🚘

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
🚘 نسخة غير مصححة

(أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) : أي أنشأكم من تراب الأرض.

(ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها) : أي تقبرون فيها.

ويخركم منها إخراجا : أي يوم القيامة.

(سُبُلاً فِجاجاً) : أي طرقا واسعة.

معنى الآيات :

هذه الآيات تضمنت لوحة مشرقة يهتدي بضوئها الهداة الدعاة إلى الله عزوجل إذ هي تمثل عرض حال قدمه نوح لربه عزوجل هو خلاصة دعوة دامت قرابة تسعمائة وخمسين سنة ولنصغ إلى نوح عليه‌السلام وهو يشكوا إلى ربه ويعرض عليه ما قام به من دعوة إليه فقال (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي) وهم أهل الأرض كلهم يومئذ (لَيْلاً وَنَهاراً) أي بالليل وبالنهار إذ بعض الناس لا يمكنه الاتصال بهم إلا ليلا (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي) (١) إياهم إلى الإيمان بك وعبادتك وحدك (إِلَّا فِراراً) مني (٢) ومما أدعوهم إليه (وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ) بأن يستغفروك ويتوبوا إليك لتغفر لهم (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) حتى لا يسمعوا ما أقول لهم ، (وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ) أي تغطوا بها حتى لا يروني ولا ينظروا إلى وجهي كراهة لي وبغضا في (وَأَصَرُّوا) على الشرك والكفر إصرارا متزايدا عنادا (وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً) عجيبا. (٣)

(ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ) إلى توحيدك في عبادتك وإلى ترك الشرك فيها (جِهاراً) أي مجاهرا بذلك (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً) بحسب الجماعات والظروف أطرق كل باب بحثا عن استجابتهم للدعوة وقبولهم للهدى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ (٤) كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ (٥) عَلَيْكُمْ مِدْراراً) أي ينزل عليكم المطر متتابعا فلا يكون قحط ولا محل (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ) كما هي رغبتكم (وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ) بساتين ذات نخيل وأعناب (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً) (٦) تجري في تلك البساتين تسقيها. ثم التفت إليهم وقال لهم منكرا عليهم استهتارهم وعدم خوفهم (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً) أي ما دهاكم أي شيء جعلكم لا ترجون لله وقارا لا تخافون عظمته وقدرته وكبرياءه (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً) ولفت نظرهم إلى مظاهر قدرة الله تعالى فقال لهم (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ

__________________

(١) قرأ نافع دعائي بفتح العين واسكنها حفص.

(٢) أي إلا تباعدا عن الإيمان وإعراضا عنه.

(٣) إذ قالوا له : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون والحامل لهم على هذا القول الكبر الذي تجاوزوا الحد فيه.

(٤) إنه كان غفارا هذا منه عليه‌السلام ترغيب لهم في التوبة قال الفضيل بن عياض قول العبد أستغفر الله معناه أقلني.

(٥) يرسل السماء المراد المطر لا السماء هذا كقول الشاعر :

إذا نزل السماء بأرض قوم

دعيناه وإن كانوا غضابا

(٦) يروى عن الحسن البصري أن رجلا شكا إليه الجدوبة فقال له استغفر الله ، وشكا آخر إليه الفقر فقال له استغفر الله ، وشكا إليه آخر جفاف بستانه فقال له استغفر الله وقال له آخر ادع الله أن يرزقني ولدا فقال له استغفر الله ، فقيل له فى ذلك ، فقال : ما قلت من عندي شيئا إن الله يقول في سورة نوح (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً).

٤٤١

خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) سماء فوق سماء مطابقة لها (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَ (١) نُوراً) ينير ما فوقه من السموات وما تحته من الأرض (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) وهاجا مضيئا يضيء بوجهه السموات وبقفاه الأرض كالقمر (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) إذ أصلكم من تراب والنطف أيضا من الغذاء المكون من التراب ثم خلقتكم تشبه النبات وهي على نظامه في الحياة والنماء. (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها) أي في الأرض بعد الموت فتدفنون فيها (وَيُخْرِجُكُمْ) منها أيضا (إِخْراجاً) يوم القيامة للحساب والجزاء (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً) أي مفروشة مبسوطة صالحة للعيش فيها والحياة عليها ، (لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً) أي طرقا واسعة وهكذا تجول بهم نوح عليه‌السلام في معارض آيات الله الكونية وكلها دالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي موجبة للعبادة له عقلا ونفيها عما سواه كانت هذه مشكلة نوح وعرض حاله على ربه وهو أعلم به وفي هذا درس عظيم للدعاة الهداة المهديين جعلنا الله منهم آمين.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ رسم الطريق الصحيح للدعوة القائم على الصبر وتلوين الأسلوب.

٢ ـ بيان كره المشركين للتوحيد والموحدين انهم لبغضهم لنوح ودعوة التوحيد سدوا آذانهم حتى لا يسمعوا وغطوا وجوههم حتى لا يروه واستكبروا حتى لا يروا له فضلا.

٣ ـ استعمال الحكمة في الدعوة فإن نوحا لما رأى أن قومه يحبون الدنيا أرشدهم إلى الاستغفار ليحصل لهم المال والولد.

٤ ـ استنبط بعض الصالحين (٢) من هذه الآية أن من كانت له رغبة في مال أو ولد فليكثر من الاستغفار الليل والنهار ولا يمل يعطه الله تعالى مراده من المال والولد.

(قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤))

__________________

(١) أي في السماء الدنيا ، إذ يقال أتاني بنو تميم وأتيت بني تميم والمراد بعضهم.

(٢) تقدم أنه الحسن البصري رحمه‌الله تعالى.

٤٤٢

شرح الكلمات :

(عَصَوْنِي) : أي لم يطيعوني فيما دعوتهم إليه وأمرتهم به من عبادتك وحدك وترك الشرك بك.

(وَاتَّبَعُوا) : أي السفلة منهم والفقراء.

(مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ) : أي الرؤساء المنعم عليهم.

(إِلَّا خَساراً) : أي طغيانا وكفرا.

(مَكْراً كُبَّاراً) : أي عظيما جدا بأن كذبوا نوحا وآذوه أذى شديدا.

(وَقالُوا) : أي الرؤساء قالوا للسفلة منهم.

(لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) : أي لا تتركن آلهتكم.

(وَلا تَذَرُنَ) : أي ولا تتركن كذلك ودا ولا سواعا ولا يغوث ولا يعوق ونسرا.

(وَقَدْ أَضَلُّوا) : أي بالأصنام كثيرا من الناس حيث أمروا بعبادتها.

معنى الآيات :

بعد ذلك العرض الكريم الذي تقدم به رسول الله نوح عليه‌السلام إلى ربه ليعذره ويكرمه تقدم بشكوى مشفوعة بالدعاء بالهلاك على الظالمين فقال (رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ (١) لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً) أي طغيانا وكفرا. (وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً) (٢) أي عظيما جدا حيث كانوا يعرضون بنوح وقد يضربونه وهو صابر محتسب (وَقالُوا) لبعضهم البعض متواصين بالباطل (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) وسموا منها رؤساءها وهم خمسة ود وسواع (٣) ويغوث ويعوق ونسر (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً) أي من عباد الله حيث ورثوا هذه الأصنام فيهم فتبعهم الناس على ذلك فضلوا ثم دعا عليهم قائلا (وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً) قال هذا بعد أن أيس من إيمانهم وعدم هدايتهم لطول ما مكث (٤) بينهم يدعوهم وهم لا يزدادون إلا كفرا وضلالا. (٥)

__________________

(١) يعني كبراءهم وأغنياءهم وأهل الترف فيهم الذين لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالا.

(٢) (اسْتِكْباراً) : نحو قراء وعجاب وطوال وعمال.

(٣) روى البخاري عن ابن عباس : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.

(٤) قال ابن عباس : رجا نوح الأبناء بعد الآباء فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى بلغوا سبع قرون ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم وعاش بعد الطوفان ستين عاما حتى كثر الناس وفشوا.

(٥) من عجيب ما يدعو إليه الشيطان أن يعوق ونسرا عبدا في القرن الرابع عشر في قرية ليوه حيث كانوا يستسقون بهما ، وان يغوث ويعوق وود وسواع ونسر كانت موزعة بين القبائل العربية وفي يعوق يقول الشاعر :

يريش الله في الدنيا ويبري

ولا يبري يعوق ولا يريش

٤٤٣

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ مشروعية الشكوى إلى الله تعالى ولكن بدون صخب ولا نصب.

٢ ـ بيان أن السفلة والفقراء يتبعون الرؤساء والأغنياء وأصحاب الحظ.

٣ ـ بيان أن المكر من شأن الكافرين والظالمين.

٤ ـ بيان أن المشركين لضلالهم يطلقون لفظ الآلهة على من يعبدونهم من الأصنام والأوثان.

٥ ـ مشروعية الدعاء على الظالمين عند اليأس من هدايتهم.

(مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨))

شرح الكلمات :

(مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) : أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا بالطوفان.

(فَأُدْخِلُوا ناراً) : أي بعد موتهم أدخلت أرواحهم النار.

(دَيَّاراً) : أي من يدور يذهب ويجيء أي لم يبق أحد.

(إِنْ تَذَرْهُمْ) : أي أحياء لم تهلكهم.

(إِلَّا تَباراً) : أي هلاكا وخسارا.

معنى الآيات :

قوله تعالى (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) (١) يخبر تعالى عن نهاية قوم نوح بعد أن دعا عليهم نوح لما علم بالوحي الإلهي انهم لا يؤمنون فقال تعالى مما خطيئاتهم أي ومن خطيئاتهم أي بسبب خطيئاتهم التي هي الشرك والظلم والتكذيب والأذى لنوح عليه‌السلام أغرقوا بالطوفان فلم يبق منهم أحد (فَأُدْخِلُوا ناراً) أي بمجرد ما يغرق الشخص وتخرج روحه يدخل النار في البرزخ. وقوله تعالى (فَلَمْ (٢)

__________________

(١) (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ) (ما) زائدة والأصل من خطيئتهم ومن تعليلية وما الزائدة لتوكيد معنى التعليل.

(٢) الفاء تفريعية.

٤٤٤

يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً) وهو كذلك فمن ينصر من يريد هلاكه وخزيه وعذابه. ثم ذكر تعالى دعوة نوح التي كان الطوفان بها والهلاك وهي قوله (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) أي لا تترك ولا تبق على الأرض اليابسة كلها يومئذ من الكافرين بخلاف المؤمنين (دَيَّاراً) (١) أي إنسانا يدور أي يذهب ويجيء أي لا تبق من الكافرين أحدا ثم علل لطلبه الهلاك للكافرين فقال (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ (٢) يُضِلُّوا عِبادَكَ) عن صراطك الموصل إلى رضاك وذلك هو عبادتك وحدك وطاعتك وطاعة رسولك (وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) (٣) أي إلا من يفجر عن دينك ويكفر بك وبرسولك قال نوح هذا لطول التجارب التي عاشها مع قومه إذ عاشرهم قرابة عشرة قرون ثم دعا الله تعالى له ولوالديه ولمن دخل مسجده ومصلاه من المؤمنين والمؤمنات ، وأن لا يزيد الظالمين إلا خسارا وهلاكا فقال (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ (٤) وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً) (٥).

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ هلاك قوم نوح كان بخطاياهم فالخطايا إذا موجبة للهلاك.

٢ ـ تقرير عذاب القبر فقوم نوح ما إن اغرقوا حتى ادخلوا نارا.

٣ ـ مشروعية الدعاء على الظلمة والكافرين والمجرمين.

٤ ـ مشروعية الدعاء للمؤمنين والمؤمنات.

٥ ـ يستحب البدء في الدعاء بنفس الداعي ثم يعطف من يدعو لهم.

سورة الجن

مكية وآياتها ثمان وعشرون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(قُلْ أُوحِيَ (٦) إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً

__________________

(١) ديار : اسم مخصوص بالوقوع في النفي يعم كل إنسان وهو مشتق من اسم الدار.

(٢) (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ) : الجملة تعليلية.

(٣) يريد عند بلوغ الولد سن التكليف لا أنه يفجر ويكفر بمجرد ما يولد وصيغة فعال للمبالغة في الموصوف بالكفر.

(٤) اسم أبيه لمك واسم أمه شمخى بنت آنوس.

(٥) التبار : الهلاك والخسران.

(٦) قرأ نافع بكسر إن في كل ما ورد في سورة الجن ما عدا أنه استمع نفر من الجن وأن المساجد لله ففتح أن وفتحها حفص إلا بعد القول وفإن له نار جهنم.

٤٤٥

عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧))

شرح الكلمات :

(أَنَّهُ اسْتَمَعَ) : أي إلى قراءتي.

(نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ) : أي عدد من الجن ما بين الثلاثة والعشرة.

(فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) : أي لبعضهم بعضا قرآنا عجبا أي يتعجب منه لفصاحته وغزارة معانيه.

(يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) : أي الصواب في المعتقد والقول والعمل.

(وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا) : أي تنزه جلال ربنا وعظمته عما نسب إليه.

(مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) : أي لم يتخذ صاحبة ولم يكن له ولد.

(سَفِيهُنا) : أي جاهلنا.

(شَطَطاً) : أي غلوا في الكذب بوصفه الله تعالى بالصاحبة والولد.

(عَلَى اللهِ كَذِباً) : حتى تبين لنا انهم يكذبون على الله بنسبة الزوجة والولد إليه.

(يَعُوذُونَ) : أي يستعيذون.

(فَزادُوهُمْ رَهَقاً) : أي إثما وطغيانا.

(أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً) : أي لن يبعث رسولا إلى خلقه.

معنى الآيات :

قوله تعالى (قُلْ أُوحِيَ (١) إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ (٢) مِنَ الْجِنِ) يأمر تعالى رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول معلنا

__________________

(١) أصل أوحي ووحي فقلبت الواو همزة كما قلبت في وإذا الرسل أقتت والأصل وقتت ، وهو جائز في كل واو مضمومة نحو ورخ وأرخ.

(٢) يرى ابن إسحق أن هذا اللقاء بالجن كان عند عودة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الطائف ، ولا مانع من حصول الخبرين مرة عند عودته من الطائف وتكون هذه الأولى ، والثانية هي المذكورة في التفسير.

٤٤٦

للناس مؤمنهم وكافرهم أنه قد أوحى الله تعالى إليه نبأ مفاده أن نفرا من الجن ما بين الثلاثة إلى العشرة قد استمعوا إلى قراءته القرآن وذلك ببطن نخلة والرسول يصلي بأصحابه صلاة الفجر وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عامدا مع أصحابه إلى سوق عكاظ. وكان يومئذ قد حيل بين الشياطين وخبر السماء حيث أرسلت عليهم الشهب فراجع الشياطين بعضهم بعضا فانتهوا إلى أن شيئا حدث لا محالة فانطلقوا يضربون في مشارق الأرض ومغاربها يتعرفون إلى هذا الحدث الجلل الذي منعت الشياطين بسببه من السماء فتوجه نفر منهم إلى تهامة فوجدوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي الصبح بأصحابه فاستمعوا إلى قراءته في (١) صلاته فرجعوا إلى قومهم من الجن فقالوا (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) فأنزل الله تعالى هذه السورة «سورة الجن» مفتتحة بقوله (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ (٢) نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ) أي أعلن للناس يا رسولنا أن الله قد أوحى إليك خبرا مفاده أن نفرا من الجن قد استمعوا إلى قراءتك فرجعوا إلى قومهم وقالوا لهم (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) أي يتعجب من فصاحته وغزارة معانيه. (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) (٣) والصواب في العقيدة والقول والعمل (فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) وفي هذا تعريض بسخف البشر الذين عاش الرسول بينهم احدى عشرة سنة يقرأ عليهم القرآن بمكة وهم مكذبون به كارهون له مصرون على الشرك والجن بمجرد أن سمعوه آمنوا به وحملوا رسالته إلى قومهم وها هم يدعون بدعاية الاسلام ويقولون (فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ (٤) رَبِّنا) أي وآمنا بأنه تعالى أمر ربنا وسلطانه (مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) وحاشاه وإنما نسب إليه ذلك المفترون. (وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً) هذا من قول الجن واصلوا حديثهم قائلين وأنه كان يقول جاهلونا على الله شططا أي غلوا في الكذب بوصفهم الله تعالى بالصاحبة والولد تقليدا للمشركين واليهود والنصارى (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً) أي وقالوا لقومهم وإنا كنا نظن أن الإنس والجن لا يكذبون على الله ولا يقولون عليه إلا الصدق وقد علمنا الآن انهم يكذبون على الله ويقولون عليه ما لم يقله وينسبون إليه ما هو منه براء. وقالوا (وَأَنَّهُ كانَ (٥) رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ

__________________

(١) ما ذكر في التفسير من شأن استماع الجن قراءة الرسول وما أوحى الله تعالى به إلى رسوله في شأن هذه الحادثة هو في مسلم والترمذي.

(٢) جملة (اسْتَمَعَ) خبر إن والاسم هو ضمير الشأن والجملة في محل نائب فاعل لأوحي.

(٣) الرشد بضم الراء وإسكان الشين والرشد بفتح الراء والشين معا هما الخير والصواب والهدى.

(٤) الجد بفتح الجيم : العظمة والجلال ومنه قول أنس كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا : أي عظم وجل وأنه تعالى : قرأ نافع بكسر الهمزة عطفا على قولهم إنا سمعنا قرآنا وقرأ حفص بفتح الهمزة على تقدير آمنا بأنه تعالى جد ربنا.

(٥) يجوز فتح أنه وكسرها فمن فتحها جعلها من كلام الجن رادا لها إلى قوله أنه استمع ومن كسرها جعلها مبتدأ في قول الله تعالى.

٤٤٧

(يَعُوذُونَ (١) بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) يخبرون بخبر عجيب وهو أنه كان رجال من الناس من العرب وغيرهم إذا نزلوا منزلا مخوفا في واد أو شعب يستعيذون برجال من الجن كأن يقول الرجل أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه فزاد الإنس الجن بهذا اللجأ إليهم والاحتماء بهم رهقا (٢) أي إثما وطغيانا. إذ ما كانوا يطمعون أن الإنس تعظمهم هذا التعظيم حتى تستجير بهم. (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً) أي وقالوا مخبرين قومهم وأنهم أي الإنس ظنوا كما ظننتم أنتم أيها الجن أن لن يبعث الله أحدا رسولا ينذر الناس عذاب الله ويعلمهم ما يكملهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير النبوة المحمدية وأن محمدا رسول للثقلين الإنس والجن معا.

٢ ـ بيان علو شأن القرآن وكماله حيث شهدت الجن له بأنه عجب فوق مستوى كلام الخلق.

٣ ـ تقرير التوحيد والتنديد بالشرك.

٤ ـ تقرير أن الإنس كالجن قد يكذبون على الله وما كان لهم ذلك.

٥ ـ حرمة الاستعانة بالجن والاستعاذة بهم لأن ذلك كالعبادة لهم.

(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣)

__________________

(١) قال مقاتل أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن من بني حنيفة ثم فشا في العرب فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم.

(٢) الرهق الخطيئة والإثم وغشيان المحارم ، وباستعاذة الإنس بالجن يحصل الإثم والخطيئة.

٤٤٨

وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥))

شرح الكلمات :

(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ) : أي طلبنا خبرها كما جرت بذلك عادتنا.

(حَرَساً شَدِيداً) : أي حراسا وحفظة من الملائكة يحفظونها بشدة وقوة.

(وَشُهُباً) : أي نجوما يرمى بها الشياطين أو يؤخذ منها شهاب فيرمى به.

(مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ) : أي من أجل أن نسمع ما يحدث وما يكون في الكون.

(شِهاباً رَصَداً) : أي أرصد وأعد لرمي الشياطين وإبعادهم عن السمع.

(رَشَداً) : أي خيرا وصلاحا.

(كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) : أي مذاهب مختلفة إذا الطرائق جمع طريقة ، والقدد جمع قدة وهي الضروب والأجناس المختلفة.

(وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً) : أي لا نفوته هاربين في الأرض أو في السماء.

(لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى) : أي القرآن الداعي إلى الهدى المخالف للضلال.

(بَخْساً وَلا رَهَقاً) : أي نقصا من حسناته ولا إثما يحال عليه ويحاسب به.

(وَمِنَّا الْقاسِطُونَ) : أي الجائرون عن قصد السبيل وهو الإسلام.

(تَحَرَّوْا رَشَداً) : أي تعمدوا الرشد فطلبوه بعناية فحصلوا عليه.

(فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) : أي وقودا تتقد بهم يوم القيامة.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في ما قالته الجن بعد سماعها القرآن الكريم. وهو ما أخبر تعالى به عنهم في قوله (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ) أي طلبناها كعادتنا (فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً) أي (١) ملائكة أقوياء يحرسونها وشهبا نارية يرمى بها كل مسترق للسمع منا. وقالوا : (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها) أي من السماء (مَقاعِدَ) أي أماكن معينة لهم (لِلسَّمْعِ) (٢) أي لأجل الاستماع من ملائكة

__________________

(١) الشهب جمع شهاب ككتاب وكتب وهو ما يؤخذ من الكواكب النارية فيرمى به الجن. والحرس جمع حارس ولم يقل شديدين نحو قولنا السلف الصالح بدل الصالحين. وجمع الحرس احراس كسلف وأسلاف.

(٢) الذين كانوا يسترقون السمع هم مردة الجن وشياطينهم. ومما ينبغي أن يعلم هنا أن الجن هم أولاد الجان المخلوق من مارج من نار وأن الشياطين هم أولاد إبليس وأن من فسق عن أمر الله تعالى وتمرد على شرعه فخبث واشتد خبثه يصبح شيطانا ويلحق بالشياطين الذين لا خير فيهم البتة.

٤٤٩

السماء. (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً) أي أرصد له خاصة فيرمى به فيحرقه أو يخبله ، وقالوا (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً) أقول عجبا لهؤلاء المؤمنين من الجن كيف تأدبوا مع الله فلم ينسبوا إليه الشر ونسبوا إليه الخير فقالوا (أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ) ولو أساءوا الأدب مثلنا لقالوا أشر أراده الله بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا أي خيرا وصلاحا قالوا هذا لما وجدوا السماء قد ملئت حرسا شديدا وشهبا وهو تفكير سديد ناتج عن وعي وإدراك سليم. وهذا التغير في السماء الذي وجدوه سببه أن الله تعالى لما نبأ رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأخذ يوحي إليه حمى السماء حتى لا يسترق الشياطين السمع ويشوشوا على الناس فيصرفوهم عن الإيمان والدخول في الإسلام وهو الرشد الذي أراد الله لعباده وقالوا (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ) أي المؤمنون المستقيمون على الإيمان والطاعة (وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) ضعف إيمان وقلة طاعة ، (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) أي مذاهب (١) واهواء مختلفة. (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ) أي إن أراد بنا سوءا ومكروها (وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً) إن طلبنا في الأرض أو في السماء. (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ) أي بالقرآن الذي هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً) أي نقصا من حسناته يوم القيامة (وَلا رَهَقاً) أي إثما يضاف إلى سيئآته ويعاقب به وهو لم يرتكبه في الدنيا. وقالوا (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ) أي الجائرون عن قصد السبيل وهو الإسلام. (فَمَنْ أَسْلَمَ) أي انقاد لله تعالى بطاعته وخلص من الشرك به فهؤلاء تحروا الرشد (٢) وفازوا به ، (وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) توقد بهم وتستعر عليهم وعلى الكافرين الجائرين أمثالهم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ وجود تجانس بين الجن والملائكة لقرب مادتي الخلق من بعضها إذ الملائكة خلقوا من مادة النور ، والجن من مادة النار ، ولذا يرونهم ويسمعون كلامهم ويفهمونه.

٢ ـ من الجن أدباء صالحون مؤمنون مسلمون أصحاب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٣ ـ ذم الطرق والأهواء والاختلافات.

٤ ـ الاشادة بالعدل وتحري الحق والخير.

__________________

(١) كان منهم اليهودي والنصراني والمجوسي ، ولما جاء الإسلام أصبح منهم المسلم وأصبح من المسلمين قدرية ومرجئة وخوارج ورافضة وشيعة لأنهم تابعون للناس في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم.

(٢) تحروا رشدا أي قصدوا طريق الحق وتوخوه ، ومنه تحري القبله للصلاة. أي طلبها بعناية وقصد للحصول عليها.

٤٥٠

(وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤))

شرح الكلمات :

(عَلَى الطَّرِيقَةِ) : أي الإسلام.

(ماءً غَدَقاً) : أي مالا كثيرا وخيرات كبيرة.

(لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) : أي نختبرهم أيشكرون أم يكفرون.

(عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ) : أي القرآن وشرائعه وأحكامه.

(عَذاباً صَعَداً) : أي شاقا.

(فَلا تَدْعُوا) : أي فيها مع الله أحدا.

(عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ) : أي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو الله ببطن نخلة.

(عَلَيْهِ لِبَداً) : أي في ركوب بعضهم بعضا تزاحما لأجل أن يسمعوا قراءته.

(ضَرًّا وَلا رَشَداً) : أي غيا ولا خيرا.

(مُلْتَحَداً) : أي ملتجأ ألجأ إليه فأحفظ نفسي.

(إِلَّا بَلاغاً) : أي لا أملك إلا البلاغ إليكم.

(وَأَقَلُّ عَدَداً) : أي أعوانا المسلمون أم الكافرون.

٤٥١

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) أي وأوحى إلي أن لو استقام هؤلاء المشركون من كفار قريش استقاموا على الإيمان والتوحيد والطاعة لله ولرسوله ـ وهم يشكون القحط ـ (لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً) (١) فتكثر أموالهم وتتسع أرزاقهم ، (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي لنختبرهم في ذلك الخير الكثير أيشكرون أم يكفرون؟ ثم إن شكروا زادهم ، وإن كفروا سلبهم وعذبهم. وقوله تعالى (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ) أي القرآن وما يدعو إليه من الإيمان وصالح الأعمال ولم يتخل عن الشرك وسوء الأفعال (يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً) (٢) أي ندخله في عذاب شاق في الدنيا بالذل والمهانة والفقر والرذالة والنذالة. وفي الآخرة في جهنم حيث السموم والحميم ، والضريع والزقوم. وقوله (وَأَنَّ الْمَساجِدَ (٣) لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) أي ومما أوحي إلي أن المساجد لله فإذا دخلتموها للعبادة فلا تدعو فيها مع الله أحدا إذ كيف البيت له وأنت فيه وتدعو معه غيره زيادة على أن الشرك محرم وصاحبه في النار فإنه من غير الأدب أن يكون المرء في بيت كريم ويدعو معه غيره من فقراء الخلق أو أغنيائهم وقوله (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) أي وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله ورسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو ربه في الصلاة ببطن نخلة كاد الجن أن يكونوا عليه لبدا أي (٤) كالشيء المتلبد بعضه فوق بعض. وقوله (قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً) هذا إجابة لقريش عند ما قالوا له صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقد جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك أي نحفظك فأمر أن يقول لهم إنما أدعو ربي أي أعبده إلها واحدا ولا أشرك به أحدا. وأن يقول أيضا (إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ) يا معشر قريش الكافرين (ضَرًّا وَلا رَشَداً) أي ضلالا ولا هداية انما ذلك لله وحده يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأمر أن يقول لهم أيضا (إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ) إن أنا عصيته وأطعتكم ، (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ) أي من غيره (مُلْتَحَداً) (٥) أي ملتجأ التجأ إليه. وقوله (إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ) أي لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا بلاغا من الله

__________________

(١) غدقا أي واسعا كبيرا ، يقال غدقت العين تغدق فهي غدقة إذا كثر ماؤها. وهذا الوعد الإلهي المشروط هو عام في الناس أجمعين وفي كل زمان ومكان وهو كقوله. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولما استقام السلف الصالح حصل لهم هذا الموعود كاملا.

(٢) روى عن ابن عباس أن العذاب الصعد جبل في جهنم يكلفون صعوده وكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت. وهو ضرب من أنواع العذاب في دار الشقاء.

(٣) جائز أن يكون المراد بالمساجد أعضاء السجود السبعة لحديث إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب أي أعضاء ويقوى هذا الجواز قول عطاء : مساجدك أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها فلا تذللها لغير خالقها. وما في التفسير أولى بالآية.

(٤) اللبد جمع لبدة بكسر اللام وسكون الباء كقربة وقرب وهي ما تلبد بعضه على بعض ومنه لبدة الأسد وهي الشعر المتراكم في رقبته.

(٥) شاهده قول الشاعر :

يا لهف نفسي ولهفي غير مجدية

عني وما من قضاء الله ملتحد

٤٥٢

ورسالته فإني أبلغكم عنه ما أمرني به وأرشدكم إلى ما أرسلني به من الهدى والخير والفوز وقوله (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) أي يخبر تعالى موعدا أن من يعصي الله بالشرك به وبرسوله بتكذيبه وعدم اتباعه فيما جاء به فإن له جزاء شركه وعصيانه نار جهنم خالدين فيها أبدا. وقوله (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً) أي فإن استمروا على شركهم وتكذيبهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من عذاب يوم القيامة فسيعلمون عندئذ من أضعف ناصرا أي من ناصره ضعيف أو قوي ، ومن أقل عددا من أعوانه المؤمنون محمد وأصحابه أم هم المشركون المكذبون.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ الاستقامة على منهج الله تعالى القائم على الإيمان والطاعة لله ورسوله يفضي بسالكه إلى الخير الكثير والسعادة الكاملة في الدنيا والآخرة.

٢ ـ المال فتنة وقل من ينجح فيها قال عمر رضي الله عنه أينما يكون الماء يكون المال وأينما يكون المال تكون الفتنة.

٣ ـ حرمة دعاء غير الله في المساجد وفي غيرها إلا انها في المساجد أشد قبحا.

٤ ـ الخير والغير والهدى والضلال لا يملكها إلا الله فليطلب ذلك منه لا من غيره.

٥ ـ معصية الله والرسول موجبة لعذاب الدنيا والآخرة.

(قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨))

٤٥٣

شرح الكلمات :

(قُلْ إِنْ أَدْرِي) : أي قل ما أدري.

(ما تُوعَدُونَ) : أي من العذاب.

(أَمَداً) : أي غاية وأجلا لا يعلمه إلا هو.

(فَلا يُظْهِرُ) : أي لا يطلع.

(مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) : أي فإنه يطلعه.

(رَصَداً) : أي ملائكة يحفظونه حتى يبلغه مع الوحي الذي يبلغه لكافة الناس.

(لِيَعْلَمَ) : أي الله علم ظهور أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم.

(أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) : أي أحصى عدد كل شيء.

معنى الآيات :

قوله تعالى (قُلْ إِنْ أَدْرِي) أمر تعالى رسوله أن يقول للمشركين المطالبين بالعذاب استخفافا وعنادا وتكذيبا أمره أن يقول لهم ما أدري أقريب ما وعدكم ربكم به من العذاب بحيث يحل بكم عاجلا (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي) (١) (أَمَداً) أي غاية وأجلا بعيدا يعلمه هو ولا يعلمه غيره. (عالِمُ الْغَيْبِ) (٢) إذ هو عالم الغيب (٣) وحده (فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ) أي لا يطلع على غيبه (أَحَداً) من عباده (إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) أي رضيه أن يبلغ عنه فإنه يطلعه مع الاحتياط الكافي حتى لا يتسرب الخبر الغيب إلى الناس (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ (٤) مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) الرسول المرتضى (وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) من الملائكة ثم يطلعه ضمن الوحي الذي يوحي إليه. وذلك (لِيَعْلَمَ) الرسول (٥) صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن الرسل قبله قد بلغت رسالات ربها لما أحاطها تعالى به من العناية حتى انه إذا جاءه الوحي كان معه أربعة ملائكة يحمونه من الشياطين حتى لا يسمعوا خبر السماء فيبلغوه أولياءهم من الإنس ، فتكون فتنة في الناس وقوله (وَأَحاطَ)

__________________

(١) قرأ نافع ربي بفتح الياء ، وقرأ حفص (رَبِّي) بإسكان الياء ممدودة.

(٢) (عالِمُ) نعت لربي. و (الْغَيْبِ) : ما غاب عن العبادة ، ومعنى عالم الغيب أي العليم بكل ما هو غائب عن أعين الناس كالملائكة والجن وما سيحدث من أحداث في الكون.

(٣) قالت العلماء لما تمدح الله تعالى بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم ، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوئتهم وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول يطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه لحدسه وتخمينه وكذبه.

(٤) فإنه يسلك الخ يعني ملائكة يحفظونه من أن يقرب منه شيطان في صورة الملك فيحفظ الوحي من استراق الشيطان والإلقاء إلى الكهنة.

(٥) معنى الآية : ليعلم أي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما أبلغ هو الرسالة. وفي الكلام حذف تقديره أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ.

٤٥٤

أي الله جل جلاله (بِما لَدَيْهِمْ) أي بما لدى الملائكة والرسل علما (وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) (١) أي وأحصى عدد كل شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ استئثار الله تعالى بعلم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله.

٢ ـ قد يطلع الله تعالى من ارتضى أن يطلعه من الرسل على غيب خاص ويتم ذلك بعد حماية كاملة من الشياطين كيلا ينقلوه إلى أوليائهم فيفتنوا به الناس.

٣ ـ بيان إحاطة علم الله بكل شيء واحصائه تعالى لكل شيء عدا.

سورة المزمل

أولها مكي وآخرها مدني (٢) وآياتها عشرون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩))

شرح الكلمات :

(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) : أي المتلفف بثيابه أي النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(قُمِ اللَّيْلَ) : أي صل.

(إِلَّا قَلِيلاً) : أي نصف الليل.

(نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً) : أي انقص من النصف إلى الثلث.

(أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) : أي إلى الثلثين فأنت مخير في أيها تفعل تقبل.

__________________

(١) (عَدَداً) منصوب على الحال أو على المصدر أي أحصى وعد كل شيء عددا.

(٢) آخرها هو قوله إن ربك يعلم أنك تقوم إلى آخر آية منه.

٤٥٥

(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) : أي ترسل في قراءته وبينه تبيينا.

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً) : أي قرآنا.

(ثَقِيلاً) : أي محمله ثقيلا العمل به لما يحوى من التكاليف.

(إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ) : أي ساعة الليل من صلاة العشاء فما فوق كل ساعة تسمى ناشئة.

(هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً) : أي هي أقوى موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن فيها.

(وَأَقْوَمُ قِيلاً) : أي أبين قولا وأصوب قراءة من قراءة النهار لسكون الأصوات.

(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) : أي دم على ذكره ليلا ونهارا على أي وجه من تسبيح وتهليل وتحميد.

(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) : أي انقطع إليه في العبادة وفي طلب الحاجة وفي كل ما يهمك.

(لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) : أي لا معبود بحق سواه ولا تنبغي العبادة لغيره.

(فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) : أي فوض جميع أمورك إليه فإنه يكفيك.

معنى الآيات :

قوله تعالى (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (١) نادى الرب تبارك وتعالى نبيه محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم مذكرا إياه بتلك الساعة السعيدة التي فاجأه فيها الوحي لأول مرة فرجع بها ترجف بوادره فانتهى إلى خديجة وهو يقول زملوني دثروني فالمزمل (٢) هو المتزمل أي المتلفف في ثيابه ليقول له (قُمِ اللَّيْلَ (٣) إِلَّا قَلِيلاً) أي صل في الليل (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ (٤) مِنْهُ قَلِيلاً) إلى الثلث (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) أي على النصف إلى الثلثين وامتثل الرسول أمر ربه فقام مع أصحابه حتى تورمت أقدامهم. ثم خفف الله تعالى عنهم ونزل آخر هذه السورة بالرخصة في ترك القيام الواجب وبقى الندب والاستحباب وقوله تعالى (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (٥) يرشده ربه إلى أحسن التلاوة وهي الترسل وعدم السرعة حتى يبين الكلمات تبيينا ويترقى القلب في معانيها. وقوله (إِنَّا (٦) سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) يخبره ربه تعالى بأنه سيلقي عليه قولا ثقيلا هو

__________________

(١) في هذا النداء بهذه الصفة معنى التلطف والتحبب كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلي قم أبا تراب ولعبد الرحمن بن صخر أبا هريرة ، ولحذيفة بن اليمان يوم الخندق قم يا نومان.

(٢) المزمل اسم فاعل والمدثر كذلك من تزمل وتدثر والأصل المتزمل والمتدثر.

(٣) كان هذا القيام قبل فرض الصلوات الخمس واستمر بعد فرضها واجبا على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم دون أمته.

(٤) الجمهور يقرأ أو انقص بضم الواو للتخلص من التقاء الساكنين ، وبعضهم بكسرها أو انقص.

(٥) جائز أن يكون الترتيل المأمور به في الصلاة وقيام الليل وفي غيره ذلك من تلاوة القرآن الكريم والترتيل مأخوذ من قولهم ثغر مرتل وهو المفلج الأسنان أي المفرق بينهما فالترتيل هو تفرقة الحروف وعدم جمعها بحيث يخرج كل حرف من مخرجه يفسره قول عائشة رضي الله عنها. في وصف الترتيل لو أراد السامع أن يعد الحروف لعدها لا كسردكم هذا.

(٦) هذه الجملة مستأنفة معترضة بين قوله قم الليل وبين قوله إن ناشئة الليل لما كلفه بقيام الليل وكان شاقا أعلمه بأنه هيأه لما هو أشق من قيام الليل وهو حمل الرسالة وإبلاغها.

٤٥٦

القرآن فإنه ثقيل مهيب ذو تكاليف العمل بها ثقيل إنها فرائض وواجبات أعلمه ليوطن نفسه على العمل ويهيئها لحمل الشريعة علما وعملا ودعوة. وقوله (إِنَّ ناشِئَةَ (١) اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً) يخبر تعالى معلما أن ساعات الليل من بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل القيام فيها يجعل السمع يواطيء القلب على فهم معاني القرآن الذي يقرأه المصلي ، وقوله وأقوم قيلا أي أبين قولا وأصوب قراءة من قراءة الصلاة في النهار. وقوله (إِنَّ لَكَ (٢) فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً) يخبر تعالى رسوله بأن له في النهار أعمالا تشغله عن قراءة القرآن فلذا أرشده إلى قيام الليل وترتيل القرآن لتفرغه من عمل النهار وقوله (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) أي داوم على ذكره ليلا ونهارا على أي وجه كان الذكر من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل. وقوله (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ) أي إلى الله (تَبْتِيلاً) أي انقطع إليه في العبادة إخلاصا له وفي طلب حوائجك ، وفي كل ما يهمك من أمر دينك ودنياك وقوله (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أي هو تعالى رب المشرق والمغرب أي مالك المشرقين والمغربين (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) فلا تنبغي العبادة إلا له ولا تصح الألوهية إلا له أيضا وقوله (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) أي من كل ما يهمك فإنه يكفيك وهو على كل شيء قدير.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ الندب إلى قيام الليل وأنه دأب الصالحين وطريق المتقربين.

٢ ـ الندب إلى ترتيل القرآن وترك العجلة في تلاوته.

٣ ـ صلاة الليل أفضل من صلاة النهار لتواطئ السمع والقلب فيها على فهم القرآن.

٤ ـ الندب إلى ذكر الله تعالى بأي وجه من صلاة وتسبيح وطلب علم ودعاء وغير ذلك.

(وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ

__________________

(١) الجملة تعليلية للأمر بقيام الليل وترتيل القرآن كأنه قال له قم الليل لأن ناشئته التي تنشئها بعد النوم هي أشد مواطأة أي موافقة بين السمع والقلب لتفهم القرآن وأبين للقرآن عند النطق به.

(٢) إن لك في النهار الجملة تعليلية لاختيار الليل للقيام دون النهار لأن في النهار أعمالا أخرى يقوم بها المرء وجائز أن يراد أن في النهار متسع للصلاة وتلاوة القرآن.

٤٥٧

وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩))

شرح الكلمات :

(وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) : أي على ما يقوله لك كفار مكة من أذى كقولهم شاعر وساحر وكاذب.

(وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) : أي اتركهم تركا جميلا أي لا عتاب معه.

(وَذَرْنِي) : أي اتركني.

(وَالْمُكَذِّبِينَ) : أي صناديد قريش فإني أكفكهم.

(أُولِي النَّعْمَةِ) : أي أهل التنعم والترف.

(وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) : أي انتظرهم قليلا من الزمن حتى يهلكوا ببدر.

(إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً) : أي قيودا وهي جمع نكل وهو القيد من حديد.

(وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ) : أي يغص في الحلق هو الزقوم والضريع.

(يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ) : أي تتزلزل.

(كَثِيباً مَهِيلاً) : أي رملا مجتمعا مهيلا أي سائلا بعد اجتماعه.

(فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً) : أي ثقيلا شديدا غليظا.

فكيف تتقون يوما : أي عذاب يوم يجعل الولدان لشدة هوله شيبا.

(السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) : أي ذات انفطار وانشقاق أي بسبب هول ذلك اليوم.

(كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً) : أي وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم كان مفعولا أي كائنا لا محالة.

(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ) : أي ان هذه الآيات المخوفة تذكرة أي عظة للناس.

(اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) : أي طريقا بالإيمان والطاعة إلى النجاة من النار ودخول الجنة.

٤٥٨

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في تربية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وامته بأنواع التربية الربانية الخاصة فقال تعالى لرسوله (وَاصْبِرْ) (١) (عَلى ما يَقُولُونَ) أي كفار قريش من كلام يؤذونك به كقولهم هو ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وما إلى ذلك ، وقوله (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) يرشد تعالى رسوله إلى هجران كفار قريش وعدم التعرض لهم والهجر الجميل (٢) هو الذي لا عتاب معه وقوله (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ) أي اتركني والمكذبين من صناديد (٣) قريش أولي النعمة أي النعم والترف (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) أي انظرهم ولا تستعجل فإني كافيكهم ، ولم يمض إلا زمن يسير حتى هلكوا في بدر على أيدي المؤمنين. وقوله تعالى (إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً وَطَعاماً) أي عندنا للمكذبين بك في الآخرة أنكالا قيودا من حديد وجحيما أي نارا مستعرة محرقة وعذابا أليما أي موجعا (وَطَعاماً) هو الزقوم والضريع (ذا غُصَّةٍ) أي يغص في حلق آكله ، (وَعَذاباً أَلِيماً) أي موجعا وذلك يحصل لأهله وينالهم (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ) ، أي تتحرك وتضطرب (وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً) أي من الرمل (مَهِيلاً) سائلا بعد اجتماعه. وقوله تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ) أي يا أهل مكة وكل من ورائها من سائر الناس والجن (رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ) بما تعملون في الدنيا لتجزوا بها في الآخرة وقوله (٤) (كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) أي موسى بن عمران عليه‌السلام (فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً) أي غليظا شديدا. وقوله تعالى مخاطبا الكفارين المكذبين (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً) أي عذاب يوم (يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) وذلك لهوله وللكرب الذي يقع وحسبه أن (السَّماءُ مُنْفَطِرٌ (٥) بِهِ) أي منشقة بسبب أهواله. وذلك يوم يقول الرب تعالى لآدم يا آدم ابعث بعث النار أي خذ من كل ألف من أهل الموقف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار ولم ينج من كل ألف إلا واحد هنا يشتد البلاء ويعظم الكرب. وقوله (كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً) أي وعده تعالى بمجيء هذا اليوم كان مفعولا أي كائنا لا محالة وقوله (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ) أي إن هذه الآيات المشتملة على ذكر القيامة وأهوالها تذكرة وعظة وعبرة (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) فليتخذها وهي الإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي.

__________________

(١) لما أمره بالانقطاع إليه بالعبادة أمره بالصبر على ما يقوله خصومه من كفار قريش من طعن فيه وفي أتباعه وفيما جاء به أيضا من الهدى والنور.

(٢) الهجر الجميل هو الذي يكتفى فيه بحقيقة الهجران وهي المقاطعة لا غير فليس هناك أذى معها والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه والجهر الجميل الذي لا عتاب معه والصفح الجميل هو الذي لا مؤاخذة معه.

(٣) قال مقاتل نزلت في المطعمين يوم بدر وهم عشرة. قالت عائشة رضي الله عنها لما نزلت هذه الآية لم يكن (يسير) حتى وقعت وقعة بدر.

(٤) الكلام مستأنف ابتدائي والمناسبة هي التخلص من الأمر بالصبر إلى ذكر وعيد القوم وذكر فرعون بالذات لأنه أهلكه غروره وتكبره كما هي حالة أكابر مجرمي مكة ، فسوف يحل بهم ما حل بفرعون من الهلاك.

(٥) لم يقل منفطرة بالهاء لأن السماء يذكر ويؤنث أو هو كقولهم امرأة مرضع أي ذات إرضاع ، والسماء ذات انفطار.

٤٥٩

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ وجوب الصبر على الطاعة وعن المعصية.

٢ ـ الهجر الجميل هو الذي لا عتاب فيه.

٣ ـ تقرير النبوة المحمدية.

٤ ـ تقرير البعث والجزاء.

(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠))

شرح الكلمات :

(أَنَّكَ تَقُومُ) : أي للتهجد.

(أَدْنى) : أي أقل.

(وَطائِفَةٌ) : أي وطائفة معك من أصحابك تقوم كذلك.

(وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) : أي يحصيها ويعلم ما يمضي من ساعات كل منهما وما يبقى.

(عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) : أي الليل فلا تطيقون قيامه كله لأنه يشق عليكم.

(فَتابَ عَلَيْكُمْ) : أي رجع بكم إلى التخفيف في قيام الليل إذ هو الأصل.

(فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ) : أي صلوا من الليل ما سهل عليكم ولو ركعتين.

(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) : أي المفروضة.

(وَآتُوا الزَّكاةَ) : أي المفروضة.

٤٦٠