🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٥

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
🚘 نسخة غير مصححة

بخصوصيته للقطع بارتفاع الأول والشك في حدوث الثاني ، لا ينافي جريانه في الكلي المعنون بما حدث عند خروج المني ، المعلوم الحدوث والمشكوك الارتفاع.

ويشكل : بأن هذا الفرع لا ينطبق على القسم المذكور أيضا ، لوضوح أنه ليس في المقام عنوانان قطع بارتفاع أحدهما واحتمل بقاء الآخر ، بل ليس المتيقن إلا عنوان الجنابة على اطلاقه ، وعنوان جنابة المني الخاص ، والأول قد تردد بين أن يكون قد وجد في ضمن فرد واحد ، فزال بزواله وأن يكون قد وجد بعد ذلك في ضمن فرد آخر ، فهو باق ببقائه ، والثاني معلوم الحدوث مشكوك الزوال.

مضافا إلى الإشكال في أصل جريان الاستصحاب في المقام بأن العنوان المذكور ـ وهو عنوان الجنابة الحاصلة حين خروج المني الخاص ـ إن اخذ قيدا في المستصحب فمن الظاهر عدم دخله في الأثر المفروض في المقام ، لوضوح أن الأثر الشرعي إنما هو للجنابة بما هي ، ولا دخل للخصوصية المذكورة فيها ، واستصحاب الكلي مشروط بأن يكون مأخوذا بعنوانه في موضوع الأثر.

وان اخذ حاكيا معرفا عما حدث من الجنابة فمن الظاهر أن المحكي به مردد بين الفرد المعلوم حدوثه ، وهو الجنابة الأولى المعلومة الارتفاع ، والفرد المشكوك حدوثه ، فهو من استصحاب الفرد المردد بين المعلوم وغيره ، فلا يكون المعلوم الا الفرد الأول ، والمفروض العلم بارتفاعه.

وهذا بخلاف مثال الوضوء المتقدم ، لوضوح أن زمان الوضوء المعلوم حدوثه زمان يعلم فيه بوجود الطهارة غير الزمان الأول الذي علم بوجود الطهارة الأولى المنتقضة فيه وإن احتمل اتصالهما.

ولو بني على جريان الاستصحاب في مثل ذلك انتقض بجميع موارد الشك في تجدد العارض بعد العلم بارتفاعه ، فان استصحاب عدمه على هذا

٢٢١

معارض دائما باستصحاب آخر وجود له يعلمه الله تعالى ، وإن كان ذلك الحدوث مرددا بين الحدوث المعلوم المتعقب بالارتفاع ، والمشكوك المتأخر عنه ، كما لعله يظهر بالتأمل.

على أنه لا مجال لاستصحاب الفرد في المقام أيضا ، لعدم دخل خصوصيته في الأثر ، بل الأثر لكلي الجنابة معرى عن كل خصوصية.

نعم ، يمكن أن يؤخذ حدوث المني الخاص ظرفا لزمان العلم بالجنابة بأن يراد استصحابها من حينه ـ لا قيدا في المستصحب ، ولا حاكيا معرفا له ـ فيأتي فيه ما يأتي في تعاقب الحالتين المتضادتين إن شاء الله تعالى. والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والسداد.

٢٢٢

المقام الثاني

في استصحاب المردد

لا بد في استصحاب الكلي بما له من الأقسام المتقدمة من كون موضوع الأثر هو الجهة الجامعة بين الأفراد بما لها من الحدود المفهومية ، مع اجتماع ركني الاستصحاب فيها من اليقين والشك فيها بتلك الحدود.

وعليه يبتني عدم جريان الاستصحاب في موردين ..

الأول : في المفهوم المردد بأن كان الشك في بقاء المفهوم ـ الذي هو موضوع الأثر ـ ناشئا من تردده وإجماله ، كما إذا تردد مفهوم العادل بين مجتنب الكبيرة فقط ومجتنب جميع الذنوب وكان زيد مجتنب الجميع ثم ارتكب الصغيرة ، حيث لا مجال لاستصحاب عدالته حينئذ ، وإن اجتمع اليقين والشك في صدق عنوان العدالة ، لأن موضوع الأثر ليس هو صدق العنوان وصحة إطلاقه ، بل الواقع الذي يحكي عنه العنوان وينتزع منه ، فلا بد من اجتماع ركني الاستصحاب في منشأ انتزاعه ، والمفروض عدمه في المقام ، لأن المعنى الأول معلوم البقاء ، والثاني معلوم الارتفاع.

نعم ، لا يعتبر اليقين والشك التفصيليان ، بل يكتفي بالإجمالي منهما ، لإطلاق دليلهما ، كما لو علم بوجود منشأ انتزاع العنوان وشك في بقائه بنفسه على ما هو عليه من الإجمال ، من دون أن يكون إجماله دخيلا في الشك. ولعله ظاهر.

الثاني : في الفرد المردد ، بأن لا يكون الأثر للكلي الجامع بين الفردين ، بل للفرد بما له من الحدود الواقعية المميزة له عن غيره ، ولا يكون بتلك الحدود

٢٢٣

موردا لليقين والشك التفصيليين ، ولا الإجماليين ، وإن أمكن فرضه بالإضافة إلى العنوان المردد الحاكي عن كل منهما بما له من الخصوصية ، كعنوان (أحدهما).

فلو علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين ، ثم احتمل تطهيره ، ولاقى الثوب أحدهما ، فلا مجال لاستصحاب نجاسة أحدهما لإثبات تنجس الثوب ، لأن الموجب لنجاسة الثوب هو نجاسة الملاقى بخصوصيته ، ولا دخل للعنوان المذكور في ذلك ، ومن ثمّ لا ينفع العلم ببقاء نجاسة أحدهما في إثبات تنجسه ، وإنما ينفع الاستصحاب المذكور لو كان الأثر لتنجس أحدهما على ما هو عليه من الترديد.

بل لا بد في إثبات تنجس الثوب من كون الملاقى بخصوصيته موردا لليقين والشك ولو إجمالا ، بان علم بملاقاته لما كان نجسا سابقا ولو لم يتميز لنا ، إما صدفة أو لملاقاته لهما معا ، لما أشرنا إليه آنفا من عموم دليل الاستصحاب لليقين والشك الإجماليين.

وكذا لو اشترك الفردان بخصوصيتهما في أثر واحد واجتمع ركنا الاستصحاب في العنوان الترديدي دون كل منهما بخصوصيته ، كما لو نذر شخص أن يتصدق كلما بقي زيد في الدار يوما ، وحلف أن يتصدق أيضا كلما بقي عمرو في الدار ، فعلم بدخول أحدهما واحتمل بقاءه لتردده بينهما ، فإن كان زيدا فهو باق قطعا ، وإن كان عمرا فهو خارج قطعا.

فإنه لا مجال لاستصحاب أحدهما بخصوصيته ، لعدم كونه موردا لليقين والشك ولو إجمالا ، كما لا مجال لاستصحاب أحدهما على ما هو عليه من الترديد ، لعدم كونه بالوجه المذكور موضوعا للأثر ، بل استصحاب عدم دخول زيد بضميمة العلم بعدم بقاء عمرو يقضي بعدم وجوب الصدقة.

نعم ، لو علم بدخول أحدهما إجمالا ، ولم يكن تردده بينهما منشأ للشك المذكور اتجه استصحاب بقائه على ما هو عليه من إجمال ، لما تقدم من عموم

٢٢٤

اليقين والشك للاجمالين ، فيجري عليه حكم العلم الإجمالي بثبوت أحد الأمرين.

وقد تحصل من جميع ما تقدم : أن الاستصحاب يجري في الكلي ، وفي الفرد الإجمالي ، دون الفرد المردد.

وأن المعيار في الأول أن يتعلق اليقين والشك بالعنوان الكلي ، الذي هو موضوع الأثر.

وفي الثاني أن يتعلق اليقين والشك بالفرد بذاته أو بعنوانه الخاص على ما هو عليه من إجمال ، ويكون الأثر متعلقا به كذلك من دون دخل للعنوان المعلوم بالتفصيل فيه.

أما الثالث فالمعيار فيه أن يتعلق اليقين والشك بالعنوان الترديدي ، ويكون موضوع الأثر هو الفرد بذاته أو بعنوانه من دون أن يكون موردا لليقين والشك حتى الاجماليين.

ولا ينبغي الإشكال في شيء من ذلك بعد ملاحظة ما تقدم في أركان الاستصحاب وشروطه.

وأما خلافهم في الشبهة العبائية فهو وإن ابتنى في الجملة على ذلك ، إلا أنه لا يبعد كون مرجعه إلى الخلاف في الصغرى لا في الكبرى المذكورة.

ومن هنا ناسب التعرض لها في المقام ، تبعا لغير واحد من الأعلام.

وهي أنه لو علم بنجاسة أحد طرفي العباءة ، ثم طهر الجانب الأيمن منها ، ثم لاقت اليد كلا الجانبين برطوبة ، فقد يدعى أن مقتضى استصحاب نجاسة النجس نجاسة اليد ، مع أنها لو لاقت الأيسر فقط لم يحكم بنجاستها ـ بناء على ما هو المعروف من عدم الحكم بانفعال أحد أطراف الشبهة المحصورة ـ وملاقاتها للجانب الأيمن الطاهر لا أثر لها في الانفعال.

وقد التزم بعضهم بمقتضى الاستصحاب المذكور ، ومنهم بعض

٢٢٥

مشايخنا ، مدعيا : أن ملاقاة الجانب الطاهر وإن لم يكن لها الأثر ثبوتا في تنجس الملاقي ، إلا أنها لما كانت موجبة للعلم بملاقاة مستصحب النجاسة كانت سببا في إحراز انفعال الملاقي وحكومة الاستصحاب المذكور على استصحاب طهارة الملاقي. وبهذا يفترق المقام عن سائر موارد ملاقاة أحد أطراف الشبهة المحصورة ، حيث لا حاكم فيها على استصحاب طهارة الملاقي ، لعدم إحراز نجاسة الملاقى.

وصريح تقرير درسه أن الاستصحاب المذكور من استصحاب الكلي ، ومقتضى مساق كلامه أنه من القسم الثاني منه.

وفيه : أنه إن أراد استصحاب الكلي بالإضافة إلى نفس النجاسة فهو إنما يكون من القسم الثاني لو كان منشأ الشك هو اختلاف افراد النجاسة بالطول والقصر ، بأن ترددت بين الولوغ وغيره ، ومن الظاهر خروج ذلك عن مفروض الكلام ، وان الشك في بقاء النجاسة ناشئ من التردد في النجس ، فهو بالإضافة إلى النجاسة من القسم الأول ، لا الثاني.

وإن أراد استصحاب الكلي بالإضافة إلى النجس الراجع إلى نجاسة الأمر الكلي المحتمل الانطباق على كل من الطرفين ، وهو عنوان ما لاقى النجاسة سابقا مثلا ، فمن الظاهر أن العنوان المذكور ونحوه من العناوين المفروضة لا دخل لها في الأثر الشرعي ، وهو الانفعال ، لوضوح أن موضوعه هو النجس فعلا بذاته وخصوصيته ، لا بعنوان كونه النجس سابقا ، وليس العنوان المذكور إلا حاكيا محضا عما هو موضوع الاستصحاب ، لا قيدا فيه ليكون من استصحاب الكلي.

فلا بد من الكلام في أنه هل يجري الاستصحاب المذكور بالإضافة إلى الفرد بخصوصيته أو لا؟

وقد منع من ذلك غير واحد لأحد وجوه ..

٢٢٦

الأول : ما عن بعض الأعاظم قدّس سرّه في الدورة الأولى من درسه من أن محل الكلام في القسم الثاني لاستصحاب الكلي إنما هو فيما إذا كان نفس المتيقن السابق بهويته مرددا بين مقطوع البقاء والارتفاع ، دون ما إذا كان الإجمال والترديد في محل المتيقن وموضوعه لا في نفسه وهويته ، بل يمتنع فيه حينئذ جريان الاستصحاب ، كما يمتنع جريانه في الفرد المردد عند ارتفاع أحد فردي الترديد ، كما لو علم بوجود الحيوان الخاص في الدار وتردد محله بين أحد جانبيها ، وانهدم الجانب الغربي واحتمل تلفه بانهدامه ، أو علم بوجود درهم خاص لزيد بين مجموعة دراهم ثم ضاع أحدها ، ومنه المقام ، حيث يتردد محل النجاسة بين الطرفين مع العلم بارتفاعها عن أحدهما على تقدير وجودها فيه.

وفيه : أنه لا ينهض ببيان الوجه في عدم جريان الاستصحاب في الموارد المذكورة لو فرض ترتب الأثر على المستصحب بنفسه ، كما تقدم تقريبه في المقام.

غايته أنه لا يكون من القسم الثاني لاستصحاب الكلي ، بل من استصحاب الفرد ، لفرض قيام الأثر به لا بالكلي.

نعم ، لا يحرز بالاستصحاب في الموارد المذكورة أن المشكوك في المحل الباقي ، كما لم يحرز باستصحاب الكلي وجوده في ضمن الفرد الطويل ، لأنه من أوضح أفراد الأصل المثبت.

لكن ترتب الأثر في المقام لا يتوقف على ذلك ، إذ يكفي في إثبات نجاسة الملاقي استصحاب نجاسة الملاقى وإن لم يتعين أنه في الجانب الأيسر.

ومنه يظهر حال ما أورده على استصحاب الفرد المردد من أن الاستصحاب انما يحرز بقاء المشكوك ، من دون أن يحرز أنه الفرد الباقي. فراجع وتأمل.

هذا ، مع أن الشك في المقام وإن كان في محل المستصحب وهو النجاسة ،

٢٢٧

إلا أنه راجع إلى الشك في هويته وحقيقته ، لوضوح أن المراد بالمحل ليس هو ظرف المستصحب ، كأحد جانبي الدار بالإضافة للحيوان الخاص ، بل موضوعه ، لأن النجاسة من الأعراض التي تقوم بموضوعها لا بنفسها ، ومن الظاهر تقوم العرض بموضوعه وتبدله بتبدله. بل لا ريب في أن تردد درهم زيد بين الدراهم ليس من التردد في المستصحب ، بل في هويته وحقيقته ، لاحتمال اتحاده مع كل منها مع تباينها في أنفسها ، والتعبير بوجوده في ضمنها مجازي بلا إشكال.

الثاني : ما عنه أيضا في الدورة الثانية من عدم الأثر للاستصحاب ، في المقام.

أما بالإضافة إلى ما يعتبر فيه إحراز الطهارة ـ كالصلاة ـ فلأن عدم جواز الدخول فيه يترتب على نفس الشك في الطهارة بلا حاجة إلى استصحاب النجاسة.

وأما بالإضافة إلى نجاسة الملاقي فلأن الاستصحاب المذكور لا يحرز إلا بقاء نجاسة الملاقى ، وهو لا يكفي في الحكم بنجاسة الملاقي ، بل لا بد فيه من إحراز ملاقاة النجس ، والاستصحاب لا يحرزه.

ويندفع : أما بالإضافة إلى ما يعتبر فيه إحراز الطهارة فبأنه إنما يتم لو كان الاحراز هو الشرط ثبوتا ، وهو فرض لا يظهر له واقع ، وليس الشرط في الصلاة إلا الطهارة الواقعية ، ولزوم إحرازها إنما هو لقاعدة الاشتغال ، وهي مورودة لاستصحاب النجاسة وعدم الطهارة ، ولا تمنع منه.

وأما بالإضافة إلى نجاسة الملاقي فبأن الملاقاة لما كان نجسا محرزة بالوجدان ، فيتم بها موضوع الانفعال بضميمة الاستصحاب المذكور ، كما هو الحال في سائر موارد مستصحب النجاسة.

الثالث : ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه وغيره من أن استصحاب نجاسة ما كان نجسا ـ المفروض ملاقاته في المقام ـ من استصحاب الفرد المردد

٢٢٨

الذي تقدم عدم جريانه.

وكأن الوجه فيه : أن موضوع الانفعال هو ملاقاة الجسم النجس بخصوصيته الخارجية من دون دخل لعنوان خاص فيه ، فكل عنوان يفرض للطرف المعلوم سبق النجاسة له لا دخل له في الأثر ، ليمكن أخذه في المستصحب ، ويكون من استصحاب الكلي ، بل ليس العنوان المفروض إلا حاكيا محضا عن الذات على ما هي عليه من الحدود الواقعية ، وحيث كانت الذات المذكورة مرددة بين ما هو معلوم الطهارة ـ وهو الجانب الأيمن في المثال ـ وما هو مشكوك النجاسة من أول الأمر ، لم يجر الاستصحاب فيها ، لعدم تمامية ركنيه في كلا طرفي الترديد.

وفيه : أن ذلك إنما يخرج الاستصحاب المذكور عن استصحاب الكلي ، ولا يجعله من استصحاب الفرد المردد ، بل هو من استصحاب الفرد الإجمالي ، الذي تقدم جريانه ، لوضوح تعلق اليقين والشك بالفرد بخصوصيته الواقعية على ما هو عليه من إجمال ، وهو بذلك يكون موضوعا للأثر ، ولا دخل للخصوصيتين التفصيليتين فيه ، ليكون عدم تمامية ركني الاستصحاب فيهما مانعا من الاستصحاب ، فهو نظير استصحاب نجاسة أحد الإنائين عند احتمال تطهيره ، مع تردده بين طرفين كل منهما بخصوصيته التفصيلية مشكوك النجاسة من أول الأمر ، فالفرد الذي هو موضوع الأثر في المقام مورد لليقين والشك الإجماليين ، فلا يكون من استصحاب الفرد المردد ، على ما تقدم بيان الضابط له ولاستصحاب الكلي والفرد الإجمالي. فراجع.

ولعل الأولى في منع جريان الاستصحاب في المقام ما تقدم منّا في التنبيه الرابع من تنبيهات مبحث العلم الإجمالي من امتناع التعبد بالتكليف الإجمالي بين طرفين يعلم بعدم التكليف تفصيلا في أحدهما ، لما أشرنا إليه هناك من أن مقتضى الاستصحاب وسائر الأصول والقواعد التعبدية هو التعبد بمؤدياتها

٢٢٩

وتنجيزها على كل حال ، بنحو يقتضي العمل على طبقها مطلقا ، سواء كان مؤداها تفصيليا أم إجماليا ، فكما يكون جريانها في مورد تفصيلي مقتضيا لمتابعتها فيه بالخصوص ، كذلك يكون جريانها في مورد إجمالي مقتضيا لمتابعتها فيه وتنجيزه على ما هو عليه من إجمال ، فيلزمه ترتيب الأثر عليه وإن انطبق على أي طرف من أطراف الإجمال.

ويمتنع التعبد بالوجه المذكور مع العلم التفصيلي بعدم ترتب الأثر في خصوص أحد الطرفين ـ الذي هو حجة ذاتية وعلة تامة في التنجيز والتعذير صالحة للعمل ـ لامتناع جعل الحكم الظاهري على خلاف العلم التفصيلي ، سواء كان الحكم الظاهري إجماليا أم تفصيليا.

وغاية الفرق بينهما : أن امتناع التعبد الظاهري التفصيلي معه لاستلزامه التعبد بالمتنافيين قطعا ، وامتناع التعبد الظاهري الإجمالي لاستلزامه اجتماع المتنافيين احتمالا ، وهو ممتنع كالقطع باجتماع المتنافيين.

وما هو المعروف من عدم التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري. مختص بما إذا لم يصل الحكم الواقعي بنحو يترتب عليه العمل ، كما إذا كان مشكوكا بدوا ، أو كان ترخيصا معلوما بالإجمال ، حيث لا يكون العلم الإجمالي بالترخيص مصححا للعمل في كل طرف بخصوصه ، فلا يمنع من التعبد الظاهري بالتكليف في أحدهما بالخصوص.

لا في مثل المقام ، حيث فرض العلم التفصيلي بعدم التكليف في بعض الأطراف بخصوصه ، فإنه حجة ذاتية مؤمنة من التكليف صالحة لترتب العمل فعلا فيه ، ولا مجال معه للتعبد الإجمالي بالتكليف في موضوع قابل لأن ينطبق عليه.

وقد استشهدنا لذلك هناك : بأنه لو فرض خطأ القطع التفصيلي بعدم التكليف في بعض الاطراف وبقاء التكليف الذي كان معلوما بالإجمال فيه لزم

٢٣٠

من جريان الاستصحاب المذكور استحقاق العقاب بارتكابه ، لمخالفته للتكليف الواقعي والظاهري معا ، ولا مجال له قطعا ، لمنافاته لحجية القطع التفصيلي وإن كان خطأ.

نعم ، لو كان مفاد دليل التعبد بالمضمون الإجمالي على تقدير انطباقه على الطرف الخالي عن المانع لا مطلقا وعلى كل حال أمكن جريانه في المقام ، لعدم منافاته عملا للعلم المفروض.

لكن التعبد الاستصحابي وغيره من التعبدات التي بأيدينا ليست من هذا القبيل ، بل مقتضاها التعبد بالمضمون على كل حال. بل كثيرا ما يكون هذا مقتضى العلم الإجمالي بلا حاجة إلى التعبد ، حيث كثيرا ما يعلم بأن عدم انطباق المعلوم بالإجمال السابق على مورد العلم التفصيلي بعدم التكليف مستلزم لبقائه في الطرف الآخر.

نعم ، قد يفرض الشك في ذلك بأن يحتمل ارتفاعه عن كلا الطرفين ، فيحتاج إحراز بقائه كذلك للتعبد الظاهري.

إن قلت : بعد فرض وجود المانع عن التعبد بنحو الإطلاق يتعين الحمل على الوجه المذكور ، فإنه أقرب لإطلاق دليل التعبد من إلغائه في المورد رأسا ، لأجل المانع المفروض. فهو نظير ما إذا امتنع التعبد ببعض آثار المستصحب ، حيث لا يلغى دليل الاستصحاب بالإضافة إلى الآثار الأخر التي لا مانع من التعبد بها.

قلت : إن كان المراد تقييد التعبد بما إذا انطبق الموضوع على الطرف المشكوك ، فهو ـ مع أنه كثيرا ما يستغنى عنه بالعلم كما تقدم ـ لا ينفع في ترتيب أثر الأمر المتعبد به ، لعدم إحراز قيد التعبد.

وإن كان المراد تنجيز احتمال وجوده في الطرف المشكوك ، وإن لم يحرز أنه فيه ، فهو خارج عن مفاد التعبد ، راجع إلى مفاد الاحتياط ، فلا مجال لحمل

٢٣١

دليل التعبد عليه ، لعدم رجوعه إلى تقييد دليله والتفكيك فيه بين المداليل أو الموارد ، فليس الحمل عليه مقتضى الجمع العرفي ، ليتعين في مقام العمل ، بل تقييد إطلاق دليل التعبد بالإضافة إلى المورد المذكور رأسا هو المتعين.

والمتحصل : أن التعبد بالتكليف الإجمالي لما كان مقتضيا لتنجيز مؤداه على كل حال فهو مناف للعلم التفصيلي بعدم ثبوت التكليف في بعض الموارد ، فيمتنع جعله حينئذ. من دون فرق في ذلك بين التعبد الاستصحابي وغيره ، ولا بين استصحاب الفرد واستصحاب الكلي لو فرض جريانه في المقام.

هذا ، ولو كان عدم التكليف في بعض الأطراف معلوما بالإجمال ، كما لو علم بتطهير أحد الطرفين في الفرض إجمالا فالوجه المتقدم لا يمنع من التعبد ببقاء التكليف المعلوم بالاجمال المقتضي لتنجزه على كل حال ، لأن العلم الإجمالي بعدم التكليف في بعض الأطراف لا يصلح للتأمين والعمل في كل منها بخصوصه للشك في انطباقه عليه.

ولازم ذلك أنه لو فرض اشتباه الطرف الذي طهر بعد العلم به تفصيلا يرتفع المانع من استصحاب نجاسة النجس ، ويحكم بانفعال ملاقي كلا الطرفين ، كما يحكم به لو فرض اشتباه ما طهر من أول الأمر.

بل لازم ذلك الحكم بعد حدوث التردد بانفعال ملاقي كلا الطرفين حين وجود العلم التفصيلي ، لأن عدم جريان الاستصحاب حين الملاقاة لوجود المانع لا ينافي جريانه بعدها والحكم بترتب الأثر لأجله لارتفاع المانع منه.

وكلامهم في تحرير الشبهة قاصر عن صورة تردد ما طهر ، والالتزام بجريان الاستصحاب فيه مما تأباه المرتكزات جدا ، ولا سيما بعد الالتفات للّازم المذكور.

ومن هنا لم يبعد عدم جريان الاستصحاب فيه أيضا كما في صورة العلم تفصيلا بما طهر لوجهين ..

٢٣٢

الأول : جريان الاستصحاب المعارض له ، فإنه كما يكون مقتضى استصحاب نجاسة ما كان نجسا هو نجاسة الملاقي ، كذلك يكون مقتضى استصحاب طهارة الطرف الذي لم يطهر بضميمة العلم بطهارة الطرف الذي طهر عدم نجاسته ، لوضوح أن نجاسة الملاقي لما كانت تستند لملاقاة الطرف النجس بخصوصيته على ما هو عليه من حدود واقعية فالأصل الجاري في كل طرف بخصوصيته يترتب عليه الأثر ، سواء اشير للطرف تفصيلا أم إجمالا.

فإذا احرز طهارة أحد الطرفين تفصيلا أو إجمالا بالوجدان وعدم نجاسة الآخر بالتعبد يتعين البناء على طهارة ملاقيهما معا ، وعدم تأثير ملاقاة كل منهما في نجاسته ، على خلاف مقتضى استصحاب النجاسة الإجمالي المدعى ، بل يتعارضان ويتساقطان ويرجع لاستصحاب الطهارة في الملاقي.

إن قلت : لا مجال لمعارضة استصحاب النجاسة باستصحاب الطهارة في المقام ، بل يتعين تقديم استصحاب النجاسة ، كما يقدم فيما لو علم بتنجس أحد الطرفين واحتمل تطهيره ثم لاقاهما جسم واحد ، حيث لا إشكال في البناء على نجاسة الملاقي ، مع أن مقتضى استصحاب طهارة كل منهما بخصوصه طهارته ، بناء على ما هو الحق من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي ذاتا ، وإنما يسقط بالمعارضة للزوم المخالفة القطعية للتكليف الإجمالي غير الحاصل في المقام ، لاحتمال طهارة الملاقي لهما تبعا لاحتمال تطهير ما تنجس منهما ، فلولا تقديم استصحاب نجاسة النجس لم يكن وجه للبناء على نجاسة الملاقي ، فكذا في المقام.

قلت : جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي ذاتا يختص بما إذا انفرد كل منها بأثر ، كما لو كان لكل منها ملاق خاص به ، لأن كلّا من الأثرين المتعبد بهما مشكوك قابل للتعبد ، أما إذا اشتركا في أثر واحد ، فلا مجال لجريانهما ، للعلم بكذب التعبد بذلك الأثر بعد فرض كذب أحدهما إجمالا ،

٢٣٣

ومنه استصحاب طهارة كل منهما لإثبات طهارة الجسم الواحد الملاقي لهما معا حيث يعلم بكذب التعبد بطهارته من حيثية بقاء طهارة كل منهما بعد فرض العلم بتنجس أحدهما ، كما هو الحال في المثال المفروض.

نعم ، يمكن طهارته بسبب بقاء طهارة أحدهما المعلومة سابقا وارتفاع نجاسة الآخر الحادثة. إلا أنه ليس مفاد الاستصحاب المذكور ، فالعمل باستصحاب النجاسة في المثال المذكور ليس لتقديمه على استصحاب طهارة كل منهما ، بل لعدم جريان استصحاب طهارة كل منهما ذاتا.

بخلاف المقام لاحتمال طهارة الملاقي بسبب طهارة أحد الطرفين المحرزة بالوجدان وبقاء طهارة الآخر المعلومة سابقا الذي هو مقتضى الاستصحاب ، فلا مانع من التعبد بها تبعا له ومعارضة استصحاب نجاسة النجس بذلك ، ولا وجه معه لتقديم استصحاب النجاسة.

بل لا مانع من التمسك بأصالة الطهارة في الطرف الآخر ـ لو فرض الجهل بحالته السابقة ـ ولا مجال لحكومة استصحاب نجاسة النجس عليها بعد عدم إحراز اتحاد موضوعهما ، لفرض إجمال موضوع أحدهما أو كليهما.

وهذا الوجه بنفسه صالح للجواب عن الشبهة العبائية على عمومها ، بلا حاجة إلى تكلف المنع من جريان الاستصحاب الإجمالي المفروض.

الثاني : أن مانعية العلم عن جعل الحكم الظاهري ليست بلحاظ التنافي العملي بينهما ، بل بلحاظ وصول الواقع مع العلم بنحو لا مجال معه للتعبد الظاهري ، ولذا كان العلم مانعا من جعل الحكم الظاهري على طبقه ، كما كان العلم الإجمالي بعدم التكليف مانعا عن جعل فعلية الحكم الظاهري في جميع الأطراف على خلافه ، على ما تقدم في مبحث حرمة المخالفة القطعية للعلم الإجمالي.

وإنما يصح التعبد بالتكليف في بعض أطراف العلم الإجمالي بعدمه ،

٢٣٤

لعدم التنافي بينهما ، لعدم ابتناء الجعل الظاهري في الطرف الواحد على فرض احتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، بل على رفع اليد عن الاحتمال المذكور وإلغائه عملا ، فإذا علم بطهارة أحد الإنائين وكان الخزف منهما مستصحب ، النجاسة ، فمقتضى الاستصحاب المذكور إلغاء احتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه.

غاية الأمر أنه يحتمل خطأ الحكم الظاهري ، وهو لا يمنع من جعله ، بل لا بد منه فيه ، لأن موضوعه الشك.

أما في المقام فحيث كان اليقين الإجمالي أو التفصيلي بتحقق الطهارة لأحد الأطراف في ظرف الحكم الظاهري بالنجاسة الذي ينقحه الاستصحاب ، لفرض اتحاد سببهما ، فاستصحاب النجاسة لا يبتني على إلغاء احتمال انطباق موضوع النجاسة الظاهرية على موضوع الطهارة الواقعية المعلوم إجمالا أو تفصيلا ، بل يبقى التردد على ما هو عليه ، فيمتنع جعل الحكم الظاهري حينئذ ، لاستلزامه احتمال اجتماع المتنافيين ، كما ذكرناه آنفا ، ولا خصوصية للعلم التفصيلي في ذلك.

ومجرد عدم صلوح العلم الإجمالي للعمل في كل طرف بخصوصه ليس فارقا ، بل قد يدعى أنه يكفي في العمل المترتب على معلوم التطهير بالإجمال عدم سببية ملاقاته للتنجيس ، حيث يترتب الأثر عليه بضميمة استصحاب طهارة الطرف الآخر ـ كما تقدم في الوجه الأول ـ ومثل هذا الأثر العملي الضمني كاف في احتمال التنافي العملي بين العلم واستصحاب نجاسة النجس ، فيمتنع من جريان الاستصحاب المذكور.

وينبغي التأمل التام في هذا الوجه ، لأهميته جدا بعد مطابقته للمرتكزات ، ونهوضه بدفع الشبهة على عمومها ، وإن أمكن الاستغناء عنه بالوجه الأول. والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق والتسديد ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٢٣٥
٢٣٦

الفصل الرابع

في استصحاب الامور التدريجية

من الظاهر أن المستصحب هو النسبة القائمة بأطرافها ، سواء كانت بمفاد (كان) التامة أم بمفاد (كان) الناقصة أم غيرهما. وعليه فموضوع النسبة ..

تارة : لا يكون له أجزاء خارجية ، كالعدالة المحمولة على زيد.

واخرى : يكون له أجزاء خارجية ، ويكون قيام النسبة به بلحاظ قيامها بأجزائه.

ولا كلام في الأول.

أما الثاني فقيام النسبة بأجزائه ..

تارة : يكون بقيامها بمجموع الأجزاء دفعة واحدة ، لكونه أمرا قارا تجتمع أجزاؤه في الوجود ، كالثوب الذي يحمل عليه الوجود أو البياض بلحاظ قيامهما بتمام أجزائه.

واخرى : يكون بقيامها بأجزائه تدريجا ، فهي لا تقوم إلا بجزء واحد على نحو التعاقب بين الأجزاء ، إما لأنه أمر تدريجي لا تجتمع أجزاؤه في الوجود ، كالكلام والحركة ، أو لأن قيام العرض به على هذا النحو وإن كان هو أمرا قارا مجتمع الأجزاء ، كمسّ الجسم المدور من طرف واحد حال دورانه. بل هو بلحاظ نفس العرض ـ كالمس ـ يكون تدريجيا أيضا ، لتباين أجزائه وتعاقبها بلحاظ تباين أجزاء المعروض حقيقة وتعاقبها في الاتصاف بالعرض خارجا.

والكلام في استصحاب الامور التدريجية يختص بهذا القسم ، ويقابل

٢٣٧

استصحاب الامور القارة التي يراد منها الأعم مما ليس له أجزاء خارجية ـ كالعدالة ـ ومن القسم الأول لذي الأجزاء.

إذا عرفت هذا ، فقد يستشكل في جريان الاستصحاب في الامور التدريجية بعدم اجتماع ركنيه فيها ، لأن ما علم وجوده سابقا من أجزائها معلوم الارتفاع ، وغيره مشكوك الحدوث ، فالأصل عدمه ، وليس هناك أمر واحد معلوم الحدوث مشكوك البقاء.

وقد دفع غير واحد الإشكال المذكور بما يرجع إلى أن بقاء كل شيء بحسبه ، وبقاء الامور التدريجية إنما هو بتعاقب أجزائها ، وهو لا يخل بوحدتها ، ولا بصدق اليقين والشك فيها.

فإذا فرض أن موضوع الأثر هو النسبة الواحدة القائمة بالمجموع بهذا النحو ، لا النسب المتعددة القائمة بالأجزاء المتكثرة ، تعين جريان الاستصحاب ، لتمامية ركنيه فيها. وليس ذلك مبنيا على التسامح العرفي في البقاء ـ كما يظهر من بعض كلماتهم ـ بل هو مبني على البقاء الحقيقي لما يفرض كونه موضوع الأثر بعد النظر في الأدلة ، ولو بتوسط ما يفهمه العرف منها ، وقد تقدم في محله أن ذلك هو المعيار في جريان الاستصحاب.

ومنه يظهر عدم الفرق بين ما تكون وحدته باتصال أجزائه حقيقة وعدم تخلل العدم بينها أصلا ، كجريان الماء من الميزاب ، وما تكون وحدته بتعاقب أجزائه مع تخلل العدم بينها ، كتقاطر الماء ، والكلام ، ونحوهما مما لا اتصال حقيقة بين أجزائه ، لأن المعيار احتمال بقاء موضوع الأثر على ما هو عليه ، وهو حاصل في الفرض.

نعم ، لو لم يكن البقاء حقيقيا ، بل كان تسامحيا بنظر العرف لم يجر الاستصحاب ، كما لو فرض العلم بالعدم في أمد قليل في ما تكون وحدته باتصال أجزائه ، أو في أمد أكثر مما يغتفر في وحدة ما تكون وحدته بتعاقب أجزائه. والظاهر خروجه عن محل كلامهم.

٢٣٨

هذا ، وقد أشار المحقق الخراساني قدّس سرّه إلى وجه آخر في دفع الإشكال ، وحاصله : أن الانصرام والتدرّج في التدريجيات إنما هو في الحركة القطعية ، وهى كون الشيء في مكان أو حال غير ما كان فيه في الآن السابق ، فهو في خلع ولبس مستمر. أما الحركة التوسطية ، وهي كونه بين المبدأ والمنتهى ، الملازم لقطعه المسافة بينهما ، فلا تدرج ولا تصرم فيها ، بل هي من الامور القارة لأنها أمر بسيط منتزع من سيره بين الحدين.

ويشكل : بأن ما هو الأمر الحقيقي هو كون الشيء في كل ان في حال أو مكان مباين لما كان عليه في الآن السابق ، وهو عبارة عن تباين الحالات المتعاقبة عليه. وليست الوحدة المصححة للاستصحاب إلا وحدة اعتبارية ، إما بلحاظ الوحدة بين الحالات المتعاقبة ، بفرضها أمرا واحدا مستمرا ، الذي هو قوام الحركة القطعية ، أو بلحاظ ما ينتزع منها من كونه حال سيره بين الحدين ، الذي هو قوام الحركة التوسطية.

فان لم تكن الوحدة الاعتبارية مصححة لجريان الاستصحاب لم ينفع ملاحظة الحركة التوسطية في البين ، وإن كانت مصححة له أمكن جريانه بلحاظ كلتا الحركتين ، ويكون المدار على ما يفهم من الأدلة في تعيين موضوع الأثر منهما.

بقي في المقام تفصيلان ينبغي الإشارة إليهما ..

الأول : ما يظهر من المحقق الخراساني قدّس سرّه ، وتوضيحه : أن الشك في استمرار العرض التدريجي ـ كالسيلان والجريان والتقاطر ـ ..

تارة : يكون للشك في انتهاء العرض مع إحراز الموضوع ، كما لو احتمل توقف الماء عن الجريان مع العلم بكميته وأنه بنحو قابل لاستمرار الجريان.

واخرى : يكون لاحتمال انتهاء الموضوع المعلوم للشك في كميته.

وثالثة : لاحتمال قيام موضوع آخر مقام الموضوع السابق مع العلم

٢٣٩

بانتهائه ، كما لو احتمل تولد ماء آخر غير ما كان أولا مع العلم بانتهاء ما كان أولا.

وظاهره قدّس سرّه جريان الاستصحاب في الصورة الأولى ، مع الإشكال في جريانه في الثانية ، فضلا عن الثالثة ، لأن الشك ليس في بقاء جريان شخص ما كان جاريا ، بل في حدوث جريان جزء آخر شك في جريانه من جهة الشك في حدوثه. وكأنه راجع إلى دعوى أنه راجع إلى القسم الثالث لاستصحاب الكلي.

وقد يستشكل فيه : بأن مبنى الاستصحاب في التدريجيات لما كان على الوحدة الاعتبارية المتقومة باتصال الأجزاء ، فالشك في كمية الماء مع اتصال أجزائه لا يوجب تعدد فرده ، فليس الشك إلا في وجود الفرد الواحد. فهو نظير القسم الثاني لاستصحاب الكلي.

ومنه يظهر أنه لا مجال لذلك حتى في الصورة الثالثة ، لأن استمرار الجريان موقوف على اتصال الماء الجديد المحتمل بالماء السابق المعلوم المساوق لاحتمال وحدتهما ولو في آخر أزمنة جريان الماء السابق.

نعم ، قد يتجه ذلك في مثل التقاطر الذي لا يستلزم استمراره وحدة الماء المتقاطر واتصال أجزائه.

إلا أن يقال : لما كان موضوع الأثر هو التقاطر أو السيلان أو نحوهما من الأعراض التدريجية ، فالمعيار في الاستصحاب على وحدتها عرفا ، وحيث لم تكن وحدتها موقوفة على وحدة المعروض ، بل كان المعيار فيها التعاقب والاتصال ، تعين مع الوحدة بالوجه المذكور جريان الاستصحاب فيها وكونه من القسم الأول لاستصحاب الكلي وإن تعدد معروضها بالوجه المذكور ، ولا يكون من القسم الثاني ، فضلا عن الثالث.

الثاني : ما يظهر من شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره ، وتوضيحه : أن الشك في بقاء الأمر التدريجي ..

٢٤٠