🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
🚘 نسخة غير مصححة

ويندفع : بأن اتحاد الكلي مع فرده في الخارج لا ينافي كونه بمفهومه مجردا عن الخصوصية الفردية موضوعا للأثر ومحطا للغرض ، فيجري الاستصحاب فيه بلحاظ ذلك.

وبعبارة اخرى : ليس المستصحب هو الكلي لا في ضمن الفرد ، بل المستصحب هو الفرد لكن لا بخصوصيته الفردية ، بل من حيثية فرديته للكلي ، فإن اليقين والشك بالإضافة إلى الفرد يختلفان باختلاف حيثيته وعنوانه ، فقد يكون ببعض عناوينه موردا لليقين وبآخر موردا للشك ، فمع فرض اجتماع ركني الاستصحاب فيه بالإضافة إلى عنوانه الكلي يتعين جريان عنوانه فيه لترتيب أثره ، وإن لم يجر الاستصحاب فيه بلحاظ عنوانه الشخصي ، لعدم تمامية أركانه فيه ، أو لعدم كونه موردا للأثر.

ثانيها : أن الشك في بقاء الكلي لما كان مسببا عن الشك في حدوث الفرد الطويل كان استصحاب عدم حدوث الفرد المذكور حاكما على استصحاب الكلي ومانعا من ترتب العمل عليه.

ويدفع .. أولا : بأن الشك في بقاء الكلي ليس ناشئا عن الشك في حدوث الفرد الطويل فقط ، بل هو ناشئ عن التردد بين كون الحادث هو الفرد الطويل والقصير ، فارتفاع الكلي ملازم لحدوثه في ضمن القصير ، حيث يرتفع بارتفاعه ، وبقاؤه ملازم لحدوثه في ضمن الطويل ، حيث يبقى ببقائه ، ولا أصل يعين أحدهما.

وأصالة عدم حدوث الفرد الطويل معارضة لأصالة عدم حدوث الفرد القصير بالإضافة إلى اللازم المذكور ، وهو بقاء الكلي وارتفاعه ، وإن فرض عدم تعارضهما بالإضافة إلى أثر كل منهما المختص به ، ولو لعدم الأثر لأحدهما ، وبعد تساقط الأصلين بالإضافة إلى اللازم المذكور يتعين الرجوع للأصل الجاري فيه المحرز لبقائه.

٢٠١

ودعوى : أن أصالة عدم حدوث الفرد القصير لا تجري مع خروجه عن الابتلاء ، لفرض العلم بارتفاعه على تقدير حدوثه ، فلا تعارض أصالة عدم حدوث الفرد الطويل.

مدفوعة : بأن خروج الفرد القصير عن الابتلاء بالإضافة إلى آثاره المختصة به لا تنافي كونه موردا للابتلاء بالإضافة إلى اللازم المذكور ، وهو بقاء الكلي ، بنحو يصلح لمعارضة الأصل الجاري في الفرد الطويل ، ويمنع من حكومته على الأصل الجاري في الكلي.

وثانيا : بأن الفرد والكلي متحدان حقيقة ومختلفان عنوانا ، فليس مجرى الأصل في كل منهما إلا ملازما لمجرى الأصل في الآخر ، من دون سببية بينهما تقتضي حكومة الأصل الجاري في الفرد على الأصل الجاري في الكلي ، بل يعمل بكل منهما في مورده بالإضافة إلى خصوص أثره لو كان له أثر ، كما هو الحال في سائر الموارد التي يكون مقتضى الأصل فيها التفكيك بين المتلازمين من دون سببية بينهما.

وثالثا : بأن مجرد السببية بين مجرى الأصلين لا تكفي في حكومة أحدهما على الآخر ما لم تكن شرعية ، ومن الظاهر أن السببية بين الفرد والكلي ـ لو تمت ـ ليست شرعية ، بل خارجية ، وحكومة الأصل السببي في مثل ذلك مبنية على الأصل المثبت ، كما تقدم التنبيه عليه في الجملة في الاستدلال على عدم حجية الأصل المثبت بلزوم المعارضة في جانب الثابت والمثبت. فراجع وتأمل.

ثالثها : أن وجود الكلي لما كان بوجود فرد من أفراده كان عدمه بعدم تمام الأفراد ، فإذا علم بعدم جميع أفراد الكلي غير الطويل ، فبضميمة أصالة عدم الفرد الطويل يحرز عدم الكلي ، كما في سائر موارد انضمام الأصل للوجدان.

ويظهر الجواب عنه مما تقدم من عدم الترتب الخارجي بين وجود الفرد

٢٠٢

والكلي ، فضلا عن الشرعي ، فإحراز عدم الفرد بالأصل لا يقتضي إحراز عدم الكلي إلا بناء على الأصل المثبت.

بل لا يبعد رجوع هذا الوجه إلى الوجه السابق ، ضرورة أن مبنى حكومة استصحاب عدم الفرد الطويل على استصحاب الكلي في الوجه السابق على انضمامه لإحراز عدم بقية الأفراد بالوجدان. فعدّه في كلام غير واحد وجها آخر في قباله لا يخلو عن إشكال. فلاحظ.

بقي في المقام أمران :

الأول : التردد بين الفرد الطويل والقصير إنما يجري معه استصحاب الكلي ويكون من هذا القسم إذا كان حاصلا من أول الأمر ، أما لو حصل بعد اليقين بحدوث القصير فيخرج عن هذا القسم ، كما لو علم بدخول زيد الدار يوم الجمعة ، وعلم بوجود الإنسان فيها يوم السبت ، وتردد بين كونه زيدا فلا يبقى يوم الأحد وكونه عمرا فيبقى يوم الأحد ، فبالإضافة إلى يوم السبت والأحد وإن كان الشك في الكلي من هذا القسم ، إلا أنه لما كان الفرد المتيقن سابقا من الكلي ـ وهو زيد ـ قد علم يوم الأحد بارتفاعه يكون احتمال وجود الكلي في ذلك اليوم في ضمن عمرو ملحقا بالقسم الثالث الآتي ويخرج عن هذا القسم.

لأن استصحاب بقاء زيد إلى يوم الأحد وعدم دخول عمرو إلى ذلك اليوم ، يحرز كون المرتفع يوم الأحد هو دخول زيد ، ويرفع التردد شرعا في حال الموجود يوم السبت.

ومنه يظهر أن المحدث بالأصغر إذا احتمل طروء الجنابة عليه ، فإن قيل بعدم اجتماع الحدث الأصغر مع الأكبر ، بل يرتفع به لا يكون استصحاب بقاء كلي الحدث بعد الوضوء من هذا القسم ، للقطع بارتفاع الفرد المتيقن والشك في حدوث غيره ، وإنما يكون من هذا القسم إذا تردد الحدث من أول الأمر بين الأصغر والأكبر ، كما لو خرج البلل المردد بين البول والمني من المتطهر من كلا

٢٠٣

الحدثين.

وأظهر من ذلك ما لو قيل باجتماع الحدثين ، لعدم التردد بينهما أصلا ، كما لا يخفى.

الثاني : لو اخذ عدم أحد الفردين في موضوع تحقق الفرد الآخر فقد يكون استصحاب عدم الفرد المذكور مخرجا للشك عن هذا القسم ، كما هو الحال بناء على أن الحدث الأصغر لا يجتمع مع الحدث الأكبر ، لو حدث سبب الأصغر مع احتمال سبق الأكبر ، فإنه بعد طروء سبب الأصغر يعلم إجمالا بطروء أحد الحدثين ، إلا أن استصحاب عدم الأكبر يقتضي سببية السبب للأصغر وارتفاعه بالوضوء ، فلا يكون احتمال وجود الأكبر لتردد الفرد المعلوم بين الطويل والقصير ، بل لاحتمال حدوث غيره مما يبقى ، ويكون الأصل عدم حدوثه ، فيخرج عن هذا القسم ، ويلحقه ما يأتي في القسم الثالث ، وإن لم يكن مثله ، لعدم احتمال تعدد الفرد ، إلا أنه بناء على ما يأتي فيه من امتناع جريان استصحاب الكلي مع القطع بارتفاع الفرد المعلوم يتجه امتناع جريان الاستصحاب هنا.

ونظير ذلك : ما لو احتمل كون الملاقي للنجاسة من الأعيان النجسة ، بناء على عدم تنجس النجس ، فإن أصالة طهارته ذاتا تحرز كون نجاسته عرضية تزول بالغسل.

القسم الثالث : من أقسام الشك في الكلي : ما يكون مسببا عن احتمال وجود فرد آخر غير المتيقن موجود بعد ارتفاعه.

وقد ذكر له شيخنا الأعظم قدّس سرّه صورا ثلاثا ..

الصورة الأولى : أن يحتمل حدوث الفرد المشكوك مقارنا لارتفاع الفرد المتيقن مع تباين الفردين عرفا ، كما لو علم بدخول زيد الدار وخروجه منها ، واحتمل دخول عمرو لها مقارنا لخروجه ، فبقي الانسان في ضمن عمرو ، بعد

٢٠٤

أن كان حدوثه في ضمن زيد.

وقد منع قدّس سرّه هنا من جريان استصحاب الكلي ، وهو المعروف بين من تأخر عنه.

وقد يحتج لذلك بإنكار وجود الكلي رأسا ، فلا يكون هو موضوعا للأثر ، بل ليس الموجود وموضوع الأثر إلا الأفراد ، وحيث كانت متباينة في أنفسها ، فلا يكون المشكوك في المقام بقاء للمتيقن ، ليتجه الاستصحاب. وربما ينسب ذلك لبعض الأعاظم قدّس سرّه.

لكن لا يخفى أن المراد بوجود الكلي الذي يكون موضوعا للأثر ليس هو وجوده بما هو أمر بسيط مباين للأفراد مقارن لها ، لوضوح أنه ليس في الخارج إلا الفرد ، بل لما كان الكلي وجها من وجوه الفرد وحيثية من حيثياته كان وجود الفرد وجودا له ، فإنكار وجود الكلي لا وجه له بلحاظ ذلك ، إلا أن يكون النزاع لفظيا.

ولعله لذا نسب لبعض الأعاظم قدّس سرّه التصريح في الدورة الثانية بوجود الكلي ، وتقريب وجه المنع بما ذكره المحقق الخراساني قدّس سرّه من أن وجود الكلي الطبيعي وإن كان بوجود فرده ، إلا أن وجوده في ضمن المتعدد من أفراده ليس وجودا واحدا له ، بل تتعدد وجوداته بتعدد أفراده ، فلا يكون المشكوك بقاء للمتيقن ، بل يكون مباينا له ويمتنع الاستصحاب.

ومن هنا افترق ذلك عن القسم الثاني ، لأن المفروض في ذلك القسم الشك في بقاء نفس الحصة المتيقنة من الكلي ، لفرض الشك في حال الفرد الواحد المتيقن ، وأنه الطويل أو القصير ، من دون أن يحتمل وجود فرد غيره.

هذا ، ومن الظاهر أن تعدد وجود الكلي بتعدد أفراده إنما يتم بالإضافة إلى الوجود الحقيقي المستند للعلل التكوينية الخارجية.

أما بالإضافة إلى الوجود الانتزاعي المنسوب للكلي بما هو على سعته ،

٢٠٥

من دون نظر إلى تخصصه ، وهو صرف الطبيعة المتحقق بصرف الوجود فلا تعدد فيه ، بل يصح نسبة الوجود للكلي بوجود الفرد الواحد بعين نسبته له بوجود الأفراد المتعددة المتعاقبة أو المجتمعة.

ومن هنا كان للكلي نحو من الوجود يعبر عنه بالوجود السعي ، وهو الذي يقتضيه الإطلاق ، دون المرة أو التكرار ، كما صرحوا به ، فإذا انتقض عدم الكلي بتحقق صرف الطبيعة لا ينتقض مرة بعد اخرى بوجود الفرد اللاحق ، بل يستمر وجوده بتعاقب الأفراد ما لم يتخللها العدم المطلق بعدم جميع الأفراد ، فيصح أن يقال : ـ مثلا ـ وجد الجسم ملونا وبقي ملونا حتى تلف ، وإن تعاقبت الألوان عليه واختلفت أفرادها.

فوجود الفرد اللاحق وإن صدق عليه الحدوث بالإضافة إلى خصوصيته ، وبالإضافة إلى الحصة الخاصة من الكلي الموجودة في ضمنه ، إلا أنه يصدق معه البقاء بالإضافة إلى الكلي بما له من الوجود السعي المقابل لعدمه المطلق والناقض له.

وأما ما عن بعض المحققين قدّس سرّه من أن وجود الفرد لا يكون ناقضا للعدم المطلق ، بل ناقض لعدمه الخاص ، فارتفاعه موجب لرجوع عدمه ، أما العدم المطلق فهو لا ينتقض دائما.

فهو في غاية الإشكال ، لاستلزامه اجتماع العدم المطلق للماهية مع وجود فردها ، وهو بديهي البطلان ، بل وجود الفرد كما يقتضي انتقاض عدمه يقتضي انتقاض العدم المطلق ، وإن كان عدمه يرجع بارتفاع وجوده الخاص ، والعدم المطلق لا يرجع إلا بارتفاع جميع ما وجد من أفراد الماهية.

وكذا ما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه من أنه لو فرض وحدة وجود الكلي مع تعدد أفراده فهي وحدة عقلية دقية لا تكفي في جريان الاستصحاب ، بل لا بد فيه من الوحدة العرفية غير المتحققة في المقام ، لوضوح التباين بين حصص الكلي.

٢٠٦

لاندفاعه : بأن وضوح التباين بين الحصص عقلا وعرفا لا ينافي صدق البقاء عرفا بالإضافة إلى الوجود السعي للكلي ، وعليه يبتني التناقض بين وجود الكلي والعدم المطلق ، كما ذكرنا.

هذا ، وقد ذكر شيخنا الاستاذ قدّس سرّه أن ذلك لا يتم في هذه الصورة ، حيث فرض وجود الفرد اللاحق بعد ارتفاع السابق من دون أن يجتمعا في الوجود ـ كما يأتي فرضه في الصورة الثالثة ـ لأنه بارتفاع الفرد الأول ينعدم جميع الأفراد ، فينتقض وجود الكلي بالعدم المطلق ، ويكون احتمال وجود الكلي احتمالا لوجود الكلي بعد العدم.

وفيه : أنه خروج عن مفروض الكلام ، لأن المفروض في هذه الصورة احتمال مقارنة الفرد اللاحق لارتفاع السابق ، بحيث لا يتخلل العدم المطلق بينهما.

ولأجل هذا ذهب المحقق اليزدي قدّس سرّه في درره إلى جريان الاستصحاب في هذه الصورة. وقد جرينا عليه في ما سبق ، وهو في محله لو استفيد من الأدلة كون الكلي بما له من الوجود السعي موردا للعمل عقلا ، أو موضوعا للأثر شرعا.

لكن يشكل استفادة ذلك بعد كون الوجود المذكور أمرا انتزاعيا ليس له ما بإزاء في الخارج ، وليس الأمر الحقيقي إلا الوجود المحدود المتكثر بتكثر الأفراد ، والذي يكون هو المحط للأغراض والمورد للملاكات ، لا الوجود السعي الذي لا تكثر فيه ويقبل الاستمرار.

فإن ذلك قرينة عرفية على كون موضوع الأحكام الشرعية هو الوجود المذكور ، ولذا كان المرتكز عرفا أن كل فرد موضوع مستقل ، فلو تكثرت الأفراد كان السبب متكثرا ، لا واحدا وهو الوجود السعي غير القابل للتكثر ، كما عرفت.

وهو لا ينافي ما قيل من حمل الإطلاق على الطبيعة الصادقة على القليل والكثير. لأن الغرض من ذلك بيان شمول الحكم لتمام الأفراد ، لا كيفية تعلقه

٢٠٧

بالموضوع ، فمقتضى الإطلاق سعة الانطباق ، لا كون الموضوع هو الوجود السعي الانتزاعي.

وعلى هذا يتجه امتناع التمسك باستصحاب الكلي في المقام ، لأن ما يقبل البقاء ـ وهو الوجود السعي ـ ليس موضوعا للأثر ، ولا موردا للعمل ، وما هو موضوع الأثر ومورد العمل ـ وهو الوجودات المتكثرة ـ لا يقبل البقاء والاستمرار بتعاقب الأفراد ، كما قرر في وجه المنع المتقدم.

نعم ، قد يكون الموضوع معنى بسيطا قائما بالأفراد ، أو ملازما لها كعنوان القبيلة ، كما إذا قيل : إذا كان الحكم لآل فلان وجبت الصدقة في كل جمعة بدرهم ، على أن يراد بذلك استحقاقهم الحكم ، أو خضوع الناس لهم وعدم منازعتهم فيه ، ومن الظاهر أن المعنى المذكور لا يتوقف على فعلية قيام الحاكم منهم ، بل يصدق لو مات الحاكم منهم قبل تعيين غيره ، فيصح استصحاب كون الحكم لهم بلحاظ استمرار هذا المعنى فيهم ، ولو مع تعاقب الحكام منهم ، وعدم بقاء الحاكم المتيقن سابقا.

ولعل منه أيضا عنوان الرقّية المقابل للحرّية ، والمنتزع من كون الإنسان مالا كسائر الأموال المملوكة ، الذي هو معنى قابل للاستمرار عرفا وإن تعاقبت الملكيات عليه ، وتعددت أفرادها بتعدد المالكين له ، بحيث لو أمكن كون المال غير مملوك فعلا لم يرتفع العنوان المذكور عنه ، فيصح استصحاب هذا المعنى في الشخص لو احتمل بقاؤه ، ولو مع العلم بارتفاع ما علم ثبوته سابقا فيه من ملكية خاصة لشخص خاص.

لكن هذا ليس في الحقيقة من استصحاب الكلي ، لعدم كون المستصحب هو العنوان الكلي المتحد خارجا مع الأفراد ، بل العنوان الشخصي الذي له نحو من الوجود الحقيقي الاستمراري ، المقارن لوجود الأفراد ، وليس كبقاء الكلي بتعاقب أفراده الذي هو انتزاعي محض لا يكون عرفا موردا للأثر ولا محطا

٢٠٨

للغرض.

نعم ، قد يستفاد من الأدلة كون الموضوع الشرعي هو الكلي بما له من الوجود السعي لمناسبات وقرائن خاصة تخرج عن مقتضى الأصل المذكور ، كعنوان الجدة واليسار الموضوع لبعض الأحكام ، فإنه متقوم بملكية الشخص للمال ، من دون ملاحظة خصوصية الأموال ، فيستمر عرفا مع تعاقبها لأن المناسبات الارتكازية تقتضي بأن اعتباره لأجل كونه منشأ للقدرة والمكنة التي لا تتقوم بخصوصيات الأموال ، ولا تتكرر بتعددها ، بل تستمر بتعاقبها ، وفي مثل ذلك لا مانع من استصحاب الكلي ، فتستصحب ملكية الإنسان وجدته للمال بما لها من الوجود السعي المستمر بتعاقب الأموال ، وإن علم بخروج شخص المال الذي كان عنده سابقا عن ملكيته.

لكن هذا محتاج لقرينة خاصة ولطف قريحة ، والغالب الأول ، الذي عرفت عدم جريان الاستصحاب فيه ، ككلي الحدث والخبث ونحوهما مما يظهر من أدلته ـ ولو بمعونة الجهة الارتكازية العامة المتقدمة ـ كون الموضوع خصوصيات أفراده بما لها من الوجود المتكثر المحدود ، لا الكلي بما له من الوجود الواحد السعي القابل للاستمرار. ولا بد من التأمل التام في خصوصيات المسائل الفرعية والنظر في أدلتها والله سبحانه وتعالى ولي التسديد والتوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ثم إنه لو فرض جريان استصحاب الكلي في هذه الصورة فلا مجال لرفع اليد عنه باستصحاب عدم حدوث الفرد المشكوك ، لفرض عدم كون الأثر للفرد ، لا بخصوصيته ، ولا من حيثية كونه حصة من الكلي. وملازمة عدم حدوثه لارتفاع الكلي بارتفاع الفرد المتيقن لا يقتضي حكومته على استصحاب الكلي ، لما تقدم في القسم الثاني من عدم السببية بين الفرد والكلي لا حقيقة ولا شرعا.

ومن هنا قد يجعل من ثمرات جريان الاستصحاب في هذه الصورة

٢٠٩

جريان استصحاب الحدث بعد الوضوء للمحدث بالأصغر إذا احتمل طروء الحدث الأكبر عليه قبل الوضوء ، بناء على التضاد بين الحدثين وعدم اجتماعهما.

واستصحاب عدم الأكبر لا ينفع في البناء على ارتفاع كلي الحدث وعدم ترتب آثاره ، وإن كان ينفع في عدم ترتب أثر خصوص الأكبر ، كحرمة المكث في المساجد.

لكن لا يبعد عدم ترتب الثمرة المذكورة ، لأن المستفاد من نصوص الأحداث كون الحكم واردا عليها بخصوصياتها ، لا على العنوان الكلي ، لعدم أخذ كلي الحدث في الأدلة بعنوانه موضوعا للمانعية ، بل اخذت الطهارة موضوعا للشرطية ، ومن الظاهر أن الطهارة أمر إضافي يختلف بالإضافة إلى كل حدث بنفسه ، والمراد بها الطهارة من جميع الأحداث ، فيكون كل حدث بنفسه موضوعا للمانعية على نحو العموم الاستغراقي.

وهو الظاهر من مثل قوله تعالى : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)(١) ، فإن المراد القيام من النوم ، كما في موثق ابن بكير (٢) ، وبعض نصوص الأحداث ، كقوله عليه السّلام : ـ في صحيح يونس ، في بيان الوضوء المفترض لمن جاء من الغائط أو بال ـ «يغسل ذكره ، ويذهب الغائط ، ويتوضأ مرتين مرتين» (٣) ، وغيره.

وهو راجع إلى أن موضوع المانعية مركب من كل حدث بنفسه ، فإذا احرز عدم بعضها بالأصل ، وعدم الآخر بالوجدان أمكن ترتيب أثر ارتفاعها ، وليس موضوعها كلي الحدث ، ليبتني على جريان استصحاب الكلي في هذه

__________________

(١) سورة المائدة : ٦.

(٢) الوسائل ج : ١ ، باب : ٣ من أبواب نواقض الوضوء ، حديث : ٧.

(٣) الوسائل ، ج : ١ ، باب : ٩ من أبواب أحكام الخلوة ، حديث : ٥.

٢١٠

الصورة. فلاحظ.

الصورة الثانية : من الصور التي ذكرها شيخنا الأعظم قدّس سرّه لهذا القسم من الشك في الكلي ما إذا احتمل حدوث الفرد المشكوك مقارنا لارتفاع الفرد المعلوم ولم يحتمل اجتماعهما مع عدم التباين بين الفردين عرفا ، بل يتسامح العرف ، فيعد الفرد اللاحق مع الفرد السابق كالمستمر الواحد.

وقد اختار قدّس سرّه جريان الاستصحاب في ذلك على ما هو مسلكه من الاكتفاء بالتسامح العرفي في الوحدة بين المشكوك والمتيقن.

وقد مثل لذلك بما إذا كان المشكوك اللاحق من مراتب المتيقن السابق ، كما لو علم بوجود السواد الشديد وعلم بارتفاعه إما بجميع مراتبه أو ببعضها ، أو علم بارتفاع المرتبة الشديدة من كثرة الشك واحتمل بقاء مرتبة ضعيفة منها.

هذا ، وقد تقدم منا عند الكلام في موضوع الاستصحاب المنع من الاعتماد على التسامح العرفي ، وأنه لا بد من الاتحاد الحقيقي بنظر العرف.

إلا أن ما ذكره من الأمثلة خارج عنه ، لأن المرتبة الضعيفة موجودة في ضمن المرتبة الشديدة بذاتها ، وإن اختلفت عنها بحدها ، فذهاب بعض حدود الامور التشكيكية لا يوجب تبدل ذواتها ، ليكون من تبادل الفردين ، بل هو من سنخ تبدل الحالات الزائدة على الذات لا ينافي صدق البقاء عليها حقيقة ، لبقاء ما به الاشتراك بعينه.

فالمورد من موارد القسم الأول للشك في بقاء الكلي الذي تقدم عدم الإشكال في جريان الاستصحاب فيه.

نعم ، عمم قدّس سرّه جريان الاستصحاب في ذلك لما إذا كان الشك في البقاء راجعا للشبهة المفهومية. وهو مبني على جريان الاستصحاب في المفهوم المردد ، ويأتي في المقام الثاني المنع منه.

ثم إنه قد يدعى ظهور ثمرة جريان الاستصحاب في هذه الصورة فيما لو

٢١١

علم بنسخ الوجوب واحتمل تبدله بالاستحباب ، فيستصحب الطلب ، لأن الوجوب مرتبة شديدة منه والاستحباب مرتبة ضعيفة منه.

وقد استشكل في ذلك المحقق الخراساني قدّس سرّه : بأن الاستحباب وإن كان من مراتب الوجوب حقيقة ، إلا أنهما متباينان عرفا ، فيمتنع الاستصحاب.

لكن عرفت عدم الاعتداد بالتسامح العرفي في امتثال المقام.

نعم ، الظاهر أن الاستحباب ليس من مراتب الوجوب ، وليس هو مرتبة ضعيفة من الطلب ، بل هما فردان منه بينهما كمال المباينة ، والوجوب منتزع من الطلب مع المنع من الترك ولو مع ضعف الطلب لضعف ملاكه ، والاستحباب منتزع من الطلب مع الترخيص فيه لوجود المانع من الإلزام ولو مع قوته لقوة ملاكه ، أو هما منتزعان من نحوين من الإرادة التشريعية ، وإن كان يجمعهما تشريع الفعل ونسبته للمولى على ما يذكر في محله.

لكنّ هذا إنما يقتضي تباين الوجوب والاستحباب بما أنهما حكمان منتزعان من الطلب في حالتيه المختلفتين ، أو التشريع بخصوصيته المتباينتين ، ولا يمنع من استصحاب الأمر المشترك بينهما ونفس الطلب ، أو تشريعه ونسبته للمولى الذي هو موضوع حسن الطاعة عقلا مع قطع النظر عن مقارنته للخصوصيتين المذكورتين ، وإنما يناط بالمنع من الترك وجوب الطاعة وبالترخيص فيه جواز تركها ، ومن الظاهر أن الأمر المشترك متيقن حين الوجوب ، ولا يكون التبدل بالاستحباب تبدلا في فرده ، بل يكون تبدلا في حالته ومقارنه ، فالمستصحب هو الطلب بما له من الوجود الخاص المتيقن ، ويكون من القسم الأول لاستصحاب الكلي ، لا من هذا القسم ، فلا مجال لجعله ثمرة لجريان الاستصحاب في هذه الصورة.

الصورة الثالثة : ما إذا احتمل مقارنة الفرد المشكوك للفرد المتيقن وبقاؤه بعده ، كما لو علم بدخول زيد الدار يوم الجمعة وخروجه منها يوم السبت ،

٢١٢

واحتمل وجود عمرو فيها معه وبقاؤه بعده.

وقد قرب شيخنا الأعظم قدّس سرّه جريان الاستصحاب في هذه الصورة مفرقا بينها وبين الصورة الأولى ، قال : «لاحتمال كون الثابت في الآن اللاحق هو عين الوجود سابقا ، فيتردد الكلي المعلوم سابقا بين أن يكون وجوده الخارجي على نحو يرتفع بارتفاع ذلك الفرد ، فالشك حقيقة إنما هو في مقدار استعداد ذلك الكلي».

وظاهره أن الوجه في التفصيل المذكور هو اختصاص هذه الصورة باحتمال كون الموجود اللاحق المحتمل عين الموجود السابق المتيقن ، لاحتمال كون الوجود المتيقن سابقا للكلي في ضمن فردين أحدهما المشكوك الذي يحتمل بقاؤه ، بخلاف الصورة الأولى ، للعلم بمباينة الوجود السابق للاحق.

وفيه : أن فرض اليقين سابقا بوجود الكلي إن كان بلحاظ وجوده السعي ، فهو كما لا يتكثر بتعدد الأفراد ، بل يوجد مع تعددها بعين وجوده مع الفرد الواحد ، ويصدق عليه الاستمرار حينئذ ، كذلك لا يتعدد مع تبادل الأفراد ، كما في الصورة الأولى ، بل يصدق عليه البقاء حينئذ ، ولازم ذلك جريان الاستصحاب في الصورة الأولى أيضا ، كما تقدم.

وإن كان بلحاظ وجوده المتكثر الذي هو عبارة عن وجود حصصه ، فلا يحتمل في هذه الصورة اتحاد المشكوك مع المتيقن ، لعدم اليقين سابقا بكلا الفردين ، بل بأحدهما المعلوم الارتفاع ، ولا يحتمل اتحاد المشكوك لاحقا معه ، بل مع الفرد الآخر المشكوك الحدوث ، فلا مجال للاستصحاب في هذه الصورة أيضا.

هذا ، وقد يتراءى من كلامه السابق أنه ناظر لتفصيله بين الشك في المقتضي والشك في الرافع بعد فرض كون موضوع الأثر هو الكلي بوجوده

٢١٣

السعي لا المتكثر.

وقد يقرب : بأن اقتضاء الكلي بما له من الوجود السعي للبقاء تابع لاقتضاء أفراده ، ففي الصورة الأولى حيث كان وجود الكلي سابقا منحصرا بالفرد المتيقن المعلوم الارتفاع ، فاحتمال بقائه يستند لاحتمال تجدد الاقتضاء له في ضمن فرد آخر بعد القطع بعدم استناد بقائه لاقتضائه السابق الثابت له تبعا للفرد السابق ، فإنه لا أثر ارتكازا لمثل هذا الاقتضاء في استحكام المستصحب حتى يلحق بصورة إحراز المقتضي والشك في الرافع ، فهو نظير ما لو علم بوجود الزيت في السراج بمقدار إنارته إلى الفجر ، ثم علم بإراقة ذلك الزيت واحتمل بقاء السراج منيرا لوضع زيت آخر فيه بعد ذلك ، حيث لا يظن منهم إلحاق ذلك بصورة العلم بالمقتضي.

أما في الصورة الثالثة فحيث يحتمل وجود الكلي في ضمن فردين فهو مما يحرز اقتضاء البقاء له ، وإنما يشك في ارتفاعه للشك في أن رافع الفرد المتيقن رافع له ، لانحصاره به ، أولا ، لاستغنائه باقتضاء الفرد الآخر للبقاء ، فهو راجع للشك في حال الاقتضاء الأول وأنه يرتفع بالرافع المذكور أو لا؟.

ودعوى : أنه يعلم بعدم استناد بقائه لما علم من مقتضيه السابق ، وهو الفرد المتيقن ، وإنما يحتمل استناد بقائه للمقتضي الآخر المشكوك ثبوته ، فيكون الشك في بقائه مستندا للشك في المقتضي.

مدفوعة : بأنه لا نظر لخصوصيات المقتضي في التفصيل المذكور ، بل المعيار كون المستصحب من شأنه البقاء ، ويستند الشك في بقائه للشك في رافعه ، لا لاحتمال تجدد المقتضي له ، وهو حاصل في الفرض.

فهو نظير ما لو تردد الفرد في القسم الثاني بين ما يرتفع بالرافع الطارئ وما لا يرتفع ، كالحدث المردد بين الأكبر غير المرتفع بالوضوء والأصغر المرتفع به.

٢١٤

نعم ، لو كان ارتفاع الفرد المتيقن في هذه الصورة لانتهاء مقتضيه لا لوجود الرافع له كان الشك في بقاء الكلي للشك في المقتضي ، إذ لا يعلم من أول الأمر بوجود المقتضي لبقائه ، بل المتيقن ثبوت شأنية البقاء له إلى زمان ارتفاع الفرد المتيقن ، واحتمال بقائه بعده لاحتمال ثبوت مقتض آخر يقتضي بقاءه في ضمن الفرد الآخر.

ولا يبعد عدم بناء شيخنا الأعظم قدّس سرّه على جريان استصحاب الكلي في هذا الفرض ، حيث كان تفصيله بين الشك في المقتضي والرافع.

ومما ذكرنا يظهر اندفاع ما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه من الإشكال على شيخنا الأعظم قدّس سرّه بأن جريان الاستصحاب في هذه الصورة لا يناسب ما ذهب إليه من عدم جريان الاستصحاب مع الشك في المقتضي.

فالعمدة في دفع ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه من الفرق بين هذه الصورة والصورة الأولى هو ما سبق من عدم تمامية التفصيل بين الشك في المقتضي والرافع ، فلو جرى الاستصحاب في هذه الصورة بلحاظ الوجود السعي جرى في الصورة الأولى أيضا ، إلا أنه لما كان الغالب عدم كون موضوع الأثر هو الوجود المذكور ، بل الوجود المتكثر المحدود فالشك في كلتا الصورتين في حدوثه لا بقائه ، فلا مجال لجريان الاستصحاب فيهما معا.

ثم إنه ربما يدعى ظهور ثمرة جريان الاستصحاب في هذه الصورة في موارد ..

الأول : ما لو دار الواجب بين الواحد والمتعدد للشبهة الحكمية ـ كما لو ترددت الكفارة بين المد والمدين ـ أو الموضوعية ـ كما لو تردد فوت الفريضة بين المرة والمرتين ـ فبإتيان فرد واحد يشك في بقاء التكليف بالكلي على نحو الشك المفروض في هذه الصورة ، فيستصحب التكليف بالواحد الثابت قبل الإتيان به.

٢١٥

وقد ذكر ذلك سيدنا الأعظم قدّس سرّه في تعقيب ما ذكره المحقق الخراساني ثمرة لاستصحاب الكلي. فراجع.

ويشكل : بأن الأثر في المقام للفرد ، لا للكلي ، فان وجوب الامتثال عقلا من آثار التكليف الشخصي ، لأن جميع القضايا العقلية والخارجية ـ كإحراق النار ـ ليست عنوانية قائمة بالكلي ، بل انحلالية قائمة بالأفراد ، والقضايا العنوانية التي تؤدى بها انتزاعية محضة ، وليست القضايا العنوانية الحقيقية الا القضايا الشرعية الكلية.

فالمقام من تشابه الفردين في الأثر ، لا من استناد الأثر للكلي ، فلا مجال لاستصحاب الكلي ، بل يجري الاستصحاب في الفرد المشكوك بلا إشكال.

الثاني : ما لو احتمل طروء الحدث الأكبر على المحدث بالأصغر ، فإنه بناء على اجتماع الحدثين يعلم بعد الوضوء بارتفاع الحدث الأصغر ، ويحتمل بقاء كلي الحدث في ضمن الحدث الأكبر الذي يحتمل وجوده مقارنا للأصغر. لكن هذا مبني ..

أولا : على أن الأثر لكلي الحدث ، لا لأفراده ، وإلا خرج عن استصحاب الكلي ، كما تقدم في ثمرة جريان الاستصحاب في الصورة الثانية.

وثانيا : على ارتفاع الأصغر المقارن للأكبر بالوضوء ، وهو محل إشكال ، خصوصا في الجنابة. وحينئذ يشك بعد الوضوء في ارتفاع الأصغر ، ولا إشكال حينئذ في استصحاب الكلي ، لأنه من القسم الأول.

اللهم إلا أن يقال : مقتضى ذلك اشتراط رافعية الوضوء للأصغر بعدم الحدث الأكبر ، فاستصحاب عدم الحدث الأكبر يكون محرزا لارتفاع الأصغر المتيقن بالوضوء ، ويكون احتمال بقاء الكلي مستندا لاحتمال حدوث فرد آخر غير المتيقن الذي احرز ارتفاعه ، فيخرج عن القسم الأول ، ويدخل في هذا القسم. فلاحظ.

٢١٦

الثالث : ما لو احتمل كون ملاقي النجاسة من الأعيان النجسة ، فإنه بناء على اجتماع النجاسة الذاتية والعرضية في العين الواحدة يكون الشك في بقاء النجاسة بعد غسل الملاقي نظيرا لهذه الصورة ، فيبتني جريان استصحاب النجاسة على جريان استصحاب الكلي فيها.

لكنه يختص بما إذا اخذ في موضوعه النجاسة ، كحرمة الأكل والشرب ، حيث يمكن دعوى كون المأخوذ فيه كلي النجاسة لا أفرادها.

أما ما اخذ في موضوعه الطهارة ـ كالوضوء الذي يجب أن يكون بالماء الطاهر ـ فالظاهر كون الموضوع فيه مركبا من أفرادها بنحو العموم الاستغراقي ، فإحراز عدم بعضها بالأصل وعدم الآخر بالوجدان يكفي في ترتب الأثر ، كما تقدم نظيره في ثمرة الصورة الأولى.

هذا ولو فرض عدم اجتماع النجاستين الذاتية والعرضية كان المقام نظير ما لو طرأ سبب الحدث الأصغر مع احتمال سبق الأكبر ، حيث تقدم في ذيل الكلام في القسم الثاني أنه وإن لم يكن من القسم الثالث إلا أنه نظير له بناء على أن الأثر للكلي.

بقي في المقام أمران :

الأول : أن ما ذكرناه من عدم جريان الاستصحاب في هذا القسم إنما هو بالإضافة إلى نفس الكلي المتحد مع الفرد ، أما بالإضافة إلى مسببه وأثره فلا مانع من الاستصحاب لو فرض الشك في بقاء المسبب لاحتمال وجود فرد آخر من السبب غير ما علم وجوده سابقا ، كما يجري لو احتمل تجدد سبب آخر مباين للسبب المتيقن في ماهيته ، كما لو احتمل بقاء الحرارة بعد غروب الشمس من جهة الحركة ، لان تعدد السبب لا ينافي وحدة المسبب بحيث يصدق البقاء بالإضافة إليه.

نعم ، كثيرا ما يكون الشك في تجدد السبب راجعا إلى الشك في اقتضاء

٢١٧

المسبب للبقاء ، وهو أمر آخر خارج عن محل البحث ، بل لا أثر له في جريان الاستصحاب بناء على ما تقدم من عمومه للشك المذكور.

ودعوى : أن لازم ذلك جريان الاستصحاب في المسببات الشرعية مع الشك المذكور ، كما لو شك في بقاء الزوجية للشك في حدوث أمد الدائم عند انتهاء أمد المنقطع.

مدفوعة : بأنه يجري ذاتا لو لا كونه محكوما لاستصحاب عدم حدوث السبب الآخر ، المقتضي لانتهاء المسبب بانتهاء أمد السبب الأول. بخلاف المسببات غير الشرعية ، كالحرارة المسببة عن الحركة ، فان الاستصحاب في أسبابها لا ينهض بإثباتها أو نفيها إلا من باب الأصل المثبت ، فلا حاكم على الاستصحاب الجاري فيها.

مضافا ـ في خصوص مثال الزوجية ـ إلى قرب عدم صحة العقد على المتمتع بها إلا بعد انقضاء المدة المستلزم لتخلل العدم بين الزوجيتين بمقدار العقد.

نعم ، لا مجال لذلك لو فرض احتمال تجديد المدة.

وأما ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من أن الشك في مثل ذلك في تجدد فرد آخر من المسبب ـ كالزوجية الدائمة ـ لا في بقاء الفرد المتيقن لتعاقب السببين الذي هو محل الكلام.

ففيه : أن حقيقة الزوجية الدائمة ليست مباينة لحقيقة الزوجية المنقطعة ، كما أن أفراد الزوجية الدائمة أو المنقطعة ليست متباينة في حقائقها ، ومع اتحاد سنخ العرض وعدم تخلل العدم بين أجزائه يكون فردا واحدا مستمرا بنفسه ، لا أفرادا متعددة متباينة لا يكون أحدها بقاء للآخر ، كي يمتنع الاستصحاب ، فالمقام نظير الحركة والحرارة المستمرتين بتعاقب أسبابهما.

الثاني : ذكر بعض مشايخنا لاستصحاب الكلي قسما رابعا لم يمنع منه ،

٢١٨

وهو ما إذا علم بتحقق كليين وارتفاع أحدهما بارتفاع فرده ، واحتمل بقاء الآخر لاحتمال وجوده في ضمن الفرد المرتفع لكونه مجمعا للعنوانين ، أو وجوده في ضمن فرد آخر باق.

كما إذا علم بوجود العالم والقرشي في الدار ، ثم علم بخروج العالم منها واحتمل بقاء القرشي ، لاحتمال كونه هو العالم الخارج ، أو غيره الباقي ، فيستصحب القرشي.

وما ذكره في محله ، لاجتماع ركني الاستصحاب في العنوان الكلي المشكوك الذي هو مورد الأثر مع احتمال بقاء الحصة المتيقنة منه.

إلا أنه لا وجه لجعله قسما في قبال القسمين الأولين ، بل هو من أفرادهما ، فيكون من أفراد القسم الأول إن كان الفرد الذي حصل الكلي في ضمنه معينا ، وكان الشك في كونه مجمعا للعنوانين ، كي يشك في ارتفاعه بارتفاع الفرد الآخر ، ومن أفراد القسم الثاني إن تردد الفرد الذي حصل الكلي في ضمنه بين ما ينفرد بأحد العنوانين وما يكون مجمعا لهما ، حيث يتردد حينئذ بين مقطوع الزوال ومقطوع البقاء.

ومجرد العلم بوجود الكلي الآخر وتردد الموجود بين الفرد والفردين لا أثر له بعد كون الفرد الآخر المحتمل فردا لكلي آخر غير الكلي المستصحب مع احتمال بقاء الكلي المستصحب ببقاء نفس الكلي المتيقن لا غيره.

وإنما امتاز القسم الثالث باحتمال وجود فرد آخر من نفس الكلي المستصحب مع القطع بزوال الفرد المتيقن منه.

ولو اريد تكثير الأقسام من دون نكتة توجب اختلاف ملاك الكلام فيها لم تكن متناهية.

ثم إنه قد فرّع على جريان الاستصحاب في هذا القسم جريان الاستصحاب ذاتا في موردين وإن كان مبتلى بالمعارض ..

٢١٩

الأول : ما لو كان المكلف متوضئا ، ثم صدر منه وضوء وحدث ، واشتبه عليه المتقدم منهما ، واحتمل كون وضوئه الثاني تجديديا قد انتقض بالحدث المعلوم ، فيجري استصحاب كلي الطهارة المتيقن ثبوتها بعد الوضوء الثاني ، حيث يحتمل أن تكون هي الطهارة الأولى فهي مرتفعة ، وأن تكون طهارة اخرى فهي باقية.

وقد يستشكل فيه : بأن المستصحب ليس هو الكلي ، بل الطهارة الشخصية الثابتة حين الوضوء الثاني.

ويندفع : بأن وحدة الشخص لا تنافي استصحاب الكلي فيما لو كان الأثر له ، وكان الشك في بقائه للشك في ذلك الفرد ـ كما في القسم الأول ـ أو في حاله ، لتردده بين ما هو الباقي والمرتفع ـ كما في القسم الثاني ـ كما لعله ظاهر.

نعم ، تفريعه على القسم الذي ذكره من استصحاب الكلي لا يخلو عن إشكال ، لعدم احتمال كون المتيقن سابقا مجمعا لعنوانين أحدهما موضوع الأثر ـ وهو الطهارة ـ بل ليس هو إلا فردا لعنوان واحد.

غاية الأمر احتمال كونه مجمعا لفردين منها بينهما نحو من الاتحاد لتأكد أحدهما بالآخر واندكاكه ، ولا يعلم وجود العنوان الآخر حتى مثل عنوان الطهارة التجديدية ، بل هو مشكوك.

والأمر في ذلك سهل بعد جريان الاستصحاب ذاتا لو لا إشكال الاستصحاب مع تعاقب الحالتين المتضادتين الذي يأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى.

الثاني : ما لو رأى المكلف في ثوبه منيا وتردد بين أن يكون من جنابة قد اغتسل منها وأن يكون من غيرها ، فيجرى استصحاب كلي الجنابة من حين خروج ذلك المني المردد بين الفرد السابق المعلوم الانتقاض والجديد المشكوك الحدوث ، بدعوى : أن عدم جريان الاستصحاب في كل من الفردين

٢٢٠