أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

الخليل وهم ملائكة في صورة رجال من بينهم (١) جبريل وميكائيل وإسرافيل (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) أي على ابراهيم وهو في منزله فسلموا عليه (٢) فرد السّلام ثم قال أنتم (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أي لا نعرفكم بمعنى أنكم غرباء لستم من أهل هذا البلد فلذا سارع في إكرامهم (فَراغَ إِلى أَهْلِهِ) أي عدل ومال إلى أهله فعمد إلى عجل سمين من أبقاره وكان ماله يومئذ البقر فشواه بعد ذبحه وسلخه وتنظيفه. (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) وكأنهم أمسكوا عن تناوله فعرض عليهم الأكل عرضا بقوله (أَلا تَأْكُلُونَ) فقالوا إنا لا نأكل طعاما إلا بحقه. فقال إذا كلوه بحقه ، فقالوا وما حقه؟ قال أن تذكروا اسم الله في أوله وتحمدوا الله في آخره أي تقولون بسم الله في البدء والحمد لله في الختم فالتفت جبريل إلى ميكائيل وقال له حقّ للرجل أن يتخذه ربه خليلا ولما لم يأكلوا (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) أي خوفا أي شعر بالخوف في نفسه منهم لعدم أكلهم لأن العادة البشرية وهي مستمرة إلى اليوم إذا أراد المرء بأخيه سوءا لا يسلم عليه ولا يرد عليه‌السلام ، ولا يأكل طعامه هذا حكم غالبي وليس عاما. (قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ) وأعلموه أنهم مرسلون من ربه إلى قوم لوط لإهلاكهم من أجل اجرامهم وبشروه بغلام يولد له ويكبر ويولد له فالأول اسحق والثاني يعقوب كما جاء في سورة هود فبشرناه باسحاق ومن وراء اسحق يعقوب وقوله (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) (٣) أخذت في رنّة لما سمعت البشرى (فَصَكَّتْ) أي لطمت (وَجْهَها) بأصابع يدها متعجبة وهي تقول أألد وأنا عجوز و (٤) هذا بعلي شيخا إنّ هذا لشيء عجيب إذ كان عمرها تجاوز التسعين وعمر ابراهيم تجاوز المئة وكانت عقيما لا تلد قط فلذا قالت (عَجُوزٌ (٥) عَقِيمٌ) كيف ألد يا للعجب؟ فأجابها الملائكة قائلين كذلك أي هكذا (قالَ رَبُّكِ) فاقبلي البشرى واحمديه واشكريه. إنه تعالى هو الحكيم في تصرفاته في شؤون عباده العليم بما يصلح لهم وما لا يصلح فليفوض الأمر إليه ولا يعترض عليه.

__________________

(١) قيل إنهم كانوا تسعة وسمى منهم غير الثلاثة رفائيل عليه‌السلام.

(٢) في الآية مشروعية السّلام إلقاء وردا إلا أن الإلقاء سنة والرد واجب لآية النساء : (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها).

(٣) الصرة : الصيحة والضجة ، والصرة ، الجماعة ، والصرة : الشدة من كرب وغيره قال الشاعر :

فألحقه بالهاديات ودونه

جواحرها في صرة لم تزيل

الهاديات : أوائل بقر الوحش وجواحرها : متخلفاتها ولم تزيل لم تنفرق والشاهد في الصرة هنا فإنها بمعنى الضجة والجماعة والشدة. وهو يمدح فرسه الذي ألحقه بأوائل بقر الوحش الذي يصيد.

(٤) نص آية هود : (قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ).

(٥) أي : كيف ألد وأنا عجوز عقيم ف (عَجُوزٌ) خبر ، و (عَقِيمٌ) بدل منه والمبتدا محذوف أي : أنا والعجوز يشترك فيه المذكر والمؤنث يقال رجل عجوز وامرأة عجوز فهو فعول بمعنى فاعل مشتق من العجز والعقيم كذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث وهو فعيل بمعنى مفعول مأخوذ من عقمها الله : إذا خلقها لم تحمل بجنين ، وكانت سارة لم تحمل قط.

١٦١

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير النبوة المحمدية.

٢ ـ فضيلة ابراهيم أبي الأنبياء وإمام الموحدين.

٣ ـ وجوب إكرام الضيف.

٤ ـ الخوف الفطري عند وجود أسبابه لا يقدح في العقيدة ولا يعد شركا.

١٦٢

الجزء السابع والعشرون

(قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧))

شرح الكلمات :

(قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) : أي ما شأنكم أيها المرسلون.

(إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) : أي إلى قوم كافرين فاعلين لأكبر الجرائم وهي إتيان الفاحشة.

(حِجارَةً مِنْ طِينٍ) : أي مطبوخ بالنار.

(مُسَوَّمَةً) : أي معلمة على كل حجر اسم من يرمى به.

(لِلْمُسْرِفِينَ) : أي المبالغين في الكفر والعصيان كإتيان الذكران.

(غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) : وهو بيت لوط وابنتيه ومن معهم من المؤمنين.

(وَتَرَكْنا فِيها آيَةً) : أي بعد إهلاكهم تركنا فيها علامة على إهلاكهم وهى ماء أسود منتن.

(لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ) : أي عذاب الآخرة فلا يفعلون فعلهم الشنيع.

معنى الآيات :

ما زال السياق في قصة إبراهيم مع ضيفه من الملائكة إنه لاحظ بعد أن عرف أنهم سادات الملائكة أن مهمتهم لم تكن مقصورة على بشارته فقط بل هي أعظم فلذا سألهم قائلا : فما (١) خطبكم أيها المرسلون؟ فأجابوه قائلين : (إِنَّا أُرْسِلْنا) أي أرسلنا ربّنا عزوجل (إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) (٢) أي

__________________

(١) الفاء : هي الفاء الفصيحة إذ أفصحت أي : دلت على كلام محذوف تقديره : لما كنتم مرسلين من قبل الله تعالى فما خطبكم أي ما شأنكم وما مهمتكم العظيمة التي جئتم لها؟.

(٢) هم أهل سدوم وعمورية.

١٦٣

على أنفسهم بالكفر ، وفعل الفاحشة ، والعلّة من إرسالنا إليهم هي (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ) (١) مطبوخ بالنار ، وتلك الحجارة (مُسَوَّمَةً) أي معلمة (عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) أي قد كتب على كل حجر اسم من يرمى به ، وذلك في السماء قبل أن تنزل إلى الأرض. وقوله تعالى : (فَأَخْرَجْنا) أي من تلك القرية وهي سدوم (مَنْ كانَ فِيها مِنَ (٢) الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وهو بيت لوط عليه‌السلام وما به سوى لوط وابنتيه ومن الجائز أن يكون معهم بعض المؤمنين إذ قيل كانوا ثلاثة عشر نسمة وقوله تعالى : (وَتَرَكْنا فِيها آيَةً) (٣) أي علامة على إهلاكهم وهي ماء أسود منتن كالبحيرة وتعرف الآن بالبحر الميت. وقوله (لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ) وهم المؤمنون الذين يخافون عذاب الآخرة حتى لا يفعلوا فعل قوم لوط من الكفر وإيتان الفاحشة.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ جواز تشكل الملائكة بصورة رجال من البشر.

٢ ـ التنديد بالإجرام وفاعليه.

٣ ـ جواز الإهلاك بالعذاب الخاص الذى لم يعرف له نظير.

٤ ـ تقرير حقيقة علمية وهي أن كل مؤمن صادق الإيمان مسلم ، وليس كل مسلم مؤمنا حتى يحسن اسلامه بانبنائه على أركان الإيمان الستة. (٤)

(وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ

__________________

(١) (مِنْ طِينٍ) فيه احتراس من أن تكون من البرد الذي ينزل مع المطر من السماء ، وجائز أن تكون من بركان قذفته الأرض فارتفع بقوة الضغط فسقط عليهم فدمّرهم بأمر الله تعالى وتدبيره فيهم.

(٢) قوله : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) : إشارة إلى أنّ سبب نجاتهم هو إيمانهم وفي قوله : (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) كذلك أي : سبب النجاة الإسلام كما هو التنويه بشأن كل من الإيمان والإسلام إذ الدعوة النبوية تدور عليهما.

(٣) الضمير : (فِيها) عائد إلى القرية التي أصبحت خربة تدل على قدرة الله تعالى ونقمته من أعدائه.

(٤) هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره. كما في آية البقرة ، (لَيْسَ الْبِرَّ) وفي حديث جبريل عند مسلم.

١٦٤

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦))

شرح الكلمات :

(وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ) : أي فكذبه وكفر ، فأغرقناه ومن معه آية كآية سدوم.

(بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) : أي بحجة ظاهرة قوية وهي اليد والعصا.

(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) : أي أعرض عن الإيمان مع رجال قومه.

(وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) : أي وقال فرعون فى شأن موسى ساحر أو مجنون.

(فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ) : أي طرحناهم في البحر فغرقوا أجمعين.

(وَهُوَ مُلِيمٌ) : أي آت بما يلام عليه إذ هو الذى عرض جيشا كاملا للهلاك زيادة على ادعائه الربوبية وتكذيبه لموسى وهرون وهما رسولان.

(وَفِي عادٍ) : أي وفي إهلاك عاد آية أي علامة على قدرتنا وتدبيرنا.

(الرِّيحَ الْعَقِيمَ) : أي التى لا خير فيها لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهى الدبور ، لقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم نصرت بالصبا وهى الريح الشرقية وأهلكت عاد بالدبور وهى الريح الغربية في الحجاز.

(ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ) : من نفس أو مال.

(إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) : أي البالى المتفتت.

(وَفِي ثَمُودَ) : أي وفي إهلاك ثمود آية دالة على قدرة الله وكرهه تعالى للكفر والإجرام.

(إِذْ قِيلَ لَهُمْ) : أي بعد عقر الناقة تمتعوا إلى انقضاء آجالكم بعد ثلاثة أيام.

(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) : أي بعد ثلاثة أيام من عقر الناقة.

(فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ) : أي ما قدروا على النهوض عند نزول العذب بهم.

(وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ) : أي وفي إهلاك قوم نوح بالطوفان آية وأعظم آية.

١٦٥

معنى الآيات :

قوله تعالى : (وَفِي مُوسى) (١) الآية إنه تعالى لما ذكر إهلاك قوم لوط وجعل في ذلك آية دالة على قدرته وعلامة تدل العاقل على نقمه تعالى ممن كفر به وعصاه ذكر هنا في هذه الآيات التسع من هذا السياق أربع آيات أخرى ، يهتدى بها أهل الإيمان الذين يخافون يوم الحساب فقال عز من قائل : وفي موسى بن عمران نبى بنى إسرائيل (إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ) ملك القبط بمصر (بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) أي بحجة قوية ظاهرة قوة السلطان وظهوره وهى العصا (٢) فلم يستجب لدعوة الحق (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) أي (٣) بجنده الذي يركن إليه ويعتمد عليه ، وقال في موسى رسول الله إليه : هو (ساحِرٌ أَوْ (٤) مَجْنُونٌ) فانتقمنا منه بعد الإصرار على الكفر والظلم (فَنَبَذْناهُمْ) أي طرحناهم في اليم البحر فهلكوا بالغرق. في هذا الصنيع الذي صنعناه بفرعون لما كذب آية من أظهر الآيات. وقوله تعالى : (وَفِي عادٍ) (٥) حيث أرسلنا إليهم أخاهم هودا فدعاهم الى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه فكذبوه (إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) التي لا تحمل مطرا ولا تلقح شجرا (٦) (ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ) أي مرت به من أنفس أو أموال (إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) (٧) البالى المتفتت في هذه الإهلاك آية من أعظم الآيات الدالة على قدرة الله الموجبة لربوبيته وعبادته والمستلزمة لقدرته تعالى على البعث والجزاء يوم القيامة.

وقوله تعالى (وَفِي ثَمُودَ) (٨) إذ أرسلنا إليهم أخاهم صالحا فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك فكذبوه وطالبوه بآية تدل على صدقه فأعطاهم الله الناقة آية فعقروها استخفافا منهم وتكذيبا (إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ) أي إلى إنقضاء الأجل الذي حدد لهلاكهم. فبدل أن يؤمنوا ويسلموا

__________________

(١) (وَفِي مُوسى) أي : وتركنا أيضا في قصة موسى آية ، والعطف على قوله : (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ).

(٢) وجائز أن يكون غير العصا من الآيات التسع.

(٣) وجائز أن يكون بقوته كما قال عنترة :

فما أوهى مراس الحرب ركني

ولكن ما تقادم من زماني

أراد بركنه : قوته ، وركن الشيء : جانبه الأقوى.

(٤) (أَوْ) بمعنى الواو أي : قال مرّة في موسى ساحر وقال مرة أخرى مجنون وشاهده قول الشاعر :

أثعلبة الفوارس أو رياحا

عدلت بهم طهيّة والخشابا

أي : ورياحا فأو بمعنى الواو العاطفة لا غير وطهية كسميّة : حي من تميم والخشاب : بطون من تميم أيضا.

(٥) (وَفِي عادٍ) أي : وتركنا في عاد آية كالتي في موسى.

(٦) ولا خير فيها ولا بركة ولا منفعة البتة مأخوذة من : امرأة عقيم لا تحمل ولا تلد ، وهي الدبور لقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الصحيح (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور).

(٧) (كَالرَّمِيمِ) الشيء الهالك البالي. قاله مجاهد ، ومنه قول الشاعر :

تركتني حين كف الدهر من بصري

وإذ بقيت كعظم الرّمة البالي

مأخوذ من رمّ العظم : إذا بلى يقال : رم العظم يرم بالكسر رمة فهو رميم.

(٨) (وَفِي ثَمُودَ) أي : وتركنا في ثمود آية للموقنين دالة على قدرة الله وعلمه وحكمته وهي موجبات ألوهيته.

١٦٦

فيعبدوا الله ويوحدوه عتوا عن أمر ربهم وترفعوا متكبرين (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) صاعقة العذاب (وَهُمْ يَنْظُرُونَ) بأعينهم الموت يتخطفهم (فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ) من مجالسهم وهم جاثمون على الركب (وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ) فى إهلاك ثمود أصحاب الحجر آية للذين يخافون العذاب الأليم فلا يفعلوا فعلهم حتى لا يهلكوا هلاكهم.

وقوله تعالى : (وَقَوْمَ نُوحٍ) (١) (مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) أي وفي إرسالنا نوحا إلى قومه وتكذيبهم إياه وإصرارهم على الشرك والكفر والتكذيب ثم إهلاكنا لهم بالطوفان وانجائنا المؤمنين آية من أعظم الآيات الدالة على وجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته للعالمين ، والمستلزمة لقدرته على البعث والجزاء الذي يصر الملاحدة على إنكاره ليواصلوا فسقهم وفجورهم بلا تأنيب ضمير ولا حياء ولا خوف أو وجل.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير كل من التوحيد والنبوة والبعث لما في الآيات من دلائل على ذلك.

٢ ـ قوة الله تعالى فوق كل قوة إذ كل قوة في الأرض هو الذي خلقها ووهبها.

٣ ـ اتهام المبطلين لأهل الحق دفعا للحق وعدم قبول له يكاد يكون سنة بشرية في كل زمان ومكان.

٤ ـ من عوامل الهلاك العتو عن أمر الله أي عدم الإذعان لقبوله ، والفسق عن طاعته وطاعة رسله.

(وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١))

__________________

(١) قرأ حمزة والكسائي وقوم بالكسر أي : وفي قوم نوح آية ، وقرأ الجمهور بالنصب أي : وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود ومدين.

١٦٧

شرح الكلمات :

(وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ) : أي وبنينا السماء بقوة ظاهرة في رفع السماء وإحكام البناء.

(وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) : أي لقادرون على البناء والتوسعة.

(وَالْأَرْضَ فَرَشْناها) : أي مهّدناها فجعلناها كالمهاد أي الفراش الذي يوضع على المهد.

(فَنِعْمَ الْماهِدُونَ) : أي نحن أثنى الله تعالى على نفسه بفعله الخيريّ الحسن الكبير.

(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) : أي وخلقنا من كل شيء صنفين أي ذكرا وأنثى ، خيرا وشرا ، علوّا وسفلا.

(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) : أي تذكرون أن خالق الأزواج كلها هو إله فرد فلا يعبد معه غيره.

(فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) : أي إلى التوبة بطاعته وعدم معصيته.

(إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) : أي إني وأنا رسول الله إليكم منه تعالى نذير مبين بين النذارة أي أخوفكم عذابه.

(وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) : أي لا تعبدوا مع الله إلها أي معبودا آخر إذ لا معبود بحق إلا هو.

(إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) : إني لكم منه تعالى نذير بين النذارة أخوفكم عذابه إن عبدتم معه غيره.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في عرض مظاهر القدرة الإلهية الموجبة له تعالى الربوبية لكل شيء والألوهية على كل عباده. فقال تعالى : (وَالسَّماءَ (١) بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) فهذا أكبر مظهر من مظاهر القدرة الإلهية إنه بناء السماء وإحكام ذلك البناء وارتفاعه وما تعلق به من كواكب ونجوم وشمس وقمر تمّ هذا الخلق بقوة الله التى لا توازيها قوة. وقوله (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) أي لقادرون على توسعته أكثر مما هو عليه ، وذلك لسعة قدرتنا.

__________________

(١) هذا عرض آخر لمظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته الدالة على قدرته على البعث الآخر (وَالسَّماءَ) : منصوب على الاشتغال ، والأيد جمع يد وكثر إطلاقه على القوة نحو : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ) أي : القوة ، والموسع : القادر على توسعة ما يريد توسعته من رزق وغيره.

١٦٨

ومظهر ثان هو فى قوله : (وَالْأَرْضَ (١) فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ) والأرض فرشها بساطا ومهدها مهادا فنعم الماهدون نحن نعم الماهد الله تعالى لها إذ غيره لا يقدر على ذلك ولا يتأتى له ، وثالث مظاهر القدرة في قوله : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ (٢) خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فهذا لفظ عام يعم سائر المخلوقات وأنها كلها أزواج وليس فيها فرد قط. والذوات كالصفات فالسماء يقابلها الأرض ، والحر يقابله البرد ، والذكر يقابله الأنثى ، والبر يقابله البحر ، والخير يقابله الشر ، والمعروف يقابله المنكر ، فهي أزواج بمعنى أصناف كما أن سائر الحيوانات هي أزواج من ذكر وأنثى. وقوله (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي خلقنا من كل شيء زوجين رجاء أن تذكروا فتعلموا أن خالق هذه الأزواج هو الله الفرد الصمد الواحد الأحد لا إله غيره ولا رب سواه فتعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه من سائر خلقه.

وقوله تعالى (فَفِرُّوا إِلَى (٣) اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي بعد أن تبين لكم أيها الناس أنه لا إله غير الله ففروا إليه تعالى أي بالإيمان به وبطاعته وبفعل فرائضه وترك نواهيه اهربوا إلى الله يا عباد الله بالإسلام إليه والانقياد لطاعته إنى لكم منه تعالى نذير من عقاب شديد ، ونذارتي بينة لا شك فيها وأنصح لكم أن (لا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) أي معبودا غيره تعالى تعبدونه إن الشرك به يحبط أعمالكم ويحرم عليكم الجنة فلا تدخلوها أبدا واعلموا (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ) عزوجل (نَذِيرٌ مُبِينٌ).

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير التوحيد والبعث بمظاهر القدرة الإلهية التى لا يعجزها شيء ومظاهر العلم والحكمة المتجلية في كل شيء.

٢ ـ ظاهرة الزوجية في الكون في الذرة انبهر لها العقل الإنساني وهي مما سبق إليه القرآن الكريم وقرره في غير موضع منه : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن

__________________

(١) نصب الأرض على الاشتغال ، والفرش : البسط يقال : فرش البساط : إذا نشره وقوله : (فَنِعْمَ الْماهِدُونَ) أثنى تعالى على نفسه بهذه المنة على خلقه وهي : بسط الأرض وتمهيدها للحياة عليها وفي هذا تعليم للعباد أن يحمدوا الله ويشكروه : فله الحمد تعالى وله المنة.

(٢) في خلق الله تعالى للذكر والأنثى والتناسل منهما دليل ظاهر على البعث الذي ينكره الكافرون فمن فكر في إيجاد الحياة من جماد كالنطفة سهل عليه الإيمان بالحياة الثانية بعد انتهاء هذه ولذا عقب على ذلك بجملة (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وهي جملة تعليلية.

(٣) الفاء للتفريع إنه بعد أن بيّن للمشركين ضلالهم وخطأهم في الشرك والكفر وإنكار البعث بما ساق من الأدلة وأبرز عن البراهين القطعية قال لرسوله : قل لهم أيها الناس ففروا إلى الله أي : اهربوا إليه لينجيكم من الخسران فإنه ليس لكم إلا هو فآمنوا به واعبدوه ووحدوه وعلل ذلك بقوله لهم (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ).

١٦٩

أنفسهم ومما لا يعلمون. فدل هذا قطعا أن القرآن وحي الله وأن من أوحى به إليه وهو محمد بن عبد الله لن يكون إلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٣ ـ التحذير من الشرك فإنه ذنب عظيم لا يغفر إلا بالتوبة الصحيحة النصوح.

(كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠))

شرح الكلمات :

(كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ) : أي الأمر كذلك ما أتى الذين من قبل قومك يا محمد من رسول.

(إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) : أي هو ساحر أو مجنون.

(أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) : أي اتواصت الأمم كل أمة توصى التي بعدها بقولهم للرسول هو ساحر أو مجنون ، والجواب ، لا أي لم يتواصوا بل هم قوم طاغون يجمعهم على قولهم هذا الطغيان.

(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ) : أي اعرض عنهم يا رسولنا فما أنت بملوم لأنك بلغتهم فأبرأت ذمتك.

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) : أي عظ بالقرآن يا رسولنا فإن الذكرى بمعنى التذكير ينفع المؤمنين أي من علم الله أنه يؤمن.

(وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ) : أي خلقتهم لأجل أن يعبدوني فمن عبدني أكرمته ومن ترك عبادتي أهنته.

١٧٠

(ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) : أي لا لي ولا لأنفسهم ولا لغيرهم.

(وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) : أي لا أريد منهم ما يريد أرباب العبيد من عبيدهم هذا يجمع المال وهذا يعد الطعام ، فالله هو الذي يرزقهم.

(ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) : أي صاحب القوة المتين الشديد الذي لا يعجزه شيء.

(ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ) : أي نصيبا من العذاب مثل نصيب أصحابهم الذين ماتوا على الكفر.

(فَلا يَسْتَعْجِلُونِ) : أي فلا يطالبوني بالعذاب فإن له موعدا لا يخلفونه.

(مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) : أي يوم القيامة.

معنى الآيات :

بعد عرض تلك الأدلة المقررة للتوحيد والبعث والمستلزمة للرسالة المحمدية والمشركون ما زالوا في إصرارهم على الكفر والتكذيب قال تعالى مسليا رسوله مخففا عنه ما يجده من إعراض وتكذيب : (كَذلِكَ) أي الأمر والشأن كذلك وهو أنه (ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من قبل قومك من رسول (إِلَّا قالُوا) فيه هو (ساحِرٌ (١) أَوْ مَجْنُونٌ) كما قال قومك لك اليوم. ثم قال تعالى : (أَتَواصَوْا (٢) بِهِ) أي بهذا القول كل أمة توصى التي بعدها بأن تقول لرسولها : ساحر أو مجنون. (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) أي لم يتواصوا به وإنما جمعهم على هذا القول الطغيان الذي هو وصف عام لهم فإن الطاغي من شأنه ان ينكر ويكذب ويتهم بأبعد أنواع التهم والحامل له على ذلك طغيانه. وما دام الأمر هكذا (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) يا رسولنا أي أعرض عنهم ولا تلتفت إلى أقوالهم وأعمالهم (فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ) في هذا القول لأنك قد بلغت رسالتك وأديت أمانتك ولا يمنعك هذا التولى عنهم أن تذكر أي عظ بالقرآن بل عظ (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) الذين علم الله تعالى أنهم يؤمنون ممن هم غير مؤمنين الآن كما تنفع المؤمنين حاليا بزيادة إيمانهم وصبرهم على طاعة الله ربهم. وقوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (٣) أي لم يخلقهما للهو ولا للعب ولا

__________________

(١) (أَوْ) : بمعنى الواو إذ هم مرّة يقولون ساحر ومرّة يقولون مجنون وليس معنى ساحر أو مجنون أن يكون إما ساحرا أو مجنونا فتكون أو لأحد الشيئين.

(٢) الاستفهام للتعجب ، و (بَلْ) للاضراب الإبطالي ، أي لم يتواصوا بهذا القول الفاسد ، وإنما جمعهم الطغيان فقالوا ما قالوا ولم يتخلف قوم منهم في ذلك.

(٣) قوله : (وَما خَلَقْتُ ..). الخ فيه تعريض بالمشركين والكافرين التاركين لعبادته تعالى ، والإنس ، واحده إنسي ، والاستثناء مفرّغ من علل لم تذكر ، والإرادة هنا ؛ هي الإرادة الشرعية التكليفية ليست الإرادة الكونية التي لا تتخلف ، ولذا فلا معنى لمن قال : المراد بالناس هنا المؤمنون فقط ، أو هو على تقدير لأمرهم وأنهاهم أو أنّ المراد من العبادة : ظهور قدرة الله تعالى فيهم من الخلق والإحياء والإماتة.

١٧١

لشيء وإنهما خلقهما ليعبدوه بالإذعان له والتسليم لأمره ونهيه. وقوله تعالى (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) أي إن شأني معهم ليس كشأن السادة مالكي العبيد الذين يتعبدونهم بالقيام بحاجاتهم. هذا يجمع المال وهذا يعد الطعام بل خلقتهم ليعبدوني أي يوحدوني في عبادتي ، إذ عبادتهم لي مع عبادة غيري لا أقبلها منهم ولا أثيبهم عليها بل أعذبهم على الطاعة حيث عبدوا من لا يستحق أن يعبد من سائر المخلوقات.

وقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (١) قرر به غناه عن خلقه ، وأعلم أنه ليس فى حاجة الى أحد وذلك لغناه المطلق ، وقدرته التى لا يعجزها فى الأرض ولا فى السماء شيء.

وقوله (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا (٢) ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ) أي إذا عرفت حال من تقدم من قوم عاد وثمود وغيرهم فإن لهؤلاء المشركين ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم أي نصيبا من العذاب وعبر بالذنوب التي هي الدلو الملأى بالماء عن العذاب لأن العذاب يصب عليهم كما يصب الماء من الدلو ولأن الدلاء تأتى واحدا بعد واحد فكذلك. الهلاك يتم لأمة بعد أمة حتى يسقوا كلهم مرّ العذاب ، وقوله (فَلا يَسْتَعْجِلُونِ) أي ما هناك حاجة بهم الى استعجال العذاب فإنه آت في إبّانه ووقته المحدد له لا محالة. وقوله تعالى (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي بالله ولقائه والنبي وما جاء به ويل لهم من يومهم الذي يوعدون أي العذاب الشديد لهم من يومهم الذي أوعدهم الله تعالى به وهو يوم القيامة والويل واد في جهنم يسيل بصديد أهل النار والعياذ بالله.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان سنة بشرية وهي التكذيب والاتهام بالباطل وقلب الحقائق لكل من جاءهم يدعوهم إلى خلاف مألوفيهم وما اعتادوه من باطل وشر فيدفعون بالقول فإذا أعياهم ذلك دفعوا بالفعل وهى الحرب والقتال.

٢ ـ بيان أن طغيان النفس يتولد عنه كل شر والعياذ بالله.

٣ ـ مشروعية التذكير ، وانه ينتفع به من أراد الله إيمانه ممن لم يؤمن ، ويزداد به إيمان المؤمنين الحاليين.

٤ ـ بيان علة خلق الإنس والجن وهي عبادة الله وحده.

__________________

(١) الجملة تعليلية لما سبقها من قوله : (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) و (الرَّزَّاقُ) : كثير الإرزاق و (ذُو الْقُوَّةِ) : صاحبها ومن خصائص (ذو) أنها لا تضاف إلا إلى أمر مهم ، و (الْمَتِينُ) : الكامل في قوته الذي لا يعارض ولا يدانى.

(٢) في قوله تعالى (ذَنُوباً) إشارة إلى ما حصل لصناديد قريش إذ بعد قتلهم ألقوا في قليب ببدر فكان ذلك مصداق قوله (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً) وهي الدلو الملأى فعجبا لهذا القرآن العظيم.

١٧٢

٥ ـ بيان غنى الله تعالى عن خلقه ، وعدم احتياجه اليهم بحال من الأحوال.

٦ ـ توعد الرب تبارك وتعالى الكافرين وأن نصيبهم من العذاب نازل بهم لا محالة.

سورة الطّور

مكية

وآياتها تسع واربعون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦))

شرح الكلمات :

(وَالطُّورِ) : أي والجبل الذي كلم الله عزوجل عليه موسى عليه‌السلام.

(وَكِتابٍ مَسْطُورٍ) : أي وقرآن مكتوب.

(فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ) : أي في جلد رقيق أو ورق منشور.

(وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) : أي بالملائكة يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون ابدا

(وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) : أي السماء التي هي كالسقف المرفوع للأرض.

(وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) : أي المملوء المجموع ماؤه بعضه فى بعض.

١٧٣

(يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً) : أي تتحرك وتدور.

(فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) : أي في باطل يلعبون اي يتشاغلون بكفرهم.

(يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) : أي يدفعون بعنف دفعا

(أَفَسِحْرٌ هذا) : أي العذاب الذي ترون كما كنتم تقولون في القرآن.

(أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ) : أي أم عدمتم الأبصار فأنتم لا تبصرون.

(اصْلَوْها) : أي اصطلوا بحرها.

(فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا) : أي صبركم وعدمه عليكم سواء.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) هذه خمسة أشياء عظام أقسم الله تعالى بها ، وبالتتبع لما يقسم الله تعالى به يرى أنه إذا أقسم بشيء إنما يقسم به إما لكونه مظهرا من مظاهر القدرة الإلهية ، كالسماء مثلا ، وإما لكونه معظما نحو لعمرك إذ هو إقسام بحياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وإما لكونه ذا فائدة للإنسان ونفع خاص به كالتين والزيتون وقوله تعالى (وَالطُّورِ) وهو جيل الطور الذي كلم تعالى عليه موسى وهو مكان مقدس ، وقوله (وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ) (٢) أي منشور في ورق أو جلد رقيق وهو التوراة أو القرآن والإقسام به لما فيه من حرمة وقدسية عند الله تعالى ، (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) (٣) وهو بيت في السماء تغشاه الملائكة كل يوم وتعمره بالعبادة وهو بحيال الكعبة بحيث لو وقع لوقع فوقها (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) وهو السماء وهي كالسقف للأرض وهي مظهر من مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه ومثلها (الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) (٤) أي المملوء بكميات المياه الهائلة فإنه مظهر من مظاهر القدرة والعلم والحكمة الإلهية هذا القسم الضخم جوابه أو المقسم عليه هو قوله (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ) يا رسولنا (لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ (٥) دافِعٍ) ليس له من دافع يدفعه ابدا ، وإن له وقتا محددا يقع فيه ، وعلامات تدل عليه وهي

__________________

(١) (الطُّورِ) : الجبل باللغة السريانية ونقل إلى العربية بهذا اللفظ بمعنى الجبل وأصبح علما بالغلبة على جبل طور سيناء الذي ناجى الله تعالى فيه نبيّه موسى عليه‌السلام.

(٢) الرّق : بفتح الراء ، ما رق من الجلد ليكتب فيه ، والمنشور : المبسوط وجائز أن يكون المراد به التوراة أو القرآن ، إذ القرآن يقرؤه المؤمنون من المصاحف وتقرأه الملائكة من اللوح المحفوظ والرّق بكسر الراء الملك.

(٣) جائز أن يكون المراد بالبيت المعمور الكعبة المشرفة بمكة المكرمة ، وجائز أن يكون بيتا في السماء كما في التفسير ، ويقال له : الضراح بضم الضاد وفي الطبري : أن عليا سئل عن البيت المعمور فقال : بيت في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا.

(٤) جائز أن يكون المراد بالبحر : البحر الأحمر ، (القلزم) الذي أغرق الله تعالى فيه فرعون وملأه. لمناسبة ذكر الطور ، وجائز أن يكون المحيط ووصف بالمسجور وهو المملوء : حتى لا يدخل فيه الأنهار التي تملأ بالأمطار والأودية والسيول.

(٥) زيدت (من) في قوله تعالى (ما لَهُ مِنْ دافِعٍ) لتأكيد النفي.

١٧٤

قوله تعالى (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ (١) مَوْراً) أي تتحرك بشدة وتدور (وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً) فتكون كالهباء المنبث هنا وهناك (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) والويل واد فى جهنم مملوء بقيح وصديد أهل النار ، والمكذبون هم الكافرون بالله وبما جاءت به رسله عنه من أركان الإيمان وقواعد الإسلام وقوله : (الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) أي في باطلهم وكفرهم يتشاغلون به عن الإيمان الحق والعمل الصالح المزكى للنفس المطهر لها. وقوله (يَوْمَ (٢) يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) أي يوم يدفعون بشدة وعنف الى جهنم ويقال لهم توبيخا وتقريعا لهم (هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ). أخبرونا : (أَفَسِحْرٌ (٣) هذا) أي العذاب الذي أنتم فيه الآن تعذبون (أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ) فلا تعاينونه. ويقال لهم ايضا تبكيتا وتقريعا (فَاصْبِرُوا) على عذاب النار (أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ) اي صبركم وعدمه عليكم سواء. (إِنَّما تُجْزَوْنَ (٤) ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي في الدنيا من الشرك والمعاصى.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير البعث والجزاء.

٢ ـ لله تعالى ان يقسم بما يشاء من خلقه وليس للعبد أن يقسم بغير الله تعالى.

٣ ـ عرض سريع لأهوال القيامة وأحوال المكذبين فيها.

٤ ـ تقرير قاعدة الجزاء من جنس العمل.

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠))

شرح الكلمات :

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ) : أي الذين اتقوا ربهم فعبدوه وحده بما شرع لهم فأدوا الفرائض واجتنبوا النواهي.

__________________

(١) المور : التحرك باضطراب ، ومور السماء : اضطراب أجسامها من الكواكب ، واختلال نظامها عند نهاية الحياة.

(٢) (يَوْمَ يُدَعُّونَ) بدل اشتمال من (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً).

(٣) (أَمْ) هي المنقطعة التي تقدر ببل والاستفهام ، والاستفهام هنا للتهكم والتوبيخ والتقدير : بل أنتم لا تبصرون أي المرئيات.

(٤) (إِنَّما تُجْزَوْنَ) : جملة تعليلية وإن حرف توكيد وما الموصولة بها هي الكافة وإنما المركبة من إن المشددة وما : الكافة لها عن العمل أفادت التعليل.

١٧٥

(فاكِهِينَ) : أي متلذذين بأكل الفواكه الكثيرة التى آتاهم ربهم.

ووقاهم عذاب الجحيم : أي وحفظهم من عذاب الجحيم عذاب النار.

(وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) : أي قرناهم بنساء عظام الأعين حسانها.

معنى الآيات :

لما ذكر تعالى حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة وهذا أسلوب الترغيب والترهيب الذي أمتاز به القرآن الكريم فقال تعالى مخبرا عن حال أهل الجنة : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ) أي الذين اتقوا في الدنيا الشرك والمعاصي (فِي جَنَّاتٍ) أي بساتين (وَنَعِيمٍ) مقيم يحوى كل ما لذّ وطاب مما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين. (فاكِهِينَ (١) بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ) أي متلذذين بأكل الفواكه الكثيرة الموصوفة بقول الله تعالى : لا مقطوعة ولا ممنوعة. (وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) أي حفظهم من عذاب النار. ويقال لهم : (كُلُوا وَاشْرَبُوا (٢) هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي بسبب ما كنتم تعملونه من أعمال البر والإصلاح بعد الفرائض واجتناب الشرك والمعاصي. وقوله (مُتَّكِئِينَ) أي حال كونهم وهم في نعيمهم (مُتَّكِئِينَ عَلى (٣) سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ) قد صف بعضها الى جنب بعض. وقوله تعالى (وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أي قرناهم بزوجات من الحور العين والحور جمع حوراء وهي التي يغلب بياض عينها على سوادها والعين جمع عيناء وهى الواسعة العينين. جعلنا الله ممن يزوجّون بهن إنه كريم.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ فضل التقوى وكرامة أهلها.

٢ ـ بيان منة الله وفضله على أهل الإيمان والتقوى وهم أولياء الله تعالى.

٣ ـ مشروعية الدعاء بكلمة هنيئا لمن أكل أو شرب ائتساء بأهل الجنة.

٤ ـ الإيمان والأعمال الصالحة سبب في دخول الجنة وليست ثمنا لها لأن الجنة أغلى من عمل

__________________

(١) (فاكِهِينَ) : أي : ذوي فاكهة كثيرة ، يقال : رجل فاكه : أي ذو فاكهة كما يقال : لابن وتامر أي : ذو لبن وتمر ، قال الشاعر :

وغررتني وزعمت أنّك لابن بالصيف تامر

وفعله فكه كفرح فهو فاكه وفكه ، وقرأ الجمهور بالأول وقرأ أبو جعفر بالثاني ، والفاكه : من طابت نفسه وسرت بما به من النعيم.

(٢) الهنيىء : ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر يقال لهم : ليهنأكم ما صرتم إليه (هَنِيئاً).

(٣) (سُرُرٍ) : جمع سرير ، وفي الكلام حذف تقديره : متكئين على نمارق سرر. قال ابن عباس رضي الله عنهما : سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، والسرير كما بين مكة وأيلة.

١٧٦

الانسان ، وانما العمل الصالح يزكى النفس فيؤهل صاحبها لدخول الجنة فالباء في قوله (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) سببية وليست للعوض كما في قولك بعتك الدار بألف مثلا.

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨))

شرح الكلمات :

(وَالَّذِينَ آمَنُوا) : أي حق الإيمان المستلزم للإسلام والإحسان.

(وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ) : أي كامل مستوف لشرائطه ومنها الإسلام.

(أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) : أي وإن لم يعملوا عملهم بل قصروا في ذلك.

(وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) : أي وما نقصناهم من أجور أعمالهم شيئا.

(كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) : أي كل إنسان مرهون أي محبوس بكسبه الباطل.

(يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً) : أي يتعاطون بينهم فيها أي في الجنة كأسا من خمر.

(لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ) : أي لا يقع لهم بسبب شربها لغو وهو كل كلام لا خير فيه ولا إثم.

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ) : أي ويدور بهم خدم لهم.

(كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) : أي مصون.

(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ) : أي يسأل بعضهم بعضا عما كانوا عليه في الدنيا وما وصلوا إليه في الآخرة.

١٧٧

(قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ) : أي قالوا مشيرين الى علة سعادتهم إنا كنا قبل أي في الدنيا.

(فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ) : أي بين أهلنا وأولادنا مشفقين أي خائفين من عذاب الله تعالى.

(فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا) : أي بالمغفرة.

(وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ) : أي وحفظنا من عذاب النار التي يدخل حرها في مسام الجسم.

إنا كنا ندعوه : أي في الدنيا نعبده موحدين له.

(إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) : أي المحسن الصادق في وعده الرحيم العظيم الرحمة.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في ذكر افضال الله تعالى وإنعامه على أوليائه في الجنة إذ قال تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي حق الإيمان الذي هو عقد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان (وَاتَّبَعَتْهُمْ (١) ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ) كامل صحيح إلا أنهم لم يبلغوا من الأعمال الصالحة ما بلغه آباؤهم (أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) لتقر بذلك أعينهم وتعظم مسرتهم وتكمل سعادتهم باجتماعهم مع ذريتهم. وقوله تعالى : (وَما أَلَتْناهُمْ (٢) مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) أي وما نقصنا الآباء من عملهم الصالح من شيء بل وفيناهموه كاملا غير منقوص ورفعنا إليهم ابناءهم بفضل منا ورحمة. وقوله تعالى : (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ (٣) رَهِينٌ) إخبار منه تعالى أن كل نفس عنده يوم القيامة مرتهنة بعملها تجزى به إلا أنه تعالى تفضل على أولئك الآباء فرفع الى درجاتهم أبناءهم تفضلا واحسانا. وقوله عزوجل : (وَأَمْدَدْناهُمْ) أي الآباء والأبناء من سكان الجنة (بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) من اللحمان. هذا طعامهم أما الشراب فإنهم (٤) (يَتَنازَعُونَ) أي يتعاطون في الجنة كأسا من خمر (لا لَغْوٌ فِيها). أي لا تسبب هذيانا من الكلام إذ اللغو الكلام الذي لا فائدة منه. وقوله : (وَلا تَأْثِيمٌ) (٥) أي وليس في شربها إثم وقوله تعالى : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ) أي خدم (لَهُمْ كَأَنَّهُمْ) في جمالهم وحسن منظرهم (لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) في أصدافه.

__________________

(١) قرأ الجمهور (وَاتَّبَعَتْهُمْ) وقرأ أبو عمرو وحده (وأتبعناهم) وقرأ الجمهور (ذُرِّيَّتُهُمْ) بالإفراد ، وقرأ ابن عامر بالجمع :

(ذرياتهم) مفعول لأتبعناهم ، وقرأ نافع (ذرياتهم) الأخيرة بالجمع وقرأها حفص بالإفراد (ذُرِّيَّتُهُمْ) كالأولى.

(٢) (وَما أَلَتْناهُمْ) قرأ الجمهور بفتح اللام ، وقرأه ابن كثير بكسر اللام ، والواو للحال ، فالجملة حالية ، والمعنى : أنّ الله تعالى ألحق بهم ذرياتهم في الدرجة من دون أن ينقص من حسناتهم شيئا.

(٣) الجملة معترضة بين جملة : (وَما أَلَتْناهُمْ) وجملة (وَأَمْدَدْناهُمْ) والجملة تقرير لعدالة الرّب تعالى في الحكم بين عباده فيجزي كل نفس بما كسبت ، وله أن يتفضل ويرفع من يشاء درجات.

(٤) أطلق التنازع على التداول والتعاطي والمعنى : أن بعضهم يصب للبعض ويناوله إيثارا له وكرامة.

(٥) اللغو : سقط الكلام وهذيانه الصادر عن خلل في العقل. والتأثيم : ما يؤثم به فاعله من ضرب أو شتم أو تمزيق ثوب.

١٧٨

وقوله تعالى : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) أي عما كان لهم في الدنيا ، وما انتهوا إليه في الآخرة من هذا النعيم المقيم. و (قالُوا) مشيرين الى سبب نعيمهم في الآخرة (إِنَّا كُنَّا) أي في الدنيا (فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ) أي خائفين من عذاب ربنا فترتب على ذلك أن (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا) بدخول الجنة (وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ) الذي هو عذاب النار الذي ينفذ الى المسام والعياذ بالله تعالى. (إِنَّا (١) كُنَّا مِنْ قَبْلُ) أي في الدنيا قبل الآخرة (نَدْعُوهُ) ونتضرع إليه أن يجيرنا من النار ويدخلنا الجنة (إِنَّهُ هُوَ) تعالى (الْبَرُّ) بأوليائه (الرَّحِيمُ) بعباده المؤمنين.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ وصف كامل لأهل الجنة وهو تقرير في نفس الوقت للبعث والجزاء بذكر ما يكون فيه.

٢ ـ فضل الإيمان وكرامة أهله عند الله بإلحاق الابناء قليل العمل الصالح بآبائهم الكثيري العمل الصالح.

٣ ـ تقرير قاعدة أن المرء يوم القيامة يكون رهين كسبه لا يفكه الا الله عزوجل فمن استطاع أن يفك رقبته فليفعل وذلك بالإيمان والإسلام والإحسان.

٤ ـ فضيلة الإشفاق في الدنيا من عذاب الآخرة.

٥ ـ فضل الدعاء والتضرع الى الله تعالى.

(فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤))

__________________

(١) قرأ نافع بفتح همزة أنه على تقدير حرف جرّ لأنه للتعليل ، وقرأ حفص بالكسر. والجملة تعليلية.

١٧٩

شرح الكلمات :

(فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) : أي فذكر بالقرآن وعظ من أرسلت إليهم من قومك وغيرهم فلست بنعمة ربك عليك بالعقل وكمال الخلق والوحى إليك.

(بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ) : أي بمتعاط للكهانة فتخبر عن الغيب بواسطة رئي من الجن ولا أنت بمجنون.

(نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) : أي تنظر به حوادث الدهر من موت وغيره.

(أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا) : أي أتأمرهم احلامهم أي عقولهم بهذا وهو قولهم إنك كاهن ومجنون لم تأمرهم عقولهم به.

(أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) : أي بل هم قوم طاغون متجاوزون لكل حد تقف عنده العقول.

(أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ؟) : أي اختلق القرآن وكذبه من تلقاء نفسه.

(فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) : أي فليأتوا بقرآن مثله يختلقونه بأنفسهم.

(إِنْ كانُوا صادِقِينَ) : أي في أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم اختلق القرآن.

معنى الآيات :

بعد ذلك العرض لأحوال أهل النار وأهل الجنة فلم يبق الا التذكير يا رسولنا (فَذَكِّرْ) أي قومك ومن تصل اليهم كلمتك من سائر الناس بالقرآن وما يحمل من وعد ووعيد ؛ وما يدعو إليه من هدى وطريق مستقيم ، (فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) أي بما أولاك ربك من رجاحة العقل وكمال الخلق وكرم الفعال وشرف النبوة (بِكاهِنٍ) تقول الغيب بواسطة رئيّ من الجن ، (وَلا مَجْنُونٍ) تخلط القول وتقول بما لا يفهم عنك ولا يعقل.

وقوله تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ (١) نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (٢) أي بل يقولون هو شاعر كالنابغة وزهير نتربص به حوادث الدهر حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء ولا ندخل معه في خصومة وجدل قد يغلبنا. وقوله تعالى (قُلْ تَرَبَّصُوا) (٣) أي ما دمتم قد رأيتم التربص بي فتربصوا (فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) ، وقوله تعالى : (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا) والاستفهام للنفي والتوبيخ والجواب لم تأمرهم عقولهم بهذا بل (هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) أي إن طغيانهم هو الذي يأمرهم بما يقولون

__________________

(١) (أَمْ) : هي المنقطعة المفسرة ببل والاستفهام قيل للإضراب الانتقالي من قول إلى آخر والاستفهام إنكاري.

(٢) روى الطبراني عن قتادة : أنهم كانوا يقولون : تربصوا بمحمد الموت يكفيكموه كما كفاكم شاعر بني فلان وشاعر بني فلان ، و (الْمَنُونِ) من أسماء الموت ، والريب : أحداث الدهر. والمعنى : ينتظرون به أحداث الدهر المفضية به إلى الموت.

(٣) أمر الله رسوله أن يقول لهم (تَرَبَّصُوا) بي ريب المنون فإني متربص بكم ما سيحدث لكم من أحداث تهلكون فيها وفي هذا : معنى المفاصلة وإنهاء الجدال والمخاصمة.

١٨٠