أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

٢ ـ الاستدلال بالصنعة على الصانع. وأن أثر الشيء يدل عليه ، ولذا يتعجب من كفر الكافر بربه وهو خلقه ورزقه وكلأ حياته وحفظ وجوده إلى أجله.

٣ ـ بيان أن الإنسان لا يزال مقصرا في شكر ربه ولو صام الدهر كله وصلى في كل لحظة من لحظاته.

(فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢))

شرح الكلمات :

(فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ) : أي النفخة الثانية.

(وَصاحِبَتِهِ) : أي زوجته.

(شَأْنٌ يُغْنِيهِ) : أي حال تشغله عن شأن غيره.

(مُسْفِرَةٌ) : أي مضيئة.

(عَلَيْها غَبَرَةٌ) : أي غبار.

(تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) : أي ظلمة من سواد ومعنى ترهقها تغشاها.

(الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) : أي الجامعون بين الكفر والفجور.

معنى الآيات :

بعدما بين تعالى بداية أمر الإنسان في حياته ومعاشه فيها ذكر تعالى معاده ومآله فيها فقال عز من قائل (فَإِذا جاءَتِ (١) الصَّاخَّةُ) وهي القيامة ولعل تسميتها بهذا الاسم الصاخة نظرا إلى نفخة الصور التي تصخ الآذان أى تصمها بمعنى تصيبها بالصمم لشدتها. وهي النفخة الثانية وقوله تعالى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) (٢) (وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ) أي زوجته (وَبَنِيهِ) وهؤلاء أقرب الناس إليه

__________________

(١) الفاء للتفريع هذا الكلام متفرع على ما قبله كما في التفسير أنه بعد أن ذكر الإنسان بمبدأ خلقه ومنتهى حياته في الدنيا فرع على ذلك بيان حياته الآخرة ومصيره فيها.

(٢) قال بعضهم أول من يفر يفر قابيل من أخيه هابيل ، وقال الحسن أول من يفر يوم القيامة ابراهيم يفر من أبيه ونوح من ابنه ولوط من امرأته.

٥٢١

ومع هذا يفر عنهم أي يهرب خشية أن يطالبوه بحق لهم عليه فيؤخذ به. وقوله تعالى (لِكُلِّ امْرِئٍ (١) مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ) أي حال وأمر (يُغْنِيهِ) عن السؤال عن غيره ولو كان أقرب قريب إليه. هنا ورد أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قائلة يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال حفاة عراة ، ثم انتظرت ساعة فقالت يا نبي الله كيف يحشر النساء؟ قال كذلك حفاة عراة قالت واسوأتاه من يوم القيامة : قال وعن ذلك تسألين إنه قد نزلت علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أم لا قالت أي آية هي يا نبي الله قال (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). وقوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) (٢) أي مضيئة مشرقة (ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) وهي وجوه المؤمنين والمؤمنات أهل التقوى وجوههم حسنة مشرقة بالأنوار مستبشرون بالقدوم على ربهم والنزول بجواره الكريم. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ) أي تقوم القيامة ويحشر الناس لفصل القضاء (عَلَيْها غَبَرَةٌ) أي غبار (تَرْهَقُها) أي تغشاها (قَتَرَةٌ). أي ظلمة وسواد (أُولئِكَ) أي الذين عليهم الغبرة وتغشاهم القترة (هُمُ الْكَفَرَةُ) في الدنيا (الْفَجَرَةُ) فيها الذين عاشوا على الكفر والفجور وماتوا على ذلك والفجور هو الخروج عن طاعة الله تعالى بترك الواجبات وغشيان المحرمات كالربا والزنا وسفك الدماء.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان شدة الهول يوم القيامة يدل عليه فرار المرء من أقربائه.

٢ ـ خطر التبعات على العبد يوم القيامة وهي الحقوق التي يطالب بها العبد يوم القيامة.

٣ ـ شدة الهول والفزع تنسي المرء يوم القيامة أن ينظر إلى عورة أحد من أهل الموقف.

٤ ـ ثمرة الإيمان والتقوى تظهر في الموقف نورا على الوجه وإشراقا له وإضاءة وثمرة الكفر والفجور تظهر ظلمة وسوادا على الوجه وغبارا.

٥ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض صورة من صورها.

__________________

(١) روى الترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال يحشرون حفاة عراة غرلا فقالت امرأة أينظر بعضنا بعضا؟ قال يا فلانة لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه. غرلا : جمع أغرل وهو من لم تؤخذ غلفة ذكره بالختان.

(٢) مسفرة من طول قيام الليل والضرب في سبيل الله يقال أسفر الصبح إذا أضاء وأسفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها.

٥٢٢

سورة التكوير

مكية وآياتها تسع وعشرون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤))

شرح الكلمات :

(إِذَا) : أي ظرف لما ذكر بعد من المواضع الأثنى عشر ، وجوابها علمت نفس ما أحضرت.

(كُوِّرَتْ) : أي لفت وذهب بنورها.

(انْكَدَرَتْ) : أي انقضت وتساقطت على الأرض.

(سُيِّرَتْ) : ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا.

(وَإِذَا الْعِشارُ) : أي النوق الحوامل.

(عُطِّلَتْ) : أي تركت بلا راع أو بلا حلب لما دهاهم من الأمر.

(الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) : أي جمعت وماتت.

(وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) : أي أوقدت فصارت نارا.

(وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) : أي قرنت بأجسادها ثم بقرنائها وأمثالها في الخير والشر.

(وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ) : أي البنت تدفن حية خوف العار أو الحاجة.

(سُئِلَتْ) : أي تبكيتا لقاتلها.

(بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) : أي بلا ذنب.

(وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) : أي صحف الأعمال فتحت وبسطت.

٥٢٣

(وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ) : أي نزعت من أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة.

(وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) : أي النار أججت.

(وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) : أي قربت لأهلها ليدخلوها.

(عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) : أي كل نفس وقت هذه المذكورات ما أحضرت من خير وشر.

معنى الآيات :

قوله تعالى (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) إلى قوله علمت نفس ما أحضرت اشتمل على اثنى عشر حدثا جللا ، ستة أحداث منها في الدنيا وستة في الآخرة وكلها معتبرة شرطا لجواب واحد وهو قوله تعالى (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) أي من خير وشر لتجزي به والسياق كله في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي انكرها العرب المشركون وبالغوا في إنكارها مبالغة شديدة وكونها عليها مدار إصلاح الفرد والجماعة وأنه بدونها لا يتم إصلاح ولا تهذيب ولا تطهير عني القرآن بها عناية فائقة ويدل لذلك أن فواتح سور والصافات والذاريات والطور والمرسلات والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والبروج والفجر كل هذه بما فيها من إقسامات عظيمة هي لتقرير عقيدة البعث والجزاء.

وهذه الأحداث الستة التي تقع في الدنيا وهي مبادىء الآخرة :

١) تكوير (١) الشمس بلفها وذهاب ضوئها.

٢) انكدار (٢) النجوم بانقضائها وسقوطها على الأرض.

٣) تسيير الجبال بذهابها عن وجه الأرض واستحالتها إلى هباء يتطاير.

٤) تعطيل العشار (٣) وهي النوق الحوامل فلا تحلب ولا تركب ولا ترعى لما أصاب أهلها من الهول والفزع وكانت أفضل أموالهم وأحبها إلى نفوسهم.

٥) حشر الوحوش وموتها وهي دواب البر قاطبة.

٦) تسجير (٤) البحار باشتعالها نارا.

وهذه الأحداث الستة التي تقع في الآخرة :

__________________

(١) قال أبو عبيدة : كورت مثل تكوير العمامة فتلف وقال الربيع كورت ورمي بها.

(٢) انكدرت تهافتت وتناثرت ، وقال أبو عبيدة انصبت كما ينصب العقاب إذا انكسر قال العجاج يصف صقرا :

أبصر خربان فضاء فانكدر

تقضي الباز إذا البازي كسر

(٣) العشار واحدها عشراء وهي التي مضى على حملها عشرة أشهر ثم لا يزال اسمها كذلك حتى تضع.

(٤) أو جائز أن يكون تسجير البحار فيضانها بتجاوز مياهها معدل سطوحها ، وجائز أن تشتعل فيها النار فتحترق ، وظاهرة وجود البترول تحت سطحها تدل على أنها تحترق وتسجر كما يسجر التنور.

٥٢٤

١) تزويج النفوس وهو قرنها بأجسادها بعد خلق الأجساد لها ، وبعد ذلك بأمثالها في الخير والشر.

٢) سؤال الموءودة (١) عن ذنبها الذي قتلت به؟

٣) نشر صحف الأعمال وفتحها وبسطها.

٤) كشط السماء (٢) أي نزعها من أماكنها نزع الجلد عن الشاة عند سلخها.

٥) تسعير النار أي تأجيجها وتقويتها.

٦) إزلاف الجنة وتقريبها لأهلها أهل الإيمان والتقوى.

وجواب هذه الأحداث التي وقعت شرطا لحرف «إذا» هو قوله تعالى (عَلِمَتْ نَفْسٌ) (٣) (ما أَحْضَرَتْ) من حسنات فتصير بها إلى الجنة ، أو سيئات فتصير بها إلى النار. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

٢ ـ بيان مفصل عن مبادىء القيامة ، وخواتيمها وفي حديث الترمذي الحسن الذي قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت.

٣ ـ الترغيب في الإيمان والعمل الصالح إذ بهما المصير إلى الجنة.

٤ ـ الترهيب من الشرك والمعاصي إذ بهما المصير إلى النار.

(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ

__________________

(١) الوأد : دفن الطفلة وهي حية ، وكان العرب في الجاهلية يئدون البنات خشية العار ، ويقتلون أولادهم خشية الفقر أو لنذرهم إياهم للآلهة.

(٢) الكشط إزالة الإهاب «الجلد» عن الحيوان الميت.

(٣) روي أن عمر رضي الله عنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله تعالى (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) قال لهذا أجريت القصة.

٥٢٥

(٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩))

شرح الكلمات :

(بِالْخُنَّسِ) : أي التي تخنس بالنهار أي تختفي وتظهر بالليل.

(الْجَوارِ الْكُنَّسِ) : أي التي تجري أحيانا وتكنس في مكانسها أحيانا أخرى والمكانس محل إيوائها كمكانس بقر الوحش وهي الدرارى الخمسة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل.

(إِذا عَسْعَسَ) : أي أقبل أو أدبر لأن عسعس من أسماء الأضداد.

(تَنَفَّسَ) : أي امتد حتى يصير نهارا بينا.

(إِنَّهُ) : أي القرآن.

(لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) : أي جبريل كريم على الله تعالى وأضيف إليه القرآن لنزوله به.

ذو قوة : أي شديد القوى.

(عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) : أي عند الله تعالى ذي مكانة.

(مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) : أي مطاع في السماء تطيعه الملائكة أمين على الوحي.

(وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) : أي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أي ليس به جنون.

(وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) : أي ولقد رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم جبريل على صورته التي خلق عليها بالأفق الأعلى البين من ناحية المشرق.

(وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ) : أي وما محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الغيب وهو ما غاب من الوحي وخبر السماء.

(بِضَنِينٍ) : أي ببخيل وفي قراءة بالظاء أي بمتهم فينقص منه ولا يعطيه كله.

(وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) : أي وليس القرآن بقول شيطان مسترق للسمع مرجوم.

(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) : أي فأي طريق تسلكون في إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه.

ما هو إلا ذكر للعالمين : أي ما القرآن إلا موعظة للإنس والجن.

(أَنْ يَسْتَقِيمَ) : أي يتحرى الحق ويعتقده ويعمل بمقتضاه.

(وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) : أي ومن شاء الاستقامة منكم فإنه لم يشأها إلا بعد أن شاءها الله قبله إذ لو لم يشأها الله ما أشاءها عبده.

٥٢٦

معنى الآيات :

لما قرر تعالى عقيدة البعث والجزاء بوصف كامل لأحداثها وكان الوصف من طريق الوحي فافتقر الموضوع إلى صحة الوحي والإيمان به فإذا صح الوحي وآمن به العبد آمن بصحة البعث والجزاء. ومن هنا أقسم تعالى بأعظم قسم على أن القرآن نزل به جبريل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما يقوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو كلام الله ووحيه وليس هو بمجنون يقول ما لا يدري ويهذر بما لا يعني ولا هو بقول شيطان رجيم ممن يسترقون السمع ويلقونه إلى إخوانهم من الكهان بل هو كلام الله صدقا وحقا وما يخبر به كما يخبر صدق وحق فقال تعالى (فَلا) أي ليس (١) الأمر كما تدعون بأن ما يقوله رسولنا هو من جنس ما تقوله الكهنة. ولا مما يقوله الشعراء ، ولا هو بكلام مجانين. ولا هو سحر الساحرين أقسم بالخنس الجواري الكنس أي بكل ما يخنس ويجري ويكنس من الظباء وبقر الوحش والكواكب والدراري الخمسة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. والمراد من الخنوس الاختفاء والكنوس إيواءها إلى مكانسها مواضع (٢) إيوائها. وقوله (وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ) أي أقسم بالليل إذا أقبل أو أدبر إذ لفظ عسعس بمعنى أقبل وأدبر فهو لفظ مشترك بين الإقبال والإدبار (وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) أي امتدضوءه فصار نهارا بينا أقسم بكل هذه المذكرات على أن القرآن الذي يصف لكم البعث والجزاء حق الوصف هو قول رسول كريم أي جبريل الكريم على ربه (ذِي قُوَّةٍ) لا يقادر قدرها فلا يقدر إنس ولا جن على انتزاع ما عنده من الوحي ولا على زيادة فيه أو نقص منه. (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ) سبحانه وتعالى (مَكِينٍ) أي ذي مكانة محترمة (مُطاعٍ) في السموات أمين على الوحي هذا أولا وثانيا والله (وَما صاحِبُكُمْ) محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (بِمَجْنُونٍ) كما تقولون (وَلَقَدْ رَآهُ) أي رأى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم جبريل (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) رآه على صورته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح رآه بالأفق ناحية الشرق وقد سد الأفق كله ، والأفق بين والنهار طالع. (وَما هُوَ) أي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) (٣) أي بمظنون فيه التهمة بأن يزيد فيه أو ينقص منه أو يبدل فيه أو بغير كما هو ليس ببخيل فيظن فيه أنه يكتم منه شيئا أو يخفيه بخلا به أو ينقص منه شحا به وبخلا. (وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) ممن يسترقون السمع ويلقونه إلى أوليائهم من الإنس فيخلطون فيه ويكذبون. وقوله تعالى :

__________________

(١) (فَلا أُقْسِمُ) الفاء للتفريع أي لتفريع الكلام اللاحق على السابق وجائز أن تكون لا مزيدة لتقوية القسم ، وكونها نافية ردا على باطل المشركين أو لا كما في التفسير.

(٢) (بِالْخُنَّسِ) جمع خانسة وهي التي تخنس. أي تختفي ، والكنس جمع كانسة : كنس الظبي إذا دخل كناسه بكسر الكاف وهو البيت الذي يتخذه للمبيت ، وقيل الكنوس أن تأوي إلى مكانسها وهي المواضع التي تأوي إليها الوحوش والظباء. قال الأعشى :

فلما أتينا الحي أتلع أنس

كما أتلعت تحت المكانس ربرب

(٣) قريء في السبع بظنين بالظاء ومعناه بمتهم من ظننت كذا وقريء (بِضَنِينٍ) بالضاد بمعنى بخيل ولذا شرحت الآية مراعيا فيها القراءتين وكلا المعنيين صحيح فلا هو صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمتهم على الوحي ولا ببخيل به ولا بغيره.

٥٢٧

(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) (١) ينكر عليهم مسلكهم الشائن في تكذيب رسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم واتهامه بالسحر ، والقرآن بالشعر والكهانة والأساطير. وقوله (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) أي ما القرآن الكريم إلا ذكر للعالمين من الإنس والجن يذكرون به خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم وما له عليهم من حق العبادة وواجب الشكر ويتعظون به فيخافون ربهم فلا يعصونه بترك فرائضه عليهم ولا بارتكاب ما حرمه عليهم وقوله تعالى (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) على منهاج الحق فيتحرى الحق أولا ويؤمن به ويعمل بمقتضاه ثانيا. ولما سمع أبو جهل هذه الآية (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) قال الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم. أنزل تعالى قوله (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) فاكبت اللعين فاعلم أن من شاء الاستقامة من العالمين لم يشأها إلا بعد أن شاءها الله تعالى له ولو لم يشأها الله تعالى والله ما شاءها العبد أبدا إذ مشيئة الله سابقة لمشيئة العبد ، وفي كل ما يشاؤه الإنسان فإن مشيئة الله سابقة لمشيئته لأن الإنسان عبد والله رب والرب لا مشيئة تسبق مشيئته.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ مشروعية الإقسام بالله تعالى وأسمائه وصفاته.

٢ ـ تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية.

٣ ـ بيان صفات جبريل الكمالية الأمانة ، القوة ، علو المكانة ، الطاعة ، الكرم.

٤ ـ براءة الرسول مما اتهمه به المشركون.

٥ ـ بيان أن مشيئة الله سابقة لمشيئة العبد. فلا يقع في ملك الله تعالى إلا ما يريد.

سورة الانفطار

مكية وآياتها تسع عشرة آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ

__________________

(١) (فَأَيْنَ) الفاء لتفريع التوبيخ اين اسم استفهام عن المكان والاستفهام إنكاري.

٥٢٨

وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢))

شرح الكلمات :

(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) : أي انشقت.

(وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) : أي تساقطت.

(وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) : أي اختلطت ببعضها وأصبحت بحرا واحدا الملح والعذب سواء.

(وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) : قلب ترابها وبعث موتاها.

(عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ) : أي من الأعمال وما أخرت منها فلم تعمله وذلك عند قراءتها كتاب أعمالها.

(ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ) : أي أي شيء خدعك وجراك على عصيانه.

(الَّذِي خَلَقَكَ) : أي بعد أن لم تكن.

(فَسَوَّاكَ) : أي جعلك مستوى الخلقة سالم الأعضاء.

(فَعَدَلَكَ) : أي جعلك معتدل الخلق متناسب الأعضاء ليست يد أطول أو رجل أطول من الأخرى.

(كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) : ليس الكرم هو الذي غره وإنما جرأه على المعاصي تكذيبه بالدين الذي هو الجزاء بعد البعث حيا من قبره.

(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً) : أي وإن عليكم لملائكة كراما على الله تعالى حافظين لأعمالكم.

(كاتِبِينَ) : أي لها أي لأعمالكم خيرها وشرها حسنها وقبيحها.

معنى الآيات :

قوله تعالى (إِذَا (١) السَّماءُ انْفَطَرَتْ) (٢) أي انشقت (وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) أي انفضت وتساقطت (وَإِذَا

__________________

(١) (إِذَا) ظرف للمستقبل متضمن معنى الشرط. وجوابه علمت نفس ما قدمت وأخرت.

(٢) صيغة الماضي في انفطرت وانتثرت ، وفجرت وبعثرت للدلالة على تحقق الوقع نحو (أَتى أَمْرُ اللهِ).

٥٢٩

الْبِحارُ فُجِّرَتْ) أي اختلط ماؤها بعضه ببعض ملحها بعذبها لانكسار ذلك الحاجز الذي كان يفصلهما عن بعضهما لزلزلة الأرض إيذانا بخراب العالم ، (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) (١) قلبت وأخرج ما فيها من الأموات ، إذا حصلت هذه الأحداث الأربعة ثلاثة منها في الدنيا وهي انفطار السماء وانتثار الكواكب وتفجر البحار وهذه تتم بالنفخة الأولى والرابع وهو بعثرة القبور يتم في الآخرة بعد النفخة الثانية ، وعندها تعلم نفس ما قدمت وما أخرت وهذا جواب إذا في أول الآيات. ومعنى (عَلِمَتْ (٢) نَفْسٌ) أي كل نفس مكلفة (ما قَدَّمَتْ) من أعمال حسنة أو سيئة ، وما أخرت من أعمال لحقتها بعدها وذلك ما سنته من سنن الهدى أو سنن الضلال ، لحديث من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عملها لا ينقص من أوزارهم شيء ، وهذا العلم يحصل للنفس أولا مجملا وذلك عند ابيضاض الوجوه واسودادها ، ويحصل لها مفصلا عند ما تقرأ كتاب أعمالها. وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ (٣) بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) يخاطب تعالى الإنسان الكافر والفاجر ليسأله موبخا إياه مقرعا مؤنبا بقوله ما غرك أي أي شيء خدعك وجرأك على الكفر بربك الكريم وعصيانه بالفسق عن امره والخروج عن طاعته. وهو القادر على مؤاخذتك والضرب على يديك ساعة ما كفرت به أو عصيته أليس هو الذي خلقك فسوى خلقك وعدل (٤) أعضاءك وناسب بين أجزائك (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) إن شاء بيضك أو سودك طولك أو قصرك جعلك ذكرا أو انثى انسانا أو حيوانا قردا أو خنزيرا هل هناك من يصرفه عما أراد لك والجواب لا أحد إذا كيف يسوغ لك الكفر به وعصيانه والخروج عن طاعته وبعد هذا التوبيخ والتأنيب قال تعالى (كَلَّا) أي ما غرك كرم (٥) الله ولا حلمه (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) أي بالبعث والجزاء في الدار الآخرة هو الذي جرأكم على الكفر والظلم والإجرام وما علمتم والله (إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ) يحفظون عليكم أعمالكم ويحصونها لكم ويكتبونها في صحائفكم. (يَعْلَمُونَ ما

__________________

(١) (بُعْثِرَتْ) : انقلب باطنها ظاهرها إذ البعثرة الانقلاب يقال بعثر المتاع إذا قلب بعضه على بعض.

(٢) ليس بلازم أنها بمجرد ما يحصل الذي جعلت إذا شرطا له يتم العلم للنفس ، وانما إذا قامت القيامة بحصول الانقلاب الكوني وحشر الناس لفصل القضاء ثم يحصل للنفس. فتعلم ما قدمت وما أخرت.

(٣) الإنسان هنا للجنس وقيل المراد به أبو الأسد بن كلدة الجمحي والاستفهام للإنكار عليه كفره والتعجب من حاله ونداؤه (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ) مشعر بالاهتمام.

(٤) (فَعَدَلَكَ) قرأ نافع فعدلك بتشديد الدال. وقرأ حفص بتخفيفها.

(٥) روي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) قال غره جهله قيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه فقال (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ما ذا كنت تقول؟ قال : كنت أقول غرني ستورك المرخاة لأن الكريم هو الستار نظمه ابن السماك فقال :

يا كاتم الذنب أما تستحي

والله في الخلوة ثانيكا

غرك من ربك امهاله

وستره طول مساويكا

٥٣٠

تَفْعَلُونَ) في السر والعلن وسوف تفاجأون يوم تعلم نفس ما قدمت وأخرت بصخائف أعمالكم وقد حوت كل أعمالكم لم تغادر صغيرة منها ولا كبيرة ويتم الجزاء بموجبها.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان أحداث تسبق يوم البعث وذلك في نفخة الفناء وأما النفخة الثانية وهي نفخة البعث حيث تجمع الخلائق ويجرى الحساب فتعطى الصحف وتوزن الأعمال وينصب الصراط ، ثم إلى جنة أو إلى نار.

٢ ـ التحذير من السنة السيئة يتركها المرء بعده فإن أوزارها تكتب عليه وهو في قبره.

٣ ـ التحذير من الغرور والانخداع بعامل الشيطان من الإنس أو الجن.

٤ ـ التحذير من التكذيب بالبعث والجزاء فإنه اكبر عامل من عوامل الشر والفساد في الدنيا وأكبر موجب للعذاب يوم القيامة.

٥ ـ تقرير عقيدة كتابة الأعمال حسنها وسيئها والحساب بمقتضاها يوم القيامة بواسطة ملكين كريمين على كل إنسان مكلف لحديث الصحيح يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث

(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩))

شرح الكلمات :

(إِنَّ الْأَبْرارَ) : أي المؤمنين المتقين الصادقين.

(وَإِنَّ الْفُجَّارَ) : أي الكافرين والخارجين عن طاعة الله ورسوله.

(يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ) : أي يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء وهو يوم القيامة.

(وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) : أي بمخرجين.

(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) : أي أي شيء جعلك تدري لو لا أنا علمناك.

(لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) : أي من المنفعة وإن قلت.

٥٣١

(وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) : أي لا لغيره ، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه.

معنى الآيات :

تقدم أن العرض على الله حق وان المجازاة تكون بحسب الأعمال التي عملها المرء ، وأنها محفوظة محصاة عليه بواسطة ملائكة كرام. وأن الناس يومئذ كما هم اليوم مؤمن بار وكافر فاجر. بين تعالى جزاء الكل مقرونا بعلة الحكم فقال عزوجل (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي (١) نَعِيمٍ) أي في الجنة دار السلام وذلك لبرورهم وهو طاعتهم لله في صدق كامل (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) أي نار ذات جحيم وذلك لفجورهم وهو كفرهم وخروجهم عن طاعة ربهم. وقوله (يَصْلَوْنَها) (٢) أي يدخلونها ويقاسون حرها (يَوْمَ الدِّينِ) أي يوم الجزاء الذي كفروا به فأدى بهم إلى الفجور وارتكاب عظائم الذنوب. وقوله (وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) (٣) أي إذا دخلوها لا يخرجون منها. وقوله (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) أي وما يعلمك يا رسولنا ما يوم الدين إنه يوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين هكذا يخبر تعالى عن عظم شأن هذا اليوم. ويؤكد ذلك فيقول (ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) ويكشف عن بعض جوانب الخطورة بقوله (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) من المنفعة حيث يكون الأمر كله فيه لله وحده ولا تنفع فيه الشفاعة إلا بإذنه وما للظالمين فيه من شفيع ولا حميم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان حكم الله في أهل الموقف إذ هم ما بين بار صادق فهو في نعيم وفاجر كافر فهو في جحيم.

٢ ـ بيان عظم شأن يوم الدين وأنه يوم عظيم.

٣ ـ بيان أن الناس في يوم الدين لا تنفعهم شفاعة ولا خلة إذ لا يشفع أحد إلا بإذن الله والكافرون هم الظالمون ، وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع.

__________________

(١) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، إذ تقدم من الكلام ما يجعل المرء يتشوق إلى معرفة مصير الناس يوم القيامة والأبرار جمع بر وهو التقي المطيع الصادق والنعيم اسم لما ينعم به.

(٢) (يَصْلَوْنَها) قال القرطبي يصيبهم حرها ولهيبها وهذا قطعا بعد دخولها.

(٣) كونهم لا يغيبون عنها دال على أن الفجار هم المشركون والكافرون إذ المؤمنون لا يخلدون في النار.

٥٣٢

سورة المطففين

مدنية الأوائل مكية الأواخر وآياتها ست وثلاثون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦))

شرح الكلمات :

(وَيْلٌ) : كلمة عذاب ، وواد في جهنم.

(لِلْمُطَفِّفِينَ) : المنقصين في كيل أو وزن الباخسين فيهما.

(إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ) : أي من الناس.

(يَسْتَوْفُونَ) : الكيل.

(وَإِذا كالُوهُمْ) : أي كالوا لهم.

(أَوْ وَزَنُوهُمْ) : أي وزنوا لهم.

(يُخْسِرُونَ) : أي ينقصون الكيل أو الوزن.

(أَلا) : استفهام توبيخي انكاري.

(يَظُنُ) : أي يتيقن.

(لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) : أي يوم القيامة لما فيه من أهوال وعظائم الأمور.

(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ) : أي من قبورهم.

(لِرَبِّ الْعالَمِينَ) : أي يقومون خاشعين ذليلين ينتظرون حكم الله فيهم.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (١) هذه الآيات الأولى من سورة المطففين قال أحد الأنصار رضي الله عنه كنا أسوأ الناس كيلا ، (٢) حتى إنه ليكون لأحدنا مكيالان مكيال يشتري به وآخر يبيع به ، وما إن

__________________

(١) روى النسائي عن ابن عباس قال لما قدم النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فأحسنوا الكيل بعد ذلك ، قال الفراء : فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا.

(٢) أيام نزول هذه السوة كان أهل المدينة يكيلون وأهل مكة يزنون ثم شاع الكيل والوزن في كلا البلدين معا.

٥٣٣

نزلت فينا ويل للمطففين حتى أصبحنا أحسن كيلا ووزنا. وصدق هذا الصاحب الجليل فو الله لقد نزلت المدينة مهاجرا عام ثلاثة وسبعين وثلثمائة وألف فوجدتهم على ما كانوا عليه ولقد كنت أشفق عليهم إذا كالوا لي أو وزنوا لي. فقوله تعالى (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (١) يتوعد سبحانه وتعالى بواد في جهنم بسيل صديد أهل النار الذين يبخسون الناس الكيل والميزان أي ينقصونهم ويبينهم تعالى بقوله (الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) أي اشتروا منهم يأخذون كيلهم وافيا وكذا إذا وزنوا (وَإِذا كالُوهُمْ) أي كالوا لهم (٢) أو وزنوا لهم (يُخْسِرُونَ) أن ينقصون. قال تعالى موبخا لهم منكرا (أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ) المطففون (٣) (أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) من قبورهم (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) هو يوم الدين والجزاء والحساب (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) خاشعين ذليلين ينتظرون حكمه فيهم ، ويطول بهم الموقف المائة سنة وأكثر وإن أحدهم ليلجمه العرق إلجاما ومنهم من يصل العرق إلى نصف أذنيه والروايات في هذا كثيرة وصحيحة.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ حرمة (٤) التطفيف في الكيل والوزن وهو أن يأخذ زائدا ولو قل أو ينقص عامدا شيئا ولو قل. وما كان بغير عمد ولا قصد فإنه مما يعفا عنه.

٢ ـ التذكير بالبعث والجزاء وتقريرهما.

٣ ـ عظم يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحكم بينهم ويجزي كلا بعمله خيرا أو شرا.

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)

__________________

(١) يروي بعضهم أن التطفيف في الكيل والوزن والوضوء والصلاة وأسوأ الناس سرقة من يسرق في صلاته وروي عن سالم بن أبي الجعد : قال الصلاة بمكيال فمن أوفى أوفي له ، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله عزوجل.

(٢) شاهده قول الشاعر :

ولقد جنيتك اكمؤا وعساقلا

ونهيتك عن بنات الأوبر

والشاهد في قوله جنيتك أي جنيت لك.

(٣) المطفف مأخوذ من الطفيف وهو القليل ، والمطفف هو المقل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن والتطفيف هو النقص من حق المقدار في الموزون والمكيال ، وهو مصدر طفف إذا بلغ الطفاف ، والطفاف ما قصر عن ملء الإناء من شراب أو طعام ، ويطلق الطف على ما تجاوز عرض المكيال فهي زيادة طفيفة أو نقصان طفيف وهما محل النهي وفاء أو نقصان.

(٤) روى مالك والبزار عن ابن عباس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال خمس بخمس : ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر ، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا ظهر فيهم الطاعون ، وما طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر.

٥٣٤

وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣))

شرح الكلمات :

(كَلَّا) : أي حقا وأن الأمر ليس كما يظن المطففون.

(لَفِي سِجِّينٍ) : سجين علم على كتاب ديوان الشر دون فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة وهو أيضا موضع في أسفل الأرض السابعة فيه سجين الذي هو ديوان الكتب وبه أرواح الأشقياء عامة.

(كِتابٌ مَرْقُومٌ) : أي مسطور بين الكتابة فيه أعمالهم.

(بِيَوْمِ الدِّينِ) : أي يوم القيامة الذي هو يوم الحساب والجزاء.

(كُلُّ مُعْتَدٍ) : أي ظالم مضيع حقوق ربه تعالى وحقوق غيره.

(أَثِيمٍ) : منغمس في الآثام مكثر منها.

(أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) : أي ما سطره الأولون من القصص والأخبار التي لا تصح.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في التحذير من الظلم والفسق عن أوامر الرب تبارك وتعالى وقوله تعالى (كَلَّا) (١) أي ليس الأمر كما يظن المطففون والباخسون للحقوق أنه لا دقة في الحساب والجزاء أو أن مثل هذا لا يكتب ولا يحاسب عليه ولا يجزى به حقا (إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ) أي الظلمة الفاجرين عن الشرع وحدوده (لَفِي سِجِّينٍ) موضع في أسفل الخلق به أرواح الكافرين والظالمين وكتب أعمالهم ، وقوله (وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ) (٢) أي وما أعلمك يا رسولنا ما سجين تفخيم لشأنه. وقوله (٣) (كِتابٌ مَرْقُومٌ) بيان لكتاب الفجار أي أنه مكتوب مسطور بين الكتابة ، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي العذاب الأليم بوادي الويل يوم القيامة للمكذبين بالله وآياته ولقائه المكذبين بيوم الجزاء والحساب وقوله تعالى : (وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) (٤) يريد وما يكذب بيوم الجزاء والحساب إلا كل معتد ظالم متجاوز للحد أثيم مرتكب للذنوب والآثام بفسقه عن أوامر ربه وخروجه عن طاعة الله بغشيانه

__________________

(١) (كَلَّا) كلمة ردع وزجر لأولئك الذين يطففون ألا فلينزجروا ويتركوا التطفيف والبخس في الكيل والوزن.

(٢) الاستفهام للتهويل من شأن سجين.

(٣) (كِتابٌ) خبر محذوف المبتدأ والتقدير هو أي كتاب الفجار كتاب مرقوم.

(٤) الأثيم مبالغة في الإثم أي كثير الإثم والإثم كل اعتقاد أو قول أو عمل ضار قبيح أو فاسد.

٥٣٥

المحارم وقوله (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) هذا بيان لذلك المعتدي الأثيمو هو انه إذا قرئت عليه آيات الله تذكيرا له وتعليما ردها بقوله أساطير الأولين أي هذه حكايات وأخبار الأولين مسطرة مكتوبة وأنكر كتاب الله وكذب به.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان كتاب الفجار وأنه في سجين وسجين ديوان تدون فيه سائر كتب الفجار من أهل النار وموضع أسفل الأرض السابعة مستودع لكتب أعمال الفجار من كفار وفساق ولأرواحهم إلى يوم القيامة ولفظ سجين مشتق من السجن الذي هو الحبس.

٢ ـ الوعيد الشديد للمكذبين بالله وبآياته ولقائه.

٣ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

(كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧))

شرح الكلمات :

(رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ) : أي غطى قلوبهم وحجبها عن قبول الحق.

(ما كانُوا يَكْسِبُونَ) : أي من الذنوب والآثام.

(لَمَحْجُوبُونَ) : أي يحال بينهم وبين رؤية الرب إلى يوم القيامة.

(لَصالُوا الْجَحِيمِ) : أي لداخلوها ومحرقون معذبون بها.

(هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) : أي يقال لهم توبيخا وخزيا لهم وهم في العذاب هذا الذي كنتم به تكذبون.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في التنديد بالاعتداء والمعتدين والإثم والآثمين فقال تعالى (بَلْ رانَ (١) عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي ما الأمر كما يدعون من أن القرآن أساطير الأولين وإنما ران على قلوبهم أي غشاها وغطاها أثر الذنوب والجرائم فحجبها عن معرفة

__________________

(١) الران والرين مصدران لران يرين ربنا ورانا كالعيب والعاب والذيم والذام.

٥٣٦

الحق (١) وقبوله ، وقوله (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) أي ردعا لهم وزجرا عن أقوالهم الباطلة وأعمالهم الفاسدة إنهم عن ربهم لمحجوبون فلا يرونه ولا يرون كرامته (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) أي لداخلوها ومصطلون بحرها معذبون بأنواع العذب فيها (ثُمَّ يُقالُ) لهم توبيخا وخزيا وتأنيبا (هذَا) أي العذاب (الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ) في الدنيا (تُكَذِّبُونَ) حتى واصلتم كفركم وإجرامكم فحل بكم هذا الذي أنتم فيه الآن فذوقوا فلن تزدادوا إلا عذابا.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ التحذير من مواصلة الذنوب وعدم التوبة منها حيث يؤدي ذلك بالعبد إلى أن يحرم التوبة ففي حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب صقل منها فإن عاد عادت حتى تعظم في قلبه فذلك الران الذي قال الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.

٢ ـ تقرير رؤية الله تعالى في الآخرة بدليل قوله إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون أي الأشقياء إذا فالسعداء غير محجوبين فهم يرون ربهم ويشهد له قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة.

٣ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨))

__________________

(١) روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع واستغفر الله وتاب صقل قلبه ، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه. وهو الران الذي ذكر الله تعالى في كتابه (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ).

٥٣٧

شرح الكلمات :

(كِتابَ الْأَبْرارِ) : أي كتاب أعمالهم والأبرار هم المطيعون لله ولرسوله الصادقون.

(لَفِي عِلِّيِّينَ) : أي في موضع يسمى عليين في أعلى الجنة.

(كِتابٌ مَرْقُومٌ) : أي كتاب مرقوم بأمان من الله إياه من النار يوم القيامة والفوز بالجنة.

(يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) : أي يحضره المقربون من أهل كل سماء ويحفظونه لأنه يحمل أمانا لصاحبه من النار وفوزه بالجنة.

(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ) : أي إن الذين بروا ربهم بطاعته بأداء الفرائض واجتناب النواهي لفي نعيم الجنة.

(عَلَى الْأَرائِكِ) : أي على الأسرة ذات الحجال.

(يَنْظُرُونَ) : أي ما آتاهم ربهم من صنوف النعيم.

(تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) : أي حسنه وبريقه وتلألؤه.

(مِنْ رَحِيقٍ) : أي من خمر صرف خالصة لا غش فيها ولا دنس.

(مَخْتُومٍ) : أي مختوم على إنائها لا يفك ختمه إلا هم.

(خِتامُهُ مِسْكٌ) : أي آخر شربها يفوح برائحة المسك.

(وَفِي ذلِكَ) : أي لا في غيره.

(فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) : أي فليطلب بالطاعة والاستقامة الطالبون للنعيم المقيم.

(وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ) : أي ومزاج شرابهم من عين تجري من عال تسمى التسنيم.

(عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) : عينا هي التسنيم يشرب منها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين.

معنى الآيات :

بعد أن ذكر تعالى كتاب الفجار وما ختم له به ذكر كتاب الأبرار وما ختم له به فقال (كَلَّا) أي حقا (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ) وهو جمع بر أو بار وهو المؤمن الذي بر ربه بطاعته في أداء فرائضه واجتناب نواهيه وكان صادقا في ذلك كتاب أعمال هؤلاء الأبرار في عليين (وَما أَدْراكَ) يا رسولنا (١) (ما عِلِّيُّونَ) أنه موضع في أعلى (٢) الجنان. وقوله (كِتابٌ مَرْقُومٌ) يريد كتاب الأبرار الموضوع في عليين كتاب مرقوم بأمان من الله لصاحبه من النار والفوز بالجنة (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) أي مقربو كل سماء يحضرونه ويحفظون له ويشهدون

__________________

(١) الاستفهام للتفخيم والتعظيم بشأن عليين إذ هو في أعلى مرتبة وأسمى منزلة.

(٢) قال البراء بن عازب رضي الله عنه قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليون في السماء السابعة تحت العرش.

٥٣٨

بما فيه من الأمان لصاحبه من النار والفوز بالجنة. وقوله تعالى (إِنَّ الْأَبْرارَ) (١) وأصحاب الكتب المودعة في عليين (لَفِي نَعِيمٍ) يريد يوم القيامة والنعيم هو نعيم الجنة وهذا لون منه (عَلَى الْأَرائِكِ) أي الأسرة ذات الحجال (يَنْظُرُونَ) إنهم جالسون على الأرائك ينظرون (٢) باستحسان وإعجاب ملكهم الكبير الذي ملكهم الله تعالى وقد يمتد مسافة ألفي سنة وينتهي إليه بصرهم (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) أي حسنه وبريقه وتلألؤه وقوله (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ) أي من خمر هي الرحيق صافية لا دنس فيها ولا غش مختوم على أوانيها لا يفكها إلا هم. (خِتامُهُ مِسْكٌ) آخر هذا الشراب (٣) يفوح برائحة المسك الأذفر فهي طيبة الرائحة للغاية. وقوله تعالى (وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ (٤) الْمُتَنافِسُونَ) أي وفي مثل هذا النعيم لا في غيره من حطام الدنيا وشرابها وملكها الزائل يجب أن يتنافس المتنافسون أي في طلبه بالإيمان وصالح الأعمال بعد البعد كل البعد عن الشرك وسيئي الأقوال وقبيح الأفعال. وقوله تعالى (وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) أي إن ذلك الرحيق يمزج لأصحاب اليمين بماء عين تسمى التسنيم ويشربه المقربون صرفا أي خالصا بدون مزج من عين التسنيم وقوله (يَشْرَبُ بِهَا) الباء بمعنى من أو ضمن يشرب معنى يلتذ أي يلتذ بها وقد سبق في سورة الإنسان وقلت إنها لطيب شرابها تكاد تكون آلة للشرب فتكون الباء للآلة على بابها نحو شربت بالكأس.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ الثناء على الأبرار وبيان ما أعد الله تعالى لهم وهم المؤمنون المتقون الصادقون في ذلك.

٢ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر ما يجري فيها.

٣ ـ الترغيب في العمل الصالح للحصول على نعيم الجنة لقوله تعالى (وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ).

__________________

(١) (الْأَبْرارَ) جمع برهم أهل الطاعة والصدق فيها.

(٢) وقيل ينظرون إلى أعدائهم في النار وهم على أرائكهم ولا عجب لما ظهر اليوم من آلة التلفاز.

(٣) الرحيق هي الخمر العتيقة البيضاء الصافية من الغش ، النيرة قال حسان :

يسقون من ورد البريص عليهم

بردى يصفق بالرحيق السلسل

والبريص نهر بدمشق وبردى نهر آخر بها ويصفه يخرج والرحيق الخمر البيضاء.

(٤) يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة أي ضننت به ولم أحب أن يصير إليه وذلك لحسنه وجودته وتعلق النفس به.

٥٣٩

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦))

شرح الكلمات :

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) : أي على أنفسهم بالشرك والمعاصي كأبي جهل وأمية بن خلف وعتبة بن أبي معيط.

(مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) : أي كبلال وياسر وعمار وصهيب وخبيب.

(يَتَغامَزُونَ) : أي يشيرون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء بهم.

(فَكِهِينَ) : أي إذا رجعوا إلى ديارهم وأهليهم يرجعون نشاوى فرحين معجبين بحالهم.

(وَإِذا رَأَوْهُمْ) : أي وإذا رأى أولئك الفكهون رأوا المؤمنين.

(قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ) : إن هؤلاء يعنون المؤمنين من أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم لضالون بتركهم دينهم واتخاذهم لدين محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم الجديد.

(وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ) : أي ولم يكلفهم الله تعالى بحفظ أعمالهم ورعاية أحوالهم. وإنما هم متطفلون.

(فَالْيَوْمَ) : أي يوم القيامة.

(مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) : أي من أجل ما هم فيه من العذاب حيث يرونهم وهم على أرائكهم.

(هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) : أي هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من الكفر والشر والفساد؟ والجواب نعم نعم نعم.

٥٤٠