أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

تعالى وهو أن كل حادث يحدث في هذا العالم قد سبق به علم الله وتقديره له فحدّد ذاته وصفاته وأعماله ومآله إلى جنة أو إلى نار ، إن كان انسانا أو جانا وليس هناك شيء يحدث بدون تقدير سابق له وعلم تام به قبل حدوثه.

وقوله تعالى : (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (١) يخبر تعالى عن قدرته كما أخبر عن علمه بأنه تعالى إذا أراد إيجاد شيء في الوجود لم يزد على أمر واحد وهو كن فإذا بالمطلوب يكون كما أراد تعالى أزلا أن يكون ، وبسرعة كسرعة لمح البصر الذي هو نظرة سريعة.

وقوله تعالى وهو يخاطب مشركي قريش (وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ) أي أمثالكم في الكفر والعصيان أي من الأمم السابقة (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي متذكر متعظ معتبر قبل فوات الوقت وحصول المكروه من العذاب في الدنيا وفي الآخرة.

وقوله تعالى (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ) أي أولئك المشركون هو (فِي الزُّبُرِ) أي في كتب الحفظة من الملائكة الكرام الكاتبين ، (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ) من أعمالهم وأعمال غيرهم بل كل حادثة في الأكوان هي مسطرة في اللوح المحفوظ كتاب المقادير.

وقوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ (٢) وَنَهَرٍ) هذا الإخبار يقابل الإخبار الأول أن المجرمين في ضلال وسعر فالأول إعلام وتحذير وترهيب وهذا إخبار وبشرى وترغيب حيث أخبر أن المتقين الذين اتقوا ربهم فلم يشركوا به ولم يفسقوا عن أمره إنهم في جنات بساتين ذات قصور وحور ، وأنهار وأشجار هم جالسون (فِي مَقْعَدِ (٣) صِدْقٍ) في مجلس حق لا لغو يسمع فيه ولا تأثيم يلحق جالسه (عِنْدَ (٤) مَلِيكٍ) أي ذي ملك وسلطان (مُقْتَدِرٍ) على فعل كل ما يريده سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه.

__________________

(١) (إِلَّا واحِدَةٌ) أي : مرة واحدة (كَلَمْحِ الْبَصَرِ) أي : قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر ، واللمح ، النظر بعجلة ، يقال لمحه وألمحه : إذا أبصره بنظر خفيف.

(٢) قرىء في غير السبع ونهر بضم النون والهاء جمع نهار أي لا ليل لهم كسحاب وسحب قال الفراء : أنشدني بعض العرب :

إن تك ليليا فإني نهر

متى أرى الصبح فلا أنتظر

وقال آخر :

لو لا الثريدان هلكنا بالضحى

ثريد ليل وثريد بالنهر

(٣) (مَقْعَدِ صِدْقٍ) قال القرطبي : أي : مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة ، والعندية هنا عندية القربى والزلفى والمكانة والرتبة العالية والمنزلة الشريفة في جوار أرحم الراحمين ورب العالمين.

(٤) (مَلِيكٍ) أبلغ من ملك وهو بمعنى : مالك ، و (مُقْتَدِرٍ) أبلغ من قادر ، والتنكير في مليك ، ومقتدر : للتعظيم.

٢٢١

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ بيان مصير المجرمين وضمنه تخويف وتحذير من الإجرام الموبق للإنسان.

٢ ـ تقرير عقيدة القضاء والقدر.

٣ ـ تقرير أن اعمال العباد مدونة في كتب الكرام الكاتبين لا يترك منها شيء.

٤ ـ تقرير أن كل صغيرة وكبيرة من أحداث الكون هي في كتاب المقادير اللوح المحفوظ.

٥ ـ بيان مصير المتقين مع الترغيب في التقوى إذ هي ملاك الأمر وجماع الخير.

٦ ـ ذكر الجوار الكريم وهو مجاورة الله رب العالمين في الملكوت الأعلى في دار السّلام.

سورة الرّحمن (١)

مكية

وآياتها ثمان وسبعون آية

(بسم الله الرّحمن الرحيم)

(الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣))

__________________

(١) روى البيهقي في شعب الإيمان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : (لكل شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن) وذكره صاحب الإتقان كذلك.

٢٢٢

شرح الكلمات :

(الرَّحْمنُ) : اسم من أسماء الله تعالى.

(عَلَّمَ الْقُرْآنَ) : أي علم من شاء من عباده القرآن.

(خَلَقَ الْإِنْسانَ) : آدم كما خلق ذريته أيضا.

(عَلَّمَهُ الْبَيانَ) : أي علم آدم البيان الذي هو النطق والإعراب عما في النفس بلغة من اللغات كل هذا تعليم الله عزوجل ولو لا الله ما نطق إنسان.

(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) : أي يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما.

(وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) : النجم ما لا ساق له من النبات ، والشجر ما له ساق يسجدان يخضعان لله تعالى بما يريد منهما في طواعية كالسجود من المكلفين.

(وَالسَّماءَ رَفَعَها) : أي فوق الأرض وأعلاها.

(وَوَضَعَ الْمِيزانَ) : أي أثبت العدل بين العباد أمر به وألهم صنع آلته.

(أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ) : أي لأجل أن لا تجوروا في الميزان وهو ما يوزن به من آلات.

(وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) : أي بالعدل.

(وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) : أي لا تنقصوا الموزون الذي تزنونه بل وفوه.

(وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) : أي أثبتها وخفضها كما رفع السماء وأعلاها للأنام لحياة الأنام عليها وهم الإنس والجن والحيوان وكل ذي روح.

(فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ) : أي في الأرض فاكهة وهي كل ما يتفكه به الإنسان من أنواع الفواكه الكثيرة ، والنخل ذات الأكمام وهي أوعية طلعها.

(وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ) : أي وفي الأرض الحب من برّ وشعير وعصفه تبنه.

(وَالرَّيْحانُ) : نبت معروف ، والمراد به أنواع الرياحين المشمومة ذات الريح الطيّب.

(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) : أي فبأي نعم ربكما يا معشر الجن والإنس تكذبان وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى. والجواب لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

٢٢٣

معنى الآيات :

قوله تعالى (الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (٢) يخبر تعالى أنه هو الرحمن الذي علم نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم القرآن لا كما يقول المبطلون إنما يعلمه بشر. الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء وهي متجلية ظاهرة فيما يعدد من آلاء ونعم. منها خلقه الإنسان آدم وذريته ، وتعليمهم البيان وهو النطق والإبانة عما في نفوسهم. (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) (٣) يجريان لإفادة الناس في معرفة أوقات عباداتهم ، وآجال ديونهم وهي مظاهر الرحمة ، (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) والنجم غذاء بهائمكم والشجر فيه فاكهتكم وبعض غذائكم (يَسْجُدانِ) خضوعا لله بما أراد منهما لا يعصيان كما يعصي الثقلان. (وَالسَّماءَ رَفَعَها) عن الأرض ولم يلصقها بالأرض إنعاما منه على الثقلين في رفعها وتزيينها بكواكبها وشمسها وقمرها ، (وَوَضَعَ الْمِيزانَ) (٤) أي العدل حيث أمر به وألهم وضع آلته وغرز في النفوس حبه والرغبة فيه ، من أجل ألا تجوروا في الميزان ، (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) بالعدل ، (وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) أي لا تنقصوه إذا وزنتم بل وفوه كل هذا إنعام وألوان من رحمات الرحمن. (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) أي أثبتها وخفضها ودحاها لحياة الأنام. وهم الإنس والجان والحيوان ، (فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ) أي أوعية الطلع ، (وَالْحَبُ) البر والشعير (ذُو الْعَصْفِ) (٥) أي التبن (وَالرَّيْحانُ) هذه أنواع الطعام للإنسان والحيوان طعام وفاكهة وريحان كل هذه مظاهر الرحمة التي أفاضها الرحمن. (فَبِأَيِّ آلاءِ (٦) رَبِّكُما) يا معشر الجن والإنس (تُكَذِّبانِ). لا بشيء من نعمك ربّنا نكذب فلك الحمد.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ الرحمن مثل اسم الله لا يصح أن يطلق على غير الرب تبارك وتعالى ، فيقال فلان عزيز أو رحيم أو عليم أو حكيم ، ولكن لا يقال رحمان ، كما لا يقال إله أو الإله أو الله.

__________________

(١) اختير اسم الرحمن دون سائر الأسماء الإلهية لأمور منها : أنه الاسم الذي كان المشركون ينكرونه ، ومنها الرد على الزاعمين أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلمه بشر فأخبر تعالى أن الرحمن هو الذي علّم القرآن ، ومنها : أن يكون في هذا الخبر براعة استهلال إذ السورة تعدد عشرات النعم ، ومصدرها الرحمن عزوجل.

(٢) (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) هذا الخبر عن الرحمن ، و (خَلَقَ الْإِنْسانَ) خبر ثان و (عَلَّمَهُ الْبَيانَ) خبر ثالث ، و (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) خبر رابع ، والرابط تقديره بحسبانه ، فالضمير عائد على الرحمن سبحانه وتعالى.

(٣) الحسبان : مصدر حسب بمعنى : عد كالغفران : مصدر غفر والباء للملابسة.

(٤) أصل الميزان : اسم آلة الوزن ، والوزن : تقدير تعادل الأشياء ، وضبط مقادير ثقلها ، و (وَضَعَ) بمعنى : جعل ومنه الحديث : (فضعها حيث أراك الله) أي : اجعلها.

(٥) سمي التبن عصفا : لأن الريح تعصف به لخفته.

(٦) الفاء للتفريع على ما تقدم من ضروب النعم العظيمة.

٢٢٤

٢ ـ ورد في الصحيح في فضل تعلم القرآن قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خيركم من تعلم القرآن وعلمه.

٣ ـ وجوب إقامة العدل والتواصي به ، ومراقبة الموازين لدى التجار وإصلاح فاسدها.

٤ ـ وجوب شكر الله على آلائه.

٥ ـ استحباب قول لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد عند سماع قراءة فبأي آلاء ربكما تكذبان.

٦ ـ مشروعية تعلم علم الفلك لمعرفة القبلة ومواقيت الصلاة والصيام والحج.

(خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣)) (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥))

(١)

شرح الكلمات :

(خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ) : أي خلق آدم من طين يابس يسمع له صلصلة كالفخار وهو ما طبخ من الطين.

(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ) : أي أبا الجن من لهب النار الخالص من الدخان وهو مختلط احمر وازرق واصفر.

(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) : أي مشرق الشتاء ، مشرق الصيف أي مطلع طلوع الشمس فيهما. وكذا المغربين في الصيف والشتاء.

__________________

(١) اختلف في تحديد كل من اللؤلؤ والمرجان ، فمن قائل : اللؤلؤ كباره والمرجان صغاره ، وقيل : المرجان : الخرز الأحمر ، وقيل : المرجان : عظام اللؤلؤ وكباره.

٢٢٥

(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ) : أي أرسل البحرين العذب والملح يلتقيان في رأي العين.

(بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ) : أي بينهما حاجز لا يبغى أحدهما على الآخر فيختلط به.

(يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) : أي يخرج من مجموعها الصادق بأحدهما وهو الملح اللؤلؤ والمرجان وهو خرز أحمر ، وهو صغار اللؤلؤ.

(وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) : أي السفن المحدثات في البحر كالأعلام أي كالجبال عظما وارتفاعا.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في ذكر ما أفاض الرحمن جل جلاله من رحمته التي وسعت كل شيء من آلاء ونعم لا تحصى ولا تعد ولا تحصر فقال تعالى (خَلَقَ الْإِنْسانَ) أي الرحمن الذي تجاهله المبطلون وقالوا : وما الرحمن؟ الرحمن الذي خلق الإنسان آدم أول إنسان خلقه ومن أي شيء خلقه (مِنْ صَلْصالٍ) أي من طين ذي (١) صلصلة وصوت (كَالْفَخَّارِ) خلق الإنسان ، (وَخَلَقَ الْجَانَ) وهو عالم كعالم الإنسان خلق أصله (مِنْ مارِجٍ) وهو ما مرج واختلط من لهب النار. فبأي يا معشر الجن والإنس (آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) إنها نعم تفوق عد الإنسان من (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) من خلقهما من ملكهما من سخرهما لفائدة الإنسان؟ إنه الرحمن (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢)؟) لا بشء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. الرحمن (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) (٣) الملح والعذب أرسلهما على بعضهما فمرجا. كأنهما اختلطا إذ جعل بينهما برزخا حاجزا فهما (لا يَبْغِيانِ) فلا يختلط أحدهما بالثاني ، (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟ يَخْرُجُ (٤) مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) من خلق في مجموع البحرين اللؤلؤ والمرجان وهما خرز أبيض وأحمر وأخضر ولفائدة من خلقهما الرحمن؟ انها لفائدة الإنسان إذا هما نعمة ورحمة من رحمات الرحمن (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) (وَلَهُ الْجَوارِ) أي (٥) للرحمن (الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ) المصنوعات (فِي الْبَحْرِ) في أحواض السفن (كَالْأَعْلامِ) علوا وارتفاعا تظهر في البحر كما تظهر الجبال في البر لمصلحة من خلقها الرحمن لمصلحة الإنسان فهي إذا رحمة

__________________

(١) الصلصال : الطين اليابس ، والفخار : الطين المطبوخ ، ويسمى الخزف وجائز أن يكون كالفخار في محل نصب حال من الإنسان أي : خلقه من صلصال فصار الإنسان كالفخار في لونه وصلابته.

(٢) الاستفهام هنا : للتوبيخ على ترك الشكر.

(٣) المرج : الإرسال كقولهم : مرج الدابة : أرسلها ترعى في المرج. والمعنى : أرسل البحرين بحيث لا يحبس ماؤهما عن الجري ولا عن الالتقاء ببعضهما البعض ، ومع هذا فقد جعل بينهما برزخا ، وهو الفاصل الذي يفصل الماء الملح الأجاج عن العذب الفرات. هذه مظاهر القدرة والعلم الموجبة للتوحيد والشكر بالطاعة.

(٤) جائز أن تكون من في منهما : للسببية نحو : (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) وجائز أن تكون للابتداء وهو الأظهر.

(٥) الجوار : صفة لموصوف محذوف وهو السفن أي : وله السفن الجوار في البحر ، وجمع الجوار جارية.

٢٢٦

الرحمن ونعمته على الإنسان (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما) يا معشر الإنس والجن (تُكَذِّبانِ؟) اقروا واعترفوا واشكروا الرحمن.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ بيان أصل خلق الإنسان والجان فالأول من طين لازب ذي صلصال كالفخار والثاني من مارج من نار وأخبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن خلق الملائكة كان من نور. (١)

٢ ـ معرفة مطالع الشمس ومغاربها في الشتاء والصيف وهما مطلعان ومغربان.

٣ ـ معرفة صناعة اللؤلؤ والمرجان ، والسفن التى هى في البحر كالجبال علوا وظهورا.

٤ ـ وجوب شكر الرحمن على إنعامه على الإنس والجان.

(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦))

شرح الكلمات :

(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) : أي كل من على الأرض من إنسان وحيوان وجان فان أي هالك.

__________________

(١) الحديث في صحيح مسلم.

٢٢٧

(وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) : أي ذاته ووجه سبحانه وتعالى.

(ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) : أي العظمة والإنعام على عباده عامة والمؤمنين بخاصة.

(يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) : أي يسألونه حاجاتهم التى تتوقف عليها حياتهم من الرزق والقوة على العبادة. والمغفرة للذنب ، والعزة من الرب.

(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) : أي كل وقت هو في شأن : شؤون يبديها وفق تقديره لها يرفع أقواما ويضع آخرين.

(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) (١) : أي لحسابكم ومجازاتكم بعد انتهاء هذه الحياة الدنيا ونجزى كلا بما عمل.

(إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا) : أي إن قدرتم على أن تخرجوا.

(مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) : أي من نواحى السموات والأرض.

(فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ) : أي فاخرجوا. لا تنفذون إلا بقوة ولا قوة لكم وهذا تعجيز لهم.

(يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ) : أي من لهب النار الخالص الذى لا دخان فيه.

(وَنُحاسٌ :) أي دخان لا لهب فيه ، ولا يبعد أن يكون نحاسا مذابا.

(فَلا تَنْتَصِرانِ) : أي لا تمتنعان من السوق الى المحشر.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في ذكر أيادى الرحمن الرحيم قال عز من قائل (كُلُّ مَنْ عَلَيْها (٢) فانٍ) كل من على الأرض من إنسان وجان وذي روح وحيوان فان : هالك ، لا تبقى له روح ولا ذات ، (وَيَبْقى (٣) وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) حىّ لا يموت والإنس والجن يموتون (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما) (٤) (تُكَذِّبانِ) أبنعمة إيجادكما وإمدادكما بالأرزاق والخيرات طوال الحياة أم بنعمة انهاء أتعابكما وتكاليفكما أم بإهلاك أعدائكما ، وإدنائكما من النعيم المقيم في جنات النعيم ، قولوا خيرا لكم لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. وقوله (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٥)

__________________

(١) قيل في الإنس والجن : الثقلان لأنهما أثقلا وأتعبا بالتكاليف.

(٢) الضمير عائد إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر نحو (توارت بالحجاب). لأن المقام دال عليها.

(٣) أطلق لفظ الوجه وأريد به ذات الرب تعالى جريا على عرف العرب في كلامهم إذ يطلقون الوجه على الذات والوجه معا ، ومعنى (فان) أي : صائر إلى الفناء.

(٤) جائز أن يكون في الفناء نعمة لا تدرك فلذا صح إيراد جملة : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) وأي نعمة أعظم من انتهاء هذه الحياة بكل ما فيها للانتقال إلى الحياة الدائمة حيث الخلد والبقاء فهي لأهل السعادة نعمة توجب أعظم الشكر.

(٥) السؤال : الدعاء فالملائكة يسألونه تعالى أن يغفر للذين آمنوا وهو قولهم (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ، رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ).

٢٢٨

أي يطلبونه بلسان القال أو الحال ما هم فى حاجة إليه مما يحفظ وجودهم ويغفر ذنوبهم وقوله تعالى (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) أي لا يفرغ الدهر كلّه يدبر أمر السماء والأرض يرفع أقواما ويضع آخرين.

وقول الرحمن (١) (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) من الإنس والجن فنحاسبكما ونجزيكما محسنكما بالإحسان وسيئكما بالسوء والخسران ، وهذا يوم تقومان للرحمن ، حفاة عراة وتقفان بين يديه للحكم فيكما والقضاء بينكما (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أبالعدل في الحكم بينكما أم بإسعاد صالحيكما واشقاء مجرميكما.

وقول الرحمن (يا (٢) مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا) أي تخرجوا (مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي من جوانبهما وأطرافهما (فَانْفُذُوا) أي اخرجوا هاربين من قضائى وحكمى لكما وعليكما (لا تَنْفُذُونَ) إلا بقوة قاهرة غالبة ولا قوة لكم ولا سلطان هكذا يتحداهما الرحمن وهم يساقون الى ساحة فصل القضاء (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟) أبنعمة احيائكما بعد موتكما أم بنعمة إكرام صلحائكما وإهانة فاسديكما وهي العدالة التي لا رحمة ولا نعمة في الحياة الدنيا تساويهما. وقوله تعالى (يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ) أي لهب النار الخالص من الدخان ، ونحاس وهو دخان خالص (فَلا تَنْتَصِرانِ) هذا إن أردتما الفرار من عدالتي وعدم الإذعان لقضائي وحكمي فيكما. (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟) أبعظمة ربكم وقوة سلطانه أم برحمة مولاكم ولطفه بكم اللهم لا شيء من آلائك نكذب ربنا ولك الحمد.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

٢ ـ بيان جلال الله وعظمته وقوة سلطانه.

٣ ـ بيان عجز الخلائق امام خالقها عزوجل.

٤ ـ وجوب حمد الله تعالى وشكره على السراء والضراء.

__________________

(١) التفرغ للأمر : كناية عن الاشتغال به والعناية به دون غيره و (الثَّقَلانِ) تثنية ثقل ، وهل سمي الإنسان ثقلا لأنه محمول على الأرض والصحيح أن الإنسان والجن سميا بالثقلين لإثقالهما بالتكاليف من باب تسمية الشيء بعمله كتسمية العصفور طائر لأنه يطير.

(٢) المعشر : اسم للجمع الكثير الذي يعد عشرة عشرة دون آحاد.

٢٢٩

(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥))

شرح الكلمات :

(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ) : أي انفتحت أبوابا لنزول الملائكة الى الأرض لتسوق الخلائق الى المحشر.

(فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ) : أي السماء محمرة احمرار الأديم أو الفرس الأحمر وذابت فكانت كالدهان في صفائها وذوبانها.

(فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) : أي يوم يخرجون من قبورهم لا يسألون عن ذنوبهم لما لهم من علامات كاسوداد الوجوه وبياضها ، ويسألون عند الحساب.

(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ) : أي سواد الوجوه وزرقة العيون.

(فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ) : أي تضم ناصية المجرم الى قدميه ويؤخذ فيلقى في جهنم.

(هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا) : أي يقال لهم توبيخا وتبكيتا هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون في الدنيا.

(الْمُجْرِمُونَ) : أي الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي.

(يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) : أي يسعون مترددين بينها وبين ماء حار قد انتهت حرارته إلى حد لا مزيد عليه وهو الحميم الآن يسقونه إذا عطشوا واستغاثوا يطلبون الماء لإرواء غلتهم العطشة.

٢٣٠

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في عرض أحوال القيامة وأهوال الموقف فقال جل جلاله وعظم سلطانه : (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ) أي تفتحت لنزول الملائكة (فَكانَتْ) أبوابا بعد أن احمرت وتغيرت زرقتها لحمرة كحمرة الأديم الاحمر أو الفرس الأحمر أو الوردة الحمراء كل ذلك صالح لتشبيه لونها به وذابت فكانت (كَالدِّهانِ) كما جاء وصفها في سورة المعارج يوم تكون السماء كالمهل. وهو درديّ الزيت وعكره. (فَيَوْمَئِذٍ) أي (١) يوم إذ يقع هذا يعظم الكرب ويشتد البلاء ويخرج الناس من قبورهم (لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) أي انسى ولا جنى (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟) وقوله تعالى (يُعْرَفُ (٢) الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ) أي باسوداد وجوههم وزرقة أعينهم (فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ) أي فيجمع الملك المكلف الإنس أو الجن المجرم بين ناصيته وقدميه ويأخذه فيرمي به في نار جهنم (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أبنعمة العدالة أم بنعمة إكرام المتقين الصالحين. قولوا لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.

وقوله تعالى (هذِهِ جَهَنَّمُ) أي يقال لهم توبيخا وتبكيتا هذه جهنم (الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) على أنفسهم بالشرك والمعاصى في الحياة الدنيا قال تعالى (يَطُوفُونَ) أي (٣) يسعون مترددين (بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ (٤) آنٍ) أي ماء حار اشتدت حرارته فبلغت حدا لا مزيد عليه يسقونه إذا استغاثوا من العطش. (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟) إن خزي المجرمين وتعذيبهم نعمة تقربها الفطرة البشرية ولا يقدرها الا من ذاق طعم الخوف والعذاب الذي ينزله المجرمون بالمتقين فلذا كان تعذيبهم يوم القيامة نعمة ، كما أن هذا العرض لأحوال يوم القيامة وأهوالها نعمة إذ عليه آمن المؤمنون واتقى المتقون ، فلذا قال تعالى بعد وصف حال أهل النار فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ (٥)

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ بيان الانقلاب الكوني وخراب العالم للقيامة.

٢ ـ يبعث الناس من قبورهم ولهم علامات تميزهم فيعرف السعيد والشقي.

٣ ـ التنديد بالإجرام وهو الشرك والظلم والمعاصي.

__________________

(١) جملة : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) جواب الشرط (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ.). الخ وجملة : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) معترضة بين الشرط والجواب.

(٢) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) والسيما : العلامة.

(٣) المعنى : أنهم يتنقلون بين مكان النار وبين الماء الحار فإذا أصابهم حر النار طلبوا التبرد فلاح لهم الماء فأتوه فأصابهم حره فانصرفوا إلى النار وهكذا حالهم تطواف بين النار والحميم.

(٤) (آنٍ) اسم فاعل من أنى يأني فهو آن : إذا اشتدت حرارته وبلغت منتهاها في الحر.

(٥) وجائز أن يكون تكريرا للتقرير والتوبيخ كنظائره.

٢٣١

(وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١))

شرح الكلمات :

(وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) : أي ولمن خاف الوقوف بين يدي الله في عرصات القيامة فآمن واتقى جنتان.

(ذَواتا أَفْنانٍ) : أي أغصان من شأنها أن تورق وتثمر وتمد الظل.

(فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) : أي من كل ما يتفكه به من أنواع الفواكه صنفان.

(بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) : أي بطائن الفرش من استبرق وهو ما غلظ من الديباج والظهائر من السندس وهو مارقّ من الديباج الذي هو الحرير

(وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ) : أي وما يجنى من ثمار الجنة دان قريب التناول يناله القائم والقاعد.

(فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ) : أي قاصرات النظر بأعينهن على أزواجهن فقط.

(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ) : أي لم يفتضهن قبل أزواجهن إنس ولا جان.

٢٣٢

(كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ) : أي كأنهن في جمالهن الياقوت في صفائه والمرجان اللؤلؤ الأبيض.

(هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) : أي ما جزاء الإحسان بالطاعة إلا الإحسان بالنعيم.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في تعداد النعم وذكر أنواعها فقال تعالى (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ) (١) أي الوقوف بين يديه في ساحة فصل القضاء يوم القيامة فأطاعه بأداء الفرائض واجتناب المحرمات (جَنَّتانِ) (٢) أي بستانان (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أبإثابة أحدكم الذي إذا هم بالمعصية ذكر قيامه بين يدي ربه فتركها فأثابه الله بجنتين. وقوله (ذَواتا أَفْنانٍ) هذا وصف للجنتين وصفهما بأنهما ذواتا أفنان جمع فنن لون أفنان ألوان (٣) ولأشجارها أغصان من شأنها تورق وتثمر وتمد الظلال (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أبهذا النعيم والإثابة للمتقين تكذبان.

وقوله (فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ) أي في الجنتين ذواتي الأفنان عينان تجريان بالماء العذب الزلال الصافي خلال تلك القصور والأشجار (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما (٤) تُكَذِّبانِ) يا معشر الجن والإنسان أبمثل هذا العطاء والإفضال تكذبان؟ وقول الرحمن (فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) أي في تينك الجنتين من كل فاكهة من الفواكه صنفان فلا يكتفى بصنف واحد إتماما للنعيم والتنعّم (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أبمثل هذا الإنعام والإكرام لأهل التقوى تكذبان؟ وقوله ما أوسع رحمته وهو الرحمن (مُتَّكِئِينَ) (٥) أي حال تنعمهم (عَلى فُرُشٍ) على الأرائك بطائن (٦) تلك الفرش من استبرق وهو الغليظ من الديباج أما الظواهر فهى السندس وهو مارق من الديباج. وقوله (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ) أي وثمارها التي تجنى من أشجارها دانية أي قريبة التناول يتناولها المتقى وهو مضطجع أو قاعد أو قائم ، لا شوك فيها ولا بعد لها (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أبمثل هذا الإنعام والإكرام

__________________

(١) (من) من ألفاظ العموم كالجنس.

(٢) جنتان تحفان بقصره أو واحدة عن يمين القصر وأخرى عن شماله ولا يعرف مدى سعتهما إلا الله تعالى ، وذلك لما ثبت أن أحدهم يعطى مثل الدنيا عشر مرات واللام في (لِمَنْ خافَ) لام الملك.

(٣) يطلق الفنن على اللون وعلى الغصن فأفنان الفاكهة : ألوانها المختلفة ، وأفنان الشجر أغصانه ، قال النابغة :

بكاء حمامة تدعو هديلا

مفجعة على فنن تغني

(٤) الاستفهام في قوله : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) تكرر بتكرار النعم ، وهو للتقرير والتوبيخ والحث على الشكر بالعبادة والتوحيد فيها.

(٥) (مُتَّكِئِينَ) حال من (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ).

(٦) البطائن : جمع بطانة بكسر الباء مشتقة من البطن خلاف الظهر وضد البطانة الظهارة ، فالبطانة : أسفل الثوب والظهارة : ظهره.

٢٣٣

تكذبان. قول الرحمن : (فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ) (١) أي وفي تينك الجنتين نساء من الحور العين (قاصِراتُ الطَّرْفِ) أي العين على أزواجهن فلا ترى إلا زوجها أي فلا تنظر إلا إلى زوجها وتقول له وعزة ربي وجلاله وجماله ما أرى فى الجنة شيئا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجك.

وقوله (لَمْ يَطْمِثْهُنَ) أي لم يجامعهن فيفتضهن قبل أزواجهن (إِنْسٌ وَلا جَانٌ) أي لم يجامع الإنسية قبل زوجها الإنسي إنسي ولم يجامع الجنية قبل زوجها الجني جان (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أبمثل هذا الإنعام تكذبان؟

وقوله (كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ) أي في صفائهن (وَالْمَرْجانُ) في بياضهن إذ الحوراء منهن يرى مخّ ساقها تحت ثيابها كما يرى الخيط أو السلك في داخل الياقوته لصفائها (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أبمثل هذا العطاء والإنعام تكذبان.

وقوله عظم فضله وجل عطاؤه وهو الرحمن (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ) أي في الإيمان والطاعات من العبادات (إِلَّا الْإِحْسانُ) (٢) إليه بمثل هذا النعيم العظيم الذي ذكر في هذه الآيات. (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) يا معشر الإنس والجان فقولا : لا بشيء من آلاء ربنا نكذب فلك الحمد.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ فضل الخوف من الله تعالى وذلك كأن تعرض للعبد المعصية فيتركها خوفا من الله تعالى.

٢ ـ فضل نساء أهل الجنة في حبهن لأزواجهن بحيث لا ينظرن إلا إليهم.

٣ ـ بيان أن أفضل النساء في الدينا تلك التي تقصر نظرها على زوجها فتحبه ولا تحب غيره من الرجال.

٤ ـ بيان أن الجن المتقين يدخلون الجنة ولهم أزواج كما للإنس سواء بسواء.

٥ ـ الإشادة بالإحسان وبيان جزائه والإحسان هو إخلاص العبادة لله والإتيان بها على الوجه الذي شرع أداؤها عليه ، مع الإحسان إلى الخلق بكف الأذى عنهم وبذل الفضل لمن احتاجه منهم.

__________________

(١) هؤلاء نسوة الجنة لا أزواج المؤمنين اللائي كن لهم في الدنيا إذ مسّهن أزواجهن والزوجة المؤمنة تكون لآخر من تزوجها في الدنيا

(٢) جملة : (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) تذييل لما قبلها من الجمل المتضمنة إيمان المؤمنين وعملهم الصالح وإحسانهم فيه ، والاستفهام للنفي.

٢٣٤

(وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨))

شرح الكلمات :

(وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) : أي ومن دون تينيك الجنتين جنتان أخريان لمن خاف مقام ربه.

(مُدْهامَّتانِ) : أي مسودتان من شدة خضرتهما.

(فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ) : أي فوارتان دائما وأبدا تفوران بالماء العذب الزلال.

(فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ) : أي في الجنات الأربع نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه.

(حُورٌ) : أي أولئك الخيرات حور أي بيض والواحدة حوراء أي بيضاء.

(مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ) : أي مستورات محبوسات على أزواجهن في الخيام والخيمة من در مجوف مضافة الى القصور ، وطول الخيمة الواحدة ستون ميلا.

(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ) : أي لم يجامعهن فيفتض بكارتهن قبل أزواجهن في الجنة أحد.

٢٣٥

(عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ) : أي على وسائد أو بسط الواحدة رفرفة خضر جمع أخضر.

(وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ) : أي طنافس جمع طنفسة بساط له خمل رقيق اي بسط حسان.

(تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) : أي تقدس وكثرت بركة اسم ربك الرحمن.

(ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) : أي ذي العظمة والإكرام لأوليائه والإحسان إلى عباده.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في ذكر إنعام الله تعالى وإفضاله على عباده فقال (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) أي ومن دون تينيك الجنتين جنتان أخريان لمن خاف مقام ربه من السابقين وهاتان لمن خاف مقام ربه من أصحاب اليمين وقد يكون العكس كذلك والله أعلم بأي الجنتين أفضل ، اللهم ارزقنا ما شئت منهما فإنا بعطائك راضون ولك حامدون شاكرون (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أي بأي إنعام وإفضال تكذبان؟ وقوله تعالى : (مُدْهامَّتانِ) (١) مخضرتان الى حد الاسوداد فإن الأخضر من الأشياء إذا اشتدت خضرته ضربت إلى السواد ويقال فيها مدهامة (٢) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أي بأي إنعام تكذبان يا معشر الجن والإنس (فِيهِما) في الجنتين (عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ) أي فوّارتان بالماء دائما وأبدا ، (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) بأي إفضال وإحسان تكذبان وقول الرحمن (فِيهِما) أي فى الجنتين (فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ (٣) وَرُمَّانٌ) لفظ الفاكهة قد يعم النخل والرمان ويصبح ذكر النخل والرمان لمزيد فضيلة كذكر الصلاة الوسطى بعد ذكر الصلوات الخمس في قوله (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) لا بشيء من آلاء ربنا نكذب ربنا فلك الحمد. وقوله تعالى : (فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ) (٤) أي في الجنتين نساءهن خيرات جمع خيرة خيرات الأخلاق حسان الوجوه. (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟) أبمثل هذا الإنعام والإكرام على أولياء الرحمن تكذبان؟ (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي (٥) الْخِيامِ) إن أولئك الخيرات حور جمع حوراء وهي البيضاء ، والحوراء كذلك من يغلب بياض عينيها سوادهما وهو من جمال النساء محبوسات في الخيام لا ينظرن الى غير أزواجهن ، والخيمة من درة مجوفة طولها ستون ميلا مضافة الى قصورهم.

__________________

(١) (مُدْهامَّتانِ) وصف مشتق من الدهمة ، بضم الدال وهو لون السواد الناتج عن شدة الخضرة.

(٢) الاستفهام كسابقه للتقرير والتوبيخ.

(٣) عطف النخل والرمان على (فاكِهَةٌ) من باب عطف الجزء على الكل أو الخاص على العام كقوله تعالى : (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ).

(٤) (خَيْراتٌ) بسكون الياء جمع خيرة وهو وصف لموصوف محذوف أي : نساء خيرات ، والأصل : خيرّات بتشديد الياء المكسورة جمع خيرة مؤنث خير وهو المختص بوصف الخير ضد الشر وخفف في الآية طلبا للخفة مع السلامة من اللبس.

(٥) المقصورات : صفة لموصوف أي : نساء مقصورات والقصور على الخيمة بعدم الخروج منها : وصف للترف والنعيم بحيث لا تخرج من الخيمة والقصر لغناها بخلاف من تخرج للعمل لحاجتها إلى العمل في البستان أو غيره.

٢٣٦

وقوله تعالى : (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ) أي لم يجامعهن فيفتض بكارتهن إنس ولا جان من قبل أزواجهن في الجنة (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟) والجواب : لا بشيء من آلاء ربنا نكذب ربنا فلك الحمد.

وقوله تعالى : (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ (١) خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ) أي متكئين على رفرف خضر والرفرف جمع رفرفة أي على وسائد أو بسط خضر ، (٢) وعبقريّ حسان أي على طنافس (٣) ذات خمل دقيق. (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) بنعم الدنيا أم بنعم البرزخ أم بنعم الآخرة لا بشيء من آلاء ربنا نكذب.

وقوله تعالى : (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) أي تبارك اسم ربك أي تقدس وكثرت بركات اسم ربك الرحمن ذي الجلال أي العظمة والإكرام لأوليائه وصالحى عباده.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ بيان أن نعيم الآخرة أعظم وأجل من نعم الدنيا.

٢ ـ فضيلة التمر والرمان فلنبحث منافعهما فإن الحقيقة بنت البحث.

٣ ـ فضل المرأة المقصورة في بيتها وذم الولاجة الخراجة كما قال ابن عباس رضى الله عنهما.

٤ ـ بيان أن الجن يدخلون الجنة ويسعدون فيها.

٥ ـ البركة تنال ببسم الله الرحمن الرحيم.

سورة الواقعة

مكية

وآياتها ست وتسعون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢))

__________________

(١) الرفرف : اسم جمع رفرفة ، وهي ما يبسط على الفراش للنوم عليه ، ويغلب عليها اللون الأخضر ، ولذلك شبه ذو الرمة الرياض بالبسط العبقرية في قوله :

حتى كأن رياض القف ألبسها

من وشي عبقر تجليل وتنجيد

وكانت الثياب الخضر. عزيزة إذ هي لباس الملوك والكبراء. قال النابعة :

يصون أجسادا قديما نعيمها

بخالصة الأردان خضر المناكب

(٢) العبقري : وصف لكل ما كان فائقا في صفته عزيز الوجود وهو نسبة إلى عبقر اسم بلاد الجن في معتقد العرب فنسبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإتقان والحسن ، ومنه قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم في رؤياه لعمر : (فلم أر عبقريا يفري فريه).

(٣) جمع طنفسة وهي البساط ذو الخمل ، و (حِسانٍ) جمع حسناء ، وهو وصف لعبقري لأنه اسم جمع.

٢٣٧

شرح الكلمات :

(إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) : أي قامت القيامة وقيل فيها الواقعة لأنها واقعة لا محالة.

(لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ) : أي نفس تكذب بها بأن تنفيها كما نفتها في الدنيا.

(خافِضَةٌ رافِعَةٌ) : أي مظهرة لخفض أقوام بدخولهم النار ، ولرفع آخرين بدخولهم الجنة.

(إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا) : أي حركت حركة شديدة.

(وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا) : أي فتتت تفتيتا

(فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا) : أي غبارا منتشرا.

(وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) : أي في القيامة أصنافا ثلاثة.

(فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) : أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم.

(ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) : أي تعظيم لشأنهم بدخولهم الجنة.

(وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) : أي الشمال الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.

(ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) : أي تحقير لشأنهم بدخولهم النار.

(وَالسَّابِقُونَ) : أي إلى الخير وهم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة في أول الدعوة.

(السَّابِقُونَ) : تعظيم لشأنهم.

(أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) : أي هم المقربون الذين يقربهم الله منه يوم القيامة إذا أدخلهم الجنة.

(فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) : في بساتين النعيم الدائم.

٢٣٨

معنى الآيات :

قوله تعالى في تقرير البعث والجزاء الذي كذب به المشركون وأنكروه في إصرار وعناد (إِذا) (١) (وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) أي إذا قامت القيامة (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ) أي نفس تكذب بها إذ يؤمن بها الجميع ، (خافِضَةٌ) لأقوام أي مظهرة لحالهم بأنهم أهل النار ، (رافِعَةٌ) لآخرين مظهرة لحالهم بأنهم من أهل الجنة. وقوله : (إِذا رُجَّتِ (٢) الْأَرْضُ رَجًّا) أي حرّكت حركة شديدة ، (وَبُسَّتِ الْجِبالُ (٣) بَسًّا) ، أي إذا بست الجبال أي فتتت تفتيتا (فَكانَتْ (٤) هَباءً مُنْبَثًّا) أي غبارا منتشرا.

وقوله تعالى (وَكُنْتُمْ) أي أيها الناس (أَزْواجاً) أي أنواعا (ثَلاثَةً) : أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والمقربون (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) أو الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم (ما أَصْحابُ (٥) الْمَيْمَنَةِ) أي أن شأنهم عظيم وذلك بدخولهم الجنة دار النعيم. (وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) وهم أصحاب الشمال أي اليساريون الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم أي بمياسرهم (ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) أي شأنهم حقير وذلك بدخولهم النار. (وَالسَّابِقُونَ) إلى الإيمان والطاعة في أول ظهور الدعوة (٦) (السَّابِقُونَ) هذا تعظيم لشأنهم واعلان عن فوزهم وكرامتهم (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) وهي بساتين ذات نعيم دائم جعلنا الله منهم.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير البعث والجزاء في الآخرة.

٢ ـ الإيمان والتقوى يرفعان والشرك والمعاصي يضعان ويخفضان.

٣ ـ السابقون الى الطاعات لهم فضل الاسبقية في كل زمان ومكان.

٤ ـ اليساريون هم اشقياء الدنيا والآخرة. لأنهم عند ما أخذ غيرهم ذات اليمين طالبين الإيمان والاستقامة أخذوا هم ذات الشمال طالبين الكفر والفسوق.

__________________

(١) (الْواقِعَةُ) علم بالغلبة على القيامة ، وأصل الواقعة : الحادثة ، ومن ذلك قولهم واقعة أحد أو بدر مثلا ، وإذا ظرف ضمن معنى الشرط متعلق بالكون المقدر في قوله : (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) و (لَيْسَ لِوَقْعَتِها) مستأنفة بيانية.

(٢) (إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ) بدل من (إِذا) الأولى ، وجواب الشرط (إِذا) الأولى والمبدلة منها هو قوله : (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ.). الخ.

(٣) البسّ : بمعنى التفتت للأجزاء المجموعة ، ومنه : البسيسة : للسويق ويطلق البسّ على السوق للماشية ، وفي الحديث :

(فيأتي قوم فيبسون بأموالهم وأهليهم ـ أي : يسوقونهم ـ والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون).

(٤) الهباء : ما يلوح في خيوط شعاع الشمس من دقيق الغبار.

(٥) (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) : (ما) مبتدأ والخبر : أصحاب الميمنة ، والجملة خبر فأصحاب الميمنة وكذا (ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ).

(٦) يجوز أن يكون (السَّابِقُونَ) : خبر عن الأول ، وجملة : (أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) مستأنفة ، ويجوز أن يكون (السَّابِقُونَ) الثاني : ويجوز أن تكون تأكيدا للأول ، والخبر : جملة (أُولئِكَ).

٢٣٩

(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦))

شرح الكلمات :

(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) : أي جماعة من الأمم الماضية.

(وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) : أي من أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. هؤلاء هم السابقون

(عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) : أي منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر.

(وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) : أي على شكل الأولاد لا يهرمون فيخدمونهم أبدا.

(بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ) : يطوف عليهم الولدان الخدم بأكواب وهي أقداح لا عرا لها ، وأباريق لها عرا وخراطيم.

(وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) : أي وإناء لشرب الخمر ومعين بمعنى جارية من نهر لا ينقطع أبدا.

(لا يُصَدَّعُونَ) : أي لا يحصل لهم من شربها صداع.

(وَلا يُنْزِفُونَ) : أي ولا تذهب عقولهم يقال نزف الشارب وأنزف إذا ذهب عقله بالسكر.

(وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ) : أي يختارون منها ما يروق لهم ويعجبهم وإن كانت كلها معجبة.

(وَحُورٌ عِينٌ) : أي ولهم نساء بيض عين أي واسعة الأعين وشديدات سواد العيون وبياضها.

(كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) : أي أولئك الحور العين هن في جمالهن وصفائهن كأمثال اللؤلؤ المصون.

٢٤٠