🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
🚘 نسخة غير مصححة

وأنزل عليه الحدود ، وقسمة الفرائض ، وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار لمن عمل بها ، وأنزل في بيان القاتل ...» (١) ..

وهذا الحديث ـ كما ترى صريح ـ في عدم تشريع الأحكام الفرعية إلا بعد الهجرة تدريجا ، وأن الدين في أوائل البعثة لم يكن الا الشهادتين ، ولا يلزم المسلم بسواهما ، وإنما يندب لمكارم الأخلاق الارتكازية ، وهو مستلزم لنسخ جميع أحكام الشرائع السابقة الإلزامية ونحوها من الامور التعبدية ، وليس تشريع الأحكام الموافقة لها أو المخالفة إلا بعد فترة طويلة.

وهو وإن كان ضعيفا سندا ، إلا أنه مؤيد بما ورد في صحيح أبي بصير ومرسل اللؤلؤي عن أبي عبد الله عليه السّلام في حديث إسلام أبي ذر رضى الله عنه بعد تكليم الذئب له وبحثه عن النبي صلّى الله عليه وآله في مكة ووعده «بتصديقه وطاعته في كل ما يأمره به ، وأنه دخل عليه صلّى الله عليه وآله وشهد الشهادتين أمامه ووعد الطاعة له ، فقال صلّى الله عليه وآله : «أنا رسول الله يا أبا ذر انطلق إلى بلادك ... وكن بها حتى يظهر أمري» قال أبو ذر : «فانطلقت ... وبقيت ببلادي حتى ظهر رسول الله صلّى الله عليه وآله فأتيته» (٢) ، فان الظاهر من الحديثين أن تمام الدين الذي أمر صلّى الله عليه وآله بتبليغه هو الشهادتان.

على أن ذلك هو الموافق للاعتبار ، لابتداء الدعوة الاسلامية بين قوم يجهلون أحكام الشرائع السابقة ولم يألفوا العمل بها ، وظروف الدعوة حينئذ لا تناسب فرض ذلك ، بل لا بد من تركز الدين كعقيدة واستحكام اصوله في النفوس والمجتمع والاعتراف به كحقيقة ثابتة قبل فرض سيطرته العملية في الحياة بتشريع أحكام العبادات والمعاملات. ولذا كانت التشريعات بلسان

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢٨ ، باب ١٧ من كتاب الإيمان والكفر حديث : ١.

(٢) روى الحديثين في البحار باب : إسلام أبي ذر بعد بيان أحوال النبي صلّى الله عليه وآله ، آخر المجلد : ٦ ، طبع كمپاني ، وروى الحديث الاول في أمالي الصدوق المجلس الثالث والسبعين ، ص : ٤٣٢ ، طبع النجف الاشرف ، وروي الثاني في روضة الكافي حديث : ٤٥٧ ، ص : ٢٩٧.

٣٠١

التأسيس لا بلسان النسخ والتعديل لأحكام الشرائع السابقة.

بل لا إشكال ظاهرا في تأخر تشريع كثير من مهمات الفرائض كالصلاة والزكاة والصوم مع وجود نظائرها في الشرائع السابقة ولم يعرف عن المسلمين العمل عليها في أول البعثة.

بل النظر في كيفية تشريع كثير من الأحكام ـ كتحريم الخمر والربا والفرائض والعدد ـ شاهد بابتناء التشريع على التدريج حتى تكامل ، لا على التعديل لما سبق ، بنحو يكون في جميع الاوقات تشريع متكامل ، بعضه من الأديان السابقة وبعضه من الاسلام.

فمن القريب جدا نسخ الشرائع السابقة بتمام أحكامها العملية ببعثة النبي صلّى الله عليه وآله ثم تأسيس الشريعة من جديد بعد مرور فترة خالية من الأحكام ، قد ترك فيها الناس على ما كانوا عليه في الجاهلية من أعراف وعادات في نظام الحياة.

وإن كان أهل تلك الشرائع ملزمين بأحكامها في الفترة المذكورة إما ظاهرا بمقتضى أصالة عدم النسخ قبل قيام الحجة عندهم على الدين الجديد ، أو واقعا لقاعدة الالزام التي هي قاعدة ثانوية ترجع إلى ثبوت الحكم بعنوان طارئ ، لا بمقتضى تشريعه الأولي.

ومن هنا يشكل البناء على بقائها في حق المسلمين وغيرهم ممن لم يتدين بتلك الشرائع أو ثبت عنده نسخها بالاسلام.

ثم إن شيخنا الأعظم قدّس سرّه تعرض لبعض الموارد التي يبتني الحكم فيها على هذه المسألة وتكون ثمرة لها ، وقد أطال الكلام في مفاد أدلتها بما لا مجال للتعرض له هنا ، بل يوكل للفقه.

٣٠٢

الفصل السابع

في الاستصحاب التعليقي

من الظاهر أن الشك في بقاء الحكم الفعلي بنحو يقبل الاستصحاب موقوف على سبق اليقين بتحقق تمام ما يحتمل دخله فيه من موضوع وشروط وقيود ، إذ مع الشك في تحقق شيء منها رأسا يشك في حدوث الحكم لا في بقائه ، فيجري استصحاب عدم الحكم.

نعم ، العلم بتحقق بعض ما هو الدخيل في الحكم مستلزم للعلم بالحكم معلقا على تحقق بقية ما يحتمل دخله فيه ، كما هو مفاد القضية الشرطية ، فاذا اعتبر في زكاة الذهب والفضة سكهما بسكة المعاملة ومضي الحول عليهما ، فمع سكهما بسكة المعاملة قبل مضي الحول يصدق أنه يجب الزكاة فيهما بمضي الحول عليهما.

وحينئذ إذا شك في استمرار مفاد القضية الشرطية المذكورة ، لاحتمال دخل أمر كان متحققا ثم زال ، فمع حفظ الموضوع المقوم للاستصحاب ، يمكن فرض تحقق موضوع الاستصحاب ، بالإضافة إلى القضية التعليقية المتيقنة سابقا ، فإذا احتمل اعتبار تداول السكة فعلا في وجوب الزكاة في المسكوك ، وهجرت السكة بعد التعامل بها ، أمكن أن يقال : كان هذا المال لو حال عليه الحول لوجبت فيه الزكاة فهو كما كان ، وإن لم يمكن ذلك بالإضافة إلى القضية الفعلية ، لعدم سبق حول الحول المعتبر في فعلية وجوب الزكاة.

إذا عرفت هذا ، فقد وقع الكلام بين الأصحاب في جريان الاستصحاب في القضية التعليقية ، بنحو يحرز فعلية الحكم في ظرف فعلية الشرط ، فيحرز

٣٠٣

في المثال السابق وجوب الزكاة في المال المذكور بعد حول الحول عليه.

وقد منعه غير واحد لدعوى : أن الحكم في القضية التعليقية لا وجود له قبل وجود ما علق عليه كي يستصحب ، بل المستصحب عدمه ، لسبق اليقين به سابقا في فرض عدم وجود الشرط المعلق.

وقد تصدى غير واحد لتقريب جريان الاستصحاب مع الشك في نسخ الحكم بالإضافة إلى الوقائع المتجددة.

بل قد أشرنا هناك إلى أنهم تعرضوا لأكثر تلك الوجوه هنا ، وإنما قدمناها هناك للحاجة إليها.

كما أن تقدّم ذلك البحث طبعا ـ لصلوح الكلام فيه لأن يكون مبنى للكلام هنا ـ هو الذي دعانا لتقديمه.

وكيف كان ، فقد سبق منا أن المجعول حقيقة هو الحكم الفعلي ، الذي لا تحقق له قبل تحقق ما علّق عليه ، وأن العمل يستند إليه ، دون الحكم التعليقي الكبروى ، أو السببية المنتزعة من ترتب الحكم المسبب على السبب ، أو نحوهما مما له نحو من الوجود قبل تحقق المعلق عليه ، ولذلك لا مجال لجريان الاستصحاب في المقام.

هذا ، وظاهر غير واحد أن مبنى الكلام في هذه المسألة هو ما تقدم في تلك المسألة من الكلام في جريان الاستصحاب قبل فعلية الحكم ، فان قيل بجريانه جرى في المقام ، وإلا لم يجر ، حتى إن سيدنا الأعظم قدّس سرّه قال في تقريب جريان الاستصحاب في المقام : «وحيث أن صحة الاستصحاب ارتكازية في مثل هذه الأحكام ، ولا سيما إذا كان الشك فيها من جهة الشك في النسخ لا بد أن يستكشف صحة مبناها أعني : كونه منوطا بالوجود الذهني».

لكن الظاهر اختلاف المقام عما سبق ، وأن عدم جريان الاستصحاب هناك ـ للزوم كون الحكم المستصحب فعليا ـ وإن كان مستلزما لعدم جريانه هنا

٣٠٤

ـ لعدم الفعلية أيضا ـ إلا أن جريانه هناك لا يستلزم جريانه هنا لوجهين ..

الأول : أن مرجع الوجوه المذكورة هناك إلى جريان الاستصحاب في السببية المنتزعة من الحكم ـ كما هو مفاد الوجه الأول ـ أو في نفس القضية الانشائية الكبروية المجعولة ، وكلاهما لا ينفع هنا ، ضرورة أنه لم يحرز سابقا أن تمام السبب هو الشرط المتحقق حال الشك ـ كمضي الحول في مثال الزكاة ـ بل يحتمل كونه جزء السبب وجزؤه الآخر هو الخصوصية المفقودة ـ كفعلية التعامل بالمال ـ كما أن موضوع القضية الانشائية المتيقنة ليس هو الموضوع الخارجي المحفوظ في حالتي اليقين والشك ، كالذهب والفضة الخارجيين ، بل هو العنوان الكلي ، مع احتمال كون الخصوصية المفقودة قيدا في القضية المذكورة ، فلا يجري استصحاب القضية المطلقة ، لعدم اليقين بثبوتها ولا المقيدة ، لعدم الأثر لها في ظرف فقد القيد.

وبعبارة اخرى : الحكم الانشائي قبل فعلية تمام ما يؤخذ فيه من موضوع وقيود وشروط يبقى على إناطته بموضوعه الكلي ، وما له من قيود وشروطه من دون أن يحمل على الموضوع الخارجي ، ولا يكون وصفا له فعلا ، كي يكون الشك في استمرار الحكم الثابت له ، ويكون الشرط خصوص الأمر الزائد عليه ، وتكون الخصوصية المحتملة غير مقومة له ، بل هو لا يطرأ الموضوع الخارجي إلا بفعلية تمام ما اخذ فيه ، والمفروض عدم تحقق ذلك في المقام.

ودعوى : أنه مع فعلية الموضوع الواجد للخصوصية المحتملة الاعتبار يكون الحكم فعليا من جهته ولا يبقى الحكم منوطا إلا بالشرط المفقود ، فيكون ذلك الموضوع معروضا لحكم جزئي منوط بذلك الشرط ، فمع بقائه يستصحب له الحكم المنوط به وإن تبدلت حاله ، كما يستصحب له الحكم الجزئي المنجز.

فإذا كان هناك ذهب مسكوك كان بنفسه موضوعا بالفعل لوجوب الزكاة

٣٠٥

المعلق على مضي الحول ، كما يكون موضوعا للملكية المنجزة ، فيستصحب الوجوب المذكور له ، كما تستصحب الملكية المذكورة.

مدفوعة : بأنه لا معنى للتبعيض في الفعلية ، بل فعلية الحكم منوطة بتمام ما اخذ فيه ، وبدونها ليس هناك إلا حكم انشائي وارد على العناوين الكلية منوط بتمام ما يكون دخيلا فيه.

ودعوى : أنه يصدق قولنا : كان هذا المال إن مرّ عليه الحول وجبت فيه الزكاة مثلا ، فيستصحب المضمون المذكور.

مدفوعة .. أولا : بعدم إحراز صدق ذلك ، إذ مع احتمال دخل رواج المعاملة به في الحكم فالمتيقن صدق القضية المنوطة بذلك أيضا ، فالذي يصدق هو قولنا : كان هذا المال إن مرّ عليه وبقي رائجا ، وجبت فيه الزكاة. ومن الظاهر أنه لا أثر لاستصحاب ذلك ، بل لو علم بالقضية المطلقة لم يحتج للاستصحاب ، للعلم حينئذ بوجوب الزكاة في فرض عدم النسخ.

وثانيا : أن القضية المذكورة ليست شرعية جعلية فعلية أو إنشائية ، بل منتزعة من ترتب الحكم على تمام ما اخذ فيه.

ومن هنا يظهر اندفاع ما ذكره بعض المحققين (١) قدّس سرّه من أنه إن قلنا بأن الشروط المأخوذة في الحكم ـ كمضي الحول في المثال ـ قيود مقومة للموضوع ، وأن موضوع وجوب الزكاة هو النقد الذي مضى عليه الحول مثلا امتنع جريان الاستصحاب ، لعدم الشك في بقاء الحكم الانشائي الوارد على الموضوع المقيد بعد فرض عدم النسخ ، وعدم إمكان استصحاب الحكم الفعلي ، لفرض عدم سبق اليقين به قبل فعلية موضوعه.

وإن قلنا بأنها خارجة عن الموضوع ، وقد انيط بها الحكم زيادة على إناطته به ، فموضوع وجوب الزكاة هو النقد ، وإن كان مضي الحول عليه شرطا

__________________

(١) المرحوم الشيخ محمد حسين الأصفهاني قدّس سرّه.

٣٠٦

في ثبوت الحكم له ، جرى الاستصحاب بلحاظ الحكم الانشائي الخاص المتعلق بالموضوع الخاص ، للشك في بقائه بعد اليقين بثبوته تبعا لفعلية موضوعه ، وإن لم يجر بلحاظ الحكم الفعلي ، ولا بلحاظ الحكم الانشائي الكلي ، لعدم سبق اليقين بالأول وعدم الشك في بقاء الثاني بعد فرض عدم النسخ.

وجه الاندفاع : أنه ليس للشارع إلا حكم إنشائي واحد وارد على الموضوع الكلي بتمام ما اعتبر فيه ، من شروط وقيود ، سواء كانت قيودا للموضوع أم شروطا في قباله ، وليس انحلاله على الموضوعات الخارجية إلا فرضيا بفرض فعلية تمام ما هو الدخيل في الحكم من شروط وقيود ، فمع عدم فعلية شيء منها لا يكون للموضوع حكم إنشائي ثابت له بالفعل ، ليستصحب.

على أنه لو ثبت له لثبت مشروطا بتمام ما يعتبر في الحكم ، ولعل منه الحالة الزائدة ، ولا يعلم ثبوته مطلقا من جهتها ، لينفع استصحابه.

الثاني : أنه سبق الاشكال في استصحاب الحكم مع الشك في نسخة بمعارضته باستصحاب الحكم الفعلي المضاد.

وقد سبق منا في دفع المعارضة أن الحكم العملي المجعول إن كان هو الحكم الإنشائي الكبروي والفعلية من شئون محركيته عقلا ، فاستصحاب الحكم الفعلي المضاد لا يجري في نفسه ـ لعدم كونه عمليا مجعولا ـ كي يعارض الاستصحاب المذكور.

وإن كان هو الحكم الفعلي ، والحكم الانشائي الكبروي كاشف عنه أو مقدمة اعدادية له ، فهو المستصحب دون الحكم الانشائي الكبروي ، فلا معارضة على كلا الحالين.

ولا مجال لذلك في المقام ، لأن مبنى جريان الاستصحاب هنا ليس على استصحاب الحكم الكبروي ، بل على استصحاب الحكم المتوسط في الفعلية ، وليس هو بأولى بالاستصحاب من الحكم التام لفعليته فيجريان معا

٣٠٧

ويتعارضان ، ولا وجه لحكومة أحدهما على الآخر.

نعم بناء على الرجوع في المقام لاستصحاب السببية ـ وغض النظر عما تقدم من عدم اليقين سابقا بكون الشرط تمام السبب ـ يتجه حكومته على استصحاب الحكم الفعلي المضاد ، كما تقدم هناك أيضا.

تنبيهات

الأول : الشك في استمرار القضية الشرطية للموضوع الخاص ..

تارة : يكون للشبهة الحكمية ، كما تقدم في مثال الزكاة.

واخرى : يكون للشبهة الموضوعية ، كما لو ثبت أن هجر السكة مانع من ثبوت الزكاة ، وشك في هجر سكة بعد رواجها.

والظاهر عدم الفرق بين القسمين في جريان الاستصحاب ، بعد كون الشرطية منحلة من كبرى شرعية.

وإن كان الاستصحاب الموضوعي في الشبهة الموضوعية ـ كاستصحاب عدم هجر السكة ـ مغنيا عن الاستصحاب التعليقي الحكمي ، لحكومته عليه.

الثاني : موضوع الحكم التعليقي ومعروضه قد يكون جزئيا مستمرا بنفسه ، كالذهب والفضة في المثال المتقدم ، وقد يكون كليا قابلا للتقييد ، كما لو فرض وجوب إنفاق الأب على زوجة ولده الصغير فتزوج الولد برضا أبيه مع الشك في بلوغه ، حيث يصدق حينئذ قولنا : كان هذا الولد لو تزوج لوجب على أبيه الانفاق على زوجته.

وفي جريان الاستصحاب هنا ـ لو فرض جريانه في القسم الأول ـ إشكال ، لتقييد المتعلق ، كالانفاق ، بعدم بلوغ الولد ، فمع الشك في بلوغه لا يحرز الموضوع.

نعم ، قد يتجه بناء على ما جروا عليه من التسامح العرفي في موضوع

٣٠٨

الاستصحاب ، الذي تقدم عدم التعويل عليه.

الثالث : لما كان مبنى جريان الاستصحاب التعليقي على أن للحكم المعلق نحوا من الوجود تابعا للانشاء قبل وجود ما علق عليه اختص جوازه بالأحكام القابلة للجعل والانشاء في الجملة في ظرف عدم فعلية موضوعاتها ، دون الموضوعات الخارجية ، التي لا إشكال ظاهرا في أنه لا واقع لها إلا بفعلية تمام أجزاء علتها ، فلو علم بوجود النار وعدم احتراق الثوب لرطوبته ، ثم علم بجفافه ، لا مجال لاستصحاب الاحتراق على تقدير الجفاف ، لاثبات فعليته حينئذ.

وكذا الحال في الأحكام العقلية كالإجزاء ونحوه ، أو الامور الانتزاعية ـ كالسببية ونحوها ـ لو لم يكن لها إلا وجود تعليقي ، لو فرض جريان الاستصحاب فيها ذاتا.

الرابع : ذكر سيدنا الأعظم قدّس سرّه في حقائقه أنه لا ريب في جريان الاستصحاب مع أخذ الخصوصية قيدا في الموضوع ، كما لو قيل : الذهب والفضة اللذان مضى عليهما الحول تجب فيهما الزكاة ، حتى جعل ذلك مقربا لجريان الاستصحاب التعليقي ، لكشفه عن صحة مبناه ، وهو إناطة الحكم بالوجود اللحاظي ، الذي تقدم الكلام فيه في الفصل السابق.

وفيه : أن الذي لا ريب فيه عندهم جريان الاستصحاب مع فعلية الحكم لفعلية الموضوع بتمام ما أخذ فيه ، أو لكون القضية خارجية ، لا فيما إذا لم يوجد الموضوع ، أو وجد فاقدا لقيده مع أخذه بنحو القضية الحقيقية التي هي في قوة الشرطية.

وما أبعد ما بينه وبين ما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه في تقريب عدم جريان الاستصحاب التعليقي من عدم الفرق بين أخذ الخصوصية قيدا في الموضوع وأخذها شرطا للحكم ، لرجوع الشرط للموضوع ، فيكون من قيوده لا محالة ،

٣٠٩

فمع عدمه لا موضوع للحكم ، كي يكون له نحو من الوجود ، حيث يظهر منه المفروغية عن عدم جريان الاستصحاب التعليقي مع أخذ الخصوصية قيدا في الموضوع ، وأن عدم جريانه مع أخذها شرطا في الحكم لرجوعه إليه.

هذا ، ومن الظاهر أن ما تقدم من بعض المحققين قدّس سرّه في مبنى الكلام في المسألة راجع إلى ثبوت الفرق بينهما ، وهو الذي أصر عليه سيدنا الأعظم قدّس سرّه في مسألة العصير الزبيبي.

فقد ذكر في بيان الفرق بينهما أن دخل قيد الموضوع في الحكم من قبيل دخل المعروض في العارض ، ودخل الشرط في الحكم من قبيل دخل المقتضي في الأثر.

لكن الفرق المذكور إنما يتم في الأحكام العارضة على الامور الكلية القابلة للتقييد ، كالأحكام التكليفية العارضة لفعل المكلف.

أما الأحكام العارضة للموجودات الخارجية ، كالطهارة والنجاسة وحق الزكاة فليس معروضها ارتكازا إلا الذات غير المتقومة بالوصف ، وليس دخل الوصف في الحكم إلا لكونه علة له ، ولذا تقدم إمكان الاستصحاب بتخلفه مع حفظ الذات. فالقيد في ذلك راجع في الحقيقة للشرط ، دون العكس.

نعم ، لو اريد من الموضوع مطلق ما له الدخل في الحكم وإن لم يكن معروضا اتجه القول بدخل الشرط والقيد معا في الموضوع. ولعله هو مراد بعض الأعاظم قدّس سرّه.

على أن الفرق الذي ذكره قدّس سرّه بين الشرط والقيد لا أثر له في جريان الاستصحاب ، إذ كما لا يكون للعرض وجود قبل وجود موضوعه ، كذلك لا وجود للمعلول قبل وجود المقتضي ، فلا بد في توجيه جريان الاستصحاب من الرجوع لما تقدم من أن للحكم بمجرد جعله نحوا من الوجود وإن لم يكن فعليا ، لعدم فعلية ما اخذ فيه.

٣١٠

وهو لو تم لم يفرق فيه بين عدم وجود الموضوع ـ بمعنى المعروض ـ رأسا ، وعدم وجود قيده ، وعدم وجود شرط الحكم ، لعدم توقف إنشاء الحكم على وجود شيء منها ، بل يكفي فيه لحاظها للحاكم. ومن هنا سبق منّا إنكار ما ذكره بعض المحققين قدّس سرّه في مبنى المسألة.

وبالجملة : لا فرق بين الشرط وغيره مما يؤخذ في الحكم شرعا بحيث لا يكون الحكم بدونه فعليا ، بل ليس له إلا وجود تقديري.

الخامس : ذكر المحقق الخراساني قدّس سرّه في حاشيته على الرسائل أن الإشكال في جريان الاستصحاب التعليقي يختص بما إذا كان عدم فعلية الحكم لتعليقه على أمر زائد على الموضوع ، كمضي الحول في الزكاة ، دون ما إذا كان لعدم وجود الموضوع ، حيث لا إشكال في جريان الاستصحاب لاحراز فعلية الحكم بفعلية موضوعه.

لدعوى : أن منشأ الاشكال توهم ثبوت حكم آخر لهذا الموضوع في السابق ، فهو المستصحب له دون الحكم التقديري ، أما إذا كان الحكم معلقا على وجود الموضوع ، فليس للموضوع حكم آخر ليستصحب.

وفيه : أن منشأ الاشكال في الاستصحاب التعليقي هو أن الحكم المعلق ليس له وجود حقيقي مورد للأثر قابل للاستصحاب ، ولا يفرق في ذلك بين تعليقه على الموضوع وتعليقه على أمر آخر زائد عليه.

وما ذكره في منشأ الاشكال لا أثر له في كلماتهم ، وانما قد يذكر في تقريب معارضة استصحاب الحكم الفعلي المضاد للاستصحاب التعليقي بعد الفراغ عن جريانه في نفسه ، لا للمنع من أصل جريانه الذي هو المهم في المقام.

على أنه يمكن جريان نظير ما ذكره في فرض التعليق على الموضوع بلحاظ استصحاب العدم الأزلي ، لوضوح أن الموضوع قبل وجوده وإن لم يكن محكوما بضد الحكم التعليقي ، إلا أنه ليس محكوما بالحكم التعليقي ،

٣١١

فيستصحب عدمه له.

فالذي ينبغي أن يقال : المراد بالموضوع في محل كلامه إن كان هو معروض الحكم ، والشك في بقاء الحكم التعليقي لتبدل حاله بما يحتمل دخله ، كما لو شك في نجاسة عرق الحيوان الذي كان جلّالا لاحتمال ارتفاع جلله بنحو الشبهة الموضوعية أو الحكمية ، حيث كان شرط النجاسة ـ وهو الجلل ـ محرزا سابقا ، وإنما لم تكن فعلية لعدم وجود الموضوع ـ وهو العرق ـ دخل في ما تقدم في التنبيه الثاني.

وإن كان عبارة عن كل ما له الدخل في الحكم ، والشك في بقاء الحكم لاحتمال النسخ ، فقد تقدم الكلام فيه في الفصل السابق ، حيث ظهر بما ذكرناه هناك أن الاشكال في الاستصحاب التعليقي أشد من الأشكال فيه. فلاحظ.

٣١٢

الفصل الثامن

في أصالة تأخر الحادث

لما كان مفاد الاستصحاب هو التعبد ببقاء الحالة السابقة في زمان الشك واستمرارها فيه فلا يفرق فيه بين الشك في أصل انتقاضها والعلم به في الجملة مع احتمال تأخره ، فكما يجري استصحاب حياة زيد لو احتمل حياته يجري استصحابها لو علم موته وشك في تقدمه وتأخره ، فيحكم بحياته في زمان الشك ، ومجرد العلم بالانتقاض في الجملة لا يمنع من الاستصحاب في زمان الشك ، لعموم عدم نقض اليقين بالشك ، ولخصوص صحيحة زرارة الثانية الواردة في الشك في حال الدم الذي علم باصابته للثوب ، وأنه هل أصابه قبل الصلاة أو في أثنائها.

نعم ، الاستصحاب المذكور لا ينهض بإثبات الانتقاض في الزمان المتأخر ، فلو أسلم الوارث يوم الجمعة ، وعلم بموت المورث إما يوم الخميس أو السبت ، فاستصحاب عدم موته يوم الجمعة لا ينهض باثبات موته يوم السبت ليترتب أثر موته حين إسلام الوارث.

لأن المتيقن هو كون الحادث ـ كالموت ـ في الزمان اللاحق ـ كيوم السبت ـ موجودا ، والمستصحب هو عدم حدوثه قبله ، وليسا هما متحدين مع حدوثه في الزمان اللاحق ، بل ملازمان له ، فاثباته بالاستصحاب المذكور يبتني على الأصل المثبت.

ودعوى : خفاء الواسطة ، أو عدم التفكيك عرفا بين التعبد بعدم الحدوث في الزمان السابق والتعبد بالحدوث في الزمان اللاحق.

٣١٣

ممنوعة صغرويا ، بل كبرويا أيضا ، كما تقدم في محله مفصلا.

ومثلها دعوى : تركب الحدوث في الزمان اللاحق من الوجود فيه وعدم الوجود في ما قبله ، فمع إحراز الأول بالوجدان والثاني بالاستصحاب يتعين ترتيب الأثر ، كما هو الحال في سائر موارد ضم الوجدان للأصل في الموضوعات المركبة.

لاندفاعها : بأن ذلك إنما يتم لو كان التركيب مفهوميا ، بحيث يكون الموضوع كلا المفهومين بما لهما من الحدود المميزة ، أما لو كان التركيب عقليا تحليليا مع بساطة الموضوع عرفا ، فلا مجال له ، لعدم دخل المستصحب بما له من حدود مفهومية في الأثر حينئذ.

ولا يظن بأحد دعوى التركيب المفهومي في المقام ، بل لا مجال لدعوى التركيب بحسب التحليل العقلي أيضا ، بل الظاهر أنه ليس في المقام إلا محض الملازمة بين موضوع الأثر ـ وهو الحدوث في الزمان اللاحق ـ والمفهومين المحرزين بالوجدان والأصل ، فيكون الأصل مثبتا ، كما ذكرنا.

وكذا الحال في عنوان التأخر عن زمان الشك أو عن الحادث الآخر ـ كيوم الجمعة أو موت المورث في الفرض ـ فان التأخر كالتقدم والتقارن من العناوين الوجودية الاضافية المنتزعة من نحو حدوث الحادث مع طرف الإضافة ، وليس هو متحدا مفهوما مع عدم حدوثه في زمان الشك ـ الذي هو مفاد الاستصحاب ـ ولا مركبا مفهوما منه ومن وجوده في الجملة بل هو ملازم لهما ، فلا يخرج الاستصحاب بالإضافة إليه عن كونه مثبتا.

ولا مجال للتعويل عليه بدعوى خفاء الواسطة أو التلازم بين التعبد بمجرى الأصل والتعبد بموضوع الأثر. لما تقدم.

بل لما كان الحدوث في الزمان اللاحق حادثا مسبوقا بالعدم أمكن استصحاب عدمه بمفاد ليس التامة ـ لو فرض كونه موردا للأثر ـ لأن اليقين

٣١٤

بأصل الحدوث لا ينافي الشك في الحدوث الخاص.

وما ذكره بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من المنع منه ، لأنه لما كان أصل الوجود متيقنا ، فالشك في خصوصية الوجود المتأخر ناشئ من حدّه المنتزع من سبق وجوده بالعدم ، وليس الحد المزبور معلوم العدم سابقا ، ليجري فيه الأصل.

كما ترى! لأن عدم اليقين سابقا بعدم الحد المذكور لا ينافي اليقين بعدم المحدود ، وهو الوجود الخاص ـ المفروض كونه موضوعا للأثر ـ وهو كاف في استصحابه ، لأن المعتبر في استصحاب عدم الشيء اليقين سابقا بعدمه ، لا اليقين بعدم تمام حدوده.

على أن الظاهر أن سبق الوجود بالعدم ليس من حدود الوجود المتأخر ، بل من لوازمه.

ومنه يظهر إمكان استصحاب عدم كون الحدوث المعلوم ، في الزمان اللاحق بمفاد ليس الناقصة ، لو فرض كونه موردا للأثر. غايته أنه يبتني على استصحاب العدم الازلي الذي تقدم جريانه.

وكذا الحال في عنوان التأخر عن زمان الشك أو عن الحادث الآخر ، فيجري استصحاب عدمه بمفاد ليس التامة.

كما يجري استصحابه بمفاد ليس الناقصة من باب استصحاب العدم الأزلي ، فيقال : الأصل عدم كون الموت متأخرا عن كذا.

لوضوح أن التأخر منتزع من خصوصية زائدة على ذات الحادث يحتمل مقارنتها لوجوده ، وليس من لوازم ماهيته ، ليمتنع استصحاب عدمه بلحاظ حال ما قبل وجوده.

وهذا كله ظاهر ، وإن أطال بعضهم فيه نقضا وإبراما بما لا مجال لمتابعتهم فيه.

وإنما المهم في المقام هو الكلام فيما لو علم بحدوث حادثين وشك في

٣١٥

المتقدم منهما.

إما مع عدم تضادهما وإمكان اجتماعهما في الوجود ، كإسلام الوارث وموت المورث.

أو مع تضادهما ، كالطهارة والحدث ، حيث يعلم بارتفاع المتقدم منهما وعدم ترتب أثره ، وأن المتأخر منهما هو الباقي الذي يترتب أثره.

ففي المقام مبحثان ..

٣١٦

المبحث الأول

في الحادثين غير المتضادين

ومن الظاهر جريان استصحاب عدم كل منهما في زمان الشك ذاتا بلحاظ عمود الزمان مع قطع النظر عن إضافة زمان الشك للحادث الآخر ، لو فرض ترتب الأثر بمحض ذلك ، لتمامية أركان الاستصحاب فيهما معا ، فاذا علم بموت زيد وعمرو ، وتردد الأمر بين موت زيد يوم الخميس وعمرو يوم السبت ، والعكس ، كان مقتضى الاستصحاب حياة كل منهما وعدم موته إلى يوم الجمعة لو كان له أثر.

غاية الأمر أنه يعلم إجمالا بكذب أحد الأصلين. وهو إنما يقتضي سقوطهما بالمعارضة لو لزم مخالفة علم إجمالي أو تفصيلي بتكليف منجز ، كما تقدم تفصيل الكلام فيه في أوائل مباحث الشك في تعيين المكلف به.

والذي ينبغي الكلام فيه هو استصحاب عدم أحدهما في زمان حدوث الآخر الذي هو من أزمنة الشك. ويفترق عما سبق بدخل إضافة زمان الشك للحادث الآخر في الأثر وله صورتان ..

الأولى : أن يكون موضوع الأثر هو العدم النعتي ، الذي هو مفاد القضية الموجبة المعدولة المحمول ، كما لو كان موضوع الأثر هو موت الابن غير الحاصل عند موت الأب.

والظاهر عدم جريان الاستصحاب لاحرازه ، كما ذكره المحقق الخراساني قدّس سرّه ـ إذ استصحاب عدم موت الابن عند موت الأب لا يحرز اتصاف

٣١٧

موت الابن بعدم الحصول عند موت الأب إلا بناء على الأصل المثبت.

كما لا مجال لاجراء الاستصحاب في نفس اتصاف موت الابن بعدم الحصول عند موت الأب ، لتوقفه على اليقين به سابقا ، وهو غير متيقن لا بعد وجود الابن ، لعدم العلم بحاله حينئذ ، ولا قبله ، لأن اتصافه بذلك فرع وجوده ، فان الذي لا يتوقف على وجود الموضوع هو مفاد السالبة المحصلة ـ ولذا أمكن استصحاب العدم الأزلي ـ لا مفاد الموجبة المعدولة ، وإن كنا متلازمين في ظرف وجود الموضوع بل يتعين في محل الكلام استصحاب عدم الاتصاف الثابت أزلا بلحاظ حال ما قبل وجود الموضوع.

واستشكل في ذلك سيدنا الأعظم قدّس سرّه ..

تارة : بأن اختلاف السلب المحصل والايجاب المعدول في المفهوم لا يوجب الفرق في ما نحن فيه.

وتوقف الايجاب على وجود الموضوع خارجا ممنوع ، بل يعتبر وجود الموضوع في ظرف الاتصاف ولو كان ذهنا ، ضرورة صدق قولنا : شريك الباري ممتنع ، ونحوه من القضايا الموجبة التي يمتنع وجود موضوعاتها خارجا.

واخرى : بأن الفرق بين السلب المحصل والايجاب المعدول إنما هو بمحض الاعتبار ، مع كونهما متلازمين ، فكلما صدق قولنا : زيد ليس بقائم ، صدق قولنا : زيد لا قائم ، فمتى كان الأول له حالة سابقة مصححة للاستصحاب كان الثاني كذلك. غاية الأمر أن النسبة السلبية تلحظ في الأول بمعناها الحرفي ، وفي الثاني بمعناها الاسمي.

ويندفع الأول : بأن صدق الموجبة مع عدم وجود الموضوع خارجا إنما يمكن في القضايا الذهنية التي يكون موضوعها ذهنيا ، دون القضايا التي يكون ظرفها الخارج ، ويكون موضوعها خارجيا كما في غالب القضايا الشرعية ، لوضوح أن الموت الذي هو سبب الارث مثلا هو الموت الخارجي المتصف

٣١٨

خارجا بالعدم الخاص ، وليس ظرف الاتصاف به هو الذهن.

نعم ، إذا علق الحكم الشرعي على مفاد قضية ذهنية ظرفها الذهن تم ما ذكره قدّس سرّه ، كما لو قيل : إذا كان غسل ما تحت الجبيرة متعذرا أجزأ المسح عليها ، فان استصحاب تعذر غسل ما تحت الجبيرة كاف في إثبات الحكم وإن لم يكن للغسل وجود خارجي.

وبذلك يندفع الثاني ، فإن الموجبة المعدولة إنما تلازم السالبة المحصلة فيما لو كانتا ذهنيتين ، وكان موضوعهما ذهنيا ، أما لو كانتا خارجيتين وكان موضوعهما خارجيا ـ كما هو حال غالب القضايا المستصحبة التي تنقح موضوع الأحكام الشرعية ـ فالمعدولة أخص ، لعدم صدقها مع عدم وجود الموضوع ، لأن اتصافه خارجا بالعدم الخاص ، الذي هو موضوع الأثر ، فرع وجوده خارجا بخلاف السالبة المحصلة ، حيث تصدق مع عدم وجود الموضوع.

الثانية : أن يكون موضوع الأثر هو العدم المحمولي في مجهولي التأريخ معا الذي هو مفاد القضية السالبة المحصلة الذي يكون مقارنا لحدوث الحادث الآخر لا وصفا له ، كما لو ترتب الأثر على عدم إسلام الوارث حين موت المورث. وقد وقع الكلام في جريان الاستصحاب لإحراز العدم المذكور وعدمه ، وأنه هل يصح استصحاب عدم إسلام الوارث إلى حين موت المورث مثلا أو لا؟

ومن الظاهر أن الشك في تقدم أحد الحادثين على الآخر ينشأ ..

تارة : من الجهل بتاريخهما معا.

واخرى : من الجهل بتاريخ أحدهما مع العلم بتاريخ الآخر.

فالكلام في مقامين ..

الأول : في الجهل بالتاريخين معا ، كما لو تردد الأمر بين إسلام الوارث يوم الخميس مع موت المورث يوم الجمعة وبالعكس.

٣١٩

وظاهر شيخنا الأعظم قدّس سرّه تمامية أركان الاستصحاب في كل من الحادثين ، فيستصحب عدمه في زمان الآخر. فمع اختصاص أحدهما بالأثر يجري استصحابه ، ومع ترتبه على كل منهما يسقط الاستصحاب فيهما معا بالمعارضة.

وهو مبني على قصور دليل الاستصحاب عن شمول أطراف العلم الاجمالي ، للزوم التناقض ونحوه.

أما بناء على عدم قصوره عنها ، وأن المانع هو لزوم المخالفة العملية للتكليف المنجز ـ كما تقدم منا في أوائل مبحث الشك في المكلف به ـ فيختص سقوطهما في المقام بما إذا لزم ذلك ، دون ما إذا لم يستلزم ترتيب أثر كل منهما مخالفة عملية ، كما في موت المتوارثين ، فان مقتضى استصحاب عدم موت كل منهما حين موت الآخر توريثه منه ، ولا يلزم من توريث كل منهما من الآخر مخالفة عملية في حق وارث كل منهما.

هذا ، وقد تصدى غير واحد للمنع من جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ ، لدعوى قصور دليله ذاتا عن شمول المقام.

والمذكور في كلامهم وجهان ..

الأول : ما ذكره المحقق الخراساني قدّس سرّه ونسب لغير واحد من مشايخه من دعوى : عدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين.

وتوضيح ذلك : أنه تقدم عند الكلام في أركان الاستصحاب أنه لا بد من اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، بحيث يكون المشكوك استمرارا للمتيقن ، ولا يكفي تقدم زمان اليقين على زمان الشك مع انفصالهما بزمان أخر ، نظير الطفرة.

وعليه لا بد من إحراز الاتصال ، إذ مع عدم إحرازه يكون الرجوع للاستصحاب تمسكا بالعموم في الشبهة المصداقية من طرف العام ، الذي هو غير جائز بلا كلام.

وهو غير محرز في المقام ، لأن عدم أحد الحادثين حين حدوث الآخر

٣٢٠