع به عرفا بين الدليلين ، بل لا بد إما من تقديمه عليها في الجميع أو تقديمها عليه كذلك ، والمتعين الثاني ، لما ذكرنا.

ثم إن هذين الوجهين يشتركان في كون الاستصحاب مرجعا بعد تساقط الأمارتين المتعارضتين ، لأن قصور عمومه عن شمول مورد الأمارة المخالفة موجب لعدم فعلية جريانه إلا بعد سقوطها بالمعارضة ، كما تقدم نظيره في أواخر الكلام في توجيه الورود. كما يشتركان في جريانه مع الأمارة الموافقة له ،

١٦٧

لعدم التنافي بين العمومين ، ليمتنع حجيتهما معا.

هذا ، ولا يخفى أن المبنى المذكور وإن كان متجها في نفسه إلا أنه مختص بما إذا كان لدليل حجية الأمارة عموم في نفسه.

أما إذا كان دليله لبيا ، كحجية الظواهر ونحوها مما كان حجة ببناء العقلاء أو الإجماع ، فلا معنى للجمع العرفي حينئذ.

بل ينبغي التفصيل بين ما كان من الأمارات حجة بدليل تعبدي ـ كالإجماع والأدلة اللفظية التي لا عموم فيها ـ وما كان منها حجة ببناء العقلاء الذي لا بد في حجيته من عدم الردع عنه.

أما الأول فإن قطع بشمول دليله لمورد معارضته بالاستصحاب وجب العمل به لتخصيص عموم الاستصحاب بدليله ، وإلا لزم العمل بالاستصحاب ، لا لتقديمه على الأمارة ، بل لانفراده بالحجية بعد عدم حجية الأمارة في نفسها ، لفرض قصور دليلها.

ولذا يعمل بالاستصحاب في مثل ذلك حتى بناء على ما تقدم من ورود الأمارة على الاستصحاب وارتفاع موضوعه بها.

وأما الثاني فالظاهر أن عموم الاستصحاب بعد فرض حجيته صالح للردع عنه ، على ما تقدم نظيره في مبحث خبر الواحد عند الكلام في صلوح عموم النهي عن العمل بغير العلم للردع عن سيرة العقلاء على العمل بالخبر.

إلا أن يثبت إمضاؤه في مورد الاستصحاب ، فيكون دليل الإمضاء مخصصا لعموم الاستصحاب ، نظير ما يأتي في اليد ونحوها.

وهذا بخلاف ما لو قلنا بورود الأمارة المعتبرة على الاستصحاب ، فإن الاستصحاب حينئذ لا يصلح للردع عنها ، لتأخره رتبة ، بل مقتضى أصالة عدم الردع حجيتها ورفعها لموضوعه. فلاحظ.

الأمر الثاني : في تقديم الاستصحاب على بقية الأصول الشرعية التي لم

١٦٨

يؤخذ في موضوعها إلا الشك.

والظاهر أن المباني الثلاثة التي تقدم التعرض لها في الأمر الأول تجري هنا ، كما يظهر بالنظر في كلماتهم وأدلة الاستصحاب وبقية الأصول.

فالمناسب النظر في كل منها على حدة ..

المبنى الأول : أن أدلة الاستصحاب واردة على أدلة الأصول المذكورة ، كما يظهر من المحقق الخراساني قدّس سرّه وقد يقرب بوجهين :

الأول : ما ذكره قدّس سرّه في حاشيته على الرسائل فإنه ـ بعد أن وجه ورود أدلة الأمارات على الاستصحاب بما تقدم من أن نقض اليقين في مورد الأمارة بالأمارة لا بالشك ، وأنه يرجع إلى نقض اليقين باليقين بوجه ـ قال : «ثم إن وجه تقديم الاستصحاب على سائر الأصول هو بعينه وجه تقديم الأمارات عليه ، فإن المشكوك معه يكون من وجه وبعنوان مما علم حكمه وإن شك فيه بعنوان آخر ، وموضوع الأصول هو المشكوك من جميع الجهات».

وفيه .. أولا : أن ما ذكره من أن موضوع الأصول هو المشكوك من جميع الجهات إن أراد به الشك في الحكم الواقعي مطلقا وإن كان ثانويا ـ كحرمة الغصب ـ فهو مسلم ، إلا أن الاستصحاب لا يوجب العلم بالحكم بالمعنى المذكور ، ليصلح لرفع موضوع الأصول ، بل يوجب العلم بالوظيفة العملية الظاهرية غير المنافية للشك في الحكم الواقعي.

وإن أراد به الشك الموجب للتحير ، الراجع إلى عدم العلم حتى بالوظيفة العملية ، المرتفع بالاستصحاب ، فهو غير مسلّم في الأصول الشرعية ، بل الظاهر اختصاص موضوعها بالشك في الحكم الواقعي ، وإنما يسلم في الأصول العقلية ، وما جرى مجراها من البيانات الشرعية ، كقوله تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ

١٦٩

حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(١) ، على ما تقدم في مبحث البراءة توضيحه ، وهي خارجة عن محل الكلام ، كما سبق.

ومما ذكرنا يظهر أنه لا مجال لما ذكره في موضع آخر من حاشيته (٢) من مقايسة المقام بما إذا كان الشيء مشكوك الحرمة بعنوانه الأولي ، معلوم الحرمة بالعنوان الثانوي ، كالتبغ المغصوب ، حيث لا إشكال في خروجه بسبب العلم بالحرمة الثانوية عن عموم دليل الأصول.

للفرق بأن الحرمة الثانوية تكليف واقعي والاستصحاب لا يقتضيها ، كما ذكرنا.

وثانيا : أنه لا وجه للفرق بين موضوع الاستصحاب وموضوع غيره من الأصول ، بل لو كان موضوع تلك الأصول هو المشكوك من جميع الجهات ، فليكن موضوع الاستصحاب كذلك ، بل هو مقتضى الوجه الذي ذكره لتقديم الأمارة عليه ، حيث فرضها موجبة لليقين بوجه ، وعليه يكون العلم بالوظيفة الفعلية بمقتضى الأصول المذكورة رافعا لموضوع الاستصحاب.

وأما ما قد يستفاد ممّا ذكره في الموضع الآخر من حاشيته من أن الأصول المذكورة لا تقتضي الحكم على الشيء بالحرمة أو الإباحة بعنوان خاص ، بل بلا عنوان أصلا ، وهو لا يكفي في رفع موضوع الاستصحاب.

فهو مندفع : بأن الأصول المذكورة قد اخذ في أدلتها عناوين خاصة ، كعنوان الجهل بالتكليف في الحكم بالبراءة ، أو شبهة الحرمة في الحكم بالاحتياط عند الأخباريين. مع أنه يكفي في رفع موضوع الاستصحاب اليقين بالحكم ولو كان بلا عنوان. فلاحظ.

__________________

(١) الاسراء : ١٥.

(٢) تعرض لذلك في تعقيب كلام شيخنا الأعظم قدّس سرّه في وجه تقديم الاستصحاب على الأصول.

(منه عفي عنه).

١٧٠

ولا مجال لمقايسة المقام بالأمارة ، لوضوح أنه لم يؤخذ في موضوع الأمارة الشك شرعا ، ليمكن دعوى أن المراد به الشك من جميع الجهات ، المرتفع بمقتضى الأصل.

غاية الأمر استحالة جعلها مع العلم بالحكم الواقعي ، للزوم اللغوية ، ومن الظاهر عدم كون الأصل موجبا له ، كي يتوهم مانعيته عن حجيتها.

الثاني : أن العلم المجعول غاية في بعض أدلة الأصول والرافع لموضوعها حسبما يستفاد عرفا من أدلتها لم يؤخذ بما هو صفة خاصة ، بل بنحو الطريقية بلحاظ كونه منشأ للبناء على متعلقه وإحرازه ، والاستصحاب يقوم مقامه في ذلك ، لأنه أصل إحرازي ، على ما أشرنا إليه في استصحاب مؤدى الأصل وأوضحناه في مباحث القطع الموضوعي. فراجع.

ويشكل .. أولا : بأن هذا ـ لو تم ـ لم ينفع في تقديمه على مثل أصالتي الحل والطهارة مما يتضمن التعبد بالحكم وإحرازه كالاستصحاب ، لما تقدم من أن اليقين الرافع للاستصحاب لم يؤخذ بنحو الصفتية ، بل بنحو الطريقية أيضا ، فيقوم مقامه الطرق والأصول الإحرازية ، فكما يصلح الاستصحاب لرفع موضوع مثل هذين الأصلين يصلحان هما لرفع موضوعه ، فلا بد في تقديمه من وجه آخر.

نعم ، ينفع في مثل أصل البراءة والاحتياط عند الأخباريين مما لم يتضمن إلا الرفع والسعة ، أو الضيق بالاحتياط ، في مقام العمل ، من دون يقتضي التعبد والإحراز المستتبعين للبناء العملي على التكليف أو عدمه ، فلا ينهض برفع موضوع الاستصحاب ، بل يتعين العكس لا غير.

وثانيا : بأنه يصعب إثبات كون العلم الرافع لموضوع الأصول المذكورة مأخوذا بنحو الطريقية ، لا بنحو الصفتية ، لمخالفته لمقتضى الجمود على لفظ العلم من دون قرينة واضحة على ذلك.

١٧١

ومجرد اختصاص القضية الارتكازية بذلك ـ مع أنه لا ينفع في احتياط الاخباريين الذي هو تعبدي محض لا ارتكازي ـ لا يكفي فيه بعد عدم الإشارة في أدلة هذه الأصول إلى القضية المذكورة ، وإنما استفيد ذلك في الاستصحاب لسوق كبرى عدم نقض اليقين بالشك مساق التعليل بالامر الارتكازي.

نعم ، لو ثبت تقديم الطرق والأصول الإحرازية على هذه الأصول فربما يكون وجه الجمع العرفي حينئذ الحمل على ذلك بعد فرض التنافي بدوا.

إن قلت : لازم ذلك تقديم الأصول التعبدية ، كأصالتي الحل والطهارة على الاستصحاب ، لصلوحها لرفع موضوعه بعد فرض كون اليقين مأخوذا فيه على نحو الطريقية ، دون العكس ، ولا يظن من أحد الالتزام بذلك.

قلت : لما كان موضوع هذه الأصول محض الشك ، فإطلاقها بنحو يشمل مورد الاستصحاب يقتضي ترتب الأثر على الشك الخاص ونقض اليقين السابق به ، فينافي دليل الاستصحاب المتضمن لعدم نقض اليقين بالشك ، وإنما لم ينافه دليل الأمارة ، لأنه يقتضي نقض اليقين بها ، لا بالشك المقارن لها. وقد تقدم في توجيه تقريب ورود الأمارة على الاستصحاب ما له نفع في المقام. فراجع. (١)

هذا تمام الكلام في توجيه الورود في المقام. ولم يتضح حتى الآن ما ينهض بتوجيهه ، فلا مجال للبناء عليه.

المبنى الثاني : أن الاستصحاب حاكم على الأصول المذكورة ، كما يظهر من جملة من الأعاظم ، وقد سبقهم لذلك شيخنا الاعظم قدّس سرّه فإنه بعد اعترافه دفعا لتوهم الورود بظهور أدلة البراءة ـ ومنها حديث الإطلاق ـ في كون موضوعها الشك في النهي الواقعي بلحاظ عنوانه الذاتي ، لا ما يعم الظاهري الوارد عليه بعنوان كونه مشكوك الحكم ، قال : «إن دليل الاستصحاب بمنزلة معمم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق ، فقوله : «لا تنقض اليقين بالشك» يدل على أن

__________________

(١) تقدم في صفحة : ١٦٠.

١٧٢

النهي الوارد لا بد من إبقائه وفرض عمومه للزمان اللاحق ، وفرض الشيء في الزمان اللاحق مما ورد فيه النهي أيضا.

فمجموع الرواية المذكورة ودليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول : كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي ، وكل نهي ورد في شيء فلا بد من تعميمه لجميع أزمنة احتماله ، فيكون الرخصة في الشيء وإطلاقه مغيّا بورود النهي المحكوم عليه بالدوام وعموم الأزمان ، فكان مفاد الاستصحاب نفي ما يقتضيه الأصل الآخر في مورد الشك لو لا النهي. وهذا معنى الحكومة ، كما سيجيء في باب التعارض».

أقول : من الظاهر أن مفاد الاستصحاب ليس هو الحكم بعموم النهي ـ المتيقن سابقا ـ واستمراره واقعا ، ليكون متمما لدلالة دليل النهي وكاشفا بضميمته عن النهي في مورد الشك ، كي يحكم على الأصل بملاك حكومة الأمارة عليه ـ على ما يأتي في مبحث التعارض ـ لعدم كون الاستصحاب دليلا اجتهاديا متعرضا للأحكام الواقعية ، بل لا يتضمن إلا بقاء النهي والتعبد به ظاهرا بعنوان كونه مشكوك البقاء ، فلا وجه لحكومته على الأصل بعد كون ـ موضوعه كموضوع الاستصحاب ـ الشك في الحكم الواقعي ، الذي لا يرتفع بالاستصحاب ، على ما اعترف به في صدر كلامه.

بل حيث كان كل منهما متعرضا للوظيفة الظاهرية على خلاف ما يقتضيه الآخر كان اللازم التعارض بينهما من دون مرجح لأحدهما يقتضي حكومته على الآخر.

ودعوى : أن ما اخذ في موضوع البراءة بحسب ظاهر أدلتها وإن كان هو النهي الواقعي الوارد على الشيء بعنوانه الأولي ، إلا أن دليل الاستصحاب صالح لتفسيره وحمله على ما يعم النهي الظاهري الوارد على الشيء بعنوان كونه نقضا لليقين بالشك ، كما هو الحال في موارد التنزيل ، حيث يدل دليل التنزيل على

١٧٣

عموم حكم المنزل عليه للمنزل ، وإن كان على خلاف ظاهر دليله في نفسه ، مثل ما تضمن وجوب الإنفاق على الزوجة مع ما تضمن أن المطلقة رجعيا زوجة.

مدفوعة : بأن التنزيل متقوم بأحكام المنزل عليه وخواصه ، فدليله ناظر لتلك الأحكام وشارح لموضوعها عموما أو خصوصا ، فيكون حاكما على أدلتها بوجه يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في مبحث التعارض.

أما التعبد فهو راجع إلى إحراز الأمر المتعبد به المقتضي لترتب العمل عليه بلا واسطة أو بواسطة التعبد بأثره الشرعي ، كما تقدم ، فالتعبد ببقاء النهي إنما ينفع في ترتب العمل عليه ، وحيث كان التعبد منافيا عملا لمفاد الأصول الأخر لزم التعارض بينها من دون مرجح له يقتضي حكومته عليها ، لعدم نظره إليها ، ليكون مفسرا لموضوعها.

وأما ما فرضه من ورود مفاد الاستصحاب عقيب مفاد البراءة في كلام واحد ، فالوجه في صلوح مفاد الاستصحاب معه لتفسير مفاد البراءة أن الكلام بعضه قرينة على المراد ببعض بنحو يصرفه عما يكون ظاهرا فيه لولاه ، ويكفي فيه أقوائية دلالة القرينة من دلالة ذي القرينة ، وإن لم يكن مفاد القرينة حاكما على مفاد ذيها لو وردا في كلامين ، بل يكونان متنافيين يجمع بينهما عرفا بتقدم الأظهر على الظاهر.

هذا ، وقد توجه الحكومة بوجوه اخرى مبتنية على مبان خاصة للقائلين بها في مفاد الاستصحاب أو في مناط الحكومة ..

الأول : ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من أن مفاد الاستصحاب الحكم ببقاء اليقين ادعاء وتنزيلا في ظرف الشك بلحاظ ترتب العمل عليه ، فيترتب عليه آثاره ، ومنها رافعيته لمفاد الأصول الاخرى ، لأنه اخذ غاية فيها ، ويكون حاكما على أدلتها على غرار حكومة سائر أدلة التنزيل على أدلة أحكام المنزل عليه.

١٧٤

وفيه : أن دليل الاستصحاب لا يتضمن ادعاء بقاء اليقين في حال الشك ، بل النهي عن نقض اليقين السابق عملا حاله ، لادعاء أن عدم ترتيب آثار المتيقن حين الشك نقص لليقين السابق عملا ، فالادعاء والتوسع إنما هو في مقتضى اليقين السابق عملا ، لا في نفس اليقين.

نعم ، يتجه ما ذكره قدّس سرّه لو كان التعبير بمفاد الجملة الخبرية المحضة ، بأن قيل : اليقين لا ينتقض بالشك.

الثاني : ما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه من أن الاستصحاب لما كان من الأصول المحرزة كان حاكما على الأصول الاخرى بملاك حكومة الأمارات عليه ، الذي تقدم التعرض له ، لأنه يقتضي إحراز الأمر المتعبد به ، فيرفع موضوع الأصول الاخرى ـ وهو الشك ـ تعبدا وإن لم يرتفع به حقيقة.

وقد تقدم أن ما ذكره مبني على مسلكه في مؤدى الطرق والأصول ، وفي معنى الحكومة ، وأن الكلام في الأول تقدم في مبحث القطع الموضوعي ، وفي الثاني يأتي في مبحث التعارض إن شاء الله تعالى.

مضافا إلى أن ما ذكره لا ينهض إلا بتقديم الاستصحاب على مثل أصل البراءة مما لا يقتضي التعبد بالمؤدى حيث يكون رافعا لموضوعه دون العكس.

أما تقديمه على مثل قاعدة الحل والطهارة مما يتضمن التعبد بالمؤدى فلا وجه له ، لاشتراكها معه في التعبد بالمؤدى الرافع لموضع الأصل ـ وهو الشك ـ تعبدا ، فكما يصلح لرفع موضوعها تعبدا تصلح لرفع موضوعه كذلك ، ولذا لا إشكال عنده في حكومة السببي على المسببي منه ، بل صرح قدّس سرّه بجواز استصحاب مؤدى الأصول المذكورة ذاتا ، لأن المراد من اليقين في دليل الاستصحاب ما يشمل التعبد الحاصل بها.

وخصوصية الإحراز لا أثر لها بعد فرض كون الموضوع ، ـ وهو اليقين ـ مأخوذا من حيثية البناء العملي المشترك بين الطرق والأصول التعبدية

١٧٥

والإحرازية وغيرها ، ولذا أمكن قيامها مقامه.

وتقديم الطرق على الأصول إنما هو لأخذ الشك في موضوع الأصول دون الطرق المستلزم لرفع الطرق لموضوع الأصول تعبدا ، دون العكس ، فمع فرض اشتراك جميع الأصول الإحرازية التعبدية في كون موضوعها الشك يكون كل منها صالحا لرفع موضوع الآخر تعبدا ، ولا يبقى وجه لتخصيص الأصول الإحرازية بالحكومة.

الثالث : ما ذكره سيدنا الأعظم قدّس سرّه بناء على مختاره في مفاد الاستصحاب ، وأنه هو وجوب العمل حال الشك عملا حال اليقين ، من أن المراد بالعمل هو العمل المترتب على آثار نفس اليقين وآثار متعلقة ، ولذا يقوم مقام القطع الطريقي والموضوعي المأخوذ بنحو الطريقية ، ولما كان من آثار نفسه ارتفاع الأصول المغيّاة بالعلم عقلا أو شرعا به ، كان ناظرا لتلك الأصول ومقدما عليها عرفا.

وقد جعل قدّس سرّه الحكومة في المقام بمناط النظر ، لا بمناط التنزيل ، لعدم تضمن الاستصحاب رفع موضوع الأصول ـ وهو الشك ـ تنزيلا.

لكن الظاهر رجوع ما ذكره للتنزيل ، لوضوح أن قوام التنزيل هو الحكم بمشاركة المنزل للمنزل عليه في أحكامه وآثاره ، وتبعيته له فيها إثباتا. إلا أن بيانه ..

تارة : يكون بحمل العنوان على المنزل وإسناده إليه أو نفيه عنه مجازا ، كما في زيد أسد ، و : «يا أشباه الرجال ولا رجال» ، و «المطلقة رجعيا زوجة» ، و «لا شك لكثير الشك».

واخرى : بالتصريح بالتشبيه والتنزيل كما في : زيد كالاسد ، وقوله : «الولاء

١٧٦

لحمة كلحمة النسب» (١).

وثالثة : بالتصريح بثبوت أحكام المنزل عليه ، كقولهم عليهم السّلام : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٢).

والكل يشترك في التنزيل وإثبات حكم المنزل عليه للمنزل ، المستلزم للنظر لتلك الأحكام ، الذي هو مناط الحكومة عندهم.

على أن ما ذكره قدّس سرّه في مفاد الاستصحاب غير ظاهر ، ضرورة أن دليله لم يتضمن وجوب العمل حال الشك عمل حال اليقين ، وإنما استفيد ذلك من الحكم فيه بعدم نقض اليقين بالشك ، الراجع إلى ادعاء أن اليقين السابق كما يقتضي العمل على المتيقن حينه ذاتا يقتضي العمل عليه حين الشك شرعا ـ كما تقدم في تعقيب الوجه الأول ـ فهو لا يقتضي إلا ترتيب آثار المتيقن حين الشك بسبب اليقين السابق ، من دون أن يقتضي ثبوت حكم اليقين نفسه حين الشك ، ليستلزم النظر لاحكام اليقين الثابتة له بنفسه ، ومنها كونه رافعا لموضوع الأصول.

وبعبارة اخرى : نقض اليقين ليس إلا بعدم متابعته وترتيب أثر كاشفيته عن متعلقة ، فلا ينفع جواز النقض إلا في ترتيب آثار المتيقن ، لا ترتيب آثار اليقين نفسه ، وليس مقتضى الارتكاز الذي حملت عليه كبرى الاستصحاب إلا ذلك.

وقيامه مقام القطع الموضوعي المأخوذ بنحو الطريقية ليس ناشئا من وجوب ترتيب آثار نفس اليقين عليه ، بل لعموم موضوع الأثر له ابتداء ، كما يظهر بمراجعة ما تقدم في مبحث القطع الموضوعي.

__________________

(١) النهاية لابن الاثير.

(٢) راجع الوسائل ج : ١٤ ، باب : ١ من أبواب ما يحرم بالرضاع من كتاب النكاح.

١٧٧

الرابع : ما ذكره بعض مشايخنا من أن الاستصحاب كاشف عن الواقع ومثبت له في ظرف الشك فيه ، لأن مفاد دليله جعل الطريقية وتتميم جهة الكاشفية ، لظهور قوله عليه السّلام : «ولا ينقض اليقين أبدا بالشك» وقوله عليه السّلام : «ولا يعتد بالشك في حال من الحالات» في إلغاء احتمال الخلاف ، كما هو الحال في الأمارات ، فهو أمارة حيث لا أمارة ، فيقدم على بقية الأصول بملاك رفعه لموضوعها ، الذي هو الملاك في تقدم الأمارات عليها.

وفيه : أنه تقدم في ذيل الكلام في أخبار الاستصحاب عدم كون الاستصحاب من الأمارات. كما أن عدم الاعتداد بالشك وعدم نقضه لليقين لا يرجع إلى إلغائه ، بل إلى عدم صلوحه للمنع من مقتضى اليقين السابق.

وفرض كونه أمارة حيث لا أمارة مما لا نظير له عرفا ، بل المألوف عرفا تقديم بعض الأمارات على بعض ، وإن تمت جهة كشفها ، كتقديم البينة على اليد. فلاحظ.

المبنى الثالث : أن مقتضى الجمع العرفي بين دليل الاستصحاب وأدلة الأصول المذكورة هو تقديم الاستصحاب ، وإن لم يكن رافعا لموضوعها ولا ناظرا إليها ، لخصوصية في نفس الدليلين ولو بلحاظ مدلوليهما تقتضي عرفا تحكيم أحدهما على الآخر ، وإن كان بينهما عموم من وجه ، وذلك لأن أدلة الأصول وإن اقتضت بإطلاقها فعلية العمل بمقتضاها ولو مع سبق اليقين على خلافه ، إلا أن المناسبات الارتكازية في مقام الجمع بينها وبين دليل الاستصحاب يقتضي حملها على السعة والاحتياط من حيثية موضوعها ـ وهو الشك ـ فلا ينافي عدم فعلية مقتضاها لأمر زائد على موضوعها مانع من تأثيره وهو اليقين السابق.

فالحكم في الأصول ناشئ من عدم الاكتفاء بالشك في التعذير أو التنجيز ، وأن ثبوت مقتضاها لعدم المقتضي لخلافه ، وأما الحكم في الاستصحاب فهو

١٧٨

ناشئ عما هو من سنخ المقتضي له شرعا ، لرجوعه إلى أن لليقين السابق نحو اقتضاء في البناء على استمرار المتيقن وعدم رفع اليد عنه ، فنسبة الاستصحاب إلى الأصول المذكورة نسبة الأمارة إليه عرفا.

فكما أن البناء على مقتضى اليقين في الاستصحاب لعدم صلوح الشك لنقضه ، فلا يزاحم الأمارة الصالحة لنقضه ، كذلك البناء على البراءة أو الطهارة للشك في التكليف أو النجاسة ، فإنه ناشئ عن عدم صلوح الشك لتنجيز التكليف أو النجاسة ، فلا يزاحم الاستصحاب الحاكم بصلوح اليقين السابق للتنجيز واقتضائه له لو لا المانع.

فهو معها من سنخ حكم العنوان الثانوي مع حكم العنوان الأولي ، كما كانت الأمارة معه كذلك. وليس الفرق بين النسبتين إلا في عدم منافاة دليل حجيتها لإطلاق دليله أصلا ، لما تقدم من أن دليله لم يتضمن عدم نقض اليقين مع الشك ، بل عدم نقضه بالشك ، فلا ينافي نقضه بالأمارة.

أما دليل الاستصحاب فهو مناف بدوا لإطلاق أدلة الأصول ، لأنها لم تتضمن الحكم بمجرد عدم منجزية الشك أو معذريته ، كي لا ينافي منجزية اليقين السابق أو معذريته ، بل بثبوت السعة أو الاحتياط مع الشك الشامل لحال سبق اليقين بالتكليف ، فيكون الاستصحاب منافيا لإطلاقه ، ومن ثمّ احتيج للجمع العرفي بالوجه المذكور ـ الذي هو فرع التنافي البدوي ـ بحمل الإطلاق المذكور على بيان الحكم الأولي الثابت للشك بنفسه مع قطع النظر عما هو زائد عليه.

وبما ذكرنا يظهر وجه حسن تعليل البناء على الطهارة في صحيحة زرارة الثانية وفي صحيح عبد الله بن سنان (١) الوارد في الثوب الذي يستعيره الذمي ،

__________________

(١) الوسائل ج : ٢ ، باب : ٧٤ من أبواب النجاسات حديث : ١.

١٧٩

بعد انتقاض الحالة السابقة ، مع كفاية نفس الشك في جواز البناء على الطهارة ، فإن الاستناد في بقاء الشيء إلى وجود المقتضي أولى عرفا من الاستناد فيه إلى محض عدم المقتضي لخلافه.

ثم إن هذا الوجه كما يقتضي تقديم الاستصحاب على الأصول المذكورة يقتضي تقديم سائر التعبدات الإحرازية عليها ، من الأصول والطرق والأمارات ، لظهور أدلتها في أن ثبوت مقتضاها لأمر زائد على الشك صالح للإحراز. وربما يأتي في مبحث التعارض ما له نفع في المقام.

إن قلت : هذا راجع إلى الحكومة ، لأنها هي النسبة بين دليل الحكم الأولي ودليل الحكم الثانوي.

قلت : إنما يكون دليل الحكم الثانوي حاكما إذا كان ناظرا للحكم الأولي ، كعموم رفع الاضطرار والإكراه ، لوضوح أن الرفع فرع ثبوت شيء ولو اقتضاء ، فدليله ناظر للمرفوع ، ولا وجه له في مثل المقام ، حيث لا قرينة على نظر دليل الاستصحاب للأصول الاخرى.

وبعبارة اخرى : كون الحكم ثانويا إن استفيد من نفس دليله كان حاكما على دليل الحكم الأولي ، لاستلزامه نظره إليه ، وإن استفيد بمقتضى النظر العرفي بين الدليلين ـ كما في المقام ـ فلا وجه لحكومته ، لعدم استلزامه النظر بوجه.

ثم إن هذا الوجه إنما يقتضي تقديم الاستصحاب على الأصول عند الاختلاف عملا بينه وبينها ، أما مع اتفاقه معها فلا وجه لتقديمه عليها إلا بلحاظ ما أشرنا إليه هنا من أولوية الاستناد ارتكازا في ثبوت الشيء إلى ثبوت المقتضي له من الاستناد فيه إلى عدم المقتضي لخلافه ، نظير ما سبق في وجه تقدم الأمارة على الاستصحاب من أولوية الاستناد في ثبوت الشيء إلى ثبوت المقتضي له من الاستناد إلى عدم الرافع ، من دون أن يكون هناك تقدم رتبي مانع من الاستناد لهما معا في عرض واحد.

١٨٠