وفي المثل : «ألقى عصاه» كناية عمّن يطرح الأمور. وألقى عصاه ، أي قدم من سفره ، لأنها حالة المسافر غالبا عندهم ؛ قال شاعرهم (١) : [من الطويل]
|
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى |
|
كما قرّ عينا بالإياب المسافر |
قال أبو عبيد : وأصل العصا : الاجتماع والائتلاف. ومنه قولهم : من شقّ عصا المسلمين ، أي فارق جماعتهم. وقال غيره : إنّما ذلك تمثيل بمن شقّ العصا نصفين ؛ فنصفها يفرق من الآخر ولا يعود يلتئم معه ، فضربه ذلك مثلا لكلّ مفارق. وفي الحديث : «لا ترفع عصاك عن أهلك» (٢) كناية عن تأديبهم وجمعهم على طاعة الله تعالى. وقوله عليه الصلاة والسّلام : «لا يضع العصا عن عاتقه» (٣) قيل : كناية عن كثرة سفره لقولهم في الإياب : ألقى عصاه. قال الشاعر : فألقت عصاها ، البيت. وقيل : كناية عن كثرة ضربه أهله ، وهذا من باب المبالغة. والحديث لغالب الأحوال ؛ وإلا فمعلوم أنه كان يضعها في بعض الأحيان لنومه وقضاء حاجته وأكله وغير ذلك. ويحكى أنّ رجلا دخل إلى مالك يستفتيه فقال : اشتريت طائرا على أنه لا يسكت ، فقال : لك ردّه إذا سكت ، فخرج الرجل وكان (٤) الشافعيّ على باب مالك فسأله فقال : بماذا أفتاك مالك؟ فأخبره فقال : راجعه. فلما راجعه قال : من بالباب؟ قيل له : الشافعيّ. فاستدعاه واستفتاه فقال : إن كان غالب أحواله الصياح فلا ردّ بدليل «لا يضع العصا عن عاتقه». فاستحسن ذلك منه.
ع ص ي :
قوله تعالى : (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ)(٥) العصيان : مخالفة الأمر. وقيل : عصى عصيانا : خرج عن الطاعة ، قال الراغب (٦) : وأصله أن يتمنّع بعصاه ؛ فإن أراد اشتقاقه من ذلك فمشكل من حيث اختلاف المادّتين ؛ تيك من الواو ـ كما تقدّم ـ وهذه من الياء بدليل :
__________________
(١) البيت لمعقّر بن حمار البارقي (اللسان ـ مادة عصا) وقصته مشهورة.
(٢) النهاية : ٣ / ٢٥٠.
(٣) النهاية : ٣ / ٢٥٠ ، وهو حديث أبي جهم.
(٤) وفي س : وقال.
(٥) ٦ / التحريم : ٦٦.
(٦) المفردات : ٣٣٧.
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
