أي : شهادة بينكم شهادة اثنين ، فلما ألقى الشهادة قام الاثنان مقامها ، وارتفعا.
وقال تعالى : (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) [المائدة : ١٠٦] ثم قال : (اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي : شهادة بينكم شهادة اثنين ، فلما ألقى الشهادة قام الاثنان مقامها ، وارتفعا بارتفاعها ، كما قال : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف : ٨٢] يريد : أهل القرية ، وانتصب القرية بانتصاب الأهل ، وقامت مقامه ، ثم عطف قوله : (أَوْ آخَرانِ) [المائدة : ١٠٦] على الاثنين (١).
ومن كتب المعاني كذلك : معاني القرآن وإعرابه ، للزجاج (٣١١ ه) (٢) :
وهذا الكتاب من أهم آثار الزجاج ، وقد حدد منهجه في مقدمته لهذا الكتاب حيث يقول : " وإنما نذكر من الإعراب المعنى والتفسير ؛ لأن كتاب الله ينبغي أن يتبين ، ألا ترى أن الله يقول : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) ، فحضضنا على التدبر والنظر ، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتكلم إلا على مذهب اللغة ، أو ما يوافق نقله أهل العلم ، " (٣).
وطريقة الزجاج في كتابه : أن يبدأ عقب ذكر الآية باختيار ألفاظ منها ليحللها على طريقته في الاشتقاق اللغوي ، فيذكر أصل الكلمة ، والمعنى اللغوي الذي تدل عليه ، ثم يورد الكلمات التي تشاركها في حروفها أو بعضها ؛ ليردها جميعا إلى أصل واحد ، ويستشهد على رأيه بما يؤيده من كلام العرب شعرا أو غير شعر ، وقد يستطرد فيشرح الأمثلة التي يستشهد بها ، ثم يعود لإعراب الآية ـ إن كان فيها ما يحتاج إلى إعراب ـ وفي هذا المقام يناقش النحويين الآخرين ، فيرد رأيهم أو يؤيده ، ويورد قراءات القراء ، ويبين المعنى على هذه القراءات ، فيقبله أو يرده ، وفي هذا الكتاب تتجلى قيمة الأساس اللغوي والنحوي في فهم القرآن ، فالتفسير الذي لا يعتمد على فهم اللغة لا قيمة له ، وهذا الأساس في الواقع قيم جدا ، وقد يوجه إلى معان فرعية لم تلتفت إليها أذهان المفسرين ومن مميزات هذا الكتاب أنه راجع
__________________
(١) معاني القرآن ، للأخفش : ١ / ٢٦٦.
(٢) ت. د : عبد الجليل شلبي ، ط / ١ ، عالم الكتب ـ بيروت ١٤٠٨ ه ـ ١٩٨٨ م. ويقع هذا الكتاب في ٥ مجلدات.
(٣) معاني القرآن ، للزجاج : ج ١ / ١٨٥.
