🚘

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
🚘 نسخة غير مصححة

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) : فسنهيئه للخلة العسرى وهي العمل بما يكرهه الله ولا يرضاه ليكون قائده إلى النار.

(إِذا تَرَدَّى) : أي في جهنم فسقط فيها.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَاللَّيْلِ) أقسم تعالى بالليل (١) (إِذا يَغْشى) بظلامه الكون ، وبالنهار (إِذا تَجَلَّى) (٢) أي تكشف وظهر وهما آيتان من آيات الله الدالتان على ربوبيته تعالى الموجبة لألوهيته ، وأقسم بنفسه جل وعز فقال (وَما خَلَقَ (٣) الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) أي والذي خلق الذكر والأنثى آدم وحواء ثم سائر الذكور وعامة الإناث من كل الحيوانات وهو مظهر لا يقل عظمة على آيتي الليل والنهار والمقسم عليه أو جواب القسم هو قوله (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) أي إن عملكم أيها الناس لمختلف منه الحسنات الموجبة للسعادة والكمال في الدارين ومنه السيئات الموجبة للشقاء في الدارين أي دار الدنيا ودار الآخرة. وبناء على هذا (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى) حق الله في المال فأنفق وتصدق في سبيل الله (وَاتَّقى) الله تعالى فآمن به وعبده ولم يشرك به (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) (٤) التي هي الخلف أي العوض المضاعف الذي واعد به تعالى من ينفق في سبيله في قوله (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) وفي قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الصحيح (٥) [ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم اعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا] ، فسيهيئه للخلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا ويثيبه عليه في الآخرة بالجنة (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) بالمال فلم يعط حق الله فيه ولم يتصدق متطوعا (٦) في سبيل الله (وَاسْتَغْنى) بماله وولده وجاهه فلم يتقرب إلى الله تعالى بطاعته في ترك معاصيه ولا في أداء فرائضه (وَكَذَّبَ) بالخلف من الله

__________________

(١) من لطائف هذا الإقسام بالليل والنهار وهما ضدان الإشارة إلى تضاد الذكر والأنثى والحسن والسوء والعسر واليسر والتصديق والتكذيب وهذا محتوى هذه السورة.

(٢) تجلى النهار وضوح ضوئه أقسم الله تعالى بكل من الليل وظلمته والنهار وضوءه لما في ذلك من مظاهر قدرة الله وعظمته على خلق الظلمات والنور.

(٣) يرى بعضهم أن المقسم به المصدر بناء على أن (ما) مصدرية والصحيح أنها موصولة وأن الإقسام كان بالرب تبارك وتعالى فإنه أعظم إقسام.

(٤) كلمة الحسنى صالحة لعدة معان وهي مؤنث الأحسن ولذا هي صفة لموصوف محذوف وتنوسي فيها ذلك فصارت اسما لما هو أحسن كالجنة والمثوبة الحسنة والنصر والعاقبة والخلف على المنفق في سبيل الله وهو الراجح هنا لاختيار ابن جرير له.

(٥) رواه البخاري وغيره.

(٦) في الآية دليل على أن الجود من مكارم الأخلاق والبخل من أرذلها ، وليس الجواد الذي يعطى في غير موضع العطاء كما ليس البخيل الذي يمنع في موضع المنع لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء.

٥٨١

تعالى على من ينفق في سبيله (فَسَنُيَسِّرُهُ (١) لِلْعُسْرى) أي فسنهيئه للخلة العسرى (٢) وهي العمل بما يكره الله تعالى ولا يرضاه من الذنوب والآثام ليكون ذلك قائده إلى النار. وقوله تعالى (وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى) (٣) يخبر تعالى بأن من بخل واستغنى وكذب بالحسنى حفاظا على ماله وشحا به وبخلا أن ينفقه في سبيل ربه هذا المال لا يغني عنه شيئا يوم القيامة إذا ألقي به في نار جهنم فتردى ساقطا فيها على أم رأسه كما قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ) أي لعدم الحسنات الكافية فيها (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ).

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان عظمة الله وقدرته وعلمه الموجبة لربوبيته المقتضية لعبادته وحده دون سواه.

٢ ـ تقرير القضاء والقدر وهو أن كل انسان ميسر لما خلق له من سعادة أو شقاء لحديث اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، مع تقرير أن من وفق للعمل بما يرضى الله تعالى كان ذلك دليلا على انه مكتوب سعيدا إذا مات على ما وفق له من العمل الصالح. وأن من وفق للعمل المسخط لله تعالى كان دليلا على انه مكتوب شقاوته إن هو مات على ذلك.

٣ ـ تقرير أن التوفيق للعمل بالطاعة يتوقف حسب سنة الله تعالى على رغبة العبد وطلبه ذلك والحرص عليه واختياره على غيره وتسخير النفس والجوارح له. كما أن التوفيق للعمل الفاسد قائم على ما ذكرنا في العمل الصالح وهو اختيار العبد وطلبه وحرصه وتسخير نفسه وجوارحه لذلك هذه سنة من سنن الله تعالى في خلقه.

(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١))

__________________

(١) في قوله فسنيسره للعسرى تهكم به نحو فبشره بعذاب أليم.

(٢) حديث صحيح.

(٣) التردي السقوط من أعلى إلى أسفل المفضي بصاحبه إلى الهلاك.

٥٨٢

شرح الكلمات :

(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى) : أي إن علينا لبيان الحق من الباطل والطاعة من المعصية.

(وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) : أي ملك ما في الدنيا والآخرة نعطي ونحرم من نشاء لا مالك غيرنا.

(فَأَنْذَرْتُكُمْ) : أي خوفتكم.

(ناراً تَلَظَّى) : أي تتوقد.

(لا يَصْلاها) : أي لا يدخلها ويحترق بلهبها.

(إِلَّا الْأَشْقَى) : أي إلا الشقى.

(الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) : كذب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما جاء به وتولى أعرض عن الإيمان به وبما جاء به من التوحيد والطاعة لله ورسوله.

(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) : أي يبعد عنها التقي.

(يَتَزَكَّى) : أي يتطهر به فلذا يخليه من النظر إلى غير الله فهو لذلك خال من الرياء والسمعة.

(وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى) : أي ليس لأحد من الناس عليه منة فهو يكافئه بذلك.

(إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) : لكن يؤتي ما له في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله عزوجل.

(وَلَسَوْفَ يَرْضى) : أي يعطيه الله تعالى من الكرامة ما يرضي به في دار السلام.

معنى الآيات :

قوله تعالى (إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى) الآيات .. بعد أن أعلم تعالى عباده أنه ييسر لليسرى من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، وأنه ييسر للعسرى من بخل واستغنى وكذب بالحسنى أعلم بحقيقة أخرى وهي أن بيان الطريق الموصل بالعبد لليسرى هو على الله تعالى متكفل به وقد بينه بكتابه ورسوله فمن طلب اليسرى فأولا يؤمن بالله ورسوله ويوطن نفسه على طاعتهما ويأخذ في تلك الطاعة يعمل بها وثانيا ينفق في سبيل الله ما يطهر به نفسه من البخل وشح النفس ويظهر فقره وحاجته إلى الله تعالى بالتقرب إليه بالنوافل وصالح الأعمال وبذلك يكون قد يسر فعلا لليسرى وقوله تعالى (وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) (١) أي الدنيا وعليه فمن طلبها من غيرنا فقد أخطأ ولا يحصل عليها بحال فطلب الآخرة يكون بالإيمان والتقوى ، وطلب الدنيا يكون بالعمل حسب سنتنا في الكسب وحصول المال وقوله تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً (٢) تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (٣) الَّذِي كَذَّبَ

__________________

(١) المراد بالآخرة الجنة ، وإن كان اللفظ يشمل الآخرة بكل ما فيها من نعيم وجحيم وسعادة وشقاء وفوز وخسران.

(٢) تنكير (ناراً) للتهويل ، وجملة تلظى نعت ومعنى تلظى : تتلهب من شدة الاشتعال.

(٣) يذكر بعض المفسرين أن المراد بالأشقى أمية بن خلف ونظراؤه من أكابر مجرمي قريش ، واللفظ عام يشمل كل من ينطبق عليه الوصف المذكور.

٥٨٣

وَتَوَلَّى) أي فبناء على ما بينا لكم فقد أنذرتكم أي خوفتكم (ناراً تَلَظَّى) أي تتوقد التهابا (لا يَصْلاها) لا يدخلها ويصطلي بحرها خالدا فيها أبدا (إِلَّا الْأَشْقَى) أي الأكثر شقاوة وهو المشرك وقد يدخلها الشقي من أهل التوحيد ويخرج منها بتوحيده ، حيث لم يكذب ولم يتول ، ولكن فجر وعصى ، وما أشرك وما تولى ، وقوله تعالى (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى) أي يعطي ما له في سبيل الله يتزكى به من مرض الشح والبخل وآثار الذنوب والإثم ، وقوله (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ (١) وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) أي فهو ينفق ما ينفقه في سبيل الله خاصة وليس ما ينفقه من أجل أن عليه لأحد من الناس فضلا أو يدا فهو يكافئه بها لا لا ، وإنما هو ينفق ابتغاء وجه ربه الأعلى أي يريد رضا ربه تعالى لا غير. قال تعالى (وَلَسَوْفَ يَرْضى) (٢) أي ما دام ينفق ابتغاء وجهنا فقط فسوف نكافئه ونعطيه عطاء يرضى به وذلك في الجنة دار السلام. هذه الآية الكريمة نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد كان في مكة يشتري العبيد من مواليهم الذين يعذبونهم من أجل إسلامهم فكان يشتريهم ويعتقهم لوجه الله تعالى ومنهم بلال رضي الله عنه فقال المشركون إنما فعل ذلك ليد عنده أي نعمه فهو يكافيه بها فأكذبهم الله في ذلك وأنزل قوله وسيجنبها الأتقى الآيات.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان أن الله تعالى متكفل بطريق الهدى فأرسل الرسل وأنزل الكتاب فأبان الطريق وأوضح السبيل.

٢ ـ بيان أن لله تعالى وحده الدنيا والآخرة فمن أرادهما أو إحداهما فليطلب ذلك من الله تعالى فالآخرة تطلب بالإيمان والتقوى والدنيا تطلب باتباع سنن الله تعالى في الحصول عليها.

٣ ـ بيان فضل أبي بكر الصديق وأنه مبشر بالجنة في هذه الآية الكريمة.

__________________

(١) الابتغاء الطلب بجد فهو أبلغ من البغي.

(٢) (وَلَسَوْفَ يَرْضى) لتحقيق الوعد في المستقبل ، إذا اللام لام الابتداء لتأكيد الخبر هذه السورة تحمل معنى جوامع الكلم إذ تضمنت كل ما يرغب فيه الراغبون من الكمال والفوز والفلاح وهي آخر متوسط المفصل.

٥٨٤

سورة الضحى

مكية وآيتها إحدى عشرة آية

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤))

(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١))

شرح الكلمات :

(وَالضُّحى) : أي أول النهار ما بين طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى الزوال.

(وَاللَّيْلِ إِذا سَجى) : غطى بظلامه المعمورة وسكن فسكن الناس وخلدوا إلى الراحة.

(ما وَدَّعَكَ) : أي ما تركك ولا تخلى عنك.

(وَما قَلى) : أي ما أبغضك

(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً) : أي فاقد الأب إذ مات والده قبل ولادته.

(فَآوى) : أي فآواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.

(وَوَجَدَكَ ضَالًّا) : أي لا تعرف دينا ولا هدى.

(وَوَجَدَكَ عائِلاً) : أي فقيرا.

(فَأَغْنى :) أي بالقناعة ، وبما يسر لك من مال خديجة وأبي بكر الصديق.

(فَلا تَقْهَرْ) : أي لا تذله ولا تأخذ ماله.

(فَلا تَنْهَرْ) : أي لا تنهره بزجر ونحوه.

(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) : أي اذكر ما أنعم الله تعالى به عليك شكرا له على ذلك.

٥٨٥

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ (٢) رَبُّكَ وَما قَلى) هذا قسم من الله تعالى لرسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقسم له به على أنه ما تركه ولا أبغضه. وذلك أنه أبطأ عنه الوحي أياما فلما رأى ذلك المشركون فرحوا به وعيروه فجاءت امرأة وقالت (٣) له ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فحزن لذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزل الله سورة الضحى يقسم له فيها بالضحى وهو أول النهار من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى ما قبل الزوال بقليل ، وبالليل إذا سجى أي غطى بظلامه المعمورة وسكن فسكن الناس وخلدوا إلى الراحة فيه (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ) يا محمد أي تركك (وَما قَلى) أي ما أبغضك (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) أي الدنيا وذلك لما أعد الله لك فيها من الملك الكبير والنعيم العظيم المقيم. وسوف يعطيك ربك من فواضل نعمه حتى ترضى في الدنيا من كمال الدين وظهور الأمر في الآخرة الشفاعة وأن لا يبقى أحد من أمته أهل التوحيد في النار والوسيلة والدرجة الرفيعة التي لا تكون لأحد سواه.

وقوله تعالى (أَلَمْ يَجِدْكَ (٤) يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى) هذه ثلاث منن لله تعالى على رسوله منها عليه وذكره بها ليوقن أن الله معه وله وأنه ما تركه ولن يتركه وحتى تنتهي فرحة المشركين ببطء الوحي وتأخره بضعة أيام. فالمنة الأولى أن والد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد مات عقب ولادته وأمه ماتت بعيد فطامه فآواه ربه بأن ضمه إلى عمه أبي طالب فكان أبا رحيما وعما كريما له وحصنا منيعا له ، ولم يتخل عن نصرته والدفاع عنه حتى وفاته والثانية منة العلم والهداية فقد كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعيش في مكة كأحد رجالاتها لا يعرف علما ولا شرعا وإن كان معصوما من ممارفة أي ذنب أو ارتكاب أية خطيئة إلا أنه ما كان يعرف إيمانا ولا إسلاما ولا شرعا كما قال تعالى : (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) والثالثة منته عليه بالغنى بعد الحاجة فقد مات والده ولم يخلف أكثر من جارية هي بركة أم أيمن وبضعة جمال ، فأغناه الله بغنى القناعة فلم يمد يده لأحد قط وكان يقول

__________________

(١) هذا القسم لتأكيد الخبر الذي حملته الآيات بعده ، وكتبت (الضحى) بالألف المقصورة وأصلها الواو فكان المفروض أن تكتب بالألف الثابتة ولم تكتب بها مراعاة للمناسبة مع أكثر الكلمات : سجى وقلى والأولى

(٢) (ما وَدَّعَكَ) جواب القسم ولم يقرن باللام ، لأن الجملة المنفية لا تتطلب اللام. وما قلى معطوفة على ما ودعك ومعنى ما ودعك ما تركك ومعنى وما قلاك ما أبغضك شديد بغض ولا ضعيفه.

(٣) في البخاري عن جندب بن سفيان قال اشتكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة هي أم جميل العوراء امرأة أبي لهب : فقالت يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ولم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثة فأنزل الله والضحى. وقيل لما سئل عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين ، فقال سأخبركم غدا ولم يستثن فعوتب بانتظار الوحي خمسة عشر يوما وقال المشركون قلاه. فأنزل الله سورة الضحى.

(٤) الاستفهام للتقرير وكذا الاستفهامات بعده.

٥٨٦

[ليس الغني عن كثرة العرض ولكن (١) الغني غني النفس] هذه ثلاث منن إلهية وما أعظمها والمنة تتطلب شكرا والله يزيد على الشكر ومن هنا أرشد الله تعالى رسوله إلى شكر تلك النعم ليزيده عليها فقال فأما (فَأَمَّا الْيَتِيمَ (٢) فَلا تَقْهَرْ) لا تقهره بأخذ ماله أو إذلاله أو أذاه ذاكرا رعاية الله تعالى لك أيام يتمك. (وَأَمَّا السَّائِلَ) وهو الفقير المسكين وذو الحاجة يسألك ما يسد خلته فاعطه ما وجدت عطاء أو رده بكلمة طيبة تشرح صدره وتخفف ألم نفسه ولا تنهره بزجر عنيف ولا بقول غير لطيف ذاكرا ما كنت عليه من حاجة وما كنت تشعر به من احتياج (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ (٣) فَحَدِّثْ) أي اشكر نعمة الإيمان والإحسان والوحي والعلم والفرقان وذلك بالتحدث بها ابلاغا وتعليما وتربية وهداية فذاك شكرها والله يحب الشاكرين هكذا أدب الله جل جلاله رسوله وخليله فأكمل تأديبه وأحسه

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ الدنيا لا تخلو من كدر وصدق الله العظيم (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ).

٢ ـ بيان علو المقام المحمدي وشرف مكانته.

٣ ـ مشروعية التذكير بالنعم والنقم حملا للعبد على الصبر والشكر.

٤ ـ وجوب شكر النعم بصرفها في مرضاة المنعم عزوجل. (٤)

٥ ـ تقرير معنى الحديث (إذا أنعم الله تعالى على عبد نعمة أحب أن يرى أثرها عليه)

سورة الشرح

مكية وآياتها ثمانى آيات

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤))

(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨))

__________________

(١) مخرج في الصحيحين.

(٢) في الصحيح : أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين.

(٣) روى أبو داود والترمذي وصححه قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يشكر الله من لا يشكر الناس.

(٤) في الصحيحين : عن أنس أن المهاجرين قالوا يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله قال : لا ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم ، هذه الأحاديث دالة على وجوب شكر المنعم عزوجل بحمده والثناء عليه ، وأن شكر ذي النعمة من الناس كذلك ولو بالدعاء له والثناء عليه.

٥٨٧

شرح الكلمات :

(أَلَمْ) : الاستفهام للتقرير أي إن الله تعالى يقرر رسوله بنعمه عليه.

(نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) : أي بالنبوة ، وبشقه وتطهيره وملئه إيمانا وحكمة.

(وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) : أي حططنا عنك ما سلف من تبعات أيام الجاهلية قبل نبوتك.

(الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) : أي الذي أثقل ظهرك حيث كان يشعر صلى‌الله‌عليه‌وسلم بثقل السنين التي عاشها قبل النبوة لم يعبد فيها الله تعالى بفعل محابه وترك مكارهه لعدم علمه بذلك.

(وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) : أي أعليناه فأصبحت تذكر معي في الآذان والإقامة والتشهد.

(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) : أي مع الشدة سهولة.

(فَإِذا فَرَغْتَ) : أي من الصلاة.

(فَانْصَبْ) : أي اتعب في الدعاء.

(وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) : أي فاضرع إليه راغبا فيما عنده من الخيرات والبركات.

معنى الآيات :

قوله تعالى (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) (١) هذه ثلاث منن أخرى بعد المنن الثلاث التي جاءت في السورة قبلها منها الله تعالى على رسوله بتقريره بها فالأولى بشرح صدره ليتسع (٢) للوحي ولما سيلقاه من قومه من سيء القول وباطل الكلام الذي يضيق به الإنسان والثانية وضع الوزر عنه فإنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وإن لم يكن له وزر حقيقة فإنه كان يشعر بحمل ثقيل من جراء ترك العبادة والتقرب إلى الله تعالى في وقت ما قبل النبوة ونزول الوحي عليه إذ عاش عمرا أربعين سنة لم يعرف فيها عبادة ولا طاعة لله ، أما مقارفة الخطايا فقد كان محفوظا بحفظ الله تعالى له فلم يسجد لصنم ولم يشرب خمرا ولم يقل أو يفعل إثما قط. فقد شق صدره وهو طفل في الرابعة من عمره وأخرجت منه العلقة التي هي محطة الشيطان التي ينزل بها من صدر الإنسان ويوسوس بالشر للإنسان والثالثة رفع الذكر أي ذكره صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ قرن اسمه باسمه تعالى في التشهد وفي الأذان والإقامة وذلك الدهر كله وما بقيت الحياة. وقوله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ

__________________

(١) (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) قال مجاهد يعني التأذين ، وفيه يقول حسان بن ثابت :

أغر عليه للنبوة خاتم

من الله مشهود يلوح ويشهد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه

إذا قال المؤذن في الخمس أشهد

وشق له من اسمه ليجله

فذو العرش محمود وهذا محمد

(٢) في الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن رجل من قومه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول أحد الثلاثة إذ كان معه حمزة وابن عمه جعفر فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا. قال فاستخرج قلبي فغسل قلبي بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي إيمانا وحكمة.

٥٨٨

يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) فهذه بشرى بقرب الفرج له ولأصحابه بعد ذلك العناء الذي يعانون والشدة التي يقاسون ومن ثم بشر (١) صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصحابه وهو يقول [لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر يسرين] وقوله (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) هذه خطة لحياة المسلم وضعت لنبي الإسلام محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليطبقها أمام المسلمين ويطبقونها معهم حتى الفوز بالجنة والنجاة من النار وهي فإذا فرغت من عمل ديني فانصب لعمل دنيوي وإذا فرغت من عمل دنيوي فانصب لعمل ديني أخروي فمثلا فرغت من الصلاة فانصب نفسك للذكر والدعاء بعدها ، فرغت من الصلاة والدعاء فانصب نفسك لدنياك ، فرغت من الجهاد فانصب نفسك للحج. ومعنى هذا أن المسلم يحيا حياة الجد والتعب فلا يعرف وقتا للهو واللعب أو للكسل والبطالة قط وقوله (إِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) ارغب بعد كل عمل تقوم به في مثوبة ربك وعطائه وما عنده من الفضل والخير إذ هو الذي تعمل له وتنصب من أجله فلا ترغب في غيره ولا تطلب سواه.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان ما أكرم الله تعالى به رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم من شرح صدره ومغفرة ذنوبه ورفع ذكره.

٢ ـ بيان أن انشراح (٢) صدر المؤمن للدين واتساعه لتحمل الأذى في سبيل الله نعمة عظيمة.

٣ ـ بيان أن مع العسر يسرا دائما وأبدا ، ولن يغلب عسر يسرين فرجاء المؤمن في الفرح دائم.

٤ ـ بيان أن حياة المؤمن ليس فيها لهو ولا باطل ولا فراغ لا عمل فيه أبدا ولا ساعة من الدهر قط وبرهان هذه الحقيقة أن المسلمين من يوم تركوا الجهاد والفتح وهم يتراجعون إلى الوراء في حياتهم حتى حكمهم الغرب وسامهم العذاب والخسف حتى المسخ والنسخ وقد نسخ إقليم الأندلس ومسخت أقاليم في بلاد الروس والصين حتى الأسماء غيرت.

__________________

(١) رواه ابن جرير والحديث مرسل وقال ابن مسعود. والذي نفسي بيده لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ولن يغلب عسر يسرين.

(٢) روى الضحاك عن ابن عباس قال قالوا يا رسول الله أيشرح الصدر؟ قال نعم وينفسح قالوا يا رسول الله وهل لذلك علامة؟

قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت.

٥٨٩

سورة التين

مكية وآياتها ثمان

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨))

شرح الكلمات :

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) : هما المعروفان التين فاكهة والزيتون ما يستخرج منه الزيت.

(وَطُورِ سِينِينَ) : جبل الطور الذي ناجى الرب تعالى فيه موسى عليه‌السلام.

(وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) : مكة المكرمة لأنها بلد حرام لا يقاتل فيها فمن دخلها أمن.

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) : جنس الإنسان آدم عليه‌السلام وذريته.

(فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) : أي في أجمل صورة في اعتدال الخلق وحسن التركيب.

(أَسْفَلَ سافِلِينَ) : أي إلى أرذل العمر حتى يخرف ويصبح لا يعلم بعد أن كان يعلم.

(أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) : أي غير منقطع فالشيخ الهرم الخرف المسلم يكتب له ما كان يفعله أيام قدرته على العمل فأجره لا ينقطع إلا بموته.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَالتِّينِ (١) وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) هذا قسم جليل من أقسام الرب تعالى حيث أقسم فيه بأربعة أشياء وهي التين وهو التين المعروف وهو أشبه شيء بفاكهة الجنة لخلوه من العجم (٢). وما يوجد بداخل الفاكهة كالنواة ونحوها ، والزيتون وهو ذو منافع يؤكل ويدهن به ويستصبح به ويتداوى به كذلك ، وبطور سينين وهو جبل سينا في فلسطين إذ تم عليه أكبر

__________________

(١) عامة أهل السلف ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم أن المراد من التين والزيتون هما المعروفان قال غير واحد هو نبتكم الذي تأكلون وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت.

(٢) العجم ـ النوى.

٥٩٠

حدث في تاريخ الحياة وهو أن الله تعالى كلم موسى بن عمران نبي بني اسرائيل عليه عدة مرات وأسمعه كلامه وتجلى للجبل فصار دكا. وبمكة أم القرى التي دحيت الأرض من تحتها وفيها بيت الله وحولها حرمه هذا قسم عظيم وجوابه قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ولقد تضمن هذا الجواب لذلك القسم أكبر مظاهر القدرة والعلم والرحمة وهي موجبة للإيمان بالله وتوحيده ولقائه وهو ما كذب به أهل مكة وأنكروه وبيان ذلك أن الإنسان كائن حي مخلوق فخالقه ذو قدرة قطعا وتعديل خلقه بنصب قامته وتسوية أعضائه وحسن سمته وجمال منظره دال على علم وقدرة وهي موجبة للإيمان بالله ولقائه إذ القادر على خلق الإنسان اليوم وقبل اليوم قادر على خلقه غدا كما شاء متى شاء ولا يرد هذا إلا أحمق جاهل ، وقوله (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) وذلك بهرم بعض أفراده والنزول بهم إلى ما أسفل من سن الطفولة حيث يصبح الرجل فاقدا لعقله وقواه فيفقد قواه العقلية والبدنية وقوله (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) وهو أن ما كانوا يقومون به من الفرائض والنوافل وسائر الطاعات والقربات لا ينقطع أجرهم (١) منها بكبرهم وعدم قيامهم بها في سن الشيخوخة والهرم والخرف بخلاف الكافر والفاجر والفاسق فليس لهم أعمال لا تنقطع إلا من سن منهم سنة سيئة فإن ذنبه لا ينقطع ما بقى من يعمل بتلك السنة السيئة. وقوله تعالى (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) (٢) أي فمن يقدر على تكذيبك يا رسولنا بعد هذه الآيات والحجج والبراهين الدالة على قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته فمن يكذب بالبعث والجزاء على الكسب الإرادي الاختياري في هذه الحياة من خير وشر فإنه وإن كذب بالدين وهو الجزاء الأخروى على عمل المكلفين في هذه الحياة الدنيا فإن هذا التكذيب قائم على أساس العناد والمكابرة إذ الحجج الدالة على يوم الدين والجزاء فيه تجعل المكذب به مكابرا أو جاحدا لا غير. وقوله تعالى (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) (٣)؟ بلى فليس هناك أعدل من الله وأحسن حكما فكيف يظن إذا أن الناس يعملون متفاوتين في أعمالهم في هذه الدنيا ثم يموتون سواء ولا جزاء بعد بالثواب ولا بالعقاب هذا ظلم وباطل ومنكر ينزه الرب عنه سبحانه وتعالى فقضية البعث الآخر لا تقبل الجدل والمماحكة بحال من الأحوال.

__________________

(١) صح الحديث أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال إذا سافر العبد أو مرض كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا. وعن ابن عمر : طوبى لمن طال عمره وحسن عمله.

(٢) وجائز أن يكون الخطاب للإنسان الكافر توبيخا له وإلزاما للحجة أي إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم وأنه يردك إلى أرذل العمر فما يحملك على أن تكذب وعليه فالاستفهام توبيخي.

(٣) روي أن ابن عباس وعليا رضي الله عنهما كانا إذا قرءا (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) قالا بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وروى الترمذي عن أبي هريرة من قرأ سورة والتين والزيتون فقرأ (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.

٥٩١

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان منافع التين والزيتون واستحباب غرس هاتين الشجرتين والعناية بهما.

٢ ـ بيان شرف مكة. وحرمها.

٣ ـ بيان فضل الله على الإنسان في خلقه في أحسن صورة وأقوم تعديل.

٤ ـ تقرير فضل الله على الإنسان المسلم وهو أنه يطيل عمره فإذا هرم وخرف كتب له كل ما كان يعمله من الخير ويجانبه من الشر.

٥ ـ مشروعية قول بلى وأنا على ذلك من الشاهدين بعد قراءة والتين إذ كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول ذلك.

سورة العلق

مكية وآياتها تسع عشرة آية

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥))

شرح الكلمات :

(اقْرَأْ) : أي أوجد القراءة وهي جمع الكلمات ذات الحروف باللسان.

(بِاسْمِ رَبِّكَ) : أي بذكر اسم ربك.

(الَّذِي خَلَقَ) : أي خلق آدم من سلالة من طين.

(خَلَقَ الْإِنْسانَ) : أي الإنسان الذي هو ذرية آدم.

(مِنْ عَلَقٍ) : أي جمع علقة وهي النطفة في الطور الثاني حيث تصير علقة أي قطعة من الدم الغليظ.

(وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) : أي الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله ولا يساويه.

(الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) : أي علم العباد الكتابة والخط بالقلم.

(عَلَّمَ الْإِنْسانَ) : أي جنس الإنسان.

(ما لَمْ يَعْلَمْ) : أي ما لم يكن يعلمه من سائر العلوم والمعارف.

٥٩٢

معنى الآيات :

قوله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) هذه الآيات الخمس من أول ما نزل من القرآن الكريم لأحاديث الصحاح (١) فيها فإن مما اشتهر في ذلك أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يأتي حراء يتحنث فيه أي يزيل الحنث فرارا مما عليه قومه من الشرك والباطل حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ثم قال اقرأ قلت ما أنا بقارىء قال فأخذني فغطني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق فقرأت الحديث.

وقوله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) يأمر الله تعالى رسوله أن يقرأ بادئا قراءته بذكر اسم ربه أي باسم الله الرحمن الرحيم وقوله (الَّذِي خَلَقَ) أي خلق الخلق كله وخلق آدم من طين و (خَلَقَ الْإِنْسانَ) من أولاد آدم (مِنْ عَلَقٍ) والعلق اسم جمع واحده علقة (٢) وهي قطعة من الدم غليظة كانت في الأربعين يوما الأولى في الرحم نطفة ثم تطورت إلى علقة تعلق بجدار الرحم ثم تتطور في أربعين يوما إلى مضعة لحم ، ثم إما أن يؤذن بتخلقها فتخلق وإما لا فيطرحها الرحم قطعة لحم وقوله (اقْرَأْ وَرَبُّكَ) تأكيد للأمر الأول لصعوبة الأمر واندهاش الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم للمفاجأة (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (٣) أي وربك الأكرم هو الذي علم بالقلم عباده الكتابة والخط. وقوله (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) أي من كرمه الذي أفاض منه على عباده نعمه التي لا تحصى إنه علم الإنسان بواسطة القلم ما لم يكن يعلم من العلوم والمعارف وهذه إشادة بالقلم وأنه واسطة العلوم والمعارف والواسطة تشرف بشرف الغاية المتوسط لها فلذا كان لا أشرف في الدنيا من عباد الله الصالحين والعلوم الإلهيه في الكتاب والسنة وما دعوا إليه وحضا عليه من العلوم النافعة للإنسان.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير الوحي الإلهي وإثبات النبوة المحمدية.

٢ ـ مشروعية ابتداء القراءة بذكر اسم الله ولذا افتتحت سور القرآن ما عدا التوبة ببسم الله الرحمن الرحيم.

__________________

(١) منها حديث عائشة : أول ما بدىء به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الرؤيا الصادقة فجاءه الملك فقال أقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم. رواه البخاري.

(٢) العلقة الدم الجامد والجمع علق ، والعلقة قطعة من دم رطب سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه.

(٣) قيل سمي القلم قلما لأنه يقلم أي يقطع ، ومنه تقليم الظفر صح أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال. أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فكتب ما يكون إلى يوم القيامة فهو عنده في الذكر فوق عرشه.

٥٩٣

٣ ـ بيان تطور النطفة في الرحم إلى علقة ومنها يتخلق الإنسان.

٤ ـ اعظام شأن الله تعالى وعظم كرمه فلا أحد يعادله في الكرم.

٥ ـ التنويه بشأن الكتابة والخط بالقلم إذ المعارف والعلوم لم تدون إلا بالكتابة والقلم.

٦ ـ بيان فضل الله تعالى على الإنسان في تعليمه ما لم يكن يعلم بواسطة الكتابة والخط.

(كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩))

شرح الكلمات :

(كَلَّا) (١) : أي لا أداة استفتاح وتنبيه لكسر إن بعدها.

(إِنَّ الْإِنْسانَ) : أي ابن آدم قبل أن تتهذب مشاعره وأخلاقه بالإيمان والآداب الشرعية.

(لَيَطْغى) : أي يتجاوز الحد المفروض له في سلوكه ومعاملاته.

(أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) : أي عند ما يرى نفسه قد استغنى بماله أو ولده أو سلطانه.

(إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى) : أي إن إلى ربك أيها الرسول الرجعى أي الرجوع والمصير.

(الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) : أي أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي لعنه الله.

(إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) : أي هو رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العدناني.

__________________

(١) (كَلَّا) الأصل فيها أنها أداة ردع وزجر وذلك إذا تقدمها ما يقتضي ذلك وتكون بمعنى حقا ، وتكون بمعنى ألا التي هي أداة استفتاح وتنبيه. وهي هنا تتردد من أمرين بين أن تكون بمعنى حقا أو بمعنى ألا ، وذلك لعدم تقدم كلام يقتضي الردع والزجر ، لأن الآيات الخمس الأولى نزلت في أول ما نزل وما بعد كلا نزل بعد ذلك بفترة طويلة وجائز أن تكون ردعا لمن قال قولا أو عمل عملا استحق به ذلك.

٥٩٤

(إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) : أي هو أبو جهل.

(لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) : أي من أذية رسولنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومنعه من الصلاة خلف المقام.

(لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ) : أي لنأخذن بناصيته ونسحبه إلى نار جهنم.

(فَلْيَدْعُ نادِيَهُ) : أي رجال مجلسه ومنتداه.

(سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) : أي خزان جهنم.

(كَلَّا) : أي ارتدع أيها الكاذب الكافر.

(وَاقْتَرِبْ) : أي منه تعالى وذلك بطاعته.

معنى الآيات :

قوله تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى) يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان قبل أن يهذبه الإيمان والمعارف الإلهية المشتملة على معرفة محاب الله تعالى ، ومساخطه أنه إذا رأى نفسه قد استغنى بماله أو ولده أو سلطانه أو بالكل وما أصبح في حاجة إلى غيره يطغى فيتجاوز حد الآداب والعدل والحق والعرف فيتكبر ويظلم ويمنع الحقوق ويحتقر الضعفاء ويسخر بغيره. وأبو جهل كان مضرب المثل في هذا الوصف وصف الطغيان حتى قيل إنه فرعون هذه الأمة ، وها هو ذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي في المسجد الحرام خلف المقام فيأتيه هذا الطاغية ويهدده ويقول له لقد نهيتك عن الصلاة هنا فلا تعد ، ويقول له إن وجدتك مرة أخرى آخذ بناصيتك وأسحبك على الأرض فينزل الله تعالى هذه الآيات (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) فيقف برسوله على حقيقة ما كان يعلمها وهي أن ما يجده من أبي جهل وأضرابه من طغاة قريش علته كذا وكذا ويسليه فيقول له وإن طغوا وتجبروا إن مرجعهم إلينا وسوف ننتقم لك منهم (إِنَّ إِلى رَبِّكَ) يا رسولنا (الرُّجْعى) إذا فاصبر على أذاهم وانتظر ما سيحل بهم إن مصيرهم إلينا لا إلى غيرنا وسوف ننتقم منهم ثم يقول له قولا يحمل العقلاء على التعجب من سلوك أبي جهل الشائن مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى)؟ وهل الذي يصلي ينهى عن الصلاة وهل الصلاة جريمة وهل في الصلاة ضرر على أحد؟ فكيف ينهى عنها؟ ويقول له (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ) أي المصلي الذي نهي عن الصلاة وهو الرسول نفسه صلى‌الله‌عليه‌وسلم

٥٩٥

(عَلَى الْهُدى) الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة وكرامتهما؟ (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أي أمر غيره بما يتقي به عذاب الدنيا والآخرة ، هل الآمر بالهدى والتقوى أي بأسباب النجاة والسعادة يعادي ويحارب؟ ويضرب ويهدد؟ إن هذا لعجب العجاب. ويقول (أَرَأَيْتَ) يا رسولنا (إِنْ كَذَّبَ) هذا الذي ينهى عبدا إذا صلى أي كذب بالحق والدين (وَتَوَلَّى) عن الإيمان والشرع ، كيف يكون حاله يوم يلقى ربه؟ (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى) أي يرى أفعاله الاستفزازية المقيتة وتطاوله على رسول الله وتهديده له بالضرب إن وجده يصلي خلف المقام. بعد هذه الدعوة للطاغية لعله يرجع إلى الحق إذا سمعه ، وإذا به يزدادا طغيانا ويقول في مجلس قريش يقول واللات والعزى لئن رأيت محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه على التراب ، وفعلا أتى إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يصلي ليطأ على ركبته فإذا به ينكص على عقبيه ، ويتقي بيديه ، فقيل له مالك فقال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لودنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وأنزل الله تعالى (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) أي صاحبها وهو أبو جهل أي لئن لم ينته عن أذية رسولنا وتعرضه له في صلاته ليمنعه منها لنأخذن بناصيته ونجره إلى جهنم عيانا. (فَلْيَدْعُ) حينئذ رجال (نادِيَهُ) ومجلس قومه فإنا ندعو الزبانية أي خزنة النار من الملائكة كلا فليرتدع هذا الطاغية وليعلم أنه لن يقدر على أن يصل إلى رسولنا بعد اليوم بأذى.

وقال تعالى لرسوله بعد تهديده للطاغية ، وردعه له ، وارتدع فعلا ولم يجرؤ بعد ذلك اليوم أن يمد لسانه ، ولا يده بسوء لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (لا تُطِعْهُ) فيما يطلب منك من ترك الصلاة في المسجد الحرام فقد كفيناك شره (وَاقْتَرِبْ) (١) إلينا بالطاعات ومن أهمها الصلاة.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان سبب نزول الآيات كلا إن الإنسان ليطغى إلى آخر السورة.

٢ ـ بيان طبع الإنسان إذا لم يهذب بالإيمان والتقوى.

٣ ـ نصرة الله لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالملائكة عيانا في المسجد الحرام.

٤ ـ تسجيل لعنة الله على فرعون الأمة أبي جهل وأنه كان أظلم قريش لرسول الله وأصحابه.

٥ ـ مشروعية السجود عند تلاوة هذه السورة إذا قرأ فاسجد واقترب شرع له السجود (٢) إلا أن يكون يصلي بجماعة في الصلاة السرية فلا يسجد لئلا يفتنهم.

__________________

(١) روى أصحاب الصحيح قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

(٢) ورد في الذكر حال السجود أن الساجد يقول (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق بحوله وقوته سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين. اللهم اكتب لي بها أجرا وامح عني بها وزرا وارفع لي بها ذكرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود).

٥٩٦

سورة القدر

مكية وآياتها خمس آيات

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥))

شرح الكلمات :

(إِنَّا أَنْزَلْناهُ) : أي القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا.

(فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) : أي ليلة الحكم والتقدير التي يقضي فيها قضاء السنة كلها.

(وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) : أي إن شأنها عظيم.

(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) : أي العمل الصالح فيها من صلاة وتلاوة قرآن ودعاء خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر.

(وَالرُّوحُ فِيها) : أي جبريل في ليلة القدر.

(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) : أي ينزلون بأمره تعالى لهم بالتنزل فيها.

(مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) : أي من كل أمر قضاه الله تعالى في تلك السنة من رزق وأجل وغير ذلك.

(سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) : أي هي سلام من الشر كله من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

معنى الآيات :

قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) (١) أي القرآن الكريم الذي كذب به المكذبون وأنكره الكافرون يخبر تعالى أن ما يتلوه عبده ورسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو حق وحي الله وكتابه أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وذلك في ليلة الحكم والقضاء التي يقضي الله فيها ما يشاء من أحداث العالم

__________________

(١) وجائز أن يطلق لفظ أنزلناه في ليلة القدر على الخمس الآيات التي أنزلت بغار حراء في رمضان وهي اقرأ باسم ربك .. إلى ما لم يعلم أي باعتبار بداية نزوله ، وما في التفسير عليه أئمته.

٥٩٧

من رزق وأجل وغيرهما إلى بداية السنة الآتية وذلك كل سنة وهذا كقوله (إِنَّا أَنْزَلْناهُ (١) فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ). إذ ما قضاه الله تعالى وحكم بوجوده قد كتب في اللوح المحفوظ ومنه القرآن الكريم ثم (فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) تؤخذ نسخة من أحداث السنة فتعطى الملائكة وتنفذ حرفيا في تلك السنة ، ولذلك كان لليلة القدر بمعنى التقدير شأن عظيم ففضلها الله على ألف شهر وأخبر عن سبب فضلها أن الملائكة تتنزل فيها وجبريل معهم بإذن ربهم أي ينزلون بإذن الله تعالى لهم وأمره إياهم بالنزول ينزلون مصحوبين بكل أمر قضاه الله وحكم به في تلك السنة من خير وشر من رزق وأجل ولفضل هذه الليلة كانت العبادة فيها تفضل غيرها من نوعها بأضعاف مضاعفة إذ عمل تلك الليلة يحسب لصاحبه عمل ألف ليلة أي ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر. هذا ما دل عليه قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ (٢) ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) وقوله (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) أي هي سلام من كل شر إذ هي كلها خير من غروب الشمس إلى طلوع فجرها إنها كلها سلام سلام الملائكة على العابدين من المؤمنين والمؤمنات وسلامة من كل شر. والحمد لله الذي جعلنا من أهلها.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية

٢ ـ تقرير عقيدة القضاء والقدر.

٣ ـ فضل ليلة القدر وفضل العبادة فيها (٤).

٤ ـ بيان أن القرآن نزل في رمضان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وأنه ابتدىء نزوله على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في رمضان أيضا.

٥ ـ الندب (٥) إلى طلب ليلة القدر للفوز بفضلها وذلك في العشر الأواخر من شهر رمضان وأرجى

__________________

(١) فاتحة سورة الدخان.

(٢) الاستفهام للتفخيم من شأن ليلة القدر أي أي شيء يعرفك ما هي ليلة القدر ذات الشأن العظيم وإظهار لفظ ليلة القدر بعد وما أدراك ما ليلة القدر دال على الاهتمام بها كقول عدي :

لا أرى الموت يسبق الموت شيء

نغص الموت ذا الغني والفقير

(٣) لحديث مالك في الموطأ سمعت من أثق فيه يقول : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أرى أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر.

(٤) حديث الصحيحين : من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.

(٥) أرجح الأقوال في ليلة القدر أنها في الوتر من العشر الأواخر من كل عام لحديث الصحيح التمسوها في الوتر من العشر الأواخر وان من صلى العشاء ليلتها في الجماعة ينال فضلها لما قاله مالك في الموطأ وهو قول سعيد بن المسيب (من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها ومثله لا يدرك بالرأي.

٥٩٨

ليلة في العشر الأواخر هي الوتر كالواحدة والعشرين إلى التاسعة والعشرين لحديث الصحيح التمسوها في العشر الأواخر.

٦ ـ استحباب الإكثار من قراءة القرآن وسماعه فيها لمعارضة جبريل الرسول (١) صلى‌الله‌عليه‌وسلم القرآن في رمضان مرتين.

سورة البينة (٢)

مدنية وآياتها ثمان آيات

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥))

شرح الكلمات :

(مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) : أي اليهود والنصارى.

(وَالْمُشْرِكِينَ) : أي عبدة الأصنام.

(مُنْفَكِّينَ) : أي زائلين عما هم عليه منتهين عنه.

(حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) : أي الحجة الواضحة وهي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكتابه القرآن الكريم.

(رَسُولٌ مِنَ اللهِ) : أي محمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(صُحُفاً مُطَهَّرَةً) : أي من الباطل.

__________________

(١) معارضة القرآن ثابتة في الصحيح وفضل الدعاء فيها ثابت في الصحيح. قالت عائشة يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول؟ قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.

(٢) وتسمى سورة القيمة ولم يكن ، وورد في فضلها حديث الصحيح أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لأبي بن كعب إن الله أمرني أن أقرأ عليك (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال وسماني لك؟ قال. نعم. فبكى. وفي هذا الحديث انه لا يأنف الفاضل أن يقرأ القرآن أو يتعلم العلم عن المفضول.

٥٩٩

(فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) : أي في تلك الصحف المطهرة كتب من الله مستقيمة.

(إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) : أي الرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكتابه القرآن الكريم.

(وَما أُمِرُوا) : أي في كتبهم التوراة والانجيل.

(حُنَفاءَ) : أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الاسلام.

(دِينُ الْقَيِّمَةِ) : أي دين الملة القيمة أي المستقيمة.

معنى الآيات :

قوله تعالى (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ) وهم اليهود والنصارى (١) والمشركون هم عباد الأصنام لم يكونوا منفصلين عما هم عليه من الديانة تاركين لها إلى غاية مجيء البينة لهم فلما جاءتهم البينة. وهي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكتابه انفكوا أي (٢) انقسموا فمنهم من آمن بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكتابه والدين الإسلامي ومنهم من كفر فلم يؤمن. وقوله تعالى (رَسُولٌ مِنَ اللهِ) هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقوله (يَتْلُوا صُحُفاً) أي يقرأ على ظهر قلب ما تضمنته تلك الصحف المطهرة من الباطل والمشتملة على كتب (٣) من عند الله قيمة أي مستقيمة لا انحراف فيها عن الحق ولا بعد عن الهدى والمراد من الصحف المطهرة القرآن الكريم. وقوله تعالى (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي اليهود والنصارى (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) وهي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكتابه إذ كانوا قبل البعثة المحمدية متفقين على انتظار نبي آخر الزمان وأنه النبي الخاتم للنبوات فلما جاءهم تفرقوا فآمن بعض وكفر بعض. في حين أنهم ما أمروا في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم. وكذا في القرآن وعلى لسان نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ) أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام (وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ) بأن يؤدوها في أوقاتها بشروطها وأركانها وآدابها (وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ) التي أوجب الله في الأموال لصالح الفقراء والمساكين. (وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي وهذا هو دين الملة القيمة المستقيمة الموصلة للعبد إلى رضا الرب وجنات الخلد بعد انجائه من العذاب والغضب.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان أن الديانات السابقة للإسلام والتي عاصرته كانت منحرفة اختلط فيها الحق بالباطل ولم

__________________

(١) قال ابن عباس أهل الكتاب اليهود الذين كانوا بالمدينة وهم قريظة والنظير وبنو قينقاع ولفظ الآية أعم وأشمل إذ تناول اليهود مطلقا والنصارى كذلك.

(٢) انفك ينفك انفكاكا مضارع فكه فانفك ومعناه الإزالة والإقلاع أي لم يكونوا مقلعين عما هم عليه أو زائلين عنه تاركين له منتهين عنه.

(٣) إن قيل الكتب هي التي تشتمل على صحف فكيف يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة؟ والجواب نعم الصحف تكون كتابا وإذا كثرت كونت كتبا والقرآن العظيم كثرة صحفه كونت كتابا باعتبار ما حواه من الشارئع والأحكام والقصص والأخبار.

٦٠٠