🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
🚘 نسخة غير مصححة

عنه أثرا ، لفعلية محركيته عقلا ، بمجرد الخطاب به.

وفيه : أن المرتكزات العرفية والعقلائية قاضية باتحاد الواجب المشروط والمطلق سنخا وانتزاعهما معا عن الإرادة الفعلية الحاصلة حين فعلية تمام ما هو الدخيل في ملاك التكليف.

ولذا لو فرض التفات الحاكم المخاطب بالكبرى التعليقية للصغرى حين فعليتها لم يجد من نفسه إلا ما يجده حين الخطاب بالحكم الفعلي المطلق لو التفت إليه رأسا من دون أن يسبق منه الالتفات لكبراه ، بل قد يؤكد الخطاب الكبروي بالخطاب الخاص في مورد فعلية التكليف ، ولا يكون منه ذلك إرشادا بسبب فعلية محركية التكليف التعليقي ، ولا تبدلا في سنخ للتكليف.

ولذا كان المرتكز انحلال الحكم الكبروي إلى أحكام فعلية متعددة بعدد الموضوعات الفعلية ، مع وضوح أن الإرادة المقارنة للخطاب بالكبرى لا تقبل الانحلال بنفسها ، وإنما التعدد في الارادات الخاصة الفعلية ، تبعا لتعدد الموضوعات الفعلية ، فلو تم ما ذكره لم يكن هناك إلا تكليف واحد ، تتعدد مظاهر إطاعته ومعصيته ، لصلوحه للمحركية عقلا بفعلية ما انيط به خارجا ، ولا يصح إضافة التكليف المذكور للموضوعات الخارجية ، لعدم كونها موضوعا للإرادة المذكورة ، بل ليس موضوعها إلا العنوان الكلي ، فلا يصح أن يقال : هذا الخمر حرام ، فيجب اجتنابه عقلا ، إلا بتأويل راجع إلى حرمة عنوان الخمر ، فيجب عقلا إطاعتها باجتناب الخمر الخارجي.

بل كيف ينتزع التكليف الشرعي الذي هو موضوع الاطاعة والمعصية عقلا من الإرادة المذكورة؟! مع أنها قد تحصل قبل حصول مكلّف به قابل للخطاب ، بأن يكون المنوط به هو وجود المكلف ، مع وضوح أن التكليف ارتكازا نحو نسبة بين المكلّف والمكلّف والمكلّف به متقومة بأطرافها.

على أن ذلك هو ظاهر الكبرى الشرعية بلحاظ ما تقدم من ظهورها في

٢٨١

إناطة النسبة البعثية والزجرية بوجود الشرط خارجا ، إذ حيث كانت النسبة المذكورة هي المبرز للتكليف كان ظاهرها إناطة التكليف بذلك أيضا ، كما يكون ظاهر النسبة المطلقة إطلاق التكليف ، وحيث كان الموجود حين وجود الشرط خارجا هو الإرادة الفعلية كان التكليف منتزعا منها ، لا من الإرادة المقارنة للخطاب بالكبرى.

وبالجملة : التأمل في المرتكزات العقلائية التي يبتني عليها تحديد التكليف ثبوتا وبيانه إثباتا يوجب وضوح كون التكليف منتزعا من الإرادة والكراهة الفعليتين التابعتين لفعلية الموضوع خارجا ، فلا يكون التكليف فعليا إلا حينئذ ، من دون فرق بين التكليف المطلق الذي يخاطب به حين فعلية موضوعه والمشروط الذي يخاطب به قبل فعليته بنحو الكبرى التعليقية المنوطة بالموضوع والشرط ، وليست الإرادة الحاصلة حين الخطاب بالكبرى إلا لازما من لوازم مبادئ تحقق الإرادة الفعلية ، دون أن تكون منشأ لانتزاع التكليف ، وإنما هي حجة على تعيين موارد الارادات الفعلية التي ينتزع منها التكليف وضبطها.

إن قلت : إذا كان منشأ انتزاع التكليف هو الإرادة الفعلية ، لا التعليقية لزم عدم تحقق التكليف لو غفل المولى عن تحقق الشرط أو الموضوع حين فعليتهما ، لعدم تحقق منشأ انتزاعه ، وهو الإرادة الفعلية حينئذ.

قلت : هذا كاشف عن انتزاع الحكم من ملاك المحبوبية أو المبغوضية ، المستتبع لهما بمجرد الالتفات إليه ، وإن لم يتحققا بسبب الغافلة ، فاذا كانت الكبرى صالحة لبيان الملاك المذكور كانت صالحة لبيان التكليف بالنحو المستتبع لحكم العقل بوجوب الاطاعة.

وهذا جار على مدعى الخصم أيضا ، إذ قد يغافل المولى عن الكبرى ، فلا تكون الإرادة المستتبعة لها فعلية حين فعلية الموضوع والشرط ، مع وضوح أن

٢٨٢

محركية التكليف ووجوب إطاعته تابع لفعليته ، ولا يكفي في فعلية التكليف سبق تحقق منشأ انتزاعه مع ارتفاعه رأسا ، بل لا بد من تحققه حينه.

بل التحقيق : أن موضوع وجوب الاطاعة عقلا ليس خصوص التكليف المنتزع من الإرادة والكراهة أو ملاكهما في ظرف إبراز المولى له ببيان منه ، بل يكفي الملاك المذكور ، ولو مع غفلة المولى عنه رأسا ، أو عجزه عن بيانه بابراز التكليف ، لو فرض اطلاع المكلف عليه من غير طريق المولى. ولذا يجب عقلا بملاك وجوب امتثال التكليف مثل دفع الضرر عن المولى أو عمن يهمه أمره ، وإن غفل المولى عن توجهه إليه ، أو عجز عن بيان التكليف به ، وإن لم ينتزع التكليف بنظر العقلاء حينئذ.

هذا كله بناء على انتزاع التكليف من الإرادة والكراهة أو ملاكهما ، أما بناء على كونه من الاعتبارات فيجري فيه ما تقدم عند الكلام في محذور التفكيك بين الجعل والمجعول ، من أن الجعل الكبروي ليس تمام العلة للأمر الاعتباري ، بل هو مقدمة إعدادية له ، وتمام علته عرفا بفعلية ما علق عليه ، فلا وجود له قبله حتى يستصحب.

ومن جميع ما تقدم ظهر أن النسخ إنما يكون رفعا للحكم الكبروي الذي هو مقدمة إعدادية للحكم الوضعي الفعلي ، وكاشف عن الحكم التكليفي ، بناء على انتزاعه عن الإرادة.

أما بالإضافة إلى الحكم الفعلي الحقيقي الذي هو مورد العمل فلا يكون رفعا له إلا إذا كان بعد فعليته وتمامية موضوعه ، وأما قبل ذلك فهو دفع ثبوتا أو إثباتا.

الرابع : ما قد يظهر من المحقق الخراساني قدّس سرّه من أن الاستصحاب لما كان متضمنا للحكم بالبقاء كان متمما لدلالة الدليل لو فرض إجمال أمد الحكم فيه ، فالجمع بين الدليل الدال على الثبوت والاستصحاب يقتضي البناء على البقاء ،

٢٨٣

كما لو كان هناك دليل آخر متمم لدليل الثبوت وحاكم ببقاء مضمونه.

وهو لا يخلو عن إجمال ، لأنه إن كان المراد أنه شارح للمراد من دليل الثبوت ومبين لأمد مضمونه ، بنحو يكون حاكما عليه. فهو ممنوع جدا ، لامتناع شرح الاستصحاب لمفاد الدليل بعد اختلافهما سنخا ، لان مفاد الدليل الحكم الواقعي ، ومفاد الاستصحاب هو الحكم الظاهري.

وإن كان المراد أنه يتضمن التعبد الظاهري ببقاء مضمون الدليل. فهو موقوف على تمامية أركانه بالإضافة إلى مضمون الدليل ، وهو القضية الكبروية وقد سبق الاشكال في ذلك بعدم كون المضمون المذكور حكما فعليا موردا للعمل.

الخامس : أن فعلية الحكم الشخصي الذي هو مورد للعمل كما تتوقف على تحقق موضوعه تتوقف على وجود كبراه ، وكما كان استصحاب الموضوع كافيا في إحراز الحكم الشخصي بضميمة إحراز الكبرى فليكن استصحاب الكبرى كافيا في إحرازه بضميمة إحراز الموضوع.

وفيه : أن توقف الحكم الشخصي على الكبرى ليس ثبوتيا ، لكونها أحد جزئي علته ، بل إثباتي لانحلالها إلى أحكام متعددة بعدد أفراد العنوان المأخوذ فيها ، فكل فرد موضوع للحكم ، فمع إحراز موضوعية الفرد بسبب إحراز الكبرى يتجه إحراز حكمه تبعا لاحرازه بالأصل ، بضميمة ما تقدم من ملازمة التعبد بالموضوع للتعبد بحكمه عرفا.

أما مع احتمال نسخ الحكم الكبروي المستلزم لخروج الفرد عن كونه موضوعا للحكم فلا أثر لاستصحاب الكبرى ، لعدم دخلها بنفسها في الحكم الشخصي ، وليست هي موضوعا للعمل ، كما لا مجال لاستصحاب الحكم ؛ لليقين بعدمه قبل تحقق موضوعه ، ولا لاستصحاب موضوعية الموضوع وسببيته ، لما تقدم من كونها انتزاعية غير مجعولة.

٢٨٤

بقي شيء ، وهو أنه لو تم جريان الاستصحاب عند الشك في النسخ بالإضافة إلى الوقائع المتجددة فقد يدعى معارضته باستصحاب الأحكام المضادة لها الثابتة قبل تجدد موضوعاتها ، كما ذكروا نظير ذلك في الاستصحاب التعليقي ، فانه يشارك المقام في أكثر جهات الكلام.

فكما يجري استصحاب نجاسة الميتة لاثبات نجاسة الحيوان الخاص عند موته ، يجري استصحاب طهارته الثابتة له حين حياته ، فلا فائدة في جريان الاستصحاب المذكور.

وقد تصدى غير واحد للتخلص من محذور المعارضة في المقام. ولهم في ذلك مسالك ..

الأول : أن استصحاب الحكم الفعلي المضاد لا يجري في نفسه ، كي يعارض استصحاب الحكم الكلي الكبروي المنوط.

وقد وجه ذلك شيخنا الاستاذ قدّس سرّه بأنه من القسم الثالث لاستصحاب الكلي ، وذلك لأن الحكم المضاد كان قبل احتمال النسخ مغيّا بوجود موضوع الحكم المحتمل النسخ بنحو يقطع بارتفاعه بعده ، واحتمال بقاء الحكم المذكور إنما هو لاحتمال تجدد فرد آخر منه ، وهو المطلق ، فالطهارة المتيقنة للحيوان قبل طروء احتمال النسخ إنما هي الطهارة المغياة بالموت ، وهي معلومة الارتفاع به أو بالنسخ ، واحتمال بقاء كلي الطهارة ـ بعد الموت واحتمال النسخ ـ إنما هو لاحتمال حدوث الطهارة المطلقة بدلا عن الطهارة المغياة ، لنسخ الحكم بنجاسة الموت.

وفيه : أن الاطلاق والتقييد إنما يتصوران في الحكم الكلي الكبروي الذي هو مضمون الخطاب أما الحكم الشخصي الفعلي فهو لا يقبل الاطلاق ولا التقييد ، فتبدل حال الحكم الكبروي من التقييد إلى الإطلاق لا يوجب تبدل الفرد ليكون استصحابه من القسم المذكور ، بل المحتمل بقاؤه بشخصه ، فيكون

٢٨٥

من القسم الأول لاستصحاب الكلي ، أو من استصحاب الفرد.

على أنه لو سلم تبدل الفرد في المقام ، فالمستصحب ليس هو الحكم الثابت قبل احتمال النسخ ، كيف وقد لا يكون للموضوع وجود حينئذ ، بل هو الحكم الثابت بعده ، قبل تجدد موضوع الحكم المحتمل نسخه ـ كالموت في المثال ـ لأن الاستصحاب ابقاء للمستصحب من آخر أزمنة اليقين بدلا من أولها ، والحكم حينئذ مردد بين المغيى المقطوع الارتفاع والمطلق المقطوع البقاء ، فيكون من القسم الثاني ، لا الثالث.

الثاني : أن استصحاب الحكم الفعلي المضاد وإن كان جاريا في نفسه ، إلا أنه محكوم لاستصحاب الحكم الكبروي المنوط.

وقد ادعى ذلك شيخنا الأعظم قدّس سرّه من دون أن يوضح الوجه في الحكومة ، وقربها من تأخر عنه بوجوه ..

أولها : ما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه من أن الحكمين الفعليين ـ كالطهارة والنجاسة والحلية والحرمة ـ وإن كانا متضادين من دون ترتب بينهما فوجود أحدهما ملازم لعدم الآخر ، والأصول العملية لا تثبت اللوازم العقلية ، إلا أن هذا فيما إذا لم يكن التعبد بأحد الضدين بنفسه مقتضيا للتعبد بعدم الآخر ، كما في المقام ، إذ لا معنى للتعبد بحدوث النجاسة والحرمة المنوطتين إلا التعبد بفعليتهما حين وجود ما أنيطتا به ، وإلغاء احتمال الحلية والطهارة المضادتين لهما حينئذ الذي هو موضوع استصحابهما ، وإلا لغى استصحاب الحكم المنوط.

فالترتب بين المستصحبين الذي هو ملاك الحكومة لم يستفد من دليل خارج ـ كالترتب بين الحكم والموضوع ـ بل من نفس دليل الأصل الحاكم ، إذ لو لا حكومته كان لاغيا.

وفيه : أن هذا لا يخرج عن الأصل المثبت ، فان التعبد بالضد لا يقتضي

٢٨٦

التعبد بعدم ضده إلا للتلازم بينهما خارجا من دون ترتب شرعي ، بل ولا عقلي بينهما ، كما نبه لذلك المحقق الخراساني قدّس سرّه في هامش الكفاية.

وليس نفي الحكم المضاد باستصحاب الحكم الكبروي بأولى من نفي فعلية الحكم الكبروي باستصحاب الحكم المضاد ، إذ لا معنى للتعبد بالحكم المضاد إلا إلغاء احتمال تجدد ضده تبعا لتجدد موضوعه ، بعين التقريب الذي ذكره.

نعم ، لو كان أحد الاستصحابين مستفادا من دليل خاص به لزم البناء على حجيته في اللازم المذكور ، فرارا عن محذور لغويته ، فيكشف عن إلغاء عموم الاستصحاب بالإضافة إلى الضد ، فلا يعارضه ، لأنه أخص.

أما حيث كان كل منهما مستفادا من عموم الاستصحاب فليس إعماله بالإضافة إلى أحدهما بأولى من إعماله بالإضافة إلى الآخر ، بل يقصر في كل منهما عن إثبات لازم مجراه ، لما تقدم.

ثانيها : ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من أن الشك في بقاء الحكم الفعلي المضاد ناشئ من الشك في بقاء الموضوع المتجدد ـ كالموت في المثال ـ غاية له بسبب الشك في نسخ الحكم الكبروي المفروض ، فاستصحاب كونه غاية له قاض بارتفاعه بحدوثه.

فالشك في بقاء طهارة الحيوان بعد موته ناشئ من الشك في بقاء الموت غاية للطهارة كما كان سابقا قبل احتمال النسخ ، فيستصحب له ذلك.

وهو مبني على جريان استصحاب الغائية التي هي كالشرطية والسببية ونحوهما منتزعة غير مجعولة ، وقد سبق الكلام في ذلك.

ثالثها : أن الحكم الفعلي المضاد حكم أولي ثابت للذات بما هي ، والحكم الكبروي المشكوك النسخ ثانوي ثابت لها بما أنها واجدة لخصوصية زائدة ، كالموت في المثال ، وكما يكون الحكم الثانوي حاكما على الأولي لو كانا

٢٨٧

واقعيين ثابتين بالعلم أو الدليل الاجتهادي كذلك يكون حاكما عليه لو كانا ظاهريين محرزين بالأصل ، كما في المقام. وقد ذكر ذلك شيخنا الاستاذ قدّس سرّه وذكر أنه محتاج لشيء من التأمل.

والظاهر أن التأمل قاض باندفاعه ، لأن التحاكم ليس بين الحكم الأولي والثانوي لذاتيهما ، بل بين دليلهما الاجتهاديين في ظرف اجتماعهما موردا.

بتقريب : أن دليل الحكم الوارد على الذات بعنوانها الأولي وإن كان ظاهرا في الحكم الفعلي مطلقا ، إلا أنه يتعين عرفا تنزيله بقرينة دليل الحكم الوارد على الذات بعنوان زائد عليها على عدم كونه فعليا في مورده ، بل كونه اقتضائيا ، وليس الفعلي إلا الحكم الآخر ، وبهذا ينتزع عنوان الأولي والثانوي للحكمين المذكورين. كما كانت الحكومة من وجوه الجمع بين الأدلة في مقام الإثبات.

أما الحكمان المدلولان للدليلين فلا معنى للتحكام بينهما بنفسهما ثبوتا بل ليس الثابت في مورد الاجتماع إلا أحدهما ، وهو الثانوي ، لكون موضوعه بمقتضى الجمع المذكورة علة تامة له ، بخلاف موضوع الأولي فانه مقتض لا يؤثر مع وجود المانع.

ولا مجال لجريان ذلك في الاستصحابين ، لأن مقتضى كل منهما أن الحكم المستصحب فعلي في ظرف الشك ، كما كان فعليا في ظرف اليقين ، وانقلاب أحدهما إلى حكم اقتضائي مرتفع ينافي استصحابه ، فيتعارض الاستصحابان.

الثالث : أن استصحاب الحكم المضاد لا ينافي استصحاب الحكم المحتمل النسخ ولا يعارضه ، كما ذكره المحقق الخراساني.

وتقريبه في المقام : أن موضوع الحكم الكبروي الذي يحتمل نسخه كما يناط به الحكم المذكور كذلك يكون غاية لكبرى الحكم المضاد الثابت قبل فعلية الموضوع ، لاستحالة إطلاقه معه ، فكما تكون النجاسة منوطة بالموت

٢٨٨

تكون الطهارة مغياة به ، ومن الظاهر أنه لا تنافي بين الطهارة المغياة بالموت والنجاسة المنوطة به ، وإنما المنافي للنجاسة المنوطة بالموت هو الطهارة المطلقة ، وليست هي مستصحبة ، لعدم اليقين بها سابقا ، بل المتيقن عدمها ، وليس الثابت سابقا إلا الطهارة المغياة ، واستصحابها لا يعارض استصحاب النجاسة المنوطة ، بل يجتمعان ، كما كانتا سابقا معلومتين معا.

وحينئذ كما كان استصحاب النجاسة المنوطة بالموت مقتضيا لفعلية النجاسة وحدوثها بسببه ، يكون استصحاب الطهارة المغياة بالموت مقتضيا لارتفاعها بعده ، وكما لا تعارض بين استصحابي الطهارة المغياة والنجاسة المنوطة ، لا تعارض بين مقتضاهما ، وهو فعلية النجاسة وارتفاع الطهارة بالموت.

وبعبارة اخرى : استصحاب الحكم المقيد يقتضي التعبد بالحكم تبعا لقيده على نحو تقييده به ، فاذا كان القيد شرطا للحكم كان مقتضيا لوجوده ، وإذا كان غاية له كان مقتضيا لعدمه ، فالموت في المقام شرط للنجاسة وغاية للطهارة المستصحبتين ، فلا بد من حدوث النجاسة وارتفاع الطهارة بسببه.

وبهذا لا يحتاج لدعوى حكومة استصحاب الحكم المنوط على استصحاب الحكم الفعلي المضاد ، كما سلكه شيخنا الأعظم قدّس سرّه وتقدم تقريبه بوجوه تقدم الإشكال فيها ، لأن استصحاب الحكم الفعلي محكوم لاستصحاب الحكم المغيى ، كما كان استصحاب الحكم المنوط حاكما على استصحاب عدم فعليته ، حيث لم يحتمل أحد معارضة استصحاب نجاسة الميتة باستصحاب عدم نجاسة الحيوان.

نعم ، يبقى الاشكال في وجه إحراز وجود الحكم الفعلي أو ارتفاعه تبعا لاستصحاب الحكم الكبروي المنوط أو المغيّى ، مع وضوح تباينهما وعدم الترتب بينهما لا شرعا ولا عقلا ، بل بينهما محض التلازم خارجا ، فلا يحرز

٢٨٩

بالاستصحاب ، فضلا عن حكومته على الاستصحاب الجاري في الحكم الفعلي العدمي أو الوجودي.

وهذا لا يختص بحديث المعارضة ، بل يجري في أصل استصحاب الحكم الكبروي المنوط ، الذي هو محل الكلام ، إذ يشكل التمسك باستصحاب الحكم الكبروي المنوط حتى بالإضافة إلى استصحاب عدم فعلية حكمه ، فكما يعارض استصحاب نجاسة الميتة باستصحاب طهارة الحيوان الثابتة في حياته ، يعارض باستصحاب عدم نجاسته.

بل ترتب فعلية النجاسة على الاستصحاب المذكور مع قطع النظر عن معارضته بعد فرض عدم الترتب الشرعي بينهما مورد للإشكال.

وقد دفع ذلك في الكفاية بأنه قضية نحو ثبوت الحكم ، كان بدليله أو بدليل الاستصحاب.

فإن أراد أن نفس المضمون المستصحب مقتض لذلك ، إذ لا معنى للتعبد بالقضية المنوطة أو المغياة إلا التعبد بفعلية الحكم بالنحو المذكور ، سواء كان التعبد بالدليل أم بالأصل ، وإلا كان التعبد بهما لاغيا ، لعدم الأثر له بدون ذلك.

فهو إنما ينفع لو كان دليل التعبد بالقضية المنوطة أو المغياة واردا فيهما بالخصوص ، حيث يدل بدلالة الاقتضاء على ذلك ، دفعا لمحذور لغويته ، أما حيث كان الدليل فيهما عموم الاستصحاب ، الذي فرض عدم نهوضه باثبات اللوازم غير الشرعية فيمكن دفع محذور لغوية التعبد بهما بحمل العموم على غيرهما مما لا يحتاج فيه للعناية المذكورة.

وإن أراد أن اللازم المذكور وإن كان عقليا ، إلا أنه لازم لما هو الأعم من الوجود الواقعي والظاهري للملزوم ، كما هو ظاهره في حاشية الرسائل.

أشكل بما هو المعلوم من أن فعلية الحكم واقعا إنما تلزم بقاء الكبرى الشرعية وعدم نسخها واقعا ، وثبوت الكبرى ظاهرا إنما يقتضي البناء على

٢٩٠

الفعلية ظاهرا ، فلا بد من عموم دليل التعبد الظاهري بالكبرى للازمها المذكور ، وهو يتم في الدليل الاجتهادي ، دون الاستصحاب ونحوه من الأصول.

وأما ما في حاشية الرسائل من قياس ذلك بوجوب المقدمة وحرمة الضد ، حيث يكون موضوع الملازمة فيهما الأعم من الوجود الواقعي والظاهري.

فهو ممنوع في المقيس عليه ، فضلا عن المقيس ، كما تقدم في المستثنى الثالث من مستثنيات الأصل المثبت ، وذكرنا هناك أنه ربما يكون منشأ البناء عليهما هو أن ملاك التلازم فيهما كما يقتضي التلازم بينهما ثبوتا يقتضي بينهما إثباتا ، بنحو يكون التعبد بالملزوم مستلزما للتعبد باللازم ، ولا طريق لدعوى ذلك هنا.

ومن هنا أشكل الأمر في أصل جريان استصحاب الكبريات الشرعية ، مضافا إلى الاشكال السابق ، والى حديث المعارضة الذي هو محل الكلام هنا.

فالذي ينبغي أن يقال : لا مجال للبناء على جعل الأحكام الكبروية والفعلية معا ، للغوية أحد الجعلين والاستغناء به عن الآخر ، لوضوح عدم الترتب بينهما ، الراجع إلى أخذ أحدهما في موضوع الآخر ، كي يكون جعل المتقدم لتنقيح موضوع المتأخر ، نظير الأحكام الوضعية والتكليفية المترتبة عليها ، حيث يكون جعل الأولى لتنقيح موضوع الثانية ، وإنما بينهما محض التلازم الخارجي ، الراجع إلى استحالة انفكاك جعل الكبرى عن فعلية حكمها في ظرف تحقق موضوعه ، فلا بد من الاكتفاء بجعل واحد.

وحينئذ إن كان موضوع الأثر العملي هو الكبرى كانت هي المجعولة لا غير ، ولم يكن الحكم الفعلي إلا انتزاعيا راجعا إلى بلوغ الحكم مرتبة الباعثية والمحركية العقلية ، من دون أن يكون موردا للجعل الشرعي زائدا على جعل الكبرى.

وعليه يبتني الوجه الثاني والثالث المتقدّمان لتوجيه جريان استصحاب

٢٩١

الحكم الكبروي.

كما يمنع استصحاب الحكم الفعلي للزوم كون المستصحب هو المجعول الذي يكون موردا للعمل ومحطا للغرض ، فلا معارض لاستصحاب الحكم الكبروي ، بل يتعين العمل عليه لا غير.

كما يتوجه عليه البناء على بلوغ الحكم مرتبة الفعلية تبعا لفعلية موضوعه ، لأن بلوغ الحكم المرتبة المذكورة ليس لازما خارجيا للمستصحب ، بل هو راجع إلى حكم العقل بوصول الحكم مرتبة الاطاعة والعمل ، الذي هو كأصل حكمه بوجوب الاطاعة مما يترتب على استصحاب الحكم وغيره من طرق إحرازه ، ولا يعتبر فيه العلم الوجداني به ، نظير ما ذكره المحقق الخراساني قدّس سرّه في توجيه الترتب المذكور.

وإن كان موضوع الأثر العملي هو الحكم الفعلي كان هو المجعول ، وجرى استصحابه.

وهذا هو الظاهر ، كما تقدم في رد الوجه الثاني والثالث.

ولا يخفى أن بقية الوجوه المتقدمة لتوجيه جريان الاستصحاب عند الشك في نسخ الحكم الكبروي وإن لم تناف ذلك إلا أنها مبنية على جريان الاستصحاب بوجه حاكم على استصحاب الحكم الفعلي ، لان المستصحب في الوجه الأول هو السببية ، وهي في مرتبة العلة للحكم الفعلي ، وفي الوجه الرابع هو الكبرى نفسها بلحاظ شرح الاستصحاب لحال الجعل ، فيكون حاكما على دليله الحاكم على استصحاب الحكم الفعلي ، وفي الخامس هو الكبرى أيضا بلحاظ توقف الحكم الفعلي عليها كتوقفه على موضوعه.

وبالجملة : مبنى جريان الاستصحاب مع الشك في بقاء الحكم الكبروي إما على عدم جريان الاستصحاب في الحكم الفعلي ، لعدم كونه مجعولا ولا موردا للأثر ، أو على حكومته عليه ، فلا مجال لفرض معارضته له. كما لا مجال

٢٩٢

لفرض كون إثبات الفعلية به مبتنية على الأصل المثبت.

هذا كله في الاستصحاب ، وقد تقدم قلة فائدته ، لعدم جريانه في الوقائع المتجددة ، وعليه فالمرجع المهم في المقام هو أصالة عدم النسخ ، وهي أصل قائم بنفسه لا يبتني على الاستصحاب ، وكذا يجري مع الشك في نسخ كبرى الاستصحاب.

والوجه فيها : بناء العقلاء عليها في أمور معاشهم ومعادهم ، لابتناء الأمور التشريعية قانونية كانت أو شخصية على البقاء ما لم ترفع ، وإلا لاضطرب نظم التشريع ، لعدم الضابط لاحتمال النسخ ، فقد يتوجه المكلف له ، فيتوقف عن العمل بالحكم ، ولا يتوجه له المشرع ، كي يتصدى لرفعه ، بل قد لا يتسنى له رفعه لو توجه له ، فيفوت الغرض من التشريع. وأدنى نظر في سيرة العقلاء الارتكازية في القوانين الوضعية الدنيوية ، والتشريعات الدينية ـ على اختلاف الاديان ـ يوجب وضوح ذلك ، بنحو لا يحتاج إلى تكثر الشواهد وإقامة البرهان.

وكفى بهذه السيرة حجة بعد وضوح كونها ارتكازية عامة لم يثبت الردع عنها ، بل يعلم بامضاء الشارع لها وجريه على مقتضاها بملاحظة اتفاق العلماء قولا وعملا وسيرة المتشرعة بما هم أهل دين على ذلك. من دون أن يبتني ذلك على الاستصحاب ، لعدم توجههم للاستدلال به إلا في العصور المتأخرة.

هذا كله في احتمال نسخ الحكم بما هو من غير نظر لخصوصيات الأحكام ..

وربما يدعى خصوصية أحكام شريعتنا المطهرة ، أو أحكام الشرائع السابقة في ذلك.

أما أحكام شريعتنا فقد يدعى استغناؤها عن أصالة عدم النسخ والاستصحاب بالحديث المشهور : «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة» فإن مقتضى عمومه عدم نسخ جميع الأحكام ، وثبوت

٢٩٣

النسخ في الجملة لا ينافي حجيته في مورد الشك.

لكن لا يبعد حمله ـ بقرينة المفروغية عن وقوع النسخ ، وإباء لسانه عن التخصيص ـ على إرادة عدم نسخ أحكام هذه الشريعة بشريعة اخرى ، فهو لبيان استمرار الشريعة ، لأنها خاتمة الشرائع ، وصاحبها صلّى الله عليه وآله خاتم الأنبياء ، فلا ينافي نسخ أحكامها بها. والأمر سهل.

وأما أحكام الشرائع السابقة فقد وقع الكلام بينهم في جواز البناء عليها والتعبد بها عند الشك في بقائها في هذه الشريعة ، كما يجوز في أحكام هذه الشريعة ، إما للاستصحاب أو لأصالة عدم النسخ ، بل سبق أن عنوان البحث في كلامهم مختص بذلك.

والذي ينبغي أن يقال : أما الاستصحاب فقد سبق قلة الفائدة فيه ، لعدم تمامية أركانه بالإضافة إلى الوقائع المتجددة. ولو غض النظر عن ذلك لجرى في المقام ، كما يجري في غيره من موارد الشك في النسخ.

وأما أصالة عدم النسخ فالظاهر عدم المانع من الرجوع إليها.

وقد يدعى خصوصية المقام بما يمنع من الرجوع للاستصحاب وأصالة عدم النسخ معا ، لوجوه ..

الأول : تعدد الموضوع ، لاختلاف المكلّفين بالشرائع السابقة مع المكلفين بهذه الشريعة ، فأهل هذه الشريعة غير مشمولين بدوا بتلك الأحكام ، كي يكون رفعها في حقهم نسخا مدفوعا بأصالة عدمه ، أو بالاستصحاب ، وإنما يحتمل ثبوت مثلها في حقهم بجعل آخر مدفوع بالأصل.

ويندفع بأن الظاهر أخذ عناوين المكلفين في تلك الأحكام بنحو القضية الحقيقية المنطبقة على أهل هذه الشريعة النافذة عليهم لو لم يطرأ في حقهم النسخ ، كما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره ، وإلا لامتنع النسخ ، لأنه رفع الحكم مع بقاء موضوعه ، لا انتهاء أمده لارتفاع موضوعه.

٢٩٤

وأما ما ذكره بعض مشايخنا من أن عدم دخل خصوصية الأفراد في ثبوت الحكم لا ينافي الاختصاص ببعض الحصص بسبب ضيق الجعل عن شمول الزمان اللاحق ، فلا يجري الاستصحاب.

فهو مبني على رجوع النسخ إلى قصور جعل الحكم بدوا عن شمول الزمان اللاحق ، وهو خلاف الظاهر ، لما تقدم من أن النسخ هو رفع الحكم الذي من شأنه البقاء.

فلا يبقى إلا حديث المعارضة ، الذي تقدم منا الكلام فيه في الفصل السابق.

وأما ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه في الجواب عن الوجه المذكور من أنا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين ، فيبقى الحكم في حقه بالاستصحاب ، وفي حق معاصريه ممن كلف بعد نسخ الشريعة بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة.

فهو إنما يقتضي اشتراك الكل في أحكام الشريعة اللاحقة ، واستصحاب بقاء حكم الشريعة السابقة في زمان الشريعة اللاحقة لا يحرز كونه من أحكامها إلا بناء على الأصل المثبت ،

وأما القطع بعدم الفرق بين المتعاصرين في الحكم فهو لا ينفع إلا بناء على الأصل المثبت أيضا ، لأن التلازم بين حكمي الشخصين واقعي لا ظاهري ، وقد تقدم نظيره عند التعرض لعدم الجدوى في الاستصحاب بالإضافة إلى الوقائع المتجددة في أول الفصل.

الثاني : ما ذكره شيخنا الاستاذ قدّس سرّه من أنه لا مجال للبناء على بقاء أحكام تلك الشرائع ، للعلم بنسخها بشريعتنا المقدسة بجميع أحكامها حتى ما وافقها ، وليس بيان الحكم الموافق لأحكام الشريعة السابقة إمضاء لها ، كي يتنازع في معنى الامضاء ، بل تشريع حكم مماثل للحكم السابق بعد انتهاء أمد جعله فى

٢٩٥

الشريعة السابقة ، كما يقتضيه ما يفصل بينهما دل على نسخ هذه الشريعة لتلك.

وهو كما ترى! إذ لا معنى لنسخ الحكم الإلهي بمثله.

ومجرد اختلاف الشريعتين لا يصححه بعد رجوعهما إلى مقام الكشف والتبليغ مع وحدة الحاكم.

وما تضمن نسخ شريعتنا لما قبلها لا يراد به نسخ جميع أحكامها بها ، بل ليس إلا منافاتها لها في الجملة وتقديمها في مورد المنافاة ، فأحكام تلك الشرائع خاضعة للتبديل بهذه الشريعة وإن لم تتبدل بها كلها لعدم منافاة بعضها لها.

كما قد يشهد به قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ...)(١).

ومن الغريب ما ذكره من انتهاء أمد جعل الحكم الأول.

إذ لا معنى لنسخ الحكم مع انتهاء أمده ، فان النسخ رفع الحكم الثابت.

ومنه يظهر أنه لا حاجة للامضاء حينئذ ، كي يكون مقتضى الأصل عدمه ـ خلافا لما يظهر من بعض الأعاظم قدّس سرّه ـ

إذ هو إنما يصح مع اختلاف الحاكم ، كإمضاء الشارع للأحكام العرفية ، دون مثل المقام مما اتحد فيه الحاكم واختلف المبلغ ، بل الحكم المحتاج للامضاء لا يقبل النسخ ، فإن الحكم الذي من شأنه المضي بنفسه يقبل النسخ دون الامضاء ، والذي ليس من شأنه المضي بنفسه يقبل الامضاء دون النسخ ، فلو أحرز الحكم الإلهي بأصالة عدم النسخ أو الاستصحاب ترتب الأثر عليه وإن لم يحرز إمضاؤه بذلك.

نعم ، لا بأس بدعوى الإمضاء في مقام الإثبات ، الراجع إلى استناد جميع

__________________

(١) سورة المائدة ٤٨.

٢٩٦

الأحكام لهذه الشريعة باعتبار تضمنها إبلاغ بقائها المستفاد من التصريح بذلك أو من السكوت عن نسخه ، وهو المناسب لقوله صلّى الله عليه وآله في موثق أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام : «يا أيها الناس ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه» (١).

لوضوح أن أوامره صلّى الله عليه وآله واردة مورد التبليغ عنه تعالى ، ويكفي فيه تبليغ بقاء الأحكام ، ولا يتوقف على بيان حدوثها ، فلا يقتضي تعدد الحكم ثبوتا ، كي لا يكفي إحراز استمرار الحكم الأول بمقتضى الاستصحاب أو أصالة عدم النسخ ، بل لا بد من إحراز الامضاء الذي هو خلاف الأصل.

وأما ما يظهر من بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من إحراز الإمضاء في المقام بالاستصحاب ، لأن بقاء الحكم مساوق لتمامية ملاكه الملازم لامضائه في الشريعة اللاحقة.

فهو كما ترى! مبني على الأصل المثبت ، إلا أن يريد الإمضاء في مقام الإثبات ويرجع كلامه إلى أن الحاجة للإمضاء لأجل معرفة بقاء الحكم الالهي ، فإذا احرز بالاستصحاب أو أصالة عدم النسخ كفى في تحقق الغرض من الإمضاء.

نعم ، لو كان مرجع أصالة عدم النسخ إلى أصالة الجهة أشكل البناء عليه في أحكام الشرائع السابقة مع ابتناء تلك الشرائع على التبشير بشريعتنا ، لعدم جريان أصالة الجهة مع تنبيه المتكلم على ما ينافيها فيكون جعل الحكم مجملا من هذه الجهة ، ولا دافع لاحتمال عدم استمراره.

لكن تقدم أن النسخ لا ينافي أصالة الجهة ، كيف ولازمه رجوع النسخ إلى

__________________

(١) الوسائل ج : ١٣ ، باب : ١٢ من أبواب مقدمات التجارة حديث : ٢ ورواه في تحف العقول عنه صلّى الله عليه وآله مرسلا بلفظ قريب من ذلك ، ص : ٢٨ ، طبع النجف الأشرف.

٢٩٧

محض الكشف عن حال جعل الحكم في فرض إجماله وعدم ظهوره في شيء ، وهو خلاف ظاهر النسخ ، بل خلاف ظاهر قوله تعالى في حكاية خطابه لموسى مبشرا بشريعتنا المقدسة وصاحبها الكريم صلّى الله عليه وآله : (قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(١) ، لظهوره في استناد وضع الإصر والأغلال لنبي الرحمة صلّى الله عليه وآله ولو باعتبار تبليغه للشريعة السمحة ، لا أن شريعتهم متضمنة لوضعها عنهم في الوقت المذكور مع جهلهم بذلك وليس منه صلّى الله عليه وآله إلا إعلامهم به.

وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ قدّس سرّه من أن سيرة الفقهاء من الصدر الأول على عدم ملاحظة مصادر التشريع للأديان السماوية الاخرى واقتصارهم على مصادر التشريع الاسلامي من الكتاب المجيد والسنة الشريفة ، فيكشف عن عدم نفوذ أحكامها في هذه الشريعة لنسخها وإن احتمل ثبوت مثلها في هذا الدين.

فيندفع : بقرب كون منشئه عدم الوثوق بمصادر التشريع المعروفة للاديان المذكورة ، لمعلومية التحريف والابتداع فيها ، ولا بحملتها للعلم بتعمدهم إخفاء الحق.

نعم ، ما ثبت من أحكامهم في الكتاب والسنة لا يبعد البناء على العمل عليه لو فرض جهل حاله عندنا ، وإن كان نادرا ، فقد ذكر شيخنا الاعظم قدّس سرّه عدة فروع

__________________

(١) الأعراف : ١٥٦ / ١٥٧.

٢٩٨

وقع الكلام في وجوب البناء عليها.

بل ادعى قدّس سرّه استمرار سيرة المسلمين في أول البعثة على ما كانوا عليه حتى يطلعوا على الخلاف ، وإن لم يكن ذلك منه خاليا عن الاشكال ، لعدم اطلاعهم غالبا على أحكام تلك الشرائع ، لعدم سبق تدينهم بها وعدم اختلاطهم بأهلها وعدم تيسر مصادرها لهم.

نعم ، كان لهم بعض الالتزامات من دين إبراهيم عليه السّلام تبعا لقومهم كالحج ، وبعض الأغسال ، والختان ، ولعل وجه جريهم عليها مع العلم بنسخ شريعة إبراهيم عليه السّلام بما بعدها من الشرائع التي لم يلتزم أهلها بهذه الامور ، هو العلم برجحانها شرعا ، أو إعلام النبي صلّى الله عليه وآله لهم بعدم نسخها في الشرائع المذكورة وإن ضيعها أهل تلك الشرائع تمردا عليها أو لتحريفها عندهم.

الثالث : أن العلم الاجمالي بنسخ بعض أحكام تلك الشرائع مانع من الرجوع في مورد الشك فيه للاستصحاب أو أصالة عدم النسخ.

وقد أجاب عن ذلك غير واحد بانحلال العلم الاجمالي بالظفر بأحكام منسوخة من تلك الشرائع بقدر المعلوم بالإجمال ، ويرجع في الباقي للأصل.

وهو كما ترى! فرض لا واقع له ، لعدم الاطلاع على أحكام تلك الشرائع كي يعلم بنسخ قسم منها بمقدار المعلوم بالإجمال ، لفقد المصادر المعتمدة لها ، وما اطلع على نسخه منها قليل جدا لا يصلح لحل العلم الاجمالي المفروض.

فالعمدة في الجواب عن ذلك : أنه لا أثر للشك في النسخ في مورد العلم بالحكم الفعلي مع الجهل بحكم الشريعة السابقة ، لوجوب العمل على الحكم المعلوم ، سواء كان باقيا من الشريعة السابقة ، أم حادثا بهذه الشريعة بعد نسخ الحكم المخالف له في تلك الشريعة ولا في مورد الجهل بالحكمين معا ، وينحصر الأثر له بمورد الجهل بالحكم الفعلي مع العلم بحكم الشريعة السابقة ، ومن الظاهر قلة الموارد المذكورة فلا يعلم إجمالا بتحقق النسخ في بعضها ،

٢٩٩

ليمتنع الرجوع في مورد الشك لأصالة عدم النسخ أو الاستصحاب. وقد ذكر ذلك في الجملة شيخنا الأعظم قدّس سرّه.

هذه هي الوجوه المذكورة في كلماتهم ، وهي ـ كما ترى ـ لا تنهض بالمنع عن جريان الاستصحاب وأصالة عدم النسخ.

نعم ، روى في الكافي عن محمد بن سالم عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث طويل أنه قال : «إن الله عزّ وجل بعث نوحا إلى قومه : (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) ثم دعاهم إلى الله وحده ، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثم بعث الانبياء عليهم السّلام على ذلك إلى أن بلغوا محمدا صلّى الله عليه وآله فدعاهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ، وقال : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ...) فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة ألا إله إلّا الله ، والإقرار بما جاء به من عند الله ، فمن امن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك ... فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين جعل لكل نبي منهم شرعة ومنهاجا ، والشرعة والمنهاج سبيل وسنة ... ثم بعث الله محمدا صلّى الله عليه وآله وهو بمكة عشر سنين ، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد ألا إله إلّا الله ، وأن محمدا صلّى الله عليه وآله رسول الله إلا أدخله الله الجنة بإقراره ، وهو إيمان التصديق ، ولم يعذب الله أحدا ممن مات وهو متبع لمحمد صلّى الله عليه وآله على ذلك إلا من أشرك بالرحمن. وتصديق ذلك أن الله عزّ وجل أنزل عليه في سورة بني اسرائيل بمكة : (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ...) إلى قوله تعالى : (إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) ، أدب ، وعظة ، وتعليم ، ونهي خفيف ، ولم يعد عليه ، ولم يتواعد على اجتراح شيء مما نهى عنه ، وأنزل نهيا عن أشياء وحذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها ... فلما أذن الله لمحمد صلّى الله عليه وآله في الخروج من مكة إلى المدينة بني الاسلام على خمس : شهادة ألا إله إلا الله ، وأن محمدا صلّى الله عليه وآله عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصيام شهر رمضان ،

٣٠٠