🚘

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
🚘 نسخة غير مصححة

ماذا قال رسول الله آنفا ، ولكن قالوا ماذا قال آنفا ، وهم يعنون أن ما قاله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس بشيء مفيد يرجع إليه. قال تعالى (أُولئِكَ) أي البعداء في الشر والنفاق (الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) أي بالكفر والنفاق وذلك لكثرة تلوثهم بأوضار الكفر والنفاق حتى ران على قلوبهم ذلك فكان ختما وطابعا على قلوبهم ، (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) فهما علتان الأولى الطبع المانع من طلب الهداية والثانية اتباع الهوى وهو يعمي ويصم ، فلذا هم لا يهتدون ، وقوله تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) إلى الإيمان الصحيح والعمل الصالح زادهم الله هدى حسب سنته في نماء الأشياء وزكاتها وزيادتها ، (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) (١) أي ألهمهم ما يتقون وأعانهم على ذلك فهم يتقون مساخط الله تعالى ومن أعظمها الشرك والمعاصي. وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق (١٨) (فَهَلْ يَنْظُرُونَ) أي كفار قريش (٢) من زعماء الكفر في مكة إلا الساعة أي ما ينتظرون إلا الساعة أي القيامة (أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) أي فجأة إن كانوا ما ينظرون بإيمانهم إلا الساعة فالساعة قد جاء أشراطها وأول أشراطها بعثة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وثانيها الدخان ، وثالثها انشقاق القمر. وقوله تعالى (فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ) (٣) أي أنى لهم التذكر الذي ينفعهم إذا جاءت الساعة بل شروطها أي بظهور علاماتها الكبرى (٤) لا تقبل التوبة من أحد لم يكن مؤمنا لقوله تعالى من سورة الأنعام (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً). على كل حال فالآية تستبطئ إيمان كفار مكة وتنكر عليهم تأخر إيمانهم الذي لا داعي له مع ظهور أدلة العقل والنقل ووضوح الحجج والبراهين الدالة على توحيد الله ووجوب عبادته وحده دون من سواه ولذا قال تعالى (فَاعْلَمْ (٥) أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (٦) وَالْمُؤْمِناتِ) أي فاعلم يا محمد أنه لا معبود تنبغي له العبادة وتصلح له إلا الله الذي هو خالق كل شيء ومالكه واستغفر أي اطلب من ربك المغفرة لك وللمؤمنين والمؤمنات ، وهذا الكلام وإن وجه للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فالمراد منه على الحقيقة أو بالأصالة غيره صلى‌الله‌عليه‌وسلم فكأنما قال تعالى يا عباد الله أيها الناس والرسول على

__________________

(١) مما ذكر في هذه الزيادة أنه آتاهم ثواب تقواهم في الآخرة وأنه بيّن لهم ما يتقون وأنه وفقهم للأخذ بالعزائم وترك الرخص وما في التفسير أشمل وأوضح.

(٢) يبدو أنه ما هناك حاجة إلى تخصيص كفار قريش بهذا الخطاب وإن كانوا داخلين فيه لأنّ السورة مدنية.

(٣) أي : من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة.

(٤) في صحيح مسلم عن حذيفة والبراء قالا : كنا نتذاكر الساعة إذا أشرف علينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : (بما تتذاكرون؟ قلنا نتذاكر الساعة. قال : إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ، : الدخان ودابة الأرض وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب ، والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونارا تخرج من عدن).

(٥) هذه الآية من أدلة وجوب العلم قبل القول والعمل ، وهو ما بوّب به البخاري رحمه‌الله تعالى.

(٦) لا ذنب للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعصمته ، وإنما هو من باب قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (إنه ليغان على قلبي وإني استغفر الله في اليوم مائة مرة). ومعنى يغان : يغام ويغشى ، وقيل إنه غين أنوار لا غين أغيار.

٨١

رأسكم اعلموا انه لا إله إلا الله واستغفروا لذنوبكم مؤمنين ومؤمنات (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) أي تصرفكم في النهار في مصالح معاشكم ومعادكم ويعلم مثواكم (١) في فرشكم نائمين فهو يعلمكم على ما أنتم عليه في كل ساعة من ليل أو نهار فاخشوه واتقوه حتى تفوزوا برضاه في جنات النعيم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ من الجائز أن تكون السورة مكية وبها آية أو أكثر مدنيّة.

٢ ـ التحذير من اتباع الهوى فإنه يعمي ويصم والعياذ بالله.

٣ ـ بيان أن لقيام الساعة أشراطا أي (٢) علامات تظهر قبلها فتدل على قربها.

٤ ـ وجوب العلم بأنه لا إله إلا الله ، وذلك يتم على الطريقة التالية :

الاعتراف بأن الإنسان مخلوق كسائر المخلوقات حوله ، وكل مخلوق لا بد له من خالق فمن خالق الإنسان والكون إذا؟ والجواب قطعا : الله. فما دام الله هو الخالق فمن عداه مخلوق مفتقر إلى الله خالقه في حفظ حياته ، ومن يؤله ويعبد إذا الخالق أم المخلوق؟ والجواب : الخالق. إذا تعيّن انه لا معبود إلا الله وهو معنى لا إله إلا الله ولما كانت العبادة لا تعرف إلا بالوحي وجب الإيمان برسول الله فكان لا بد من زيادة محمد رسول الله فنقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله.

(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣))

__________________

(١) المثوى : المآل والمرجع.

(٢) روى مسلم وغيره عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : (بعثت أنا والساعة كهاتين وضم السبابة والوسطى).

٨٢

شرح الكلمات :

(لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) : أي هلّا نزلت سورة يقول هذا المؤمنون طلبا للجهاد.

(سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ) : أي لم ينسخ منها شيء من أوامرها ونواهيها.

(وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ) : أي طلب القتال بالدعوة إليه والترغيب فيه.

(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) : أي شك وهم المنافقون.

(نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) : أي خوفا من القتال وكراهية له فتراهم ينظرون إلى الرسول مثل نظر المغشي عليه من سكرات الموت.

(فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) : أي فأجدر بهم طاعة لرسول الله وقول معروف حسن له.

(فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ) : أي فرض القتال وجد أمر الخروج إليه.

(فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ) : أي وفواله ما تعهدوا به من أنهم يقاتلون.

(لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) : أي الوفاء بما تعهدوا به خيرا في دنياهم وآخرتهم.

(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) : أي أعرضتم عن الإيمان الصوري الذي أنتم عليه وأعلنتم عن كفركم.

(أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) : أي تفسدوا في الأرض بالشرك والمعاصي ولا تصلوا أرحامكم.

(فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ) : أي فعل تعالى ذلك بهم فلذا هم لا يسمعون الحق ولا يبصرون الخير والمعروف.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى آخر السورة ظاهره انه مدني وليس بمكي وهو كذلك فأغلب أي السورة مدني إذا ، ولا حرج : لأن القتال لم يفرض إلا بعد الهجرة النبوية والنفاق لم يظهر إلا بعد الهجرة كذلك والسياق الآن في علاج النفاق وأمور الجهاد قال تعالى ويقول الذين آمنوا من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم متمنين الجهاد (لَوْ لا نُزِّلَتْ) (١) (سُورَةٌ) أي هلا أنزل الله سورة قرآنية تأمر بالجهاد قال تعالى فإذا انزلت سورة محكمة ليس فيها نسخ (وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ) أي الأمر به والترغيب فيه. رأيت يا محمد الذين (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي مرض الشك والنفاق (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) يا (٢) رسولنا نظر أي مثل (نَظَرَ الْمَغْشِيِ) أي المغمي عليه من الموت أي من سياقات الموت وسكراته. قال تعالى

__________________

(١) شوقا إلى الجهاد وما أعد الله من ثواب لأهله ، كما هو اشتياق للوحي ونزوله.

(٢) نظر مغمومين مغتاظين بتحديد وتحديق كمن يشخص بصره عند الموت.

٨٣

(فَأَوْلى لَهُمْ) هذا اللفظ صالح لأن يكون دعاء عليهم بالهلاك (١) أي هلاك لهم لجبنهم ونفاقهم وصالح أن يكون بمعنى الأجدر بمثلهم (طاعَةٌ) لله ورسوله (وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) أي حسن لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقوله تعالى (فَإِذا عَزَمَ) أي جد الأمر للجهاد (فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ) ما عاهدوا عليه من أنهم يقاتلون مع رسوله (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) في الدنيا والآخرة. ثم قال لهم مخاطبا إياهم توبيخا وتقريعا (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) بكسر السين (٢) وفتحها قراءتان (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي عن الإيمان الصوري إلى الكفر الظاهر فأعلنتم عن ردتكم (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بفعل الشرك وارتكاب المعاصي (وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) بإعلان الحرب على أقربائكم المؤمنين الصادقين. هذا إذ كان التولى بمعنى الرجوع إلى الكفر العلني وإن كان بمعنى الحكم فالأمر كذلك إذا حكموا ليفعلون ما هو أعظم من الشرك والفساد في الأرض وتقطيع الأرحام ، وأخيرا سجلت الآية (٢٣) لعنة الله فقال تعالى أولئك أي البعداء في الخسة والحطة (الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ) فأبعدهم من رحمته (فَأَصَمَّهُمْ) عن سماع الحق (وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ) عن رؤية الهدى والطريق المستقيم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ جواز تمنى الخير والأولى أن يسأل الله تعالى ولا يتمنى بلفظ ليت كذا.

٢ ـ في القرآن محكم ومنسوخ من الآيات وكله كلام الله يتلى ويتقرب به إلى الله تعالى ويعمل بالمحكم دون المنسوخ وهو قليل جدا.

٣ ـ ذم الجبن والخور والهزيمة الروحية.

٤ ـ شر الخلق من إذا تولى أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي.

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ

__________________

(١) (فَأَوْلى) : قال الأصمعي معناه قاربه ما يهلكه.

(٢) قرأ نافع وحده بكسر السين وفتحها ما عداه حفص وغيره.

٨٤

(٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨))

شرح الكلمات :

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) : أي يتفكرون فيه فيعرفون الحق من الباطل.

(أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) : أي بل على قلوب لهم أقفالها فهم لا يفهمون إن تدبروا.

(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ) : أي رجعوا كافرين بنفاقهم.

(مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى) : أو من بعد ما تبين لهم صدق الرسول وصحة دينه بالحجج والبراهين.

(الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ) : أي زيّن لهم الشيطان نفاقهم وأملى لهم أي واعدهم بطول العمر ومنّاهم.

ذلك بأنهم قالوا الذين كرهوا ما أنزل الله : أي ذلك الإضلال بسبب قولهم للذين كرهوا ما أنزل الله وهم المشركون.

(سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) : أي بأن نتعاون معكم على عداوة الرسول وبتثبيط المؤمنين عن الجهاد وكان ذلك سرا منهم لا جهرة فأظهره الله لرسوله.

(يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ) : أي بمقامع من حديد يضربون وجوههم وظهورهم.

(ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ) : أي التوفّي على الحالة المذكورة من الضرب على الوجوه والظهور بسبب اتباعهم ما أسخط الله من الشرك والمعاصي.

(وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ) : أي ما يرضيه تعالى من التوحيد والعمل الصالح.

(فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ) : أي ابطلها فلم يحصلوا منها على ثواب حسن.

معنى الآيات :

ما زال السياق في تأديب المنافقين بعيبهم والإنكار عليهم وتهديدهم لعلهم يرجعون إذ حالهم كحال المشركين في مكة فقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ (١) الْقُرْآنَ) أي مالهم؟ أغفلوا فلم يتدبروا

__________________

(١) الاستفهام للتعجيب من سوء عملهم بالقرآن وإعراضهم عن سماعه و (بل) للإضراب الانتقالي أي : بل على قلوبهم أقفال ، والتدبر : التفهم مشتق من دبر الشيء أي : خلفه.

٨٥

القرآن أي يتفكروا فيه فيعرفوا الحق من الباطل والهدى (١) من الضلال لأن القرآن نزل لبيان ذلك. (أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) أي بل على قلوب (٢) لهم أقفالها أي اقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر والحجج والأدلة والبراهين حتى يكون الله هو الذي يفتح تلك الأقفال ، والله تعالى يقفل ويفتح حسب سنن له في ذلك وقد ذكرنا هذا المعنى مرات في بيان الهداية والإضلال ، وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ (٣) ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ) أي رجعوا إلى الكفر بقلوبهم دون ألسنتهم وهم المنافقون (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى) أي صدق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصحة دينه الإسلام هؤلاء المرتدون (الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ) أي زين لهم ذلك الارتداد (وَأَمْلى لَهُمْ) أي واعدهم ممنّيا لهم بطول العمر والبقاء الطويل في الحياة والعيش الطيب الواسع فيها وقوله تعالى (ذلِكَ) أي الإضلال الذي حصل لهم بسبب (بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا) ما أنزل الله من القرآن والشرائع وإبطال الشرك والشر والفساد وهم المشركون قالوا لهم سرا وخفية (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) ، وذلك كعدم قتالكم وتثبيط الناس عن القتال إلى غير ذلك مما أسروه لإخوانهم المشركين. وقوله تعالى (وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ) (٤) يخبر تعالى انهم لما كانوا يسرّون كلمات الكفر للمشركين كان تعالى مطلعا عليهم فهو يعلم إسرارهم وأسرارهم وها هو ذا قد أطلع عليهم رسوله والمؤمنين. وقوله تعالى (فَكَيْفَ) أي حالهم (إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ) ملك الموت وأعوانه من ملائكة العذاب وهم (يَضْرِبُونَ) بمقامع من حديد (وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ) أي ظهورهم. وقوله تعالى (ذلِكَ) أي العذاب النازل بهم بسبب (بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ) من الكفر به وبرسوله. (وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ) أي ما يرضيه عنهم وهو الجهاد في سبيله (فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ) أي أبطلها فلم يثبهم عليها لأنهم مشركون كافرون وعمل المشرك والكافر باطل وهو خاسر.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ وجوب تدبر القرآن الكريم عند تلاوته أو سماعه وهو تفهم معانيه في حدود قدرة المسلم على الفهم.

__________________

(١) ويعرفوا كذلك ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام من عزة ونصر في الدنيا ، ومن نعيم مقيم في الآخرة.

(٢) لم يقل على قلوبهم فنكر القلوب وقال : (عَلى قُلُوبٍ) لتدخل قلوب غيرهم فلا يكون خاصا بهم ، والقفل : حديدة يغلق بها الباب.

(٣) اختلف في هؤلاء المرتدين فقال قتادة هم كفار أهل الكتاب وقال ابن عباس وغيره : هم المنافقون ، وكونهم المنافقين أعم إذ من اليهود منافقون.

(٤) قرأ نافع والجمهور أسرارهم بفتح الهمزة ، وقرأ حفص (إِسْرارَهُمْ) بكسرها فالإسرار بالكسر : مصدر أسرّ إسرارا وبالفتح جمع سرّ.

٨٦

٢ ـ الارتداد عن الإسلام كالرجوع عن الطاعة إلى المعصية سببهما تزيين الشيطان للعبد ذلك وإملاؤه له بالتمنّي والوعد الكاذب.

٣ ـ من الردة التعاون مع الكافرين على المؤمنين بأي شكل من أشكال التعاون ضد الإسلام والمسلمين.

٤ ـ تقرير عقيدة عذاب القبر وأنه حق ثابت أعاذنا الله منه آمين.

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢))

شرح الكلمات :

(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) : أي مرض النفاق.

(أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ) : أي أن لن يظهر أحقادهم على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين.

(وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ) : أي لعرّفناك بهم فلعرفتهم.

(بِسِيماهُمْ) : أي بعلاماتهم.

(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) : أي إذا تكلموا عندك في لحن القول أي معناه وذلك بأن يعرّضوا فيه بتهجين أمر المسلمين أي تقبيح أمرهم.

(وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ) : أي أيها المؤمنون إن الله يعلم أعمالكم وسيجزيكم بها خيرا.

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) : ولنختبرنّكم بالجهاد وغيره من التكاليف.

(حَتَّى نَعْلَمَ) : أي نعلم علم ظهور لكم ولغيركم إذ الله يعلم ذلك قبل ظهوره لما حواه كتاب المقادير.

٨٧

(الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) : أي الذين جاهدوا وصبروا من غيرهم.

(وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ) : أي ونظهر أخباركم للناس من طاعة وعصيان في الجهاد وفي غيره.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) : أي بالله ولقائه ورسوله وما جاء به من الدين الحق.

(وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) : أي عن الإسلام.

(وَشَاقُّوا الرَّسُولَ) : أي خالفوه وعادوه وحاربوه.

(مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى) : أي عرفوا أن الرسول حق والإسلام حق كاليهود وغيرهم.

(لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً) : أي من الضرر لأنه متعال أن يناله خلقه بضرر.

(وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ) : أي يبطلها فلا تثمر لهم ما يرجونه منها في الدنيا والآخرة.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين بكشف عوارهم وإزاحة الستار عما في قلوبهم من الشك والنفاق فقال تعالى (أَمْ) (١) أي (حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) وهم المنافقون والمرض هو مرض النفاق الناجم عن الشك في الإسلام وشرائعه (أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ) (٢) أي أحقادهم فيظهرها لرسوله والمؤمنين فحسبانهم هذا باطل وقوله تعالى لرسوله (وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ) أي بعلامات النفاق فيهم وقوله (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (٣) أي وعزتي وجلالي لتعرفنهم في لحن القول أي في معاني كلامهم إذا تكلموا عندك وبين يديك فإن كلامهم لا يخلو من التعريض بالمؤمنين بانتقاصهم والقدح في أعمالهم ، كما قيل «من أضمر سريرة ألبسه الله رداءها» وقوله تعالى في خطابه المؤمنين (وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ) ولازمه أنه سيجزيكم بها فاصبروا على الإيمان والتقوى. (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) (٤) أي ولنختبرنكم بالجهاد والإنفاق والتكاليف (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) أي حتى نظهر ذلك لكم فتعرفوا المجاهد من القاعد والصابر من الضاجر منكم وبينكم ، (وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ) أي ما تخبرون به عن أنفسكم وتتحدثون به فنظهر الصدق من خلافه فيه ، ولذا كان الفضيل بن عياض رحمه‌الله تعالى إذا قرأ هذه الآية بكى وقال اللهم لا تبتلنا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا ، وقوله جل ذكره (إِنَ

__________________

(١) (أَمْ) هي المنقطعة المقدرة ببل وهمزة الاستفهام : فبل : للاضراب الانتقالي ، والاستفهام إنكاري.

(٢) الأضغان : جمع ضغن كحمل وأحمال ، وهو الحقد والعداوة ومحلها القلب : قال الشاعر :

الضاربين بكل أبيض مخذم

والطاعنين مجامع الأضغان

(٣) (لَحْنِ الْقَوْلِ) هو ما يفهم من الكلام بالتعريض والإشارة لا بصريح القول.

(٤) بلا يبلوا بلوا المرء اختبره ، فالبلو : الاختبار والتعرف على حال الشيء ، ويكون في الشرع بالأمر والنهي.

٨٨

الَّذِينَ كَفَرُوا) (١) أي كذبوا الله ورسوله (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي الإسلام فصرفوا الناس عنه بأي سبب من الأسباب ، (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ) أي خالفوه وعادوه وحاربوه (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى) أي ظهر لهم الحق وأن الرسول حق والإسلام حق بالحجج والبراهين هؤلاء الكفرة لن يضروا الله شيئا من الضرر لتنزهه عن صفات المحدثين من خلقه ولامتناعه تعالى وعزته ، (وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ) أي يبطلها عليهم فلا ينالون بها ما يؤملون في الدنيا بذهاب كيدهم وخيبة أملهم إذ ينصر الله رسوله ويعلي كلمته ، وفي الآخرة لأن أعمال المشرك والكافر باطلة حابطة لا ثواب عليها سوى ثواب الجزاء المهين.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان حقيقة وهى من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها فكشفه للناس.

٢ ـ ومن أحب شيئا ظهر على وجهه وفلتات لسانه.

٣ ـ تقرير قاعدة وهي أنه لا بد من الابتلاء لمن دخل في الإسلام ليكون الإيمان على حقيقته لا إيمانا صوريا أدنى فتنة تصيب صاحبه يرتد بها عن الإسلام.

٤ ـ أعمال المشرك والكافر باطلة لا ثواب خير عليها لأن الشرك محبط للأعمال الصالحة.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ

__________________

(١) يدخل في هذا اللفظ كفّار قريش وكفار اليهود والمنافقون.

٨٩

لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨))

شرح الكلمات :

(وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) : أي بالرياء والشرك والمعاصي

(وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) : أي عن الإسلام.

(فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) : أي لأنهم ماتوا على الكفر والكفر محبط للعمل.

(فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) : أي فلا تضعفوا وتدعوا إلى الصلح مع الكفار.

(وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) : أي الغالبون القاهرون.

(وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) : أي ولن ينقصكم أجر أعمالكم وثوابها.

(إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) : أي الاشتغال بالدنيا والتفرغ لها ما هو إلا لهو ولعب لعدم الفائدة منه.

(وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ) : أي ولا يكلفكم بإنفاق أموالكم كلها بل بالزكاة فقط.

(فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) : أي بالمبالغة في طلبكم المال تبخلوا.

(وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ) : أي أحقادكم وبغضكم لدين الإسلام.

(فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) : أي عائد ذلك على نفسه لا على غيره فهو الذي يحرم الثواب.

(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) : أي عن طاعة الله وطاعة رسوله يأت بآخرين غيركم.

(ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) : أي في الطاعة أي يكونوا أطوع منكم لله ورسوله.

معنى الآيات :

لما ذكر تعالى الكفار ومشاقتهم لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نادى المؤمنين (١) وأمرهم بطاعته وطاعة رسوله فقال يا أيها الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول أي فيما يأمرانكم به وينهيانكم عنه من المعتقدات والأقوال والأعمال ولا (٢) تبطلوا أعمالكم أي وينهاهم أن

__________________

(١) بقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وجملة النداء معترضة بين جملة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا) الخ وبين (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ).

(٢) إبطال العمل : جعله باطلا أي : لا فائدة منه ولا ثواب ، فالإبطال تتصف به الأشياء الموجودة ، وكان الحسن البصري يقول : لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي ، وما يبطل العمل على الحقيقة هو أمور ثلاثة : الشرك والرياء ، وأداء العمل على غير الوجه المشروع عليه.

٩٠

يبطلوا أعمالهم بالشرك والرياء والمعاصي والمراد من إبطال الأعمال أي حرمانهم من ثوابها. ثم أعلمهم مذكرا واعظا لهم فقال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بالله ورسوله (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي عن الإسلام بأي سبب من الأسباب (ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) قبل أن يتوبوا. فهؤلاء (فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) ويعذبهم العذاب المعد لأمثالهم وقوله تعالى (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا (١) إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ (٢) الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يضعفوا عن قتال أعدائهم من الكافرين ويدعوا الكافرين إلى الصلح والمهادنة وهم أقوياء قادرون وهو معنى قوله وأنتم الأعلون أي الغالبون القاهرون. ولن (٣) يتركم أعمالكم أي لا ينقصكم أجر أعمالكم بل يجزيكم بها ويزيدكم من فضله وقوله (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) هذه حقيقة وهي أن الحياة الدنيا إن أقبل عليها العبد ناسيا الدار الآخرة مقبلا على الدنيا لن تكون في حقه إلا لهوا ولعبا باعتبار أنه لم يظفر منها على طائل ولم تعد عليه بعائد خير وإسعاد كاللاعب اللاهي بشيء يلعب ويلهو فترة ثم لا يعود عليه ذلك اللعب بشيء كلعب الصبيان ولهوهم فإنهم يلهون ويلعبون بجد ثم يعودون إلى والديهم يطلبون الطعام والشراب. وقوله (وَإِنْ تُؤْمِنُوا) أي الإيمان الصحيح (وَتَتَّقُوا) ما يغضب ربكم ويسخطه عليكم من الشرك والمعاصي (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) المترتبة على الإيمان والتقوى. وقوله (وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ) أي ولا يطلب منكم أموالكم كلها أي كراهة إحفائكم بذلك (إِنْ يَسْئَلْكُمُوها) (٤) (فَيُحْفِكُمْ) أي بكثرة الإلحاح عليكم (تَبْخَلُوا) إذ هذا معروف من طباع البشر أن الإنسان إذا ألح وألحف عليه في الطلب يبخل بالمال ولم يعطه وقد يترك الإسلام لذلك ، وقوله (وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ) أي أحقادكم وبغضكم للدين وكراهيتكم له ولذا لم يسألكم أموالكم وقوله تعالى : (٥) (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ (٦) لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي جزءا من أموالكم في الزكاة أو الجهاد لا كل أموالكم لما يعلم تعالى من شح النفس بالمال وقوله (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ) أي يمنع ومن يبخل فإنما يبخل (٧) عن نفسه إذ هي التي حرمها أجر النفقة في سبيل الله ذات الأجر العظيم وقوله (وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ

__________________

(١) الفاء للتفريع.

(٢) و (الْأَعْلَوْنَ) معناه الغالبون المنتصرون.

(٣) أي : لا ينقصكم ، ومنه الموتور : الذي قتل له قتيل ، وفي الحديث الصحيح : (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله).

(٤) يقال : أحفى في المسألة وألح بمعنى واحد.

(٥) (ها) : حرف تنبيه ، وفي إعراب الجملة وجهان الأول : وهو أن يكون (أَنْتُمْ) مبتدأ ، و (هؤُلاءِ) منادي معترض ، و (تُدْعَوْنَ) الخبر ، والثاني : أن يكون (أَنْتُمْ) مبتدأ و (هؤُلاءِ) خبره ، وجملة : (تُدْعَوْنَ) مستأنفة مؤكدة ومقررة لما سبق.

(٦) أي : في الحال وجائز أن يدعو في المستقبل ، إذ الجهاد مستمر والحاجة إلى الإنفاق لا تنقطع ، سبيل الله : المراد بها الجهاد وهي كل ما يوصل إلى مرضاة الله تعالى.

(٧) يجوز في (يَبْخَلُ) أن يعدى بعن وبعلى يقال : بخل عليه بكذا أو بخل عنه بكذا أو يضمّن معنى أمسك ، وحينئذ فتعديته بعلى نحو : أمسك عليك لسانك.

٩١

الْفُقَراءُ) إلى الله تعالى فهو غني عنكم لا يحضكم على النفقة لحاجته إليها ولكن لحاجتكم أنتم إليها إذ بها تزكوا نفوسكم وتقوم أموركم وتنتصروا على عدوكم وقوله (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا) أي ترجعوا عن الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله (يَسْتَبْدِلْ) الله بكم (قَوْماً غَيْرَكُمْ) أي يذهبكم ويأت بآخرين (ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) بل يكونون أطوع لله تعالى منكم وأسرع امتثالا لما يطلب منهم. وحاشاهم أن يتولوا وما تولوا ولا استبدل الله تعالى بهم غيرهم. وإنما هذا من باب حثهم على معالى الأمور والأخذ بعزائمها نظرا لمكانتهم من هذه الأمة فهم أشرفها وأكملها وأطوعها لله وأحبها له ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ وجوب طاعة الله وطاعة رسوله.

٢ ـ وجوب اتمام العمل الصالح من صلاة وغيرها بالشروع فيه.

٣ ـ بطلان العمل الصالح بالرياء أو بإفساده عند أدائه أو بالردة عن الإسلام.

٤ ـ حرمة الركون إلى مصالحة الأعداء مع القدرة على قتالهم والتمكن من دفع شرهم.

٥ ـ التنفير من الإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة.

٦ ـ حرمة البخل مع الجدة والسعة.

سورة الفتح (١)

مدنية

وآياتها تسع وعشرون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢)

__________________

(١) نزلت ليلا بعد صلح الحديبية بين مكة والمدينة قال فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس). البخاري.

٩٢

وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧))

شرح الكلمات :

(إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) : أي قضينا لك بفتح مكة وغيرها عنوة بجهادك فتحا ظاهرا بيّنا.

(لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ) : أي بسبب شكرك له وجهادك في سبيله.

(ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) : أي ما تقدم الفتح وما تأخر عنه.

(وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) : أي بنصرك على أعدائك وإظهار دينك ورفع ذكرك.

(وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) : ويرشدك طريقا من الدين لا اعوجاج فيه يفضي بك إلى رضوان ربك.

(وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً) : أي وينصرك الله على أعدائك ومن ناوأك نصرا عزيزا لا يغلبه غالب ، ولا يدفعه دافع.

(أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) : أي الطمأنينة بعد ما أصابهم من الاضطراب والقلق من جراء الصلح.

(وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) : أي عليما بخلقه حكيما في تدبيره لأوليائه.

(لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) : أي قضى بالفتح ليشكروه ويجاهدوا في سبيله ليدخلهم جنات.

٩٣

(وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً) : أي وكان ذاك الإدخال والتكفير للسيئات فوزا عظيما.

(وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ) : والمشركين والمشركات أي يعذبهم بالهم والحزن لما يرون من نصرة الإسلام وعزة أهله.

(الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ) : أي أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه.

(عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) : أي بالذل والعذاب والهوان.

(وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) : أي كان وما زال تعالى غالبا لا يغلب حكيما في الانتقام من أعدائه.

معنى الآيات :

قوله تعالى (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) الآيات هذه فاتحة سورة الفتح التي قال فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم [لقد أنزلت عليّ سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ، ثم قرأ (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً (١) مُبِيناً)] وذلك بعد صلح الحديبية سنة ست من الهجرة وفي منصرفه منه وهو في طريقه عائد مع أصحابه إلى المدينة النبويّة. وقد خالط أصحابه حزن وكآبة حيث صدوا عن المسجد الحرام فعادوا ولم يؤدوا مناسك العمرة التي خرجوا لها ، وتمت أحداث جسام تحمل فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما لا يقدر عليه من أولى العزم غيره فجزاه الله وأصحابه وكافأهم على صبرهم وجهادهم بما تضمنته هذه الآيات إلى قوله (وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً) فقوله تعالى (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ) يا رسولنا (فَتْحاً مُبِيناً) أي قضينا لك بفتح مكة وخيبر وغيرهما ثمرة من ثمرات جهادك وصبرك وهو أمر واقع لا محالة وهذا الصلح بداية الفتح فاحمد ربك واشكره (لِيَغْفِرَ لَكَ) بذلك وبجهادك وصبرك (ما تَقَدَّمَ مِنْ (٢) ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) بنصرك على أعدائك وعلى كل من ناوأك ، (وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) أي ويرشدك إلى طريق لا اعوجاج فيه يفضي بك وبكل من يسلكه إلى الفوز في الدنيا والآخرة وهو الإسلام دين الله الذي لا يقبل دينا سواه. (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً) أي وينصرك ربك على أعدائك وخصوم دعوتك نصرا عزيزا إي ذا عزّ لا ذل معه هذه أربع عطايا

__________________

(١) الماضي هنا بمعنى المستقبل إذ فتح مكة المومى إليه كان سنة ثمان وأطلق الماضي مع إرادة المضارع لتحقق الوقوع وتأكده نحو : (أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) واللام في (لَكَ) : لام الأجل أي : فتحنا لأجلك.

(٢) اضطرب المفسرون في تعليق لام (لِيَغْفِرَ لَكَ) فالسيوطي علّقه بكلمة (بجهادك) زادها بعد جملة ليغفر لك أي : بجهادك يوم فتحك مكة ، وفي التفسير قدرنا جملتي : فاحمده على الفتح واشكره عليه ليغفر لك. وأما الذنب مع إجماعهم أنه لا ذنب كبير لعصمته صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن أحسن ما قيل فيه هو ما يلي : أما الذنب المتقدم فهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في بدر : (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا فأوحى إليه : من أين تعلم هذا؟ فكان هذا الذنب المتقدم ، والثاني : أنه لما انهزم المسلمون : يوم حنين قال لعمّه ناولني كفا من حصباء فناوله فرمى به المشركين فانهزموا فقال لأصحابه : (لو لا أني رميتهم ما انهزموا) فهذا الذنب المتأخر. والحقيقة أن هذا لو عدّ ذنبا لكان من باب : حسنات الأبرار سيئات المقربين.

٩٤

كانت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ففرح بها وهي مغفرة الذنب السابق واللاحق ، الفتح للبلاد ، الهداية إلى أقوم طريق يفضي إلى سعادة الدارين ، والنصر المؤزر العزيز ، فلذا قال أنزلت علّ آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعا. وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي (١) قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) أي هو الله المنعم عليك بما ذكر لك الذي أنزل السكينة أي الطمأنينة على قلوب المؤمنين من أصحابك وكان عددهم ألفا وأربعمائة صاحب أنزل السكنية عليهم بعد اضطراب شديد أصاب نفوسهم دل عليه قول عمر رضي الله عنه للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ألست نبيّ الله حقا؟ قال : بلى ، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال : بلى ، قلت فلم نعطى الدنيّة في ديننا إذا؟ قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبيء الله حقا؟ قال بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال بلى ، قلت : فلم نعطى الدنيّة في ديننا؟ قال أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه أي سر على نهجه ولا تخالفه. فو الله إنه لعلى الحق ، قلت أليس كان يحدثنا انه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال بلى. قال فهل أخبرك انه العام؟ قلت : لا قال فإنك تأتيه وتطوف به. وقوله (لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) أي بشرائع الإسلام كلما نزل حكم آمنوا به وعملوا به ومن ذلك الجهاد وبذلك يكون إيمانهم في ازدياد. وقوله تعالى (وَلِلَّهِ جُنُودُ (٢) السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ملائكة السماء وملائكة الأرض وكل ذي شوكة وقوة من الكائنات هو لله كغيره ويسخره كما شاء ومتى شاء فقد يسلط جيشا كافرا على جيش كافر نصرة لجيش مؤمن والمراد من هذا انه تعالى قادر على نصرة نبيّه ودينه بغيركم أيها المؤمنون (وَكانَ اللهُ) وما زال أزلا وأبدا (عَلِيماً) بخلقه (حَكِيماً) في تدبير أمور خلقه. وقوله تعالى (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ) أي الإدخال للجنة وتكفير السيئات (فَوْزاً عَظِيماً) أي فتح على رسوله والمؤمنين ليشكروا بالطاعة والجهاد والصبر أي تم كل ذلك ليدخل المؤمنين والمؤمنات الآية .. وقوله (وَيُعَذِّبَ (٤) الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ

__________________

(١) (السَّكِينَةَ) السكون والطمأنينة ، قال ابن عباس : كل سكينة في القرآن فهي بمعنى الطمأنينة إلا في البقرة. يريد قوله تعالى : (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ).

(٢) هذه الجملة تذييلية مذيل بها الكلام السابق ، والجنود : جمع جند ، والجند : اسم للجماعة المقاتلين لا واحد له من لفظه وجمع باعتبار الجماعات التي يتكون منها وهي المقدمة والميمنة والميسرة والقلب والساقة.

(٣) اللّام : لام التعليل متعلقة بفعل. (لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) وذكر المؤمنات مع المؤمنين هنا لدفع ما يتوهم أن هذا الوعد خاص بالمؤمنين دون المؤمنات في حين أن موقف أم المؤمنين أم سلمة كان عظيما إذ استشارها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أبى أصحابه أن يتحللوا فأشارت عليه بما جعلهم يتحللون.

(٤) هذا معطوف على قوله تعالى : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ) وهذا التعذيب المذكور في الآية تعذيب خاص زائدا على عذاب الكفر والنفاق وفي قوله : (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) إشارة إلى ذلك.

٩٥

وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ) أي فتح على رسوله والمؤمنين ونصرهم ووهبهم ما وهبهم من الكمال ليكون ذلك غما وهما وحزنا يعذب الله به المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات في الدنيا والآخرة وقوله (الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ) (١) هذا وصف للمنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات حيث إنهم كانوا ظانّين أن (٢) الله لا ينصر رسوله والمؤمنين ولا يعلي كلمته ولا يظهر دينه وقوله تعالى (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) اخبارا منه عزوجل بأن دائرة السوء تكون على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات كما أخبر عنهم بأنه غضب عليهم ولعنهم (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) ومعنى أعدّ هيأ وأحضر لهم ، وساءت جهنم مصيرا يصير إليه الإنسان والجان. بعد نهاية الحياة الدنيا ، وقوله تعالى (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ينصر بها من يشاء ويهزم بها من يشاء (وَكانَ اللهُ عَزِيزاً) أي غالبا لا يمانع في مراده (حَكِيماً) في تدبيره وصنعه.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ الذنب الذي غفر لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المعلوم بالضرورة انه ليس من الكبائر في شيء وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.

٢ ـ إنعام الله على العبد يوجب الشكر والشكر يوجب المغفرة وزيادة الإنعام.

٣ ـ بيان مكافأة الله لرسوله والمؤمنين على صبرهم وجهادهم.

٤ ـ بيان أن الكافرين يحزنون ويغمّون لنصر المؤمنين وعزهم فيكون ذلك عذابا لهم في الدنيا.

(إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

__________________

(١) (ظَنَّ السَّوْءِ) بفتح السين : قراءة العشرة في قوله : (ظَنَّ السَّوْءِ) وفي (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) الجمهور على الفتح ، وقرأ بعض بضم السين. وهما لغتان كالكره والكره ، والضّعف والضّعف بالفتح والضم.

(٢) ومعنى ظنهم بالله ظن السوء : أن الله ما وعد الرسول بالفتح ولا أمره بالخروج إلى العمرة ولم ينصر رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٩٦

فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠))

شرح الكلمات :

(شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) : أي شاهدا على أمتك أمة الدعوة يوم القيامة ومبشرا من آمن منهم وعمل صالحا بالجنة ونذيرا من كفر أو عصى وفسق بالنار.

(لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) : أي هذا علة للإرسال.

(وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) : أي ينصروه ويعظموه وهذا لله وللرسول.

(وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) : أي الله تعالى بالصلاة والذكر والتسبيح.

(إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ) : أي بيعة الرضوان بالحديبية.

(إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) : لأن طاعة الرسول طاعة لله تعالى.

(يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) : أي لأنهم كانوا يبايعون الله إذ هو الذي يجاهدون من أجله ويتلقون الجزاء من عنده.

(فَمَنْ نَكَثَ) : أي نقض عهده فلم يقاتل مع الرسول والمؤمنين.

(فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ) : أي وبال نقضه عهده عائد عليه إذ هو الذي يجزي به.

(فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) : أي الجنة إذ هي الأجر العظيم الذي لا أعظم منه إلا رضوان الله عزوجل.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في بيان ما أنعم الله تعالى به على رسوله فقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً) (١) لله تعالى بالوحدانية والكمال المطلق له عزوجل وشاهدا على هذه الأمة التي أرسلت فيها وإليها عربها وعجمها (وَمُبَشِّراً) لأهل الإيمان والتقوى بالجنة (وَنَذِيراً) لأهل الكفر والمعاصي أي مخوفا لهم من عذاب الله يوم القيامة. وقوله تعالى (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) أي أرسلناه كذلك لتؤمنوا بالله ورسوله (وَتُعَزِّرُوهُ) بمعنى تنصروه (وَتُوَقِّرُوهُ) بمعنى تجلوه وتعظموه وهذه واجبة لله ولرسوله الإيمان والتعزير والتوقير ، وأما التسبيح والتقديس فهو لله تعالى وحده ويكون بكلمة سبحان الله وبالصلاة وبالذكر لا إله إلا الله ، وبدعاء الله وحده

__________________

(١) بيان لحكمة الإرسال وما يترتب عليه و (شاهِداً) إنه بالنظر إلى شهادته يوم القيامة فهي حال مقدرة ، وبالنظر إلى شهادته في الدنيا مع تبشيره ونذارته فهي حال مقارنة. و (إِنَّا أَرْسَلْناكَ) الخ .. كلا مستأنف ابتدائي.

٩٧

وقوله (بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (١) أي تسبحون الله (بُكْرَةً) أي صباحا (وَأَصِيلاً) أي عشية وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) يخبر تعالى رسوله بأن الذين يبايعونه على قتال أهل مكة وأن لا يفروا عند اللقاء (إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) (٢) إذ هو تعالى الذي أمرهم بالجهاد وواعدهم الأجر فالعقد وإن كانت صورته مع رسول الله فإنه في الحقيقة مع الله عزوجل ، ولذا قال (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وقوله تعالى (فَمَنْ نَكَثَ) أي نقض عهده فلم يقاتل (فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى) بمعنى وفّى (بِما عاهَدَ عَلَيْهُ (٣) اللهَ) من نصرة الرسول والقتال تحت رايته حتى النصر (فَسَيُؤْتِيهِ) الله (أَجْراً عَظِيماً) الذي هو الجنة دار السّلام.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والإعلان عن شرفه وعلو مقامه.

٢ ـ وجوب الإيمان بالله ورسوله ووجوب نصرة الرسول وتعظيمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٣ ـ وجوب تسبيح الله وهو تنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله مع الصلاة ليلا ونهارا.

٤ ـ وجوب الوفاء بالعهد ، وحرمة نقض العهد ونكثه.

(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى

__________________

(١) لبكرة : أوّل النهار ، والأصيل : آخره أي : غدوة وعشيا. قال الشاعر :

لعمري لأنت البيت أكرم أهله

وأجلس في أفيائه بالأصائل

جمع أصيل : العشي.

(٢) هذه هي البيعة التي بايعها المسلمون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الحديبية تحت الشجرة (السّمرة) وكانوا ألفا وأربعمائة ، وأول من بايع لنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم تحت الشجرة : أبو سنان الأسدى ، وتسمى بيعة الرضوان لقوله تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ).

(٣) قرأ نافع وورش عليه بكسر هاء الضمير ، وقرأ حفص بضمّها (عَلَيْهُ اللهَ) فمن كسر رقّق اسم الجلالة ، ومن ضمّ فخّمه.

٩٨

أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤))

شرح الكلمات :

(الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ) : أي الذين حول المدينة وقد خلّفهم الله عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرض قريش لك عام الحديبية وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع.

(شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا) : أي عن الخروج معك.

(فَاسْتَغْفِرْ لَنا) : أي الله من ترك الخروج معك.

(يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ) : أي كل ما قالوه هو من ألسنتهم وليس في قلوبهم منه شيء.

(قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً) : أي لا أحد لأن الاستفهام هنا للنفي.

(إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً) : وبّخهم على تركهم صحبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خوفا من قريش.

(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ) : أي حسبتم أن قريشا تقتل الرسول والمؤمنين فلم يرجع منهم أحد إلى المدينة.

(وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) : هو هذا الظن الذي زينه الشيطان في قلوبهم.

(وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) : أي هالكين عند الله بهذا الظن السيء ، وواحد بور بائر.

هالك.

(فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً) : أي نارا شديدة الاستعار والالتهاب.

(يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) : يغفر لمن يشاء وهو عبد تاب وطلب المغفرة بنفسه ، ويعذب من يشاء وهو عبد ظن السوء وقال غير ما يعتقد وأصر على ذلك الكفر والنفاق.

(وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) : كان وما زال متصفا بالمغفرة والرحمة فمن تاب غفر الله له ورحمه.

٩٩

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين في الحضر والبادية وذلك بتأنيبهم وتوبيخهم وذكر معايبهم إرادة إصلاحهم فقال تعالى لرسوله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ) وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع (١) وكانوا أهل بادية وأعرابا حول المدينة استنفرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليخرجوا معه إلى مكة للعمرة تحسبا لما قد تقدم عليه قريش من قتاله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلّا أن هؤلاء المخلفين من الأعراب أصابهم خوف وجبن من ملاقاة قريش وزين لهم الشيطان فكرة أن الرسول والمؤمنين لن يعودوا إلى المدينة فإن قريشا ستقضي عليهم وتنهي وجودهم فلذلك خلفهم الله وحرمهم صحبة نبيّه والمؤمنين فحرموا من مكرمة بيعة الرضوان وأخبر رسوله عنهم وهو عائد من الحديبية بما يلي (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ) معتذرين لك عن تخلفهم (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا) فتخلفنا لأجل إصلاحها ، (وَأَهْلُونا) كذلك (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) أي اطلب لنا من الله المغفرة. ولم يكن هذا منهم حقا وصدقا بل كان باطلا وكذبا فقال تعالى فاضحا لهم (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) فهم إذا كاذبون. وهنا أمر رسوله أن يقول لهم أخبروني إن أنتم عصيتم الله ورسوله وتركتم الخروج مع المؤمنين جبنا وخوفا من القتل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أي شرا لكم أو أراد بكم نفعا أي خيرا لكم؟ والجواب قطعا لا أحد إذا فإنكم كنتم مخطئين في تخلفكم وظنكم معا ، وقوله (بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) اضرب تعالى عن كذبهم واعتذارهم ليهددهم على ذلك بقوله (بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) وسيجزيكم به وما كان عملهم إلا الباطل والسوء ، ثم أضرب عن هذا أيضا إلى آخر فقال (بَلْ ظَنَنْتُمْ) (٢) (أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً) إذ تقتلهم قريش فتستأصلهم بالكلية. (وَزُيِّنَ ذلِكَ) الشيطان (فِي قُلُوبِكُمْ) فرأيتموه واقعا ، (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) وهو أن الرسول والمؤمنين لن ينجوا من قتال قريش لهم ، (وَكُنْتُمْ) أي بذلك الظن (قَوْماً بُوراً) لا خير فيكم هلكى لا وجود لكم. وقوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً) وهو إخبار أريد به تخويفهم لعلهم يرجعون من باطلهم في اعتقادهم وأعمالهم إلى الحق قولا وعملا ، ومعنى أعتدنا أي هيأنا وأحضرنا وسعيرا بمعنى نار مستعرة شديدة الالتهاب وقوله في الآية الأخيرة من هذا السياق (١٤) (وَلِلَّهِ مُلْكُ (٣)

__________________

(١) والديل كذلك ، وخرج من أسلم مائة رجل من بينهم مرداس بن مالك الأسلمي والد عباس الشاعر ، وعبد الله بن أبي أوفي وزاهر بن الأسود ، وأهبان بن أوس وسلمة بن الأكوع الأسلمي ، ومن غفار : خفاف بن أيماء ومن مزينة : عائذ بن عمرو ، وتخلف عن الخروج أكثرهم.

(٢) هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : (بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) و (إن) مخففة من الثقيلة ، واسمها : ضمير الشأن و (لن) لإفادة استمرار النفي ، وأكد أيضا ب (أبدا) لأن ظنهم كان قويا.

(٣) هذا الكلام معطوف على قوله تعالى : (فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً) وهو انتقال من التخويف الشديد إلى الإطماع في المغفرة والرحمة ليكون سببا في هدايتهم ، وتقديم الرحمة على العذاب مشعر بذلك.

١٠٠