قوله : (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ)(١) أي إلا أن يموتوا. فعبّر بذلك لأنّ تقطّع القلب لا تبقى معه حياة ، وبيّن سبب الموت الذي إذا سمعه الإنسان اقشعرّ جلده ، فهذا فائدة الكناية ، وإنما استثني الموت من شكّهم لأنّهم إذا ماتوا انفنوا ، قاله الهرويّ ، وهو تفسير معنى ، وقيل : المراد : إلّا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندما على تفريطهم.
قوله : (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ)(٢) أي قطعة منه ، وأنشد (٣) : [من الخفيف]
من قطع ليل بهيم
وقرىء : (كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً)(٤) بسكون الطاء على ما تقدّم ، وبفتحها على أنه جمع قطعة (٥).
قوله : (وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ)(٦) أي هي خلاف فاكهة الدنيا ؛ فإنها تنقطع في بعض الأحيان ، وتمنع إلا بالأثمان ، وفي عبارة بعض الصلحاء : غير مقطوعة في الأزمان ولا ممنوعة بالأثمان. وكان إذا رأى الفاكهة قال : «بيننا وبينك الجنة». وهذا وأمثاله من حسن اليقين وتيقّن لقاء الله عزوجل.
قوله تعالى : (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ)(٧) أي جعلت على مقاديرهم فيلبسونها لتشتملهم ، وما أحسن ما جاء لفظ التقطّع هنا ، حتى لو أتيت بكلّ لفظ مرادف له أو غير مرادف نحو فصّلت وقدّرت وسوّيت لم تجد له حلاوة ، فسبحان من تكلّم به وأعجز الخلق عن معارضته ، وهذا شأن ألفاظ القرآن كلّها.
__________________
(١) ١١٠ / التوبة : ٩.
(٢) ٨١ / هود : ١١.
(٣) جزء من عجز مذكور في اللسان ـ مادة قطع ، وتمامه :
|
افتحي الباب فانظري في النجوم |
|
كم علينا من قطع ليل بهيم |
(٤) ٢٧ / يونس : ١٠.
(٥) بسكون الطاء قراءة ابن كثير والكسائي ويعقوب. ويقول الفراء : وهي في مصحف أبي : «قطع» فهذه حجة لمن قرأ بالتخفيف. وإن شئت جعلت المظلم وأنت تقول قطع قطعا من الليل (فهي هنا حال من الليل) ، وإن شئت جعلت المظلم نعتا للقطع .. (معاني القرآن : ١ / ٤٦٢. مختصر الشواذ : ٥٧).
(٦) ٣٢ و ٣٣ / الواقعة : ٥٦.
(٧) ١٩ / الحج : ٢٢.
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
