من شروط الاجتهاد وإن لم يصرّحوا به في المقام ، إلاّ أن يمنع الملازمة بما في كلام بعض الفضلاء من أنّه كثيرا مّا يستغني الذكيّ المتدرّب في طرق المحاورات بوجدانه عن الرجوع إلى العلوم المذكورة.
والإنصاف أن يقال : إنّ الفصاحة والأفصحيّة ليستا من المرجّحات الواردة في النصوص ليكون ذلك كبرى كلّية لصغريات لا تحرز إلاّ بعلمي المعاني والبيان كما في العدالة والأعدليّة ونحوهما المحرز صغرياتها بعلم الرجال ، بل الترجيح بهما لو صحّ فإنّما هو لكونهما من المرجّحات الغير المنصوصة المعدودة من الظنون الاجتهاديّة على القول بالترجيح بمطلق الظنّ الاجتهادي كما هو الأظهر وظاهر الأكثر ، فيدور الترجيح بها (١) على إفادتها ، والفصاحة مع الأفصحيّة إنّما تورثان ظنّ الصدور عن الإمام المعصوم عليهالسلام إذا ثبت أنّه في غالب مكالماته كان يراعي الفصاحة ، بل إذا ثبت أنّ الغالب عليه في مقام بيان الأحكام الشرعيّة مراعاة مقام الفصاحة.
بل الإنصاف أنّ هذه الغلبة ـ مع أنّها ممنوعة كما في كلام غير واحد من الأساطين ـ غير مجدية فيما هو من محلّ الاشتباه ، وهو كون أحد المتعارضين فصيحا والآخر ركيكا ، أو أحدهما أفصح والآخر دونه في الفصاحة ولم يعلم بأنّ الصادر عن المعصوم هو الأوّل أو الثاني.
ـ وقالوا في وجه تقديم الفصيح : أنّه أشبه بكلام الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إذ كان صلىاللهعليهوآلهوسلم أفصح العرب ، وقد قال : « أنا أفصح من نطق بالضاد » (٢) والركيك بعيد عن كلامه ، وفي وجه تقدّم الأفصح : أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم كان مختصّا من الفصاحة بمرتبة لا يشاركه فيها غيره فيغلب على الظنّ اختصاصه بالأفصح ، وذلك غير متحقّق في الفصيح لمشاركة غيره له فيه ـ.
إذ غاية ما يقتضيه كونه أفصح العرب واختصاصه في الفصاحة بمرتبة لا يشاركه غيره فيها أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم في الاقتدار على أداء الكلام الفصيح أو الأفصح بمرتبة لا يبلغه غيره فيها ، وهو لا يقضي بامتناع صدور غير الفصيح أو غير الأفصح منه ، ولا بغلبة صدورهما عنه
__________________
(١) كذا في الأصل : والصواب : « فيدور الترجيح بهما على إفادتهما » والله العالم.
(٢) نقله الحلبي عن ابن هشام ( راجع سيرة ابن هشام ١ : ١٧٨ ) ، ولكن حكى العجلوني في كشف الخفاء عن اللآلي أنّه قال : معناه صحيح ولكن لا أصل له كما قال ابن كثير وغيره من الحفّاظ ، وأورده أصحاب الغريب ولا يعرف له إسناد ( كشف الخفاء ١ : ٢٠١ ) ـ ونحن أيضا لم نعثر على هذا التعبير في مجامعنا الروائية.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٧ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1392_taliqaton-ala-maalem-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
