أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً (١١) اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢))

شرح الكلمات :

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) : أي وكثير من قرية أي مدينة.

(عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها) : أي عصت يعنى أهلها عصوا ربهم ورسله.

(عَذاباً نُكْراً) : أي فظيعا.

(ذِكْراً رَسُولاً) : أي القرآن وأرسل إليكم رسولا هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) : أي من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد.

(قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً) : أي رزق الجنة التى لا ينقطع نعيمها أبدا.

(وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ) : أي سبع أرضين أرضا فوق أرض كالسموات سماء فوق سماء.

(يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ) : أي الوحي بين السموات والأرض.

(لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) : أي أعلمكم بذلك الخلق العظيم والتنزيل العجيب لتعلموا ..

معنى الآيات :

لما قرر تعالى أحكام الطلاق والرجعة والعدة والنفقات وقال ذلك أمر الله أنزله إليكم ، وأوجب

٣٨١

العمل به حذر في هذه الآية من إهمال تلك الأحكام وتجاهلها وعدم القيام بها فقال : (وَكَأَيِّنْ مِنْ) (١) (قَرْيَةٍ) أي كثير من المدن عتا أهلها أي ترفعوا متكبرين عن أوامر الله ورسله فلم يمتثلوها وعن الحقوق فلم يؤدوها حاسبها (٢) الله تعالى في الدنيا (حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً) أي (٣) فظيعا. (فَذاقَتْ) بذلك (وَبالَ أَمْرِها) أي عقوبته (وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً) أي خسارا وهلاكا و (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً) هو عذاب يوم القيامة وفي تكرار الوعيد تحذير من الوقوع فيه بالشرك والظلم.

وقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللهَ) أي خافوا عقابه فلا تهملوا أحكامه ولا تعطلوها فيحل بكم ما حل بغيركم ممن عتوا عن أمر ربهم ورسله (يا أُولِي الْأَلْبابِ) أي العقول (الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً) هو القرآن (رَسُولاً) (٤) هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ) (٥) واضحات في نفسها لا خفاء فيها ولا غموض ، (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ) أي ظلمات الكفر والشرك (إِلَى النُّورِ) نور الإيمان والتوحيد والعمل الصالح.

وقوله تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ (٦) جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ (٧) اللهُ لَهُ رِزْقاً) هذا وعد كريم من رب رحيم يعد كل من آمن به وعمل صالحا أن يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن له فيها رزقا وهو نعيم الجنة الذى لا ينفد ولا ينقطع أبدا.

وقوله (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ) (٨) أي سبع أرضين واحدة فوق الأخرى كالسموات سماء فوق سماء هذا هو الله المعبود بحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه.

وقوله تعالى : (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) أي (٩)

__________________

(١) (وَكَأَيِّنْ) : اسم لعدد كثير مبهم يفسره ما يميزه بعده من اسم مجرور بمن وهو بمعنى : كم الخبرية ، والمراد بالقرية : أهلها والقرية : المدينة الكبيرة.

(٢) (حاسبناها) بمعنى : جازيناها مجازاة دقيقة دقة الحساب.

(٣) قرأ نافع نكرا بضم النون والكاف ، وقرأ حفص (نُكْراً) بضم النون وإسكان الكاف. والعذاب النكر : ما ينكره المرء من فظاعة كيفيته إنكارا شديدا.

(٤) جائز أن يكون (رَسُولاً) بدل اشتمال من (ذكر) لتوقف الذكر على الرسول ، وجائز أن يكون (رَسُولاً) معمولا لفعل محذوف تقديره وأرسل إليكم رسولا ، وهذا واضح.

(٥) قرأ نافع مبينات بفتح الياء ، وقرأ حفص (مُبَيِّناتٍ) بكسرها والمعنى واحد.

(٦) قرأ نافع ندخله بالنون وقرأ حفص (يُدْخِلْهُ) بالياء.

(٧) (أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً) قوله أحسن أبلغ من أعد لأن الإحسان لا يكون إلا بعد الإعداد.

(٨) كون الأرضين سبعا يشهد له قوله تعالى ومن الأرض مثلهن أي مثل السموات السبع ويشهد له السنة الصحيحة فقد روى عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين. ومثله أبي هريرة وفيه قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حق إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة.

(٩) المراد بالأمر هنا أمر الله تعالى وهو ما يدبر به شؤون مخلوقاته في الأرض والسماء. من موت وحياة وغيرهما وأمر ونهي وعطاء ومنع وغيرهما ، والله أعلم بمراده من كلامه وهو العليم الحكيم.

٣٨٢

أعلمكم بخلقه العظيم من السموات والأرضين وبتنزل الأمر بينهن في كل وقت وحين لتعلموا أنه تعالى على كل شيء قدير لترغبوا فيما عنده وأنه أحاط بكل علما لترهبوه وتراقبوه ، وبذلك تتهيؤن لإنعامه ورضاه.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ التحذير من ترك الأحكام الشرعية وإهمالها والعبث بها.

٢ ـ بيان منة الله على هذه الأمة بإنزال القرآن عليها وإرسال الرسول إليها.

٣ ـ بيان أن الكفر ظلمة وان الإيمان نور.

٤ ـ بيان عظمة الله تعالى وسعة علمه.

سورة التحريم (١)

مدنية وآياتها اثنتا عشرة آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً

__________________

(١) وتسمى سورة النبي أيضا.

٣٨٣

خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥))

شرح الكلمات :

(لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) : أي لم تحرم جاريتك مارية التي أحلها الله لك.

(تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) : أي بتحريمها.

(قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) : أي شرع لكم تحليلها بالكفارة المذكورة في سورة المائدة.

(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ) : هي حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.

(حَدِيثاً) : هو تحريم مارية وقوله لها لا تفشيه.

(فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) : أي نبأت حفصة عائشة أي أختبرها به ظنا منها أنه لا حرج في ذلك باجتهاد.

(وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ) : أي اطلعه عليه أي على المنبأ به.

(عَرَّفَ بَعْضَهُ) : أي لحفصة.

(وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) : أي تكرما منه صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ) : أي حفصة وعائشة رضي الله عنهما تقبل توبتكما.

(فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) : أي مالت الى تحريم مارية أي سركما ذلك.

(وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ) : أي تتعاونا أي على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما يكرهه.

(فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ) : أي ناصره.

(وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) : أي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

(وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) : أي ظهراء وأعوان له.

(قانِتاتٍ) : أي عابدات.

(سائِحاتٍ) : أي صائمات أو مهاجرات.

معنى الآيات :

قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَ (١) اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ

__________________

(١) روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا ، قالت فتواطأت أنا وحفصة إن أيتنا دخل عليها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير : أكلت مغافير : فدخل على إحداهما فقالت له ذلك فقال بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له. فنزل لم تحرم ما أحل الله لك إلى أن تتوبا ، المغافير جمع مغفور بقلة من البقول.

٣٨٤

رَحِيمٌ) في هذا عتاب من الله تعالى لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ حرم جاريته مارية ترضية (١) وذلك أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم خلا بها في بيت إحدى نسائه فاطلعت عليه فقالت يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي فجعلها أي مارية عليه حراما ترضية لصاحبة الحجرة والفراش. فأنزل الله تعالى هذه الآيات مشتملة على هذه القصة فقال تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) يعني جاريته مارية القبطية أم إبراهيم. (تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) أي تطلب رضاهن (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بك فلا لوم عليك بعد هذا ولا عتاب فجاريتك لا تحرم عليك وكفر عن يمينك. إذ قال لها هى على (٢) حرام وو الله لا أطؤها.

وقوله تعالى (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ (٣) تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) أي ما تتحللون به من أيمانكم إذا حلفتم وهي ما جاء في سورة المائدة من قوله تعالى (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ، ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) وقوله تعالى (وَاللهُ مَوْلاكُمْ) أي متولى أمركم وناصركم. (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بأحوال عباده (الْحَكِيمُ) في قضائه وتدبيره لخلقه.

وقوله تعالى (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُ) أي أذكر إذ أسر النبي لبعض أزواجه حديثا وهي حفصة بنت عمر رضي الله عنهما إذ قال لها لقد حرمت فلانة وو الله لا أطأها وطلب منها أن لا تفشى هذا السر. فحدثت به عائشة وكانت متصافية معها توادها.

فأطلع الله تعالى رسوله على ذلك. (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ) لحفصة (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) تكرما منه صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قالت أي حفصة (مَنْ أَنْبَأَكَ هذا؟ قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ). وقوله : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ) أي حفصة وعائشة (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) أي مالت إلى تحريم مارية أي سركما ذلك. وجواب الشرط تقديره تقبل توبتكما. وقوله تعالى : (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ) أي تتعاونا عليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما يكرهه ، فإن تعاونكما يا حفصة وعائشة رضي الله عنكما لن يضره شيئا (فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أبو بكر وعمر ، (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) له أي ظهراء وأعوان له عن كل من يؤذيه أو يريده بسوء.

__________________

(١) ترضية أي لبعض أزواجه أي طلبا لرضاها وهي حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.

(٢) اختلف أهل العلم فيمن حرم شيئا فإن كان غير الزوجة فالجمهور على أنه لا يحرم ولا كفارة عليه ، وبعض يقول عليه كفارة يمين : أما الزوجة فقد بلغت الأقوال فيها ثمانية عشر قولا أعدلها أن من حرم زوجته بلفظ أنت حرام أو بالحرام إن نوى طلاقها فعليه طلقة ، وإن لم ينو طلاقها فإن عليه كفارة يمين كما في صحيح مسلم عن ابن عباس قال : إذا حرم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها ، وقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.

(٣) تحلة اليمين كفارتها أي من حلف على شيء وأراد أن يعود إليه فليكفر عن يمينه وليأت ما حلف عليه.

٣٨٥

وقوله تعالى (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ) ، وفي هذا تخويف شديد لأمهات المؤمنين وتأديب رباني كبير لهن إذ وعد رسوله أنه لو طلقهن لأبدله خيرا منهن (مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ) أي (١) صائمات أو مهاجرات ، (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) أي بعضهن ثيبات وبعضهن أبكارا إلا أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يطلقهن والله تعالى لم يبدله فهن زوجاته في الدنيا زوجاته في الآخرة هذا وأنبه إلى أن خلافا كبيرا بين أهل التفسير في الذي حرمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على نفسه وعاتبه ربه عليه. وأحله الله له هل هو شراب كان يحبه ، أو هو جاريته مارية ومن (٢) الجائز أن يكون غير ما ذكر ؛ لأن الله تعالى لم يذكر نوع ما حرم رسوله على نفسه ، وإنما قال لم تحرم ما أحل الله لك. والجمهور على أن المحرم مارية ، وفي البخاري أنه العسل والله أعلم فلذا أستغفر الله تعالى أن أكون قد قلت عليه أو على رسوله مالا يرضيهما أستغفر الله ، أستغفر الله ، أستغفر الله إن ربي غفور رحيم.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير نبوته صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبشريته الكاملة.

٢ ـ أخذ الشافعي وأحمد رحمهما‌الله تعالى من هذه الآية أن من قال لزوجته أنت حرام أو حرمتك وهو لم ينو طلاقها أن عليه كفارة يمين لا غير ، وذكر القرطبي في هذه المسألة ثمانية عشر قولا للفقهاء أشدها البتة وأرفقها أن فيها كفارة يمين كما هو مذهب الامامين الشافعي واحمد رحمهما‌الله تعالى.

٣ ـ كرامة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ربه.

٤ ـ فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا

__________________

(١) قيل سمي الصائم سائحا لأن السائح لا زاد معه فكذلك الصائم لا زاد معه.

(٢) نعم من الجائز أن يكون غير ما ذكر ولكن بتتبع لروايات وأقوال العلماء سلفا وخلفا ثبت أن الأمر يدور بين أن ما حرمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم على نفسه ترضية هو جاريته مارية ، أو العسل لا غيرهما.

٣٨٦

الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨))

شرح الكلمات :

(قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ) : أي اجعلوا لها وقاية بطاعة الله والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) : أي توقد بالكفار والأصنام التي تعبد من دون الله ، لا بالحطب ونحوه.

(لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ) : أي لأنه لا ينفعكم اعتذار ، يقال لهم هذا عند دخولهم النار.

(تَوْبَةً نَصُوحاً) : أي توبة صادقة بأن لا يعاد الى الذنب ولا يراد العود إليه.

(يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) : أي بإدخالهم النار.

(يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) : أي أمامهم ومن كل جهاتهم على قدر أعمالهم.

(رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا) : أي إلى الجنة ، لأن المنافقين ينطفيء نورهم.

معنى الآيات :

قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ (١) وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) هذا نداء الله إلى عباده المؤمنين يعظهم وينصح لهم فيه أن يقوا أنفسهم وأهليهم (٢) من زوجة وولد ، نارا عظيمة ، وقودها

__________________

(١) قال علي رضي الله عنه ومجاهد وقتادة : قوا أنفسكم بأفعالكم ، وقوا أهليكم بوصيتكم. قال ابن العربي هذا هو الصحيح لما يعطيه العطف الذي يقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل كقول الشاعر :

علفتها تبنا وماء باردا ،

أي وسقيتها ماء باردا.

(٢) إن الوقاية لا تتم إلا بالإيمان وصالح الأعمال بعد اجتناب الشرك والمعاصي ، وهذا يتطلب العلم بذلك وتوطين النفس على العمل بما يعلم من ذلك فعلا لما يفعل وتركا لما يترك فليأخذ العبد نفسه وأهله بهذا نصحا له ولهم حتى يقي نفسه ويقي أهله.

٣٨٧

أي ما توقد به الناس من المشركين والحجارة التي هي أصنامهم التي كانوا يعبدونها يقون أنفسهم بطاعة الله ورسوله تلك الطاعة التي تزكي أنفسهم وتؤهلهم لدخول الجنة بعد النجاة من النار.

وقوله تعالى (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) أي على النار قائمون عليها وهم الخزنة التسعة عشرة غلاظ القلوب (١) والطباع شداد البطش إذا بطشوا ولا يعصون الله أي لا يخالفون أمره ، وينتهون إلى ما يأمرهم به وهو معنى ويفعلون ما يؤمرون.

وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ) (٢) هذا يقال لأهل النار ينادون ليقال لهم : لا تعتذروا اليوم حيث لا ينفع الاعتذار. و (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الحسنة بالحسنة والسيئة بالسيئة.

وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) هذا هو النداء الثاني الذي ينادى فيه الله تعالى عباده المؤمنين يأمرهم فيه بالتوبة العاجلة النصوح التى لا يعود صاحبها الى الذنب كما لا يعود اللبن الى (٣) الضرع ، ويعدهم ويبشرهم يعدهم بتكفير سيئآتهم ، يبشرهم بالجنة دار النعيم المقيم فيقول (عَسى (٤) رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ) أي بعد ذلك (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أي بإدخالهم الجنة. وقوله تعالى (نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) أي وهم مجتازون الصراط يسألون ربهم أن يبقي (٥) لهم نورهم لا يقطعه عنهم حتى يجتازوا الصراط وينجوا من السقوط في جهنم كما يسألونه أن يغفر لهم ذنوبهم التى قد يردون بها الى النار بعد اجتياز الصراط.

وقولهم : (إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هذا توسل منهم لقبول دعائهم حيث توسلوا بصفة القوة والقدرة لله تعالى فقالوا إنك على كل شيء قدير فأتمم لنا نورنا واغفر لنا.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ وجوب العناية بالزوجة والأولاد وتربيتهم وأمرهم بطاعة الله ورسوله ونهيهم عن ترك ذلك.

٢ ـ وجوب التوبة الفورية على كل من أذنب من المؤمنين والمؤمنات وهى الإقلاع من الذنب فورا

__________________

(١) قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة ، وروى مرفوعا ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب.

(٢) لأن عذرهم لا ينفعهم. والقصد من هذا النهي هو تحقيق اليأس لهم.

(٣) قال القرطبي اختلف في تحديد التوبة النصوح على ثلاث وعشرين قولا وقدم ما في التفسير على تلك الأقوال.

(٤) عسى من الله تعالى واجبة ، ويشهد لهذا قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

(٥) قال ابن عباس ومجاهد : هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين.

٣٨٨

أي تركه والتخلى عنه ، ثم العزم على أن لا يعود اليه في صدق ، ثم ملازمة الندم والاستغفار كلما ذكر ذنبه استغفر ربه وندم على فعله وان كان الذنب متعلقا بحق آدمي كأخذ ماله أو ضرب جسمه أو انتهاك عرضه وجب التحلل منه حتى يعفو ويسامح.

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢))

شرح الكلمات :

(جاهِدِ الْكُفَّارَ) : أي بالسيف.

(وَالْمُنافِقِينَ) : أي باللسان.

(وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) : أي أشدد عليهم في الخطاب ولا تعاملهم باللين.

(فَخانَتاهُما) : أي في الدين إذ كانتا كافرتين.

(فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما) : أي نوح ولوط عن امرأتيهما.

(مِنَ اللهِ شَيْئاً) : أي من عذاب الله شيئا وإن قل.

(امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) : أي آسيا بنت مزاحم آمنت بموسى.

٣٨٩

(أَحْصَنَتْ فَرْجَها) : أي حفظته فلم يصل اليه الرجال لا بنكاح ولا زنا.

(فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) : أي نفخنا في كم درعها بواسطة جبريل الملقب بروح القدس.

(وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها) : أي بولدها عيسى أنه كلمة الله وعبده ورسوله.

معنى الآيات :

في الآية الأولى (٩) يأمر تعالى رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعدما ناداه بعنوان النبوة تشريفا وتكريما يأمره بجهاد الكفار والمنافقين فالكفار بالسيف ، وشن الغارات (١) عليهم حتى يسلموا ، والمنافقون بالقول الغليظ والعبارة البليغة المخيفة الحاملة للوعيد والتهديد. وقوله تعالى : (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) أي أشدد وطأتك على الفريقين على المنافقين باللسان ، وعلى الكافرين بالسنان. ومأواهم (٢) جهنم وبئس المصير إذا ماتوا على نفاقهم وكفرهم ، أو من علم الله موتهم على ذلك. وقوله تعالى في الآية الثانية (١٠) (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) في عدم انتفاع الكافر بقرابة المؤمن مهما كانت درجة القرابة عنده. وهو (امْرَأَتَ نُوحٍ (٣) وَامْرَأَتَ لُوطٍ) إذ كانت كل واحدة منهما تحت نبي رسول (فَخانَتاهُما) (٤) في دينهما فكانتا كافرتين فامرأة نوح تفشى سر من يؤمن بزوجها وتخبر به الجبابرة من قوم نوح حتى يبطشوا به وكانت تقول لهم إن زوجها مجنون ، وامرأة لوط كانت كافرة وتدل المجرمين على ضيوف لوط إذا نزلوا عليه في بيته وذلك في الليل بواسطة النار ، وفي النهار بواسطة الدخان. فلما كانتا كافرتين لم تغن عنهما قرابتهما بالزوجية شيئا. ويوم القيامة يقال لهما : (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) من قوم نوح وقوم لوط. هذا مثل وآخر في عدم تضرر المؤمن بقرابة الكافر ولو كانت القرابة الزوجية وما أقواها ، وهو ـ المثل ـ إمرأة فرعون الكافر الظالم آسيا بنت مزاحم كانت قد آمنت بموسى مع من آمن فلما عرف فرعون إيمانها أمر بقتلها فلما علمت بعزم الطاغية على قتلها قالت في مناجاتها لربها : (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) الذي هو الكفر والظلم حتى لا أكون كافرة بك ولا ظالمة لأحد من خلقك ، (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي من عذابهم فشدت أيديها وأرجلها لتلقى عليها صخرة عظيمة إن هى أصرت على الإيمان فرفعت بصرها إلى السماء فرأت بيتها في الجنة ففاضت روحها شوقا الى الله والى بيتها فى الجنة وقد

__________________

(١) من المعلوم أن الكفار يدعون إلى الإسلام أولا مبينا لهم ما فيه من الهدي والخير وما يجلبه لأهله من الكمال والإسعاد ، فإن أبوا فليقاتلوا.

(٢) (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) هذا عائد على الفريقين الكافرين والمنافقين معا.

(٣) قال مقاتل اسم امرأة نوح والهة واسم امرأة لوط والعة وروي مرفوعا بضعف أن اسم امرأة نوح واغلة وامرأة لوط والهة والله أعلم.

(٤) الإجماع أن خيانة المرأتين كانت في الدين ولم تكن في العرض وإنما هي في الكفر والنفاق.

٣٩٠

رأته فوصلت الصخرة اليها بعد أن فاضت روحها فنجاها الله من عذاب القتل الذي أراده لها (١) فرعون وعصابته الظلمة الكافرون.

وقوله تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها). عطف تعالى مريم على آسيا ليكون المثل مكونا من امرأتين مؤمنتين ، كالمثل الأول كان مكونا من امرأتين كافرتين فقال عزوجل ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها عن الرجال في الوقت الذي عم البغاء والزنا ديار بني اسرائيل كما هي الحال اليوم في ديار اليهود وأمثالهم قد لا تسلم امرأة من الزنا بها فلم يضر ذلك مريم لما كانت عفيفة طاهرة بل أكرمها الله لما أحصنت فرجها بأن أرسل إليها روحه جبريل عليه‌السلام وأمره أن ينفخ في كم درعها فسرت النفخة بقدرة الله تعالى في جسمها فحملت بعيسى الذي كان بكلمة الله كن فكان في ساعة وصول هواء النفخة وولدته للفور كرامة الله للتى أحصنت فرجها خوفا من الله وتقربا اليه ، وما ضرها أن العهر والزنا قد انتشر حولها ما دامت هى طاهرة كما لم يضر كفر فرعون آسيا الطاهرة. وكما لم ينفع إيمان وصلاح نوح ولوط امرأتيهما الكافرتين الخائنتين.

قال ابن عباس رضي عنهما ما بغت امرأة نبي قط ، وهو كما قال فو الله ما زنت امرأة نبي قط لولاية الله تعالى لأنبيائه فكيف يخزيهم ويذلهم حاشاه تعالى أن يخزي أولياءه أو يذلهم فالمراد من الخيانة المذكورة في قوله تعالى فخانتاهما الخيانة في الدين وإفشاء الأسرار.

وقوله تعالى : وصدقت بكلمات ربها أي بشرائعه وبكتبه (٢) التي أنزلها على رسله ، وكانت من القانتين (٣) أي المطيعين لله تعالى الضارعين له المخبتين.

__________________

(١) قال يحيى بن سلام : ما ضربه الله مثلا للذين كفروا يحذر به عائشة وحفصة رضي الله عنهما من مخالفتهما حين تظاهرتها على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما ضربه تعالى مثلا لامرأة فرعون ومريم بنت عمران ضربه ترغيبا لعائشة وحفصة في التميسك بالطاعة والثبات عليها والصحيح أنه حث لكل المؤمنين على الصبر في الشدة مهما كانت.

(٢) قرأ نافع وكتابه وجائز أن يكون الإنجيل وهو كتاب ابنها عيسى عليه‌السلام وجائز أن يكون المراد به ما كتبه الله وقدره وقرأ حفص وكتبه بالجمع أي آمنت بسائر كتب الله تعالى المنزلة وعليه فالكتاب في قراءة نافع اسم جنس صادق على جميع كتب الله تعالى المنزلة.

(٣) لم قال من القانتات؟ لأنه أراد من القوم القانتين وهم المكثرون من العبادة وفي هذا ثناء عليها وعلى قومها الصالحين وأنها نبتت طيبة في نبات طيب كقول القائل : وهل ينبت الخطي إلا وشيجه.

٣٩١

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ وجوب الجهاد في الكفار بالسيف وفي المنافقين باللسان ، وعلى حكام المسلمين القيام بذلك لأنهم خلفاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في أمته.

٢ ـ تقرير مبدأ : لا تزر وازرة وزر أخرى. فالكافر لا ينتفع بالمؤمن يوم القيامة.

٣ ـ والمؤمن لا يتضرر بالكافر ولو كانت القرابة روحية نبوة أو انسانية أو ابوة أو بنوة فإبراهيم لم يضره كفر آزر ، ونوح لم يضره كفر كنعان ابنه ، كما أن آزر وكنعان لم ينفعهما إيمان وصلاح الأب والإبن.

هذا وقرابة المؤمن الصالح تنفع المؤمن دون الصالح لقوله تعالى والذين (١) آمنوا واتبعهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم.

__________________

(١) الآية في سورة الطور.

٣٩٢

الجزء التاسع والعشرون

سورة الملك (١)

مكية وآياتها ثلاثون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥))

شرح الكلمات :

(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) : أي تعاظم وكثر خير الذي بيده الملك أجمع ملكا وتصرفا وتدبيرا.

(وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) : أي وهو على إيجاد كل ممكن وإعدامه قدير.

(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) : أي أوجد الموت والحياة فكل حي هو بالحياة التي خلق الله وكل ميت هو بالموت الذي خلق الله.

(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) : أي أحياكم ليختبركم أيكم يكون أحسن عملا ثم يميتكم ويحييكم ليجزيكم.

(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) : أي وهو العزيز الغالب على ما يريده الغفور العظيم المغفرة للتائبين.

__________________

(١) وتسمى الواقية والمنجية وورد في فضلها أحاديث أصحها حديث السنن وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ان سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له : تبارك الذي بيده الملك.

٣٩٣

(طِباقاً) : أي طبقة فوق طبقة وهي السبع الطباق ولا تماس بينها.

(ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) : أي من تباين وعدم تناسب.

(هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) : أي من شقوق أو تصدع.

(كَرَّتَيْنِ) : أي مرتين مرة بعد مرة.

(خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) : أي ذليلا مبعدا كالا تعبا منقطعا عن الرؤية إذ لا يرى خللا.

(بِمَصابِيحَ) : أي بنجوم مضيئة كالمصابيح.

(رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) : أي مراجم جمع مرجم وهو ما يرجم به أي يرمى.

(وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ) : أي وهيأنا لهم عذاب النار المسعرة الشديدة الاتقاد.

معنى الآيات :

قوله (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) مجد الرب تعالى نفسه وعظمها وأثنى عليها بما هو أهله من الملك والسلطان والقدرة والعلم والحكمة فقال عزوجل (١) تبارك أي تعاظم وكثر خير الذي بيده الملك الحقيقي يحكم ويتصرف ويدير بعلمه وحكمته لا شريك له في هذا الملك والتدبير والسلطان. (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فما أراد (٢) ممكنا إلا كان ، ولا أراد انعدام ممكن إلا انعدم. (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ (٣) وَالْحَياةَ) لحكمة عالية لا باطلا ولا عبثا كما يتصور الكافرون والملاحدة الدهريون بل (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ (٤) أَحْسَنُ عَمَلاً) أي خلق الحياة بكل ما فيها ، ليذكر ويشكر من عباده فمن ذكر وشكر وأحسن ذلك ، أعد له جنات ينقله إليها بعد نهاية الحياة والعمل فيها ، ومن لم يذكر ولم يشكر أو ذكر وشكر ولم يحسن ذلك بأن لم يخلص فيه لله ، ولم يؤده كما شرع الله أعد له نارا ينقله إليها بعد نهاية الحياة الدنيا حياة العمل ، إذ هذه الحياة للعمل ، وحياة الآخرة للجزاء على العمل. وقوله تعالى (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) ثناء آخر أثنى به تعالى على نفسه فأعلم أنه العزيز الغالب الذي لا يحال بينه وبين ما يريد الغفور العظيم المغفرة إذ يغفر الذنوب للتائب ولو كانت مثل الجبال وزبد البحر. وقوله (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) هذا ثناء آخر بعظيم القدرة وسعة

__________________

(١) القرطبي : تبارك قال الحسن تقدس ، وقيل دام فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه.

(٢) التعبير بالممكن وغير الممكن فيه جواب لمن قال من المبطلين إن كان الله على كل شيء قديرا فهل يقدر أن يخلق الها مثله : والجواب أن خلق إله مثل الله غير ممكن فلذا لا يخلقه سبحانه وتعالى.

(٣) قدم ذكر الموت على الحياة لأن الموت أكبر واعظ للإنسان. قال العلماء الموت ليس عدما محضا ولا فناء صرفا ، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته ، وحيلولة بينهما وتبديل حال وانتقال من دار إلى دار. والحياة عكس ذلك.

(٤) (لِيَبْلُوَكُمْ) أي ليعاملكم معاملة المختبر لكم فيرى أحسنكم عملا من أسوأه وقد رتب الجزاء على ذلك ، وأحسن العمل أخلصه وأصوبه أي أخلصه لله تعالى وأصوبه أي أداؤه كما شرعه بلا زيادة ولا نقصان.

٣٩٤

العلم والحكمة خلق سبع سموات طباقا سماء فوق سماء مطابقة لها ولكن من غير مماسة إذ ما بين كل سماء وأخرى هواء وفراغ مسيرة خمسمائة عام فالمطابقة المعادلة والمساواة في الجرم لا بوضع سماء على الأخرى كغطاء القدر مثلا. وقوله (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) أي من اختلاف أو تضاد وتباين والسماء فوقك فإنك لا تجد إلا الاتساق والانتظام لا تصدع ولا انفطار وإن شئت (فَارْجِعِ الْبَصَرَ) وانظر (هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) أي إنك لا ترى ذلك (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) (١) فإنك لا تجد تفاوتا ولا تباينا أبدا ولو نظرت الدهر كله كل ما في الأمر أن بصرك أيها الناظر إلى السماء يرجع إليك خاسئا أي ذليلا مبعدا (٢) مما أراد ، (وَهُوَ حَسِيرٌ) أي كليل تعب وقوله تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا) أي هذه الدانية من الأرض القريبة منها (بِمَصابِيحَ) (٣) هي النجوم والكواكب. (وَجَعَلْناها) أي النجوم (٤) (رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) ترجم بها الملائكة شياطين الجن الذين يريدون استراق السمع من كلام الملائكة حتى لا يفتنوا الناس في الأرض عن دين الله عزوجل. وقوله تعالى (وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ) (٥) أي وهيأنا للشياطين عذاب السعير يعذبون به يوم القيامة كسائر الكافرين من الإنس والجن.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير ربوبية الله تعالى بعرض دلائل القدرة والعلم والحكمة والخير والبركة وهي موجبة لألوهيته أي عبادته دون من سواه عزوجل.

٢ ـ بيان الحكمة من خلق الموت والحياة.

٣ ـ بيان الحكمة من خلق النجوم وهي في قول قتادة رحمه‌الله : أن الله جل ثناؤه إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال : زينة لسماء الدنيا ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها. (٦)

__________________

(١) (كَرَّتَيْنِ) منصوب على المصدر لأن الكرة الرجعة فكرتين بمعنى رجعتين أي مرة بعد أخرى والعامل فارجع.

(٢) يقال خسئت الكلب أي أبعدته وطردته.

(٣) سميت الكواكب مصابيح لإضائتها.

(٤) الرجوم جمع رجم وهو اسم لما يرجم به أي ما يرمى به الرامي من حجر وغيره من باب تسمية المفعول بالمصدر مثل الخلق للمخلوق والرد للمردود ، والمراد من النجوم التي يرمى بها هي الشهب التي تنفصل عن النجوم والكواكب ، وجائز أن تكون كواكب صغيرة ترمى بها الشياطين شأنها شأن الشهب لحديث : الكوكب الذي انقض البارحة.

(٥) لا يقولن قائل : الشياطين خلقوا من نار فكيف يعلبون بها؟ والجواب : السعير أقوى من مادة النار التي خلقوا منها كما أن الشياطين تحولوا عن أصل المادة التي خلقوا منها. تحول الإنسان من طين إلى لحم وعظم وعصب ودم.

(٦) تمام قوله : فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف مالا علم له به ، وتعدى وظلم.

٣٩٥

(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١))

شرح الكلمات :

(كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) : أي لم يؤمنوا به فلم يعبدوه.

(إِذا أُلْقُوا فِيها) : أي في جهنم ألقتهم الملائكة فيها وذلك يوم القيامة.

(سَمِعُوا لَها شَهِيقاً) : أي سمعوا لجهنم صوتا منكرا مزعجا كصوت الحمار.

(وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) : أي تغلي تكاد تتقطع من الغيظ غضبا على الكفار.

(سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها) : سؤال توبيخ وتقريع وتأنيب.

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) : أي رسول ينذركم عذاب الله يوم القيامة؟.

(وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) : أي كذبنا الرسل وقلنا لهم ما نزل الله مما تقولون لنا من شيء.

(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) : أي ما أنتم أيها الرسل إلا في ضلال كبير أي خطأ عقلي وتصور نفسي باطل.

(لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ) : أي وبخوا أنفسهم بأنفسهم وقالوا لو كنا في الدنيا نسمع أو نعقل لآمنا وعبدنا الله وما كنا اليوم في أصحاب السعير.

معنى الآيات :

لما ذكر تعالى في الآيات السابقة أنه أعد للشياطين مسترقي السمع من الملائكة في السماء عذاب السعير عطف عليه قوله (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) (١) أي جحدوا ألوهيته ولقاءه فما عبدوه ولا

__________________

(١) هذا تتميم للكلام السابق أي كما كان للشياطين عذاب السعير فللذين كفروا عذاب جهنم وبئس المصير.

٣٩٦

آمنوا به من الإنس والجن (عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) هي أي جهنم يصيرون إليها وينتهون إلى عذابها شرابها الحميم وطعامها الضريع والزقوم ، وقوله تعالى في وصف ما يجري في النار (إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً) (١) إذا ألقي الكافرون في النار سمعوا لها شهيقا أي صوتا منكرا مزعجا كصوت الحمار إذا شهق أو نهق. (وَهِيَ تَفُورُ) تغلي (٢) (تَكادُ تَمَيَّزُ) (٣) أي تقرب أن تتقطع (مِنَ الْغَيْظِ) الذي هو شدة الغضب وغضبها من غضب الرب مالكها لما غضب الجبار غضبت لغضبه ، وكل مؤمن بالله عارف به يغضب لما يغضب له ربه ويرضى لما يرضى به ربه. وقوله تعالى (كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ) أي جماعة (سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها) أي الملائكة الموكلون بالنار وعذابها وهم الزبانية وعددهم تسعة عشر ملكا سألوهم سؤال توبيخ وتقريع لأنهم يعلمون ما يسألونهم عنه (أَلَمْ يَأْتِكُمْ) (٤) (نَذِيرٌ) أي رسول في الدنيا يدعوكم إلى الإيمان والطاعة؟ فيجيبون قائلين (بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ) ولكن كذبنا الرسل وقلنا لهم ردا على دعوتهم (ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) أي مما تقولون وتدعوننا إليه (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) (٥) أي وقلنا لهم ما أنتم أيها الرسل إلا في ضلال عقلي وخطأ تصوري كبير. ثم رجعوا إلى أنفسهم يوبخونها بما أخبر تعالى به عنهم في قوله (وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) قال تعالى (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً) أي بعدا بعدا من رحمة الله (لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) أي سعير جهنم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء ببيان ما يجري فيها من عذاب وعقاب.

٢ ـ بيان أن تكذيب الرسل كفر موجب للعذاب ، وتكذيب العلماء كتكذيب الرسل بعدهم أي في وجوب العذاب المترتب على ترك طاعة الله ورسوله.

٣ ـ بيان أن ما يقوله أهل النار في اعترافهم هو ما يقوله الملاحدة اليوم في ردهم على العلماء بأن التدين تأخر عقلي ونظر رجعي.

٤ ـ تقرير أن الكافر اليوم لا يسمع ولا يعقل أي سماعا ينفعه وعقلا يحجزه عن المهالك باعتراف أهل النار إذ قالوا (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ).

__________________

(١) قال عطاء الشهيق في الصدور والزفير في الحلق.

(٢) قال حسان :

تركتم قدركم لا شيء فيها

وقدر القوم حامية تفور

أي تغلي.

(٣) أصل تميز تتميز أي تنقطع وينفصل بعضها عن بعض قيل هذا التغيظ هو من شدة الغيظ على أعداء الله ، وقيل هو من الغليان.

(٤) الاستفهام للتقريع والتوبيخ.

(٥) (إِنْ أَنْتُمْ) إن نافية بدليل الاستثناء بعدها.

٣٩٧

(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥))

شرح الكلمات :

(يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) : أي يخافونه وهم غائبون عن أعين الناس فلا يعصونه.

(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) : أي لذنوبهم وأجر كبير هو الجنة.

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) : أي كيف لا يعلم سركم كما يعلم جهركم وهو الخالق لكم فالخالق يعرف مخلوقه.

(وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) : أي بعباده الخبير بهم وبأعمالهم.

(ذَلُولاً) : أي سهلة للمشي والسير عليها.

(فَامْشُوا فِي مَناكِبِها) : أي في جوانبها ونواحيها.

(وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) : أي إليه وحده مهمة نشركم أي إحياءكم من قبوركم للحساب والجزاء.

معنى الآيات :

لما ذكر تعالى جزاء الكافرين وأنه عذاب السعير رغب في الإيمان والطاعة للنجاة من السعير فقال (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ (١) رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي يخافونه وهم لا يرونه ، وكذا وهم في غيبة عن الناس فيطيعونه ولا يعصونه هؤلاء (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) لما فرط من ذنوبهم (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) عند ربهم أي الجنة. ولما قال بعض المشركين في مكة لا تجهروا بالقول فيسمعكم إله محمد فيطلعه على قولكم قال تعالى ردا عليهم وتعليما (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ) فإنه يعلم السر وما هو أخفى منه كحديث

__________________

(١) بعد ذكر جزاء أهل الكفر والشرك والشر والفساد ذكر تعالى جزاء أهل الإيمان والتوحيد والخير والصلاح فكان الأسلوب اسلوب الترهيب والترغيب الذي عرف به القرآن الكريم كتاب الهداية الإلهية.

٣٩٨

النفس وخواطرها (إِنَّهُ (١) عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) أي بما هو مكنون مستور في صدور الناس (أَلا يَعْلَمُ مَنْ (٢) خَلَقَ) أي كيف لا يعلم من خلقهم (وَهُوَ اللَّطِيفُ) بهم (الْخَبِيرُ) بأحوالهم وأعمالهم. وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً) أي (٣) سهلة (فَامْشُوا فِي مَناكِبِها) جوانبها ونواحيها شرقا وغربا (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) الذي خلق لكم ، وإليه وحده نشوركم أي إحيائكم واخراجكم من قبوركم ليحاسبكم ويجزيكم على إيمانكم وطاعتكم بخير الجزاء وهو الجنة ونعيمها ، وعلى كفر من كفر منكم وعصى بشر الجزاء وهو النار وعذابها.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ فضيلة الإيمان بالغيب ومراقبة الله تعالى في السر والعلن.

٢ ـ مشروعية السير في الأرض لطلب الرزق من التجارة والفلاحة وغيرهما.

٣ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩))

شرح الكلمات :

(أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) : أي يجعلها بحيث تغورون فيها وتصبحون في جوفها.

(فَإِذا هِيَ تَمُورُ) : أي تتحرك وتضطرب حتى يتم الخسف بكم.

(أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً) : أي ريحا عاصفا نرميكم بالحصباء فتهلكون.

(كَيْفَ نَذِيرِ) : أي كان عاقبة انذاري لكم بالعذاب على ألسنة رسلي.

__________________

(١) (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) الجملة تعليل للتسوية بين السر والجهر من أقوال المشركين نحو قوله أصبروا أو لا تصبروا أي استوى عنده السر والجهر كما استوى عند أهل النار الصبر والجزع.

(٢) ألا يعلم السر من خلق السر أي أنا خلقت السر في القلب أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد. إذ لا بد وأن يكون الخالق عالما بما خلق والاستفهام إنكاري وجملة وهو اللطيف الخبير في محل نصب حال.

(٣) (ذَلُولاً) فعول بمعنى مفعول أي مذللة مسخرة منقادة لما تريدون منها من مشي عليها وزرع وغرس وبناء وإنشاء وتعمير.

٣٩٩

(فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) : أي إنكاري عليهم الكفر والتكذيب والجواب كان إنكارا حقا واقعا موقعه.

(صافَّاتٍ) : أي باسطات أجنحتها.

(وَيَقْبِضْنَ) : أي ويمسكن أجنحتهن.

(ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ) : أي حتى لا يسقطن على الأرض حال البسط للأجنحة والقبض لها.

معنى الآيات :

يقول تعالى واعظا عباده ليؤمنوا به ويعبدوه وحده فيكملوا ويسعدوا (أَأَمِنْتُمْ (١) مَنْ فِي السَّماءِ) الذي هو العلو المطلق وهو الله عزوجل في عليائه فوق عرشه بائن من خلقه (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) لتهلكوا كلكم في جوفها (فَإِذا هِيَ) حال الخسف (تَمُورُ) أي تتحرك وتضطرب حتى تغور وفي بطنها والجواب لم يأمنوا ذلك فكيف إذا يصرون على الشرك والتكذيب للرسول وقوله (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ (٢) فِي السَّماءِ) وهو الله عزوجل (أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً) أي ريحا تحمل الحصباء والحجارة فتهلكهم (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) أي إنذاري لكم الكفر والتكذيب أي أنه حق وواقع مقتضاه وقوله تعالى (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كعاد وثمود وغيرهما أي كذبوا رسلي بعدما أنكروا عليهم الشرك والكفر فأهلكناهم (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) أي إنكاري لهم كان حقا وواقع المقتضى وقوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا (٣) إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ) أي باسطات أجنحتهن ويقبضنها ما يمسكهن في حالة البسط أو القبض إلا الرحمن الذي أنكره المشركون وقالوا وما الرحمن وهم يعيشون في رحمته التي وسعت كل شيء وهي متجلية حتى في الطير تحفظه من السقوط والتحطيم أي أينكرون ألوهية الله ورحمته ولم يروا إلى الطير وهي صافات وقابضات أجنحتها ولا يمسكها أحد من الناس فمن يمسكها إذا؟ إنه الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه بما شاء من السنن والنواميس التي يحكم بها خلقه ويدبر بها ملكوته إن أمر المشركين في كفرهم بالله لعجب وقوله (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ

__________________

(١) قال ابن عباس رضي الله عنهما أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه يريد أن يصيبكم به إن أصررتم على تكذيبه وتكذيب رسوله. هكذا عقيدة السلف في إثبات صفة العلو لله تعالى ، وأما الخلف فيقولون : أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه وملائكته هروبا إلى التأويل حتى لا يصفوا الله تعالى بما وصف به نفسه من العلو الذاتي فما أضل القوم والاستفهام إنكاري أي ينكر عليهم أمنهم م الخسوف بهم وهم قائمون على معاصي توجب لهم ذلك.

(٢) (أَمْ) : هي المنقطعة التي تؤول ببل والاستفهام وهو إنكاري تعجبي ينكر عليهم أمنهم من عذاب الله بإرسال حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط فتهلكهم كما أهلكتهم إذ هم متعرضون لذلك بتكذيبهم وشركهم وكفرهم وحذفت الياء من نذيري ونكيري وهي ضمير المتكلم حذفت تخفيفا.

(٣) الهمزة داخلة على محذوف أي أغفلوا ولم يروا إلى الطير فوقهم حال كونها صافات أجنحتها وتقبضها أحيانا ولم تسقط فتتجلى لهم قدرة الله ورحمته ليؤمنوا ويطيعوا فينجوا ويسعدوا.

٤٠٠