أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

تصبح صالحة للإسلام والهداية البشرية ولا فرق بين اليهودية والنصرانية والمجوسية.

٢ ـ إن أهل الكتاب بصورة خاصة كانوا منتظرين البعثة المحمدية بفارغ الصبر لعلمهم بما أصاب دينهم من فساد ، ولما بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وجاءتهم البينة على صدقه وصحة ما جاء به تفرقوا فآمن البعض (١) وكفر البعض.

٣ ـ مما يؤخذ على اليهود والنصارى أنهم في كتبهم مأمورون بعبادة الله تعالى وحده والكفر بالشرك مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فما بالهم لما جاءهم الإسلام بمثل ما أمروا به كفروا به وعادوه. والجواب انهم لما انحرفوا عز عليهم أن يستقيموا لما ألفوا من الشرك والضلالة والباطل.

٤ ـ بيان أن الملة القيمة والدين المنجي من العذاب المحقق للاسعاد والكمال ما قام على أساس عبادة الله وحده وأقام الصلاة وايتاء الزكاة والميل عن كل دين إلى هذا الدين الإسلامي.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨))

شرح الكلمات :

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) : أي بالإسلام ونبيه وكتابه هم اليهود والنصارى.

(أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) : أي شر الخليقة.

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) : أي آمنوا بالإسلام ونبيه وكتابه وعملوا الصالحات.

(أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) : أي هم خير الخليقة.

(جَنَّاتُ عَدْنٍ) : أي بساتين اقامة دائمة.

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) : أي بطاعته.

(وَرَضُوا عَنْهُ) : أي بثوابه.

__________________

(١) شاهده قوله تعالى : (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) أي كفر من كفر منهم الآية من سورة البقرة.

٦٠١

معنى الآيات :

قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (١) مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ) إنه بعد أن بين الدين الحق المنجي من العذاب والموجب للنعيم وهو الدين الإسلامي اخبر تعالى أن من كفر به من أهل الكتاب ومن المشركين هم (فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها) هذا حكم الله فيهم لكفرهم بالحق واعراضهم عنه بعد ما جاءتهم البينة وعرفوا الطريق وتنكبوه رضا بالباطل واقتناعا بالكفر والشرك بدل الإيمان والتوحيد هؤلاء الكفرة الفجرة هم شر الخليقة كلها. وهو معنى قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ (٢) شَرُّ الْبَرِيَّةِ) كما أخبر تعالى بأن جزاء من آمن بالله ورسوله وعمل بالدين الإسلامي فأدى الفرائض واجتنب النواهي وسابق في الخيرات والصالحات هؤلاء هم (٣) خير البرية إذ قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) وقوله (جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي جزاء أولئك الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما جاء به من الهدى والدين الحق أولئك هم خير الخليقة وقوله (جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي يوم يلقونه وذلك بعد الموت (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي بساتين إقامة دائمة خالدين فيها أبدا أي لا يخرجون منها ولا يموتون أبدا وقوله (رَضِيَ (٤) اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) أي رضى الله عنهم بسبب إيمانهم وطاعتهم ورضوا عنه بسبب ما وهبهم وأعطاهم من النعيم المقيم في دار السلام وقوله تعالى (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ (٥) رَبَّهُ) أي ذلك الجزاء المذكور وهو جزاء عظيم إذ جمع لأهله فيه بين سعادة الروح وسعادة البدن معا هو جزاء عبد خاف ربه فلم يعصه حتى لقيه بعد موته وإن عصاه يوما تاب وإن أخطأ رجع حتى مات وهو على الطاعة لا على المعصية.

__________________

(١) (كَفَرُوا) أي من بعد ما جاءتهم البينة من الطوائف الثلاثة حكم الله تعالى فيهم بأنهم شر الخليقة فهم شر من القردة والخنازير وأخبث أنواع الحيوان كالحيات والثعابين لأنهم كفروا بربهم وفسقوا من أمره واستوجبوا لعنته وعذابه فكانوا بذلك شر البرية.

(٢) (الْبَرِيَّةِ) الخليقة إذ هي من برأ إذا خلق والباري الخالق وأصل البرية : البريئة قلبت الهمزة ياء وأدغمت في الياء فصارت البرية بياء مشددة وقرأ نافع البرئة مهموزا على الأصل وخففها حفص فقرأ البرية كالخلية وزنا.

(٣) أي في حكم الله وقضائه وحصلت لهم الخيرية بإيمانهم بربهم واستقامتهم على منهج شرعه فكملوا في أرواحهم وأخلاقهم وتهيؤ اللملكوت الأعلى فكانوا بذلك خير البرية اللهم اجعلنا منهم.

(٤) قول البعض رضي أعمالهم هروبا من عقيدة السلف والا فالآية نص في رضاه تعالى عنهم وان كانت الأعمال سببا في رضاه إذ الأعمال طهرت نفوسهم وزكت أرواحهم فاستحقوا رضى الله فرضي عنهم ورضى الله أكبر من نعيم الجنة كقوله تعالى ورضوان من الله أكبر.

(٥) الخشية الموجبة لهذا النعيم المقيم هي ثمرة العلم إذ لا خشية بلا علم قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فلذا وجب طلب العلم وهو العلم بالله ومحابه ومكارهه ووعده ووعيده إذ هذا هو العلم الذي يثمر الخشية.

٦٠٢

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان جزاء من كفر بالإسلام من سائر الناس وأنه بئس الجزاء.

٢ ـ بيان جزاء من آمن بالإسلام ودخل فيه وطبق قواعده واستقام على الأمر والنهي فيه وهو نعم الجزاء رضى الله والخلود في دار السلام.

٣ ـ فضل الخشية إن حملت صاحبها على طاعة الله ورسوله فأطاعهما بأداء الفرائض وترك المحرمات في الاعتقاد والقول والعمل.

سورة الزلزلة (١)

مدنية وآياتها ثماني آيات

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨))

شرح الكلمات :

(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ) : أي حركت لقيام الساعة.

(وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها) : أي كنوزها وموتاها فألقتها وتخلت.

(ما لَها) : أي وقال الكافر ما لها أي أي شيء جعلها تتحرك هذه الحركة.

(تُحَدِّثُ أَخْبارَها) : أي تخبر بما وقع عليها من خير وشر وتشهد به لأهله.

(أَوْحى لَها) : أي بأن تحدث أخبارها فحدثت.

(يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً) : أي من موقف الحساب.

__________________

(١) وتسمى سورة الزلزال لوجود لفظ الزلزال فيها وهو قوله إذا زلزلت الأرض زلزالها ، واشتهرت بسورة الزلزلة وهي تسمية بالمعنى إذ ليس فيها لفظ الزلزلة. ورد أنها تعدل ربع القرآن أو نصفه والحديث ضعيف.

٦٠٣

(لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) : إي جزاء أعمالهم إما إلى الجنة وإما إلى النار.

(مِثْقالَ ذَرَّةٍ) : زنة نملة صغيرة.

معنى الآيات :

قوله تعالى (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) (١) أي تحركت حركتها الشديدة لقيام الساعة (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها) من كنوز وذلك في النفخة الأولى ، وأموات وذلك في النفخة الثانية ففي الإخبار اجمال إذ المقصود تقرير البعث والجزاء ليعمل الناس بما ينجيهم من النار ويدخلهم الجنة. وقوله (وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها)؟ (٢) لا شك أن هذا الإنسان السائل كان كافرا بالساعة ولذا تساءل أما المؤمن فهو يعلم ذلك لأنه جزء من عقيدته. وقوله تعالى (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) (٣) أي تخبر بما جرى عليها من خير وشر بلسان القال أو الحال. وهي في هذا الإخبار مأمورة لقوله تعالى (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) أي بذلك وقوله (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً) (٤) أي يوم تزلزل الأرض وتهتز للنفخة الثانية نفخة يصدر الناس فيها أشتاتا أي يصدرون من ساحة فصل القضاء فمن آخذ ذات اليمين ومن آخذ ذات الشمال (لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) أي جزاء أعمالهم في الدنيا من حسنة وسيئة فالحسنة تورث الجنة والسيئة تورث النار. وقوله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً) (٥) أي وزن ذرة من خير في الدنيا يثب عليه في الآخرة (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) أي وزن ذرة من شر في الدنيا يجز به في الآخرة إلا أن يعفو الجبار عزوجل وبما أن الكفر مانع من دخول الجنة فإن الكافر إذا عمل حسنة في الدنيا يرى جزاءها في الدنيا ، وليس له في الآخرة شيء منها وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها إذ سألت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن عبد الله بن جدعان هل ينفعه في الآخرة ما كان يفعله في الدنيا من إطعام الحجيج وكسوتهم فقال لها. لا إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفرلي خطيئتي يوم الدين.

كما أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يأكل مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ونزلت هذه الآية (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) الآية فرفع أبو بكر يده من الطعام وقال إني لراء ما عملت من خير وشر؟ فقال

__________________

(١) اضافة الزلزال إلى ضمير الأرض لإفادة تمكنه منها وللإشارة إلى هوله وفظاعته لما عرف الناس من أهوال الزلزال إذا وقع والزلزال بكسر الزاء مصدر وبفتحها اسم مصدر. وهو مأخوذ من الزلل وهو زلق الرجلين. فلما قصدوا شدة الزلل ضاعفوا الفعل فقالوا في زل زلزل كما قالوا في كبه كبكبه.

(٢) مالها استفهام ناشئ عن دهشة وحيرة للمفاجأة. أي ما للأرض زلزلت هذا الزلزال.

(٣) روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ هذه الآية (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) فقال أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها ، وتقول عمل يوم كذا وكذا فهذه أخبارها وجملة (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ) جواب الشرط (إِذا زُلْزِلَتِ).

(٤) الأشتات جمع شت بمعنى متفرقين جماعات جماعات أصحاب يمين وأصحاب شمال.

(٥) يحكى أن أعرابيا أخر (خَيْراً يَرَهُ) فقيل له قدمت وأخرت فقال :

خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه

كلا جانبي هرشى لهن طريق

وفات الأعرابي أن تقديم لفظ الخير تنويه به وبأهله ولذا قدم في الآية.

٦٠٤

النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إن ما ترى مما تكره فهو من مثاقيل ذر شر كثير ، ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة وتصديق ذلك في كتاب الله (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ).

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

٢ ـ الإعلام بالانقلاب الكوني الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات غير السموات.

٣ ـ تكلم الجمادات من آيات الله تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته وهي موجبات ألوهيته بعبادته وحده دون سواه.

٤ ـ تقرير حديث الصحيح اتقوا النار ولو بشق تمرة. (١)

٥ ـ الكافر عمله الخيري ينفعه في الدنيا دون الآخرة.

٦ ـ المؤمن يجزي (٢) بالسيئة في الدنيا ويدخر له صالح عمله للآخرة.

سورة العاديات

مكية وآياتها إحدى عشرة آية

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١))

شرح الكلمات :

(وَالْعادِياتِ) : أي والخيل تعدو في الغزو.

__________________

(١) حديث اتقوا النار ولو بشق تمرة. رواه البخاري وفي الموطأ أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها ، فجعل ينظر إليها ويعجب ، فقالت أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة؟

(٢) شاهده حديث أبي بكر السالف الذكر.

٦٠٥

(ضَبْحاً) : أي تضبح ضبحا والضبح صوت الخيل إذا عدت أي جرت.

(فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) : أي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت بالليل.

(فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً) : أي الخيل تغير على العدو صباحا.

(فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) : هيجن به أي بمكان عدوها نقعا أي غبارا.

(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) : أي بالنقع جمع العدو أي حيث تجمعاته.

(لَكَنُودٌ) : لكفور بجحد نعمه تعالى عليه.

(لَشَهِيدٌ) : أي يشهد على نفسه بعمله.

(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ) : أي المال.

(إِذا بُعْثِرَ) : أي أثير وأخرج ما في القبور.

(وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ) : بين وأفرز ما في الصدور من الإيمان والكفر.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً) (١) الآيات إلى قوله (أَفَلا يَعْلَمُ) تضمنت قسما إليها عظيما على حقيقة كبرى يجهلها كثير من الناس وهي كفر الإنسان لربه ولنعمه عليه يعد المصائب وينسى النعم والفواضل وهذا بيان ما أقسم تعالى به وهو العاديات ضبحا وهي الخيل (٢) تضبح أي تخرج صوتا خاصا غير الصهيل المعروف (فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) أي الخيل توري النار بحوافرها إذا مشت فوق الحجارة ليلا ويدخل ضمن هذا كل قادحة للنار (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً) أي جماعات الخيل يركبها فرسانها للإغارة على العدو بها صباحا. وقوله (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) أي فأثارت الخيل النقع وهو الغبار والتراب عند سيرها بفرسانها فتوسطت جمع العدو وكتائبه لقتال أعداء الله الكافرين بالله وآياته ولقائه المفسدين في الأرض بالشرك والمعاصي هذا ما أقسم الله تعالى به وهو الخيل ذات الصفات الثلاث : العدو والإوراء والإغارة والمقسم عليه قوله (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) المراد من الإنسان الكافر والجاهل بربه تعالى الذي لم تتهذب روحه بمعرفة الله ومحابه ومكارهه ولم يزك نفسه بفعل المحاب وترك المكاره هذا الإنسان أقسم تعالى على أنه كفور لربه تعالى ولنعمه عليه أي شديد الكفر كثيره بذكر المصائب ويشعر بها ويصرخ لها ويصر عليها وينسى النعم والفواضل عليه فلا يذكرها ولا يشكر الله تعالى عليها. فالكنود الكفور (٣). وقوله تعالى

__________________

(١) الأفراس تعدو (القرطبي) تضبح أي تحمحم إذا عدت وأصل الضبح والضباح للثعالب كالنبح والنباح للكلاب.

(٢) يروى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال في العاديات أنها الإبل تعدو في الحج من عرفة إلى مزدلفة وإلى منى إلا أن الخيل أولى بهذه الصفات.

(٣) فسر السلف الكنود بالهلوع والجحود والجهول والحقود والمنوع ، وفعله كند يكند كنودا من باب دخل يدخل دخلا أي كفر النعمة وجحدها.

٦٠٦

(وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ) أي وإن الله تعالى على هذا الوصف في الإنسان لشهيد فأخبر تعالى بما علمه من الإنسان وشهد به عليه كما أن الإنسان شهيد بأعماله وصنائع أقواله وأفعاله شهيد على نفسه بالكفر والجحود. وقوله (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) هذا مما أقسم تعالى عليه أيضا وهو وصف للإنسان الكنود وهو انه شديد حب المال وسمي المال خيرا تسمية (١) عرفية إذ تعارف الناس على ذلك كما أنه خير من حيث أنه يحصل به الخير الكثير إذا أنفق في مرضاة الله تعالى.

وقوله تعالى (أَفَلا (٢) يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ (٣) ما فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) أي أيكفر الإنسان بربه ويجحد نعمه عليه وإحسانه إليه ويحب المال أشد الحب فيمنع حقوق الله فيه ويكتسبه مما حرم الله عليه وقوله تعالى (أَفَلا يَعْلَمُ إِذا (٤) بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ) أي بعثرت القبور وأخرج ما فيها من البشر للحساب والجزاء ووقفوا بين يدي الله تعالى وأفرز وبين ما كان خفيا في الصدور من الاعتقادات والنيات الصالحة والفاسدة ولا يخفى على الله تعالى منهم شيء حيث (إِنَّ رَبَّهُمْ (٥) بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) كما هو اليوم خبير إلا أنها ساعة الحساب والمجازاة فذكر فيها علم الله تعالى وخبرته بالظواهر والبواطن والضمائر والسرائر فلا يخفى على الله من ذلك شيء وسيتم الجزاء العادل بحسب هذا العلم وتلك الخبرة الإلهية. فلو علم الكفور من الناس المحب للمال هذا وأيقنه لعدل من سلوكه وأصلح من اعتقاده ومن أقواله وأعماله فالآيات دعوة إلى مراقبة الله تعالى بعد الإيمان والاستقامة على طاعته.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ الترغيب في الجهاد والإعداد له كالخيل أمس ، ونفاث الطائرات اليوم.

٢ ـ بيان حقيقة وهي أن الإنسان كفور لربه ونعمه عليه يذكر المصيبة إذا أصابته وينسى النعم التي غطته إلا إذا آمن وعمل صالحا.

__________________

(١) شاهده قوله تعالى : (إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ) الآية. وقال عدي :

ما ذا ترجي النفوس من طلب

الخير وحب الحياة كاربها

كاربها غامها من الكرب الذي هو الغم.

(٢) الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء للتفريع ، والمفعول محذوف لتذهب النفس في طلبه مذاهب تقديره أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور العذاب الذي هو جزاء الكفر والجحود والبخل.

(٣) (حُصِّلَ) معناه جمع وأحصى أو جمع وعد ليحاسب العبد عليه.

(٤) (بُعْثِرَ) أي قلب من أسفل إلى علو ، والمراد إحياء ما في القبور من الأموات.

(٥) هذه الجملة مستأنفة علة لتحقيق الجزاء وإثباته ذلك الجزاء الذي يحصل يوم خروج الناس من قبورهم وحسابهم على أعمالهم.

٦٠٧

٣ ـ بيان أن الإنسان يحب المال حبا شديدا إلا إذا هذب بالإيمان وصالح الأعمال.

٤ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

سورة القارعة

مكية وآيتها احدى عشرة آية

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١))

شرح الكلمات :

(الْقارِعَةُ) : القيامة وسميت القارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها.

(مَا الْقارِعَةُ) : أي أي شيء هي؟ فالاستفهام للتهويل من شأنها.

(وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ) : زيادة في تهويل أمرها وتعظيمه.

(كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) : أي كغوغاء الجراد المنتشر يموج بعضهم في بعض.

(كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) : أي كالصوف المندوف هذه حالها أولا ثم تكون كثيبا مهيلا ثم تكون هباء منبثا.

(فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) : أي يرضاها صاحبها في الجنة فهي مرضية له.

(فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) : أي مأواه ومسكنه الهاوية التي يهوي فيها على رأسه وهي النار.

(نارٌ حامِيَةٌ) : أي هي نار حامية.

٦٠٨

معنى الآيات :

قوله تعالى (الْقارِعَةُ) (١) إلى آخر السورة الكريمة تضمنت آياتها الإحدى عشرة آية وصفا لعقيدة البعث والجزاء التي كذب بها المشركون وأنكروها وبالغوا في انكارها فأخبر تعالى أن القيامة التي تقرع الناس بأهوالها وعظائم ما يجري فيها بحيث (يَكُونُ النَّاسُ) وهم أشرف الكائنات الأرضية يكونون في خفة أحلامهم وحيرة عقولهم (كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) وهو غوغاء الجارد وتجمعه وتراكمه وانتشاره وهو يموج بعضه فوق بعض. (وَتَكُونُ الْجِبالُ) على رسوها وعلوها وضخامة ذواتها (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) أي كالصوف المندوف بالمنداف وهو يتطاير هنا وهناك. هذا في أول الأمر وقد تكون كالرمل المتهيل. ثم كالهباء المنبث فإذا بعثوا ووقفوا بين يدي ربهم لحسابهم ومجازاتهم (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) أي موازين حسناته فقد نجا من النار وهو (فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) أي مرضية له وهو بها راض وكيف لا وهي الجنة دار النعيم المقيم. (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ) أي قلت حسناته وكثرت سيئاته أو لم يكن له حسنة بالمرة كأهل الكفر والشرك (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) (٢) أي فأمه التي تضمه إليها وتؤيه عندها هاوية بحيث يهوى فيها على أم رأسه وقوله تعالى (وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟) أي هي (نارٌ حامِيَةٌ) (٣) هذا الاستفهام للتهويل من شأنها وهي كذلك لا أشد هولا منها إنها النار دار البوار والخسران أعاذنا الله تعالى منها وعتق رقابنا منها اللهم آمين.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر صورة صادقة لها.

٢ ـ التحذير من أهوال يوم القيامة وعذاب الله تعالى فيها.

٣ ـ تقرير عقيدة وزن الأعمال صالحها وفاسدها وترتيب الجزاء عليها.

٤ ـ تقرير أن الناس يوم القيامة فريقان فريق في الجنة وفريق في السعير.

__________________

(١) (الْقارِعَةُ) مبتدأ (مَا) اسم استفهام مبتدأ ثان القارعة خبره والجملة خبر عن المبتدأ الأول والاستفهام للتهويل من شأنها والتفخيم لأمرها. وجملة ما أدراك ما القارعة تضمنت استفهاما آخر للتهويل من شأنها أيضا كالتأكيد للأول والظرف يوم يكون مفعول فيه أي تكون أو تحصل يوم يكون الناس كالفراش.

(٢) سميت النار أما لأهلها لأنهم يؤوون إليها كما يأوي الأبن إلى أمه قاله ابن زيد ومنه قول أمية بن أبي الصلت :

فالأرض معقلنا وكانت أمنا

فيها مقابرنا وفيها نولد

(٣) في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم ، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله ، قال فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها.

٦٠٩

سورة التكاثر

مكية وآياتها ثماني آيات (١)

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤))

(كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨))

شرح الكلمات :

(أَلْهاكُمُ) : أي شغلكم عن طاعة الله تعالى.

(التَّكاثُرُ) : أي التباهي بكثرة المال.

(حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) : أي تشاغلتم بجمع المال والتباهي بكثرته حتى متم ونقلتم إلى المقابر.

(كَلَّا) : أي ما هكذا ينبغي أن تفعلوا فارتدعوا عن هذا التكاثر.

(سَوْفَ تَعْلَمُونَ) : أي إذا دخلتم قبوركم علمتم خطأكم في التكاثر في الأموال والأولاد.

(كَلَّا) : أي حقا.

(لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) : أي علما يقينيا عاقبة التكاثر لما تفاخرتم بكثرة أموالكم.

(لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) : أي النار.

(يَوْمَئِذٍ) : أي يوم ترون الجحيم عين اليقين.

(عَنِ النَّعِيمِ) : أي تنعمتم به وتلذذتم من الصحة والفراغ والأمن والمطاعم والمشارب.

معنى الآيات :

قوله تعالى (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) (٢) هذا خطاب الله تعالى للمشتغلين بجمع المال وتكثيره للمباهاة به

__________________

(١) إلا البخاري فإنه يرى أنها مدنية والصحيح أنها مكية ولعل البخاري تأثر بما رواه من أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لأبي بكر في بستان ابن تيهان إن هذا من النعيم الذي تسألون عنه.

(٢) ألهاكم شغلكم قال امرؤ القيس.

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

فألهيتها عن ذي تمائم محول

أي شغلتها.

٦١٠

والتفاخر الأمر الذي ألهاهم عن طاعة الله ورسوله فماتوا ولم يقدموا لأنفسهم خيرا فقال تعالى لهم ألهاكم أي شغلكم التكاثر أي في الأموال للتفاخر بها والمباهاة بكثرتها (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) (١) أي بعد موتكم نقلتم إليها لتبقوا فيها إلى أن تخرجوا منها للحساب والجزاء أي يوم القيامة. وقوله لهم (كَلَّا) أي ما هكذا ينبغي أن تفعلوا فارتدعوا عن هذا السلوك المفضي بكم إلى الهلاك والخسران. (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) عاقبة تشاغلكم عن طاعة الله وطاعة رسوله والتزود للدار الآخرة (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ (٢) تَعْلَمُونَ) كرر الوعيد والتهديد. وقوله (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) (٣) أي (٤) حقا لو تعلمون ما تجدونه في قبوركم ويوم بعثكم ونشوركم لما تشاغلتم بالأموال وتكاثرتم فيها. وقوله (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ) هذا جواب قسم نحو وعزتنا لترون الجحيم أي النار وذلك يوم القيامة المشرك يراها ويصلاها والمؤمن يراها وينجيه الله تعالى منها. (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ) أي الأمر الذي لا شك فيه إذ يؤتى بجهنم فيراها أهل الموقف أجمعون وقوله (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ) أي يوم ترون الجحيم عين اليقين (عَنِ النَّعِيمِ) (٥) الذي كان لكم في الدنيا من صحة وفراغ وأمن وطعام وشراب. فمن أدى شكره نجا ، ومن لم يؤد شكره أخذ به ولا يعفى إلا عن ثوب يستر العورة وكسرة خبز تسد الجوعة وجحر يكن من الحر والبرد وقد صح أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لأبي بكر وعمرو ابن التيهان [هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة يشير إلى بسر ورطب وماء بارد] وصح أيضا [انه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم انفقه؟]

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ التحذير من جمع المال وتكثيره مع عدم شكره وترك طاعة الله ورسوله من أجله.

__________________

(١) في صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقرأ ألهاكم التكاثر ، قال : يقول ابن آدم : مالي مالي وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس. وروى البخاري قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لو أن لابن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب.

(٢) هذه الجملة توكيد للأولى وهي سوف تعلمون ، ومفعول تعلمون محذوف تقديره تعلمون سوء مغبة لهوكم بالتكاثر مشغولين عن طاعة الله ورسوله مشغولين بجمع الأموال والتكاثر بها.

(٣) جواب (لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) محذوف كما حذف الأول تقديره لتبين لكم حال مفظع عظيم والإضافة في علم اليقين إضافة بيانية لأن اليقين علم.

(٤) وجائز أن تكون كلاهما كالأولى للردع والزجر وكونها بمعنى حقا أولى.

(٥) اختلف في تحديد النعيم المذكور الذي نسأل عنه يوم القيامة فقيل له الأمن والصحة وقيل الصحة والفراغ ، وقيل شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن. وفي البخاري عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ.

٦١١

٢ ـ إثبات عذاب القبر وتأكيده بقوله حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون أي في القبر.

٣ ـ تقرير عقيدة البعث وحتمية الجزاء بعد الحساب والاستنطاق والاستجواب.

٤ ـ حتمية سؤال العبد عن النعم التي أنعم الله تعالى عليه بها في الدنيا فإن كان شاكرا لها فاز وإن كان كافرا لها أخذ والعياذ بالله.

سورة العصر

مكية وآياتها ثلاث آيات

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣))

شرح الكلمات :

(وَالْعَصْرِ) : أي الدهر كله.

(إِنَّ الْإِنْسانَ) : أي جنس الإنسان كله.

(لَفِي خُسْرٍ) : أي في نقصان وخسران إذ حياته هي رأس ماله فإذا مات ولم يؤمن ولم يعمل صالحا خسر كل الخسران.

(وَتَواصَوْا بِالْحَقِ) : أي أوصى بعضهم بعضا باعتقاد الحق وقوله والعمل به.

(وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) : أي اوصى بعضهم بعضا بالصبر على اعتقاد الحق وقوله والعمل به.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَالْعَصْرِ) (١) الآيات الثلاث تضمنت هذه الآيات حكما ومحكوما عليه ومحكوما به فالحكم هو ما حكم به تعالى على الإنسان (٢) كل الإنسان من النقصان والخسران والمحكوم عليه هو الإنسان أبن آدم والمحكوم به هو الخسران لمن لم يؤمن ويعمل صالحا والربح والنجاة من الخسران لمن آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر فقوله تعالى (وَالْعَصْرِ)

__________________

(١) ذكر أهل التفسير في تحديد كلمة العصر أقوالا منها أنها صلاة العصر لأنها الصلاة الوسطى ، ومنها عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما في التفسير أعم وأولى.

(٢) الإنسان (أل) فيه لاستغراق الجنس إلا أنه خاص بالموجودين في زمن النزول للآية ومن بلغته الدعوة الإسلامية ، أما من كانوا قبل نزول الآية وظهور الإسلام فلا يدخلون في عموم لفظ الإنسان ولو قيل بالعموم لكان حقا أيضا.

٦١٢

هو قسم أقسم الله به والعصر هو الدهر كله ليله ونهاره وصبحه ومساؤه وجواب القسم قوله تعالى (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) أي نقصان وهلكة وخسران إذ يعيش في كبد ويموت إلى جهنم فيخسر كل شيء حتى نفسه التي بين جنبيه وقوله (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فهؤلاء استثناهم الله تعالى من الخسر فهم رابحون غير خاسرين وذلك بدخولهم الجنة دار السعادة والمراد من الإيمان الإيمان بالله ورسوله وما جاء به رسوله من الهدى ودين الحق والمراد من العمل الصالح الفرائض والسنن والنوافل ، وقوله (وَتَواصَوْا بِالْحَقِ) أي باعتقاده وقوله والعمل به وذلك باتباع الكتاب والسنة ، وقوله (وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) (١) أي أوصى بعضهم بعضا بالحق اعتقادا وقولا وعملا وبالصبر على ذلك حتى يموت أحدهم وهو يعتقد الحق ويقول به ويعمل بما جاء فيه فالإسلام حق والكتاب حق والرسول حق فهم بذلك يؤمنون ويعملون ويتواصون بالثبات على ذلك حتى الموت.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ فضيلة سورة العصر لاشتمالها على طريق النجاة في ثلاث آيات حتى قال الإمام الشافعي لو ما أنزل الله تعالى على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم.

٢ ـ بيان مصير الإنسان الكافر وأنه الخسران التام.

٣ ـ بيان فوز أهل الإيمان والعمل الصالح المجتنبين للشرك والمعاصي.

٤ ـ وجوب التواصي بالحق والتواصي بالصبر بين المسلمين.

سورة الهمزة

مكية وآياتها تسع آيات

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩))

__________________

(١) حقيقة الصبر منع المرء نفسه مما هو مناف لطاعة الله ورسوله فعلا أو تركا.

٦١٣

شرح الكلمات :

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) : كلمة يطلب بها العذاب وواد في جهنم الهمزة كثير الهمز واللمزة كذلك وهم الطعانون المظهرون العيوب للإفساد.

(جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ) : أي أحصاه وأعده لحوادث الدهر.

(يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ) : أي يجعله خالدا في الحياة لا يموت.

(كَلَّا) : أي ليس الأمر كما يزعم ويظن.

(لَيُنْبَذَنَ) : أي ليطرحن في الحطمة.

(فِي الْحُطَمَةِ) : أي النار التي تحطم كل ما يلقى فيها.

(تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) : أي تشرف على القلوب فتحرقها.

(مُؤْصَدَةٌ) : أي مغلقة مطبقة.

(فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) : أي يعذبون في النار بأعمدة ممدة.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (١) يتوعد الرب تبارك وتعالى بواد في جهنم يسيل بصديد أهل النار وقيوحهم كل همزة لمزة (٢) أي كل مغتاب عياب ممن يمشون بالنميمة ويبغون للبراء العيب وقوله (الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ) هذا وصف آخر لتلك الهمزة اللمزة وهو أنه (جَمَعَ مالاً) كثيرا من حرام وحلال (وَعَدَّدَهُ) أي أحصاه وعرف مقداره وأعده لحوادث الدهر كما يزعم. (يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ) أي يظن أنه لا يموت لكثرة أمواله ومتى كان المال ينجي من الموت؟ إنه الغرور في الحياة ، لو كان المال يخلد أحدا لأخلد قارون ، وقوله تعالى (كَلَّا) (٣) لا يخلده ماله بل وعزتنا وجلالنا (لَيُنْبَذَنَ) (٤) أي يطرحن (فِي الْحُطَمَةِ) النار المستعرة التي تحطم كل ما يلقى فيها وقوله تعالى (وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ) (٥) هذا الاستفهام لتعظيم أمرها وتهويل شأنها ، وبينها تعالى بقوله (نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ) أي المستعرة المتأججة ، (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى

__________________

(١) قال ابن عباس هم المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب.

(٢) قال عطاء بن أبي رياح : الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل ، واللمزة الذي يغتابه من خلقه إذا غاب قال حسان :

همزتك فاختضعت بذل نفس

بقافية تأجج كالشواظ

(٣) (كَلَّا) رد لما توهمه الكافر وردع له وزجر على اعتقاده وقوله إذ كلاهما فاسد باطل.

(٤) اللام موطئة للقسم.

(٥) الحطمة دركة من درك النار قيل انها الثانية وقيل الرابعة أو هي اسم من أسماء جهنم.

٦١٤

الْأَفْئِدَةِ) أي تشرف على القلوب فتحرقها ، وقوله تعالى (إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) (١) أي إن النار على أولئك الهمازين اللمازين مطبقة مغلقة الأبواب وقوله تعالى (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) أي يعذبون في النار بعمد ممددة ، والله أعلم كيف يكون تعذيبهم (٢) بها إذ لم يطلعنا الله تعالى على كيفيته.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

٢ ـ التحذير من الغيبة والنميمة.

٣ ـ التنديد بالمغترين بالأموال المعجبين بها.

٤ ـ بيان شدة عذاب النار وفظاعته.

سورة الفيل

مكية وآياتها خمس آيات

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥))

شرح الكلمات :

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) : أي ألم ينته إلى علمك فعل ربك بأصحاب الفيل.

(بِأَصْحابِ الْفِيلِ) : أي محمود وهي أكبرها ومعه اثنا عشر فيلا وصاحبها أبرهة.

(أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ) : أي في هدم الكعبة.

(فِي تَضْلِيلٍ) : أي في خسار وهلاك.

(أَبابِيلَ) : أي جماعات جماعات.

(مِنْ سِجِّيلٍ) : أي طين مطبوخ.

__________________

(١) يقال آصدت الباب إذا أغلقته قاله مجاهد ومنه قول الشاعر (الرقيات)

إن في القصر لو دخلنا غزالا

مصفقا موصدا عليه الحجاب

فمصفقا وموصدا بمعنى واحد وهو مغلق.

(٢) (فِي عَمَدٍ) أي موثقين في عمد كما يوثق المسجون المغلظ عليه من رجليه في فلقة ذات ثقب يدخل في رجليه والعمد اسم جمع عمود ، والعمود خشبة والممددة المجعولة طويلة جدا.

٦١٥

(كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) : أي كورق زرع أكلته الدواب وداسته بأرجلها.

معنى الآيات :

قوله تعالى (أَلَمْ (١) تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ) (٢) إلى قوله (مَأْكُولٍ) هي خمس آيات تضمنت الحديث عن حادث جلل وقع أمام (٣) ولادة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وخلاصته أن أبرهة الأشرم والي اليمن من قبل ملك الحبشة قد رأى أن يبني بيتا في صنعاء اليمن يدعو العرب إلى حجه بدل حجهم البيت الحرام والقصد من ذلك تحويل التجارة والمكاسب من مكة إلى اليمن وعرض هذا على الملك الحبشي فوافق وسره ذلك ولما بني البيت «الكنيسة» وسماها القليس لم يبن مثلها في تاريخها جاء رجل قرشي فتغوط فيها ولطخ جدرانها بالعذرة غضبا منه ، وذهب فلما رآها أبرهة الأشرم بتلك الحال استشاط غيظا وجهز جيشا لغزو مكة وهدم الكعبة وكان معه ثلاثة عشر فيلا ومن بينها فيل يدعى محمود وهو أكبرها وساروا ما وقف في وجههم حي من أحياء العرب إلا قاتلوه وهزموه حتى انتهوا إلى قرب مكة وجرت سفارة بينهم وبين شيخ مكة عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وانتهت المفاوضات بأن يرد أبرهة إبل عبد المطلب ثم هو وشأنه بالكعبة وأمر رجال مكة أن يخلو البلد ويلتحقوا برؤوس الجبال بنسائهم وأطفالهم خشية المعرة تلحقهم من الجيش الغازي والظالم ، وما هي إلا أن تحرك جيش أبرهة ووصل إلى وادي محسر وهو في وسط الوادي سائر وإذا بفرق من الطير فرقة بعد أخرى ترسل على ذلك الجيش حجارة الواحدة ما بين الحمصة والعدسة في الحجم وما تسقط الحجرة على رجل إلا ذاب وتناثر لحمه فهلكوا وفر ابرهة ولحمه يتناثر فهلك في الطريق وكانت هذه نصرة من الله لسكان حرمه وحماة بيته ومن ثم ما زالت العرب تحترم الكعبة والحرم وسكانه إلى اليوم. وقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ) يخاطب تعالى رسوله مذكرا إياه بفعله الجبار في إهلاك الجبابرة فأين قوة ظلمة قريش كالعاص بن وائل وعمرو بن هشام والوليد وعقبة من قوة ابرهة وأبادها الله تعالى في ساعة فاصبر يا محمد ولا تحمل لهؤلاء الأعداء هما فإن لهم ساعة فكانت السورة عبارة عن ذكرى للعظة والاعتبار. وهذا شرح الآيات (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ) أي ألم ينته إلى علمك فعل ربك بأصحاب الفيل. (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) أي ألم يجعل ما كادوه لبيتنا وحرمنا في خسارة وضلال فلم يجنوا إلا الخزي والدمار (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ) أي جماعات جماعات كانت تشاهد وهي

__________________

(١) الاستفهام تقريري والمخاطب هنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بلا خلاف (وكيف) جائز أن تكون مجردة عن الاستفهام وهي في محل نصب على المفعول به لتر.

(٢) الفيل أنثاه فيلة ويجمع على أفيال وفيول وفيلة ، وصاحبه فيال.

(٣) إذ ولد صلى‌الله‌عليه‌وسلم عام الفيل أي بعد حادثة الفيل بخمسين يوما.

٦١٦

تخرج من البحر يشاهدها رجال مكة المعتصمون بقمم الجبال إذ تمر فوقهم وهي تحمل حجارة من سجيل (١) كل طائر يحمل ثلاثة أحجار كالحمصة والعدسة واحدة بمنقاره واثنتين بمخلبيه كل واحدة في مخلب ترميهم بها فتتفتت لحومهم وتتناثر (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) أي كزرع دخلته ماشية فأكلت عصفه أي ورقه وكسرت قائمه وهشمته فكانت آية من آيات الله تعالى.

هداية الآيات :

من هداية الآيات

١ ـ تسلية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عما يلاقيه من ظلم كفار قريش.

٢ ـ تذكير قريش بفعل الله عزوجل تخويفا لهم وترهيبا.

٣ ـ مظاهر قدرة الله تعالى في تدبيره لخلقه وبطشه بأعدائه.

سورة قريش

مكية وآياتها أربع آيات

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤))

شرح الكلمات :

(لِإِيلافِ) : الإيلاف مصدر آلف الشيء يؤالفه إيلافا إذا اعتاده وزالت الكلفة عنه والنفرة منه.

(قُرَيْشٍ) (٢) : هم ولد النضر بن كنانة وهم قبائل شتى.

__________________

(١) (حِجارَةً مِنْ طِينٍ) طبخت من نار جهنم وسجيل أصلها سجين بالنون فأبدلت لا ما كما أبدلت في أصيلان بأصيلال قال الشاعر :

ورجلة يضربون البيض عن عرض

ضربا تواصت به الأبطال سجينا

(٢) قريش لقب الجد الذي يجمع بطون قريش كافة وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وأما ما فوق فهر فهم من كنانة ولقب بقريش تصغير قرش بفتح القاف وسكون الراء والنسبة إليه قرشي وهل اشتقاق قرش من التقريش الذي هو الاكتساب أو التجمع أو نسبة إلى القرش وهو سمكة بحرية قوية والنسبة إلى قرش قرشي وقريش تصرف إن أريد الحي وتمنع إن أريد القبيلة ورجح القرطبي أن يكون قريش بن النضر بن كنانة. فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي ورجحه للحديث : (إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا) وبالتأمل لا توجد منافاة إذ قبائل قريش تعود إلى النضر بن كنانة.

٦١٧

(رِحْلَةَ الشِّتاءِ) : أي إلى اليمن.

(وَالصَّيْفِ) : أي إلى الشام.

(فَلْيَعْبُدُوا) : أي إن لم يعبدوا الله لسائر نعمه فليعبدوه لتحبيب هاتين الرحلتين اليهم.

(رَبَّ هذَا الْبَيْتِ) : أي مالك البيت الحرام ورب كل شيء.

(الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) : أي من أجل البيت الحرام.

(وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) : أي من أجل البيت الحرام.

معنى الآيات :

قوله تعالى (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ) (١) هذا الجار والمجرور متعلق بكلام قبله وهو فعلت ما فعلت بأصحاب الفيل لإيلاف قريش رحلتيهم ، أو أعجبوا لإيلاف قريش رحلتهم والرحلتان هما رحلة في الشتاء إلى اليمن ، ورحلة في الصيف إلى الشام وذلك للاتجار وجلب الأرزاق إلى بلادهم التي ليست هي بذات زرع ولا صناعة فإيلافهم هاتين الرحلتين كان بتدبير الله تعالى ليعيش سكان حرمه وبلده في رغد من العيش فهي نعمة من نعم الله تعالى وعليه (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) (٢) بما هيأ لهم من أسباب (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) كذلك ولم يعدلون عن عبادته إلى عبادة الأصنام والأوثان فالله أحق أن يعبدوه إذ هو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف بما ألقى في قلوب العرب من احترام الحرم وسكانه وتعظيمه وتعظيمهم فتمكنوا من السفر إلى خارج بلادهم والعودة إليها في أمن وطمأنينة قال تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس أي لقريش تقوم مصالحهم عليها لما ألقى في قلوب العرب (٣) من تعظيم واحترام أهله.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ مظاهر تدبير الله تعالى وحكمته ورحمته فسبحانه من إله حكيم رحيم.

__________________

(١) إلإيلاف مصدر آلف يؤلف إيلافا قال الشاعر :

المنعمين إذ النجوم تغيرت

والظاعنين لرحلة الإيلاف

وأما ألفه يألفه إلفا والافا ، فقد فرأ به أبو جعفر لإلف قريش ، وقد جمع بين المصدرين الشاعر في قوله

أزعمتم أن إخوتكم قريش

لهم إلف وليس لكم إلاف

ولام الجر في متعلقها ثلاثة احتمالات ذكر في التفسير منها اثنان ، والثالث انها متعلقة ب فليعبدوا : كأنه قال آلف الله قريشا إيلافا فليعبدوا رب هذا البيت ، ويقدر شرط محذوف أي إذا كان الأمر كذلك فليعبدوا ، ويرجح الأول لمصحف أبي بن كعب ، إذ لم يفصل فيه بين السورتين. وكذا قراءة عمر إذ صلى المغرب يوما فقرأ في الأولى بالتين وفي الثانية بالفيل وقريش ولم يفصل بينهما بالبسملة ، ولا مانع منه وهو أوضح.

(٢) إنما هي استجابة الله دعوة إبراهيم : رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات.

(٣) مصداق قوله تعالى : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا).

٦١٨

٢ ـ بيان إفضال الله تعالى على قريش وإنعامه عليها الأمر الذي تطلب شكرها ولم تشكر فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بتركها للشكر.

٣ ـ وجوب عبادة الله تعالى وترك عبادة من سواه.

٤ ـ وجوب الشكر على النعم وشكرها حمد الله تعالى عليها والثناء عليه بها وصرفها في مرضاته.

٥ ـ الاطعام من الجوع والتأمين من الخوف عليهما مدار كامل أجهزة الدولة فأرقى الدول اليوم وقبل اليوم لم تستطع أن تحقق لشعوبها هاتين النعمتين نعمة العيش الرغد والأمن التام.

سورة الماعون

مكية الأوائل مدنية الأواخر

وآياتها تسع آيات

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧))

شرح الكلمات :

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) : أي هل عرفته والدين ثواب الله وعقابه يوم القيامة.

(فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) : أي فهو ذلك الذي يدفع اليتيم عن حقه بعنف.

(وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) : أي لا يحض نفسه ولا غيره على إطعام المساكين.

(فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) : أي العذاب الشديد للمصلين الساهين عن صلاتهم.

(عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) : أي يؤخرونها عن أوقاتها.

(يُراؤُنَ) : أي يراءون بصلاتهم وأعمالهم الناس فلم يخلصوا لله تعالى في ذلك.

(وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ) : أي لا يعطون من سألهم ماعونا كالأبرة والقدر والمنجل ونحوه مما ينتفع به ويرد بعينه كسائر الأدوات المنزلية.

٦١٩

معنى الآيات :

قوله تعالى (أَرَأَيْتَ (١) الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (٢) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) هذه الآيات الثلاث نزلت بمكة في العاص بن وائل والوليد بن المغيرة وأضرابهم من عتاة قريش وكفارها فهذه الآيات تعرض بهم وتندد بسلوكهم وتوعدهم فقوله تعالى (أَرَأَيْتَ) يا رسولنا (الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) وهو الجزاء في الآخرة على الحسنات والسيئات فهو ذاك (الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) أي يدفعه بعنف عن حقه ولا يعطيه إياه احتقارا له وتكبرا عليه (وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) أي ولا يحث ولا يحض نفسه ولا غيره على إطعام الفقراء والمساكين وذلك ناتج عن عدم إيمانه بالدين أي بالحساب والجزاء في الدار الآخرة وهذه صفة كل ظالم مانع للحق لا يرحم ولا يشفق إذ لو آمن بالجزاء في الدار الآخرة لعمل لها بترك الشر وفعل الخير فمن أراد أن يرى مكذبا بالدين فإنه يراه في الظلمة المعتدين القساة القلوب الذين لا يرحمون ولا يعطون ولا يحسنون وقوله تعالى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ) هذه الآيات الأربع نزلت في بعض منافقي المدينة النبوية فلذا نصف السورة مكي ونصفها مدني وقوله تعالى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٣) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) هذا وعيد شديد لهم إذ الويل واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيوحهم وهو أشد العذاب إذ كانوا يغمسون فيه أو يطعمون ويشربون منه. ومعنى عن صلاتهم ساهون انهم غافلون عنها لا يذكرونها فكثيرا ما تفوتهم ويخرج وقتها وأغلب حالهم أنهم لا يصلونها إلا عند قرب خروج وقتها هذا وصف وآخر انهم (يُراؤُنَ) بصلاتهم وبكل أعمالهم أي يصلون وينفقون ليراهم المؤمنون فيقولوا انهم مؤمنون وبالمراءاة يدرءون عن أنفسهم القتل والسبي وثالث أنهم (يَمْنَعُونَ الْماعُونَ) فإذا استعارهم مؤمن ماعونا للحاجة به لا يعيرون ويعتذرون بمعاذير باطلة فلا يعيرون فأسا ولا منجلا ولا قدرا ولا أية آنية أو ماعون لأنهم يبغضون المؤمنين ولا يريدون أن ينفعوهم بشيء فيحرمونهم من إعارة شيء ينتفعون به ويردونه عليهم.

__________________

(١) الاستفهام للتعجب هنا من حال المكذبين بالجزاء وما أورثهم التكذيب من سوء الصنيع قرأ نافع أرأيت بتسهيل الهمزة بعد الراء ألفا وحققها حفص والجمهور.

(٢) في الكلام حذف تقديره أرأيت الذي يكذب بالدين. أمصيب هو أم مخطيي والجواب قطعا مخطيء وخطأه كفره وشركه وعداوته للإسلام ونبيه وأهله وجزاؤه سيكون جحيما وعذابا أليما وإذا كان هذا العذاب بسبب كفره وأذاه للمؤمنين إذا فويل للمنافقين المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين يراءون ويمنعون الماعون لظلمة قلوبهم بالكفر والشرك الذي يخفونه.

(٣) الفاء للتفريع والترتيب والتسبب. والسؤال : على أي شيء تفرع ما بعدها على ما قبلها. والآيات نزلت بالمدينة في المنافقين وما قبلها نزل في المشركين في مكة؟ والجواب تقدم في رقم (٢) قبل هذا الرقم.

٦٢٠