أكره على دين باطل فاعترف به ودخل فيه ، كما قال تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ)(١). وقيل : لا اعتداد في الآخرة بما يفعله الإنسان في الدنيا من الطاعات كرها ، فإنّ الله مطّلع على السرائر فلا يرضى إلا الإخلاص ، ولهذا قال عليه الصلاة والسّلام : «الأعمال بالنيات» (٢) ، وقال عليه الصلاة والسّلام : «أخلص يكفك القليل من العمل» (٣). وقال آخرون : معناه لا يحمل الإنسان على أمر مكروه في الحقيقة ممّا يكلّفهم الله بل يحملون على نعيم الأبد ، ولهذا قال صلىاللهعليهوسلم : «عجب ربّك من قوم يقادون إلى الجنّة بالسّلاسل» (٤) وقيل : معناه أن «الدّين» هنا جزاء ، وأنّ الله تعالى ليس بمكره على الجزاء بل يفعل ما يشاء بمن يشاء ، فهذه ستة أقوال.
قوله تعالى : (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ)(٥) فيه تنبيه على أنّ لحم الأخ شيء جبلت الأنفس على كراهته وإن تعاطته. والإكراه ضدّ الاختيار والطّواعية.
قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) لم يكتف باشتراط الإكراه في ذلك حتى ضمّ إليه اتصافه بكون قلبه غير مشكّك ولا متلجلج في ذلك.
قوله : (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً)(٦) قيل : معناه أسلم من في السموات طوعا ومن في الأرض كرها ، أي الحجة القاطعة بصحة الإسلام ألجأتهم وأكرهتهم على ذلك ، كقولك : دليل هذه المسألة ألجأني إلى القول بها ، تريد أنه ظاهر بيّن ، وهذا ليس مذموما. وقال آخرون : أسلم المؤمنون طوعا والكافرون كرها. ومعناه أنهم لم يقدروا أن يمتنعوا عليه مما يريدهم به ، وأبين من هذا قول قتادة حيث قال : أسلم المؤمنون له طوعا والكافرون كرها عند الموت ، كأنه يريد قوله تعالى : (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا
__________________
(١) ١٠٦ / النحل : ١٦.
(٢) ذكره البخاري عن عمر بن الخطاب.
(٣) كنوز الحقائق ، ورقة : ٤.
(٤) النهاية : ٣ / ١٨٤.
(٥) ١٢ / الحجرات : ٤٩.
(٦) ٨٣ / آل عمران : ٣.
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
