أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

أي بالله ربا وإلها وبالإسلام شرعة ودينا وبمحمد نبيّا ورسولا ناداهم بعنوان الإيمان ليقول لهم ناهيا (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ) (١) (يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ) أي قولا ولا عملا ولا رأيا ولا فكرا أي لا تقولوا ولا تعملوا إلا تبعا لما قال الله ورسوله ، وشرع الله ورسوله (وَاتَّقُوا اللهَ) في ذلك فإن التقدم بالشيء قبل أن يشرع الله ورسوله فيه معنى أنكم أعلم وأحكم من الله ورسوله وهذه زلّة كبرى وعاقبتها سوأى. ولذا قال (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) أي لأقوالكم (عَلِيمٌ) بأعمالكم وأحوالكم. ومن هنا فواجب المسلم أن لا يقول ولا (٢) يعمل ولا يقضي ولا يفتي برأيه إلا إذا علم قول الله ورسوله وحكمهما وبعد أن يكون قد علم أكثر أقوال الله والرسول وأحكامهما ، فإذا لم يجد من ذلك شيئا اجتهد (٣) فقال أو عمل بما يراه أقرب إلى رضا الله تعالى فإذا لاح له بعد ذلك نص من كتاب أو سنة عدل عن رأيه وقال بالكتاب والسنة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١) أما الآية الثانية (٢) وهي قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (٤) فإنها تطالب المسلم بالتأدب مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأولا نهاهم رضي الله عنهم عن رفع أصواتهم فوق صوت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا هم تحدثوا معه وأوجب عليهم إجلال النبي وتعظيمه وتوقيره بحيث يكون صوت أحدهم إذا تكلم مع رسول الله أخفض من صوت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا كلّم رسول الله يساره الكلام مسارة وثانيا نهاهم إذا هم ناجوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض بل يجب عليهم توقيره وتعظيمه. وأعلمهم أنه يخشى عليهم إذا هم لم يوقروا رسول الله ولم يجلوه أن تحبط أعمالهم كما تحبط بالشرك والكفروهم لا يشعرون. إذ رفع الصوت للرسول ونداؤه بأعلى الصوت يا محمد يا محمد أو يا نبيّ الله ويا رسول الله وبأعلى الأصوات إذا صاحبه استخفاف أو إهانة وعدم مبالاة صار كفرا محبطا للعمل قطعا. وفي الآية الثاثة (٣) يثني الله تعالى على أقوام (يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ) أي يخفضونها (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) أي في حضرته وبين يديه كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما هؤلاء يخبر تعالى أنه (امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى) أي وسعها وشرحها

__________________

(١) هذه السورة نزلت في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب زيادة على ما تضمنت من الأحكام الشرعية والهدايات القرآنية.

(٢) ومن هنا قال العلماء : لا يحل لامرىء مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.

(٣) شاهده حديث معاذ رضي الله عنه حيث قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين بعثه إلى اليمن (بم تحكم؟ قال بكتاب الله تعالى قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن لم تجد؟ قال رضي الله عنه : أجتهد رأيي ، فضرب في صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم).

(٤) روى البخاري (أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم افتقد ثابت بن قيس رضي الله عنه فقال رجل يا رسول الله أنا أعلم لك علمه فأتاه فوجده في بيته منكسا رأسه فقال له : ما شأنك؟ فقال شر ، كان : يرفع صوته فوق صوت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد حبط عمله فهو من أهل النار فأتى الرجل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا ، فقال : إذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة.

١٢١

لتحمل تقوى الله والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول التقوى (١) ها هنا ويشير إلى صدره ثلاثا ، ويذكر لهم بشرى نعم البشرى وهي أن لهم منه تعالى مغفرة لذنوبهم ، واجرا عظيما يوم يلقونه وهو الجنة دار المتقين جعلنا الله منهم بفضله ورحمته.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ لا يجوز للمسلم أن يقدم رأيه أو اجتهاده على الكتاب والسنة فلا رأي ولا اجتهاد إلّا عند عدم وجود نص من كتاب أو سنة وعليه إذا اجتهد أن يكون ما اجتهد فيه أقرب إلى مراد الله ورسوله ، أي الصق بالشرع ، وإن ظهر له بعد الاجتهاد نص من كتاب أو سنة عاد إلى الكتاب والسنة وترك رأيه أو اجتهاده فورا وبلا تردد.

٢ ـ بما أن الله تعالى قد قبض إليه نبيّه ولم يبق بيننا رسول الله نتكلم معه أو نناجيه فنخفض أصواتنا عند ذلك فإن علينا إذا ذكر رسول الله بيننا أو ذكر حديثه أن نتأدب عند ذلك فلا نضحك ولا نرفع الصوت ، ولا نظهر أي استخفاف أو عدم مبالاة وإلا يخشى علينا أن تحبط أعمالنا ونحن لا نشعر.

٣ ـ على الذين يغشون مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يرفعوا أصواتهم فيه إلا لضرورة درس أو خطبة أو أذان أو إقامة.

(إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ

__________________

(١) هذا بعض حديث صحيح أخرجه غير واحد من أصحاب السنن.

١٢٢

الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨))

شرح الكلمات :

(إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ) : أي حجرات نسائه والذين نادوه وفد من أعراب بني تميم منهم الزّبرقان بن بدر والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.

(أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) : أي فيما فعلوه بمحلك الرفيع ومقامك السامي الشريف.

(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) : أي ولو أنهم انتظروك حتى تخرج بعد قيامك من قيلولتك.

(لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) : أي من ذلك النداء بأعلى أصواتهم من كل أبواب الحجرات.

(وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : أي غفور لمن تاب منهم رحيم بهم إذ أساءوا مرتين الأولى برفع أصواتهم والثانية كانوا ينادونه ويقولون أن اخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمنا شين.

(فاسِقٌ بِنَبَإٍ) : أي ذو فسق وهو المرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب والنبأ الخير ذو الشأن.

(فَتَبَيَّنُوا) : أي تثبتوا قبل أن تقولوا أو تفعلوا أو تحكموا.

(أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ) : أي خشية إصابة قوم بجهالة منكم.

(فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) : أي فتصيروا على فعلكم الخاطئ نادمين.

(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ) : أي فاحذروا أن تكذبوا أو تقولوا الباطل فإن الوحي ينزل وتفضحون بكذبكم وباطلكم.

(لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) : أي لوقعتم في المشقة الشديدة والإثم أحيانا.

(وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ) : أي بغض إلى قلوبكم الكفر والفسوق كالكذب والعصيان بترك واجب أو فعل محرم.

(أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) : أي الذين فعل بهم ما فعل من تحبيب الإيمان وتكريه الكفر وما ذكر معه هم الراشدون أي السالكون سبيل الرشاد.

١٢٣

(فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً) : أي أفضل بذلك عليهم فضلا وأنعم إنعاما ونعمة.

(وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) : أي عليم بخلقه وما يعملون حكيم في تدبيره لعباده هذا بعامة وبخاصة عليم بأولئك الراشدين حكيم في إنعامه عليهم.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في تأديب المؤمنين إزاء نبيهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد عاب تعالى أقواما معهم جفاء وغلظة قيل انهم وفد من أعراب بني تميم منهم الزبرقان بن بدر ، والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءوا والرسول قائل وقت القيلولة ووقفوا على أبواب الحجرات (١) ينادون بأعلى أصواتهم يا محمد يا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن اخرج إلينا فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية الكريمة تأديبا لهم (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ) حجرات نساء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكانت أبواب الحجرات إلى المسجد. (أَكْثَرُهُمْ لا (٢) يَعْقِلُونَ) أي فيما فعلوه بمقام الرسول الشريف ومكانته الرفيعة. (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) بعد هبوبك من قيلولتك (لَكانَ (٣) خَيْراً) أي من ذلك النداء بتعالي الأصوات من وراء الحجرات وقوله تعالى (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي غفور لمن تاب منهم رحيم بهم إذ لم يعجل لهم العقوبة وفتح لهم باب التوبة وأدبهم ولم يعنف ولم يغلظ ، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق (٦) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ (٤) بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا) (٥) قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) هذه الآية وإن كان لها سبب في نزولها وهو أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأتي بزكاة أموالهم ، وكان بينهم وبين أسرة الوليد عداء في الجاهلية فذكره الوليد وهاب أن يدخل عليهم دارهم وهذا من وسواس الشيطان فرجع وستر على نفسه الخوف الذي أصابه فذكر انهم منعوه الزكاة وهموا بقتله فهرب منهم فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهمّ بغزوهم. وما زال كذلك حتى أتى وفد منهم يسترضي رسول الله ويستعتب عنده خوفا من أن يكون قد بلغه عنهم سوء فأخبروه بأنهم على العهد وأن الوليد رجع من الطريق ولم يصل إليهم وبعث الرسول خالد بن الوليد من جهة فوصل

__________________

(١) الحجرات : جمع حجرة وهي تسع تدخل ضمن البيت النبوي.

(٢) هذا الاحتراس دال على أن من الوفد من كان متأدبا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يناد نداءهم بصوت عال وألفاظ نابية لا تليق بمقام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(٣) أي : لو انتظروا خروجك لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب.

(٤) فسر الفاسق. بالكاذب وبالمعلن بالذنب ، وبالذي لا يستحي من الله وهو قابل لكل ما ذكر.

(٥) (أَنْ تُصِيبُوا) : أي : لئلا تصيبوا.

١٢٤

إليهم قبل المغرب فإذا بهم يؤذنون ويصلون المغرب والعشاء فعلم أنهم لم يرتدوا وأنهم على خير والحمد لله. وجاء بالزكوات وأنزل الله تعالى هذه الأية قلت إن هذه الآية وإن نزلت في سبب معين فإنها عامة وقاعدة أساسية هامة فعلى الفرد والجماعة والدولة أن لا يقبلوا من الأخبار التي تنقل إليهم ولا يعملوا بمقتضاها إلا بعد التثبت والتبين الصحيح كراهية أن يصيبوا فردا أو جماعة بسوء بدون موجب لذلك ولا مقتض الاقالة سوء وفرية قد يريد بها صاحبها منفعة لنفسه بجلب مصلحة أو دفع مضرة عنه. فالأخذ بمبدأ التثبت والتبين عند سماع خبر من شخص لم يعرف بالتقوى والاستقامة الكاملة والعدالة التامة واجب صونا لكرامة الأفراد وحماية لأرواحهم وأموالهم. والحمد لله على شرع عادل رحيم كهذا. فقوله (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ) المراد بالفاسق من يرتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالكذب مثلا ، والنبأ الخبر ذو الشأن والتبيّن التثبت وقوله (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ) أن تصيبوهم في أبدانهم وأموالهم بعدم علم منكم وهي الجهالة وقوله (فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) أي من جرّاء ما اتخذتم من إجراء خاطئ ، وقوله تعالى في الآية (٧) (وَاعْلَمُوا) يلفت الربّ تعالى نظر المسلمين إلى حقيقة هم غافلون عنها وهو وجود الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حيّا بينهم ينزل عليه الوحي فإن هذه حال تتطلب منهم التزام الصدق في القول والعمل وإلّا يفضحهم الوحي فورا إن هم كذبوا في قول أو عمل كما فضح الوليد لما أخبر بغير الحق. هذا أولا وثانيا لو كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يطيعهم في كل ما يرونه ويقترحونه لوقعوا في مشاكل تعرّضهم لمشاق لا تطاق ، بل وفي آثام عظام. هذا معنى قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ) (١) (فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) وقوله (وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ (٢) إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ) فوقاكم كثيرا من أن تكذبوا على رسولكم أو تقترحوا عليه أو تفرضوا آراءكم. وقوله (أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (٣) أي أولئك أصحاب رسول الله هم السالكون سبيل الرشاد فلا يتهوكون ولا يضلون وقوله (فَضْلاً (٤) مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً) أي هدايتهم كانت فضلا من الله ونعمة ، والله عليم بهم وبنياتهم وبواعث نفوسهم حكيم (٥) في تدبيره فأهّل أصحاب رسول الله

__________________

(١) (لَوْ) : حرف امتناع لامتناع ، امتنعت طاعته صلى‌الله‌عليه‌وسلم لهم فامتنع عنتهم الذي هو : الوقوع في المشقة والشدة.

(٢) (لكِنَ) هذه الاستدراكية العاطفة ، وهذا الاستدراك ناشيء عن كون بعضهم يحب أن يطيعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأعلموا أن الله حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم من الراشدين ، فكفاهم خواطر السوء ، ورغبات الباطل ، فلم يبق مجال للاقتراحات التي تسيء إليهم وإلى جناب نبيهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(٣) الرشاد ، والرشد : ما كان خلاف الغيّ ، والباطل والسيء.

(٤) نصب : (فضلا ونعمة) على المفعولية المطلقة.

(٥) جملة : (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) تذييلية لما تقدم من قوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ) إلى قوله : (وَنِعْمَةً).

١٢٥

للخير وأضفاه عليهم فهم أفضل هذه الأمة على الاطلاق ولا مطمع لأحد أتى بعدهم أن يفوقهم في الفضل والكمال في الدنيا ولا في الآخرة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين وعنا معهم آمين.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان سمو المقام المحمدي وشرف منزلته صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٢ ـ وجوب التثبت في الأخبار ذات الشأن التي قد يترتب عليها أذى أو ضرر بمن قيلت فيه ، وحرمة التسرع المفضي بالأخذ بالظنة فيندم الفاعل بعد ذلك في الدنيا والآخرة.

٣ ـ من أكبر النعم على المؤمن تحبيب الله تعالى الإيمان إليه وتزيينه في قلبه ، وتكريه الكفر إليه والفسوق والعصيان وبذلك أصبح المؤمن أرشد الخلق بعد أصحاب رسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ

١٢٦

وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣))

شرح الكلمات :

(وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) : أي جماعاتان قلّ أفرادهما أو كثروا من المسلمين.

(اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما) : أي هموا بالاقتتال أو باشروه فعلا فأصلحوا ما فسد بينهما.

(فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى) : أي تعدت بعد المصالحة بأن رفضت ذلك ولم ترض بحكم الله.

(فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ) : أي قاتلوا أيها المؤمنون مجتمعين الطائفة التي بغت حتى ترجع إلى الحق.

(فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ) : أي رجعت إلى الحق بعد مقاتلتها فأصلحوا بينهما بالعدل أي بالحق.

(وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) : أي وأعدلوا في حكمكم إن الله يحب أهل العدل.

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) : أي في الدين الإسلامي.

(فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) : أي إذا تنازعا شيئا وتخاصما فيه.

(وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) : أي خافوا عقابه رجاء أن ترحموا إن أنتم اتقيتموه.

(لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) : أي لا يزدر قوم منكم قوما آخرين ويحتقرونهم.

(عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) : أي عند الله تعالى والعبرة بما عند الله لا ما عند الناس.

(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) : أي لا تعيبوا بعضكم بعضا فإنكم كفرد واحد.

(وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ) : أي لا يدعو بعضكم بعضا بلقب يكرهه نحو يا فاسق يا جاهل.

١٢٧

(بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ) : أي قبح اسم الفسوق يكون للمرء بعد إيمانه وإسلامه.

(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) : أي من لمز ونبز المؤمنين فأولئك البعداء هم الظالمون.

(اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ) : أي التهم التي ليس لها ما يوجبها من الأسباب والقرائن.

(إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) : أي كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين.

(وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) : أي لا تتبعوا عورات المسلمين وما بهم بالبحث عنها.

(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً) : أي لا يحسن به حب أكل لحم أخيه ميتا ولا حيا معا.

(فَكَرِهْتُمُوهُ) : أي وقد عرض عليكم الأول فكرهتموه فاكرهوا أي كما كرهتم أكل لحمه ميتا فاكرهوه حيا وهو الغيبة.

(وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ) : أي جمع شعب والقبيلة دون الشعب.

(لِتَعارَفُوا) : أي ليعرف بعضكم بعضا فتعارفوا لا للتفاخر بعلو الأنساب.

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) : أي أشدكم تقوى لله بفعل أوامره وترك نواهيه هو أكرم عند الله.

(إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) : أي عليم بكم وبأحوالكم خبير بما تكونون عليه من كمال ونقص لا يخفى عليه شيء من أشياء العباد.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) (١) الآيات ما زال السياق الكريم في طلب تأديب المسلمين وتربيتهم واعدادهم للكمال الدنيوي والأخروي ففي الآيتين (٩) و (١٠) من هذا السياق يرشد الله تعالى المسلمين إلى كيفية علاج مشكلة النزاع المسلح بين المسلمين الذي قد يحدث في المجتمع الإسلامي بحكم الضعف الإنساني من الوقت إلى الوقت وهو مما يكاد يكون من ضروريات الحياة البشرية وعوامله كثيرة لا حاجة إلى ذكرها فقال تعالى (وَإِنْ طائِفَتانِ) أي جماعتان (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) ولو كان ذلك بين اثنين فقط (فَأَصْلِحُوا) أيها المسلمون (بَيْنَهُما) (٢) بالقضاء على أسباب الخلاف وترضية الطرفين بما هو حق وخير وليس هذا

__________________

(١) قال مجاهد : نزلت هذه الآية في الأوس والخزرج حيث تقاتل حيّان من الأنصار بالعصي والنعال.

(٢) قال القرطبي : بالدعاء إلى كتاب الله لهما أو عليهما وقضاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كذلك كما قال معاذ : أحكم بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

١٢٨

بصعب مع وجود قلوب مؤمنة وهداية ربانية وقوله (فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما) أي اعتدت إحدى الطائفتين بعد الصلح (عَلَى الْأُخْرى) بأن رفضت حكم الله الذي قامت المصالحة بموجبه (فَقاتِلُوا) (١) مجتمعين (الَّتِي تَبْغِي) أي تعتدي (حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ) أي إلى الحق (فَإِنْ فاءَتْ) أي أذعنت للحق ورضيت به (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) في حكمكم دائما وأبدا (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). (٢) وقوله تعالى في الآية (١٠) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (٣) (وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) يقرر تعالى الأخوة الإسلامية ويقصر المؤمنين عليها قصرا فليس المؤمنون إلا إخوة لبعضهم بعضا ولذا وجب رأب كلّ صدع وإصلاح كل فساد يظهر بين أفرادهم وعدم التساهل في ذلك (وَاتَّقُوا اللهَ) في ذلك فلا تتوانوا أو تتساهلوا حتى تسفك الدماء المؤمنة ويتصدع بنيان الإيمان والإسلام في دياره وقوله (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فلا يتصدع بنيانكم ولا تتشتت أمتكم وتصبح جماعات وطوائف متعادية يقتل بعضها بعضا. ولما لم يتق المؤمنون الله في الإصلاح الفوري بين الطوائف الإسلامية المتنازعة حصل من الفساد والشر ما الله به عليم في الغرب الإسلامي والشرق. وقوله في الآية (١١) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ) إذ من عوامل النزاع والتقاتل وأسبابهما سخرية المؤمن بأخيه واحتقاره لضعف حاله ورثاثة ثيابه وقلة ذات يده فحرم تعالى بهذه الآية على المسلم أن يحتقر أخاه المسلم ويزدريه منبها إلى أن من احتقر وازدرى به وسخر منه قد يكون غالبا خيرا عند الله من المحتقر له والعبرة بما عند الله لا بما عند الناس والرجال في هذا والنساء سواء فلا يحل لمؤمنة أن تزدري وتحتقر أختها المؤمنة عسى أن تكون عند الله خيرا منها منزلة والعبرة بالمنزلة عند الله لا عند الناس وكما حرم السخرية بالمؤمنين والمؤمنات لإفضائها إلى العداوة والشحناء ثم التقاتل حرم كذلك اللمز والتنابز بالألقاب فقال تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ) ومعنى لا تلمزوا أنفسكم أي لا يعب (٤) بعضكم بعضا بأي عيب من العيوب فإنكم كشخص واحد فمن عاب

__________________

(١) هذه الآية نص صريح في وجوب قتال أهل البغي ، وهم الذين يخرجون عن إمام المسلمين ظلما وعدوانا بعد دعوتهم إلى الطاعة لله ورسوله وإمام المسلمين ، ولا التفات إلى من يرى غير هذا ، ومن أحكام قتال أهل البغي أنه لا يقتل أسيرهم ولا يذفف على جريحهم أي لا يجهز عليه قتلا ولا تسبى ذراريهم ولا نساؤهم ولا أموالهم.

(٢) روى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال (المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور عن يمين العرش : الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا).

(٣) الآية دليل على أن اسم الإيمان لا يزول بالبغي فإن الله تعالى قال (بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) فأثبت أخوة الإيمان ولم يسقطها بالبغي. روى أن عليا سئل عن قتال أهل البغي من أهل الجمل ، وصفين ، أمشركون هم؟ قال : لا ، من الشرك فرّوا فقيل : ألمنافقون؟ قال لا لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا ، فقيل له فما حالهم؟ قال : إخواننا بغوا علينا.

(٤) قال عبد الله بن مسعود : البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا.

١٢٩

أخاه المسلم كأنما عاب نفسه كما أن المعاب قد يرد العيب بعيب من عابه وهذا معنى ولا تلمزوا أنفسكم وقوله ولا تنابزوا بالألقاب أي لا يلقب المسلم أخاه بلقب يكرهه فإن ذلك يفضي إلى العداوة والمقاتلة وقوله (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ) أي قبح أشدّ القبح أن يلقب المسلم بلقب الفسق بعد أن اصبح مؤمنا عدلا كاملا في أخلاقه وآدابه فلا يحل لمؤمن أن يقول لأخيه يا فاسق أو يا كافر أو يا عاهر أو يا فاسد ، إذ بئس الاسم اسم الفسوق كما أن الملقب للمسلم بألقاب السوء يعد فاسقا وبئس الاسم له أن يكون فاسقا بعد إيمانه بالله ولقائه والرسول وما جاء به ، وقوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ) أي من احتقار المسلمين وازدرائهم وتلقيبهم بألقاب يكرهونها (فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المتعرضون لغضب الله وعقابه. وقوله في الآية (١٢) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ينادي الله تعالى المسلمين بعنوان الإيمان إذ به أصبحوا أحياء يسمعون ويبصرون ويقدرون على الفعل والترك إذ الإيمان بمثابة الروح إذا احلت الجسم تحرك فأبصرت العين وسمعت الأذن ونطق اللسان وفهم القلب.

فيقول (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ) (١) وهو كل ظن ليس له ما يوجبه من القرائن والأحوال والملابسات المقتضية له ، ويعلل هذا النهي المقتضى للتحريم فيقول (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وذلك كظن السوء بأهل الخير والصلاح في الأمة فإن ظن السوء فيهم قد يترتب عليه قول باطل أو فعل سوء أو تعطيل معروف ، فيكون إثما كبيرا ، وقوله (وَلا تَجَسَّسُوا) أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها والاطلاع عليها لما في ذلك من الضرر الكبير ، وقوله (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ (٢) بَعْضاً) أي لا يذكر أحدكم أخاه في غيبته بما يكره وهنا يروى في الصحيح من الأحاديث ما معناه أن رجلا سأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الغيبة فقال له ذكرك أخاك يما يكره فقال الرجل فإن كان فيه ما يكره قال فإن كان فيه ما يكره فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما يكره فقد بهته والبهتان أسوأ الغيبة. وقوله أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ والجواب لا قطعا إذا فكما عرض عليكم لحم أخيكم ميتا فكرهتموه فاكرهوا إذا أكل لحمه حيّا وهو (٣) عرضه والعرض أعز

__________________

(١) قالت العلماء : الظن هنا هو التهمة بدون قرينة حال تدل عليها أو تدعو إليها وقد صح الحديث بتحريم الظن السيء بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في رواية الصحيح (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا).

(٢) الغيبة عامة في الدين والخلق والحسب والنسب ولا وجه لتخصيصها بواحد مما ذكر ، وكيف وقد فسرها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله (ذكرك أخاك بما يكره).

(٣) قال قتادة كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيا ، واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب جارية بذلك قال الشاعر :

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم

وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

١٣٠

وأغلى من الجسم وقوله (وَاتَّقُوا اللهَ) في غيبة بعضكم بعضا فإن الغيبة من عوامل الدمار والفساد بين المسلمين ، وقوله (إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) جملة تعليلية للأمر بالتوبة فأخبر تعالى انه يقبل توبة التائبين وأنه رحيم بالمؤمنين ومن مظاهر ذلك انه حرم الغيبة للمؤمن لما يحصل له بها من ضرر وأذى. وقوله تعالى في الآية (١٣) (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا) هذا نداء هو آخر نداءات الله تعالى عباده في هذه السورة وهو أعم من النداء بعنوان الإيمان فقال (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى) من آدم وحواء باعتبار الأصل كما أن كل آدمي مخلوق من أبوين أحدهما ذكر والآخر أنثى (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ) وبطونا وأفخاذا وفصائل كل هذا لحكمة التعارف فلم يجعلكم كجنس الحيوان لا يعرف الحيوان الآخر ولكن جعلكم شعوبا وقبائل وعائلات وأسر لحكمة التعارف المقتضي للتعاون إذ التعاون بين الأفراد ضروري لقيام مجتمع صالح سعيد فتعارفوا وتعاونوا ولا تتفرقوا لأجل التفاخر بالأنساب فإنه لا قيمة للحسب ولا للنسب إذا كان المرء هابطا في نفسه وخلقه وفاسدا في سلوكه إن أكرمكم عند الله أتقاكم (١). إن الشرف والكمال فيما عليه الإنسان من زكاة روحه وسلامة خلقه وإصابة رأيه وكثرة معارفه وقوله تعالى (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) جملة تعليلية يبين فيها تعالى أنه عليم بالناس عليم بظواهرهم وبواطنهم وبما يكملهم ويسعدهم خبير بكل شيء في حياتهم فليسلم له التشريع بالتحليل والتحريم والأمر والنهي فإنه على علم بالحال والمآل وبما يسعد الإنسان وبما يشقيه فآمنوا به وأطيعوه تكملوا وتسعدوا.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ وجوب مبادرة المسلمين إلى إصلاح ذات البين بينهم كلما حصل فساد أو خلل فيها.

٢ ـ وجوب تعاون المسلمين على تأديب أية جماعة تبغي وتعتدي حتى تفيئ إلى الحق.

٣ ـ وجوب الحكم بالعدل في أية قضية من قضايا المسلمين وغيرهم.

٤ ـ تقرير الأخوة الإسلامية ووجوب تحقيقها بالقول والعمل.

٥ ـ حرمة السخرية واللمز والتنابز بين المسلمين.

٦ ـ وجوب اجتناب كل ظن لا قرينة ولا حال قوية تدعو إلى ذلك.

٧ ـ حرمة التجسس أي تتبع عورات المسلمين وكشفها وإطلاع الناس عليها.

__________________

(١) روى الترمذي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم (خطب بمكة فقال : يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان : يرّتقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله).

١٣١

٨ ـ حرمة الغيبة والنميمة. والنميمة هي نقل الحديث على وجه الإفساد ولذا يجوز ذكر الشخص وهو غائب في مواطن هي التظلم بأن يذكر المسلم من ظلمه لا زالة ظلمه ، الاستعانة على تغيير المنكر بذكر صاحب المنكر. الاستفتاء نحو قول المستفتي ظلمني فلان بكذا فهل يجوز له ذلك ، تحذير المسلمين من الشر بذكر فاعله قصد أن يحذروه ، المجاهر بالفسق لا غيبة له ، التعريف بلقب لا يعرف الرجل إلا به.

٩ ـ حرمة التفاخر بالأنساب ووجوب التعارف للتعاون.

١٠ ـ لا شرف ولا كرم إلا بشرف التقوى وكرامتها (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) وفي الحديث [لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى] رواه الطبراني.

(قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨))

شرح الكلمات :

(قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا) : هم نفر من بني أسد قدموا على الرسول وقالوا له آمنا وهم غير مؤمنين.

١٣٢

(قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) : أي قل لهم إنكم ما آمنتم بعد ولكن قولوا أسلمنا أي استسلمنا وانقدنا.

(وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) : أي ولما يدخل الإيمان بعد في قلوبكم ولكنه يتوقع له الدخول.

(وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) : أي في الإيمان والقيام بالفرائض واجتناب المحارم.

(لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً) : أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا.

(إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : أي غفور للمؤمنين رحيم بهم إن هم صدقوا في إيمانهم.

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) : أي حقا وصدقا لا ادعاء ونطقاهم.

(الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) : أي بالله ربا وإلها وبالرسول محمد نبيا ورسولا.

(ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا) : أي لم يشكوا فيما آمنوا به.

(وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) : أي جاهدوا مع رسول الله أعداء الله وهم الكافرون بأموالهم وأنفسهم.

(أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) : أي في إيمانهم لا الذين قالوا آمنا بألسنتهم واستسلموا ظاهرا ولم يسلموا باطنا.

(قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ) : أي قل لهم يا رسولنا أي لهؤلاء الأعراب أتشعرون الله بدينكم.

(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) : أي كونهم أسلموا بدون قتال وغيرهم أسلم بعد قتال.

(قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ) : أي لا حق لكم في ذلك بل الحق لله الذي هداكم للإيمان إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم مؤمنون.

(إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) : أي ان الله يعلم ما غاب في السموات وما غاب في الأرض فلا يخفى عليه أمر من صدق في إيمانه وأمر من كذب ، ومن أسلم رغبة ومن أسلم رهبة.

معنى الآيات :

قوله تعالى (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا) (١) هؤلاء جماعة من أعراب بني أسد وفدوا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم

__________________

(١) هذه الآية نزلت في أعراب بني أسد ، وليست عامة في كل الأعراب لأن منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر كبعض أعراب أسلم وغفار وجهينة ومزينة.

١٣٣

بالمدينة بأولادهم ونسائهم في سنة مجدبة فأظهروا له الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في نفوسهم ، فكانوا يغدون على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويروحون ويقولون : أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها ، ونحن قد جئناك بالأطفال والعيال والذرارى ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ، يمنون على رسول الله وهم يريدون الصدقة ويقولون أعطنا فأنزل الله تعالى هذه الآية تربية لهم وتعليما إتماما لما اشتملت عليه سورة الحجرات من أنواع الهداية والتربية الإسلامية فقال تعالى (قالَتِ الْأَعْرابُ) أعراب بني أسد آمنا أي صدّقنا بتوحيد الله وبنبوتك. قل لهم ردا عليهم لم تؤمنوا بعد ، ولكن الصواب أن تقولوا أسلمنا أي أذعنا للإسلام وانقدنا لقبوله وهو الإسلام الظاهري ، (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) بعد وسيدخل إن شاء الله. (وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أيها الأعراب في الإيمان الحق وفي غيره من سائر التكاليف (لا يَلِتْكُمْ) (١) أي لا ينقصكم الله تعالى من أجور أعمالكم الصالحة التي تعملونها طاعة لله ورسوله شيئا وإن قل. وقوله (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) في هذه الجملة ترغيب لهم في الإيمان الصادق والإسلام الصحيح فأعلمهم أن الله تعالى غفور للتائبين رحيم بهم وبالمؤمنين فتوبوا إليه واصدقوه يغفر لكم ويرحمكم وقوله تعالى في الآية (١٥) إنما المؤمنون الآية يعرفهم تعالى بالإيمان الصحيح دعوة منه لهم لعلهم يؤمنون فقال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) (٢) أي حقا وصدقا الذين آمنوا بالله ربّا وإلها ورسوله نبيا مطاعا ، (ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا) ، أي لم يشكوا ابدا في صحة ما آمنوا به ، وجاهدوا أي أنفسهم فألزموها الاستعداد للنهوض بالتكاليف الشرعية في المنشط والمكره ، كما (جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أعداء الإسلام من المشركين والكافرين وذلك الجهاد بالنفس والمال لا هدف له إلا طلب رضا الله سبحانه وتعالى أي لم يكن لأي غرض مادي دنيوي وإنما لرضا الله ولإعلاء كلمة الله هؤلاء (هُمُ الصَّادِقُونَ) في دعوى الإيمان وقوله تعالى في الآية (١٦) (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ) أي قل يا رسولنا لأولئك الأعراب الذين قالوا آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم أتعلّمون الله بدينكم أي بإيمانكم وطاعتكم وتشعرونه بهما والحال أن الله (يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) إنه لا معنى لتعليمكم الله بدينكم وهو يعلم ما في السموات وما في الأرض وهو بكل شيء عليم إنه مظهر من مظاهر جهلكم بالله تعالى ، إذ لو علمتم انه يعلم ما في السموات وما في الأرض من دقيق

__________________

(١) (لا يَلِتْكُمْ) أي لا ينقصكم يقال : لاته يليته ، ويلوته إذا نقصه وقرأ أبو عمرو لا يألتكم مهموزا من ألت يألت ألتا نحو قوله تعالى : (وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) وشاهد الأول :

وليلة ذات ندى سريت

ولم يلتني عن سراها ليت

(٢) لما نزلت هذه الآية : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) حلف الأعراب أنهم مؤمنون في السر والعلانية فأكذبهم الله تعالى في دعواهم الكاذبة فأنزل عزوجل (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ) أي : الذي أنتم عليه؟

١٣٤

وجليل لما فهتم بما فهتم به من إشعاركم الله بإيمانكم وطاعتكم له. وقوله تعالى في الآية (١٧) (١) (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) (٢) أي يمّن أولئك الأعراب عليك يا رسولنا إيمانهم إذ قالوا آمنا بك ولم نقاتلك كما فعل غيرنا قل لهم (لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ) واضرب عن هذا وقل لهم (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في دعواكم الإيمان ، فالمنة لله عليكم لا أن تمنوا أنتم على رسوله. وقوله تعالى (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ (٣) السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي كل ما غاب في السموات وما غاب في الأرض من سانح في السماء وسابح في الماء وسارح في الغبراء فليس في حاجة أن تعلموه بدينكم وتمنونه على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) من عمل قلّ أو كثر خفيّ أو ظهر فاعلموا هذا وتأدبوا مع الله وأحسنوا الظن فيه تنجو من هلاك لازم لمن أساء الظن بالله وأساء الأدب مع رسول الله.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان طبيعة أهل البادية وهي الغلظة والجفاء والبعد عن الكياسة والأدب.

٢ ـ بيان الفرق بين الإيمان والإسلام إذا اجتمعا فالإيمان من أعمال القلوب والإسلام من أعمال الجوارح. وإذا افترقا فالإيمان هو الإسلام ، والإسلام هو الإيمان والحقيقة هي أنه لا يوجد إيمان صحيح بدون إسلام صحيح ، ولا إسلام صحيح بدون إيمان صحيح ، ولكن يوجد اسلام صوري بدون إيمان ، وتوجد دعوى إيمان كاذبة غير صادقة.

٣ ـ بيان المؤمنين حقا وهم الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم.

٤ ـ بيان حكم المنّ وأنه مذموم من الإنسان ومحمود من الرحمن عزوجل وحقيقة المن هي عد النعمة وذكرها للمنعم عليه وتعدادها المرة بعد المرة.

٥ ـ بيان إحاطة علم الله بسائر المخلوقات ، وأنه لا يخفى عليه من أعمال العباد شيء.

__________________

(١) (يَمُنُّونَ) إشارة إلى قولهم جئناك بالأثقال والعيال كما تقدم في التفسير.

(٢) (أَنْ أَسْلَمُوا) حرف الجر محذوف الأصل ، بأن أسلموا أي : إسلامهم.

(٣) ذيل الكلام بهذه الجملة (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ) الخ ليعلموا أن الله لا يكتم وأنه لا يكذب عليه لعلمه بالغيوب كلها ، وفي هذا تقويم لأخلاقهم وتربية وتأديب لهم.

١٣٥

سورة ق (١)

مكية

وآياتها خمس وأربعون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤))

(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥))

شرح الكلمات :

(ق) : هذا أحد الحروف المقطعة التي تكتب هكذا ق وتقرأ هكذا قاف.

(وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) : أي والقرآن المجيد أي الكريم قسمي لقد أرسلنا محمدا مبلغا عنا.

(بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) : أي بل عجب أهل مكة من مجيء منذر أي رسول منهم ينذرهم عذاب الله يوم القيامة.

(فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ) : أي فقال المكذبون بالبعث هذا أي البعث بعد الموت والبلى شيء عجيب.

(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً) : أئذا متنا وصرنا ترابا أي رفاة وعظاما نخرة نرجع أحياء.

(ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) : أي بعيد الإمكان في غاية البعد.

(قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) : أي قد أحاط علمنا بكل شيء فعلمنا ما تنقص الأرض من

__________________

(١) صح في الموطأ وفي مسلم أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ بهذه السورة في صلاة الصبح وفي عيدي الأضحى والفطر أيضا مع سورة القمر.

١٣٦

أجساد الموتى وما تأكل من لحومهم وعظامهم فكيف يستبعد منا إحياؤهم بعد موتهم.

(وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ) : أي كتاب المقادير الذي قد كتب فيه كل شيء ومن بين ذلك أعداد الموتى وأسماؤهم وصورهم وأجسامهم ويوم إعادتهم.

(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) : بل كذب المشركون بما هو أقبح من تكذيبهم بالبعث وهو تكذيبهم بالنبوة المحمدية وبالقرآن ومن نزل عليه.

(فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) : أي مختلط عليهم فهم فيه مضطربون لا يثبتون على شيء إذ قالوا مرة سحر ومرة قالوا شعر ومرة كهانة وأخرى أساطير.

معنى الآيات :

قوله تعالى (ق) الله أعلم بمراده به إذ هو من الحروف المقطعة الآحادية نحو ص. ون وقوله تعالى (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (١) أي الكريم فالقرآن مجيد كريم لما فيه من الخير والبركة إذ قراءة الحرف الواحد منه بعشر حسنات. وقوله والقرآن المجيد قسم والجواب محذوف تقديره إن محمدا لرسول أمين. وقوله تعالى (بَلْ عَجِبُوا (٢) أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) أي إنهم لم يستنكروا أصل الإرسال إليهم وإنما أنكروا كون المرسل بشرا مثلهم ينذرهم عذاب يوم القيامة وهم لا يؤمنون بالبعث الآخر فلذا قالوا ما أخبر تعالى به عنهم وقوله (فَقالَ الْكافِرُونَ) أي بالبعث (هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ)

أي أمر يدعو إلى التعجب إذ من مات وصار ترابا لا يعقل أن يبعث مرة أخرى فيسأل ويحاسب ويجزي وقد أفصحوا عن معتقدهم بقولهم (أَإِذا (٣) مِتْنا وَكُنَّا تُراباً) ذلك الرجوع إلى الحياة رجوع بعيد التحقيق. قال تعالى (قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ (٤) الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ (٥) حَفِيظٌ) هذه برهنة واضحة على إبطال دعواهم وتحقيق عقيدة البعث أي قد علمنا ما تنقص الأرض منهم بعد الموت من لحم وعظم ، (وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ) قد حوى كل شيء وحفظه مادة وكميّة وكيفية بمقتضاه يعود

__________________

(١) (الْمَجِيدِ) : المتصف بقوة المجد ، والمجد والمجادة : الشرف الكامل ، وكرم النوع ولذا فالقرآن يفوق في مجده كلّ كلام على الاطلاق حتى الكلام الموحى به إلى رسل الله عليهم‌السلام.

(٢) (بَلْ) للاضراب الانتقالي ، وهو انتقال من تقرير النبوة المحمدية التي أثبتها بالقسم إلى تقرير عقيدة البعث والجزاء إذ أورد قول الكافرين المنكرين لها ثم أثبتها بالأدلة القاطعة من عدة آيات كأنما قال : دع ذا واسمع ما أقول. و (أَنْ جاءَهُمْ) مجرور بمن محذوفة أي من أن جاء وبعد السبك من مجيئهم.

(٣) الاستفهام للإبطال والتعجيب والمتعجب منه محذوف تقديره أنرجع إلى الحياة بعد انعدامنا بالموت وصيرورتنا ترابا؟

(٤) قوله (ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ) إشارة إلى أن هناك أجسادا لا تبيد كلها بل يبقى أبعاضها ، وإلى أن عجب الذنب لا يفنى ولا يبيد بل يبقى كما هو ليعاد الخلق به يوم القيامة.

(٥) التنكير في (كِتابٌ) للتعظيم ويدل عليه قوله (حَفِيظٌ).

١٣٧

الخلق كما بدأ لا ينقص منه شيء وقوله ، (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) أي إن هناك ما هو أشنع من إنكارهم وأقبح عقلا وهو تكذيبهم بالقرآن ومن أنزل عليه وهو الحق من الله فلذا هم فيه في أمر مريج أي مختلط فمرة قالوا في الرسول إنه ساحر وقالوا شاعر وقالوا مفتر كذاب وقالوا في القرآن أساطير الأولين فهم حقا (فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) مختلط عليهم لا يدرون ما يقولون ويثبتون عليه.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان شرف القرآن ومجده وكرمه.

٢ ـ تقرير البعث والوحي الإلهي.

٣ ـ البرهنة الصحيحة الواضحة على صحة البعث والجزاء وإمكانهما.

٤ ـ تقرير عقيدة القضاء والقدر بتقرير كتاب المقادير.

(أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١))

شرح الكلمات :

(أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ) : أي أعموا فلم ينظروا بعيونهم معتبرين بعقولهم إلى السماء كائنة فوقهم فيعلموا أن استبعادهم للبعث غير صحيح.

(كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها) : أي كيف بنيناها بلا عمد. وزيناها بالكواكب.

(وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ) : أي وليس لها من شقوق تعيبها.

(وَالْأَرْضَ مَدَدْناها) (١) : أي بسطناها

__________________

(١) (الْأَرْضَ) منصوب على الاشتغال أي : مددنا الأرض مددناها.

١٣٨

(وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) : أي جبالا رواسي ثوابت لا تسير ولا تتحرك مثبتة للأرض كي لا تميد بأهلها.

(وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (١) : أي وأنبتنا في الأرض من كل صنف من أنواع النباتات حسن.

(تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) : أي جعلنا ذلك تبصرة وذكرى منا لكل عبد منيب إلى طاعتنا رجاع إلينا.

(وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً) : أي ماء المطر كثير البركة.

(فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) : أي أنبتنا بماء السماء بساتين وحب الحصيد أي المحصود من البر والشعير.

(وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ) (٢) : أي وأنبتنا بالماء النخيل الطوال العاليات.

(لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ) : أي لها طلع منضد متراكب بعضه فوق بعض.

(رِزْقاً لِلْعِبادِ) : أي أنبتنا ما أنبتنا من الجنات والحب الحصيد والنخل الباسقات قوتا للعباد ورزقا لهم مؤمنهم وكافرهم.

(وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً) : وأحيينا بذلك الماء الذي أنزلناه بلدة ميتا لا نبات فيها من الجدب الذي أصابها والقحط.

(كَذلِكَ الْخُرُوجُ) : أي كما أخرجنا النبات من الأرض الميتة بالماء نخرجكم أحياء من قبوركم يوم القيامة بماء ننزله من السماء على الأرض فتنبتون كما ينبت البقل.

معنى الآيات :

ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث وهي العقيدة التي بني عليها كل إصلاح يراد للإنسان بعد عقيدة الإيمان بالله تعالى ربّا وإلها قال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا (٣) إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ (٤) بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ) أي أعمي أولئك المنكرون للبعث المكذبون بلقاء ربهم يوم القيامة فلم ينظروا بعيونهم معتبرين بعقولهم إلى حجم السماء الواسع العالي الرفيع الكائن فوقهم وقد رفع بلا عمد ولا سند. وقد زيّنه خالقه بكواكب نيّرة وأقمار منيرة وشموس مضيئة ولم ير في السماء

__________________

(١) (مِنْ) ليست للتبعيض بل هي للتأكيد إلا أن زيادتها مع الإثبات نادرة كما هي هنا.

(٢) لا يقال للطويل : باسق إلا إذا كان طوله في علو وارتفاع أما ما يكون طوله في امتداد وانبساط فلا يقال له باسق.

(٣) الاستفهام للإنكار عليهم عدم النظر لتقرر به عقيدة البعث والجزاء ، والفاء تفريعية على إنكارهم السابق للبعث الآخر.

(٤) (فَوْقَهُمْ) ظرف في محلّ الحال ، وأطلق البناء على خلق العلويات بجامع الارتفاع والاستمساك وعدم السقوط والانهيار.

١٣٩

من تصدع ولا شقوق (١) ولا تفطر الحياة كلها أليس القادر على خلق السماء قادر على إحياء موتى خلقهم وأماتهم بقدرته أليس القادر على الخلق ابتداء وعلى الإماتة ثانية بقادر على إحياء من خلق وأمات (٢)؟ وقوله (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) أي مالهم لا ينظرون إلى الأرض أي بسطها وألقى فيها الجبال لتثبيتها حتى لا تميد بهم ، وقوله (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) أي صنف من النباتات والزروع بهيج المنظر حسنه ، وقوله (تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) وقوله (وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ) (٣) أي أليس الذي أنزل من السماء ماء مباركا لما يكثر به من الخيرات والبركات من النبات والحيوان فأنبت به جنّات أي بساتين من أشجار ونخيل وأعناب ، وأنبت به حب الحصيد وهو كل حب يحصد عند طيبه من قمح وشعير وذرة وغيرها وأنبت به النخل الباسقات العاليات المرتفعات في السماء لها طلعها النضيد المتراكب بعضه فوق بعض ليتحول إلى رطب شهي يأكله الإنسان وقوله رزقا للعباد أي قوتا لهم يقتاتون به مؤمنين وكافرين إلّا أن المؤمن إذا أكل شكر والكافر إذا أكل كفر ، وقوله (وَأَحْيَيْنا بِهِ) أي بالماء الذي أنزلناه من السماء مباركا بلدة ميتا لا نبات بها ولا عشب ولا كلأ فأصبحت تهتز رابية كذلك الخروج أي هكذا يكون خروجكم من قبوركم أيها المنكرون للبعث ينزل الله من السماء ماء فتنبتون وتخرجون من قبوركم كما يخرج الشجر والزرع من الأرض بواسطة الماء المبارك فبأي عقل تنكرون البعث أيها المنكرون. إنها كما قال تعالى (لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث بمظاهر القدرة الإلهية في الكون.

٢ ـ مشروعية النظر والاعتبار فيما يحيط بالإنسان من مظاهر الكون والحياة للعبرة طلبا لزيادة الإيمان والوصول به إلى مستوى اليقين.

٣ ـ فضل العبد المنيب وفضيلة الإنابة إلى الله تعالى والمنيب هو الذي يرجع إلى ربه في كل ما يهمه والإنابة التوبة إلى الله والرجوع إلى طاعته بعد معصيته.

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ

__________________

(١) من آيات القدرة والعلم الإلهيين : كون السماء على شكل قبة مرفوعة في قالب لا تشقق فيها ولا تصدع مزينة بأنواع النجوم والكواكب.

(٢) بلى إنه لقادر بلا مرية ولا شك.

(٣) (رِزْقاً) منصوب على أنه مفعول لأجله.

١٤٠