أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٢

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٥٧
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣

الجزء السّابع

(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦))

شرح الكلمات :

(عَداوَةً) : (١) العداوة : بغض نفسي تجعل صاحبها بعيدا ممن يعاديه فلا يصله بخير ، ولا يقربه بمودة ، وقد تحمله على إرادة الشر بالعدو.

(مَوَدَّةً). المودة : حب نفسي يجعل صاحبه يتقرب إلى من يوده بالخير ودفع الشر.

(قِسِّيسِينَ) : جمع قسيس : وهو الرئيس الديني لعلمه عند النصارى.

(وَرُهْباناً) : الرهبان : جمع راهب : مشتق من الرهبة وهو الرجل فى النصارى يتبتل وينقطع للعبادة في دير أو صومعة.

(ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) : الرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما أنزل إليه آيات القرآن الكريم الدالة على تشريف عيسى ووالدته مريم عليهما‌السلام ، وأن عيسى عبد الله

__________________

(١) (عَداوَةً) منصوب على التمييز مبيّنا لنسبة أشد وكذا مودّة.

٤

(الشَّاهِدِينَ) : جمع شاهد : من شهد لله بالوحدانية وللنبي محمد بالرسالة واستقام على ذلك.

(الصَّالِحِينَ) : جمع صالح : وهو من أدّى حقوق الله تعالى كاملة من الإيمان به وشكره على نعمه بطاعته ، وأدّى حقوق الناس كاملة من الإحسان إليهم ، وكف الأذى عنهم.

(فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا) : جزاهم بما قالوا من الإيمان ووفّقوا له من العمل جنات تجري من تحتها الأنهار.

معنى الآيات :

يخبر تعالى رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعداوة كل من اليهود والمشركين للمؤمنين وأنهم أشد عداوة من غيرهم ، فيقول (لَتَجِدَنَ (١) أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) أما اليهود فلما توارثوه خلفا عن سلف من إنكار الحق. والوقوف في وجه دعاته ، إضافة إلى أن أملهم في إعادة مجدهم ودولتهم يتعارض مع الدعوة الإسلامية وأما المشركون فلجهلهم وإسرافهم في المحرمات وما ألفوه لطول العهد من الخرافات والشرك والضلالات. كما أخبر تعالى أن النصارى هم أقرب مودة للذين آمنوا فقال : (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ (٢) مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) وعلل تعالى لهذا القرب من المودة بقوله : (ذلِكَ ...) أي كان ذلك بسبب أن منهم قسّيسين (٣) ورهبانا فالقسيسون علماء بالكتاب رؤساء دينيّون غالبا ما يؤثرون العدل والرحمة والخير على الظلم والقسوة والشر والرهبان لانقطاعهم عن الدنيا وعدم رغبتهم فيها ويدل عليه قوله : (وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) عن الحق وقبوله والقول به ولذا لما عمت المادية المجتمعات النصرانّية ، وانتشر فيها الإلحاد والإباحية قلّت تلك المودة للمؤمنين إن لم تكن قد انقطعت. أما قوله تعالى : (وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ

__________________

(١) اللّام في (لَتَجِدَنَ) لام القسم. وهذه الآيات الأربع كالفذلكة لما سبق من الآيات في أهل الكتاب.

(٢) هذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه إذ هاجر إليه المؤمنون الهجرة الأولى والثانية هروبا من اضطهاد المشركين وأذاهم ، ولمّا بعثت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة بهدايا تطالب برد المهاجرين إليها دعا النجاشي الرهبان والقسس وأسمعهم جعفر بن أبي طالب سورة مريم فبكوا حتى فاضت أعينهم من الدمع فنزلت هذه الآية.

(٣) جمع قسّ ويجمع على قساوسة ، والرهبان جمع راهب كراكب وركبان وفعله رهب يرهب رهبا ورهبا ورهبة إذا خاف والرهبانية والترهب التعبّد في صومعة أو دير.

٥

تَفِيضُ (١) مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) فالمعنيّ بها من أسلم من النصارى بمجرد أن تلي عليهم القرآن وسمعوه كأصحمة النجاشى وجماعة كثيرة ومعنى قولهم (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أنهم بعد ما سمعوا القرآن تأثروا به فبكوا من أجل ما عرفوا من الحق وسألوا الله تعالى أن يكتبهم مع الشاهدين ليكونوا معهم في الجنة ، والشاهدون هم الذين شهدوا لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة ، وأطاعوا الله ورسوله من هذه الأمة وقولهم : (وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ (٢) الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) فإن معناه : أي شيء يمنعنا من الإيمان بالله ربا وإلها واحدا لا شريك له ولا ولد ولا والد. وبما جاء من الحق في توحيده تعالى ونبّوة رسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن الطمع في أن يدخلنا ربنا الجنة مع الصالحين من هذه الأمة. ولما قالوا هذا أخبرهم تعالى أنه أثابهم به (جَنَّاتٍ (٣) تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) ، وأخبر تعالى أن ذلك الجزاء الذي جزاهم به هو (جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) وهم الذين أحسنوا القول والعمل مع سلامة عقائدهم ، وطهارة أرواحهم حيث لم يتلوثوا بالشرك والمعاصي ثم أخبر تعالى بأن الذين كفروا (٤) بالله إلها واحدا وبرسوله نبيا ورسولا ، وكذبوا بآياته القرآنية أولئك البعداء هم أصحاب (٥) الجحيم الذين لا يفارقونها أبدا.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ عظم عداوة اليهود والمشركين للإسلام والمسلمين.

٢ ـ قرب النصارى الصادقين في نصرانيتهم من المسلمين.

٣ ـ فضيلة التواضع ، وقبح الكبر.

__________________

(١) تفيض أعينهم من الدمع أي بالدمع : وحروف الجرّ تتناوب قال امرؤ القيس :

ففاضت دموع العين مني صبابة

على النحر حتى بلّ دمعي محملي

أي غلاف السيف.

(٢) في الكلام إضمار أي : ونطمع أن يدخلنا ربنا الجنة مع القوم الصالحين ، وهم أمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم الصادقين الصالحين.

(٣) دلّ هذا الجزاء الحسن على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم إذ به أجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم ورجاءهم وهكذا كلّ من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة.

(٤) في هذا احتراس إذ ما كلّ النصارى آمنوا لما سمعوا القرآن وبكوا وسألوا الله في صدق وآمنوا وعملوا الصالحات فأثابهم الله الجنة ، لا بل منهم الذين كفورا وكذبوا وهم الأكثرون فجزاؤهم الجحيم يلازمونها أبدا لظلمة قلوبهم وخبث نفوسهم.

(٥) يقال : نار جحمة على وزن نجمة أي : شديدة اللهب قال شاعر الحماسة الطائي :

نحن حبسنا بني جديلة في

نار من الحرب جحمة الضرم

٦

٤ ـ فضل هذه الأمة وكرامتها على الأمم قبلها.

٥ ـ فضل الكتابي إذا أسلم. وحسن إسلامه.

٦ ـ بيان مصير الكافرين والمكذبين وهو خلودهم في نار جهنم.

٧ ـ استعمال القرآن أسلوب الترغيب والترهيب بذكره الوعيد بعد الوعد.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩))

شرح الكلمات :

(لا تُحَرِّمُوا) : التحريم : المنع أي لا تمتنعوا.

(ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) : أي ما أباحه لكم وأذن لكم فيه من نكاح وطعام وشراب.

(حَلالاً طَيِّباً) : مباحا غير مستقذر ولا مستخبث.

(لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ) : لا يعاقبكم الله باللغو الذي هو ما كان بغير قصد اليمين.

(عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) : عزمتم عليها بقلوبكم بأن تفعلوا أو لا تفعلوا.

(مِنْ أَوْسَطِ) : أغلبه ولا هو من أعلاه ، ولا هو من أدناه.

(أَهْلِيكُمْ) : من زوجة وولد.

٧

(تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) : عتقها من الرق القائم بها.

(يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) : المتضمنة لأحكام دينه من واجب وحلال وحرام.

معنى الآيات :

الآيتان الأولى (٨٧) والثانية (٨٨) نزلتا في بعض (١) الصحابة منهم عبد الله بن مسعود وعثمان بن مظعون وغيرهما كانوا قد حضروا موعظة وعظهم إياها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فزهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة. وعزموا على التبتل والانقطاع عن الدنيا فأتوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسألوها عن صلاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقيامه فكأنهم تقالّوا ذلك فقال أحدهم : أنا لا آتي النساء ، وقال آخر : أنا أصوم لا أفطر الدهر كله وقال آخر : أنا أقوم فلا أنام ، فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فخطب الناس ، وقال : «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وإني وأنا رسول الله لآكل اللحم ، وأصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» ونزلت هذه الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ (٢) ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) من طعام وشراب ونساء ، (وَلا تَعْتَدُوا) بمجاوزة (٣) ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم فإن الله تعالى ربكم (لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً) أما الحرام فلا يكون رزقا لكم ، (وَاتَّقُوا اللهَ) أي خافوه بترك الغلوّ والتنطع المفضى بكم إلى الترهب ولا رهبانية في الإسلام. (الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) أي ربا يشرع فيحلل ويحرم ، وإلها يطاع ويعبد ، هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية أما الآية الثالثة وهي قوله تعالى : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) فقد نزلت لما قال أولئك الرهط من أصحاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (لقد حلفنا على ما عزمنا عليه من التبتل فماذا نصنع بأيماننا) فبين لهم تعالى ما يجب عليهم في أيمانهم لما حنثوا فيها بعدولهم عما حلفوا عليه فقال : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) وهو ما لا قصد للحلف فيه وإنما جرى لفظ اليمين على اللسان فقط نحو : لا والله أو بلى والله ، ومثله أن

__________________

(١) أخرج البخاري عن أنس قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسألون عن عبادته فلمّا أخبروا كأنّما تقالّوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد غفر الله له من ذنبه ما تقدّم وما تأخّر ، فقال أحدهم أمّا أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أمّا أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أمّا أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج ابدا فجاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».

(٢) قالت العلماء هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها تردّ على غلاة المترهبين وأهل البطالة من المتصوفين ، وقال الطبري لا يجوز لمسلم تحريم شيء مما أحلّ الله لعباده المؤمنين على نفسه من الطيبات.

(٣) إذا حرّم العبد على نفسه شيئا لا يحرم عليه إلّا امرأته فإنّها تحرم عليه بالطلاق.

٨

يحلف على الشيء يظنه كذا فيظهر على خلاف ما ظن ، (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) أي قصدتموها عازمين (١) عليها ، فمن حنث بعد الحلف فالواجب في حقه خروجا من الإثم كفّارة وهي (إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ) لكل مسكين نصف صاع أي مدّان (٢) من أعدل (ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) ما هو بالأجود الغالي ، ولا بالأردأ الرخيض ، (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) كقميص وعمامة ، أو إزار ورداء ، (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي عتق رقبة مؤمنة ذكرا كان أو أنثى صغيرة أو كبيرة فهذه الثلاثة المؤمن مخيّر في التكفير بأيها شاء ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام مفرقة أو متتابعة كما شاء هذا معنى قوله تعالى (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) ، وقوله (ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ) أي هذا الذي بين لكم هو ما تكفّرون به ما علق بنفوسكم من إثم الحنث. وقوله (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ) (٣) أي لا تكثروا الحلف فتحنثوا فتأثموا فتجب عليكم الكفارة لذلك. وقوله تعالى : (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) معناه مثل هذا التبيين الذي بينه لكم في مسألة الحنث في اليمين والكفارة له يبين لكم آياته المتضمنة لشرائعه وأعلام دينه ليعدكم بذلك لشكره بطاعته بفعل ما يأمركم به وترك ما ينهاكم عنه ، فله الحمد والمنة.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ حرمة تحريم ما أباح الله ، كحرمة تحليل ما حرم الله عزوجل.

٢ ـ بيان مدى حرص الصحابة على طاعة الله خوفا من عقابه وطمعا في إنعامه.

٣ ـ حرمة الغلو في الدين والتنطع فيه.

٤ ـ بيان كفارة اليمين بالتفصيل.

__________________

(١) هذا إذا لم يستثن بأن يقول إلّا أن يشاء الله أمّا من استثنى فلا كفارة عليه إذ لا إثم مع الاستثناء ولا بد للاستثناء من النطق يقول : إلّا أن يشاء الله ولا يتم إلّا بتحريك لسانه وشفتيه.

(٢) وفي الآية وجه آخر ذكره القرطبي وهو أن يبادر إلى إخراج الكفارة إذا حنث وهذا حفظها من النسيان ظاهر.

(٣) قال العلماء : الأيمان أربعة : يمينان يكفر فيهما إذا حنث ويمينان لا كفارة فيهما فالأوّلان أن يقول : والله لأفعلن كذا ثمّ يحنث والثاني أن يقول : والله لا أفعل كذا ويحنث ، واللّذان لا كفارة فيهما : الأولى : لغو اليمين وهو أن يحلف على الشيء يظنه كذا فيظهر خلافه ، والثانية : أن يجري على لسانه الحلف وهو غير قاصد نحو : لا والله ، بلى والله ، والخامسة : اليمين الغموس ، وهو أن يحلف متعمّدا الكذب وكفّارتها التوبة لا غير وإن كفّر مع التوبة فحسن.

٩

٥ ـ كراهة الإكثار من الحلف. وحرمة الحلف (١) بغير الله تعالى مطلقا.

٦ ـ استحباب حنث من (٢) حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه ، وتكفيره على ذلك أما إذا حلف أن يترك واجبا أو يأتي محرما فإن حنثه واجب وعليه الكفارة.

٧ ـ الأيمان ثلاثة : (٣) لغو : يمين لا كفارة لها إذ لا إثم فيها ، الغموس : (٤) وهي أن يحلف متعمدا الكذب ولا كفارة لها إلا التوبة ، اليمين المكفّرة : وهي التي يتعمد فيها المؤمن الحلف ويقصده ليفعل أو لا يفعل ثم يحنث فهذه التي ذكر تعالى كفارتها وبينها.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣))

__________________

(١) لحديث الترمذي : «من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر» وحديث الصحيح : «ألا إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت».

(٢) لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه».

(٣) هذا العدد مجمل وقد تقدم تفصيله وأنّ الأيمان خمسة.

(٤) أخرج البخاري «أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم سأله اعرابي قائلا يا رسول الله ما الكبائر؟ قال : الإشراك بالله قال ثمّ ما ذا؟ قال : عقوق الوالدين. قال : ثمّ ما ذا؟ قال اليمين الغموس. قلت وما اليمين الغموس؟ قال : التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب».

١٠

شرح الكلمات :

(الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) : الخمر (١) : كل مسكر كيفما كانت مادته وقلّت أو كثرت ، والميسر :

القمار. (٢)

(وَالْأَنْصابُ) : الأنصاب : جمع نصب. ما ينصب للتقرب به إلى الله أو التبرك به ، أو لتعظيمه كتماثيل الرؤساء والزعماء في العهد الحديث.

(الْأَزْلامُ) : جمع زلم : وهي عيدان يستقسمون بها في الجاهلية لمعرفة الخير من الشر والربح من الخسارة ، ومثلها قرعة الأنبياء ، وخط الرمل ، والحساب بالمسبحة.

(رِجْسٌ) : الرجس : المستقذر حسا كان أو معنى ، إذ المحرمات كلها خبيثة وإن لم تكن مستقذرة.

(مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) : أي مما يزيّنه للناس ويحببه إليهم ويرغبهم فيه ليضلهم.

(فَاجْتَنِبُوهُ) : اتركوه جانبا فلا تقبلوا عليه بقلوبكم وابتعدوا عنه بأبدانكم.

(تُفْلِحُونَ) : تكملون وتسعدون في دنياكم وآخرتكم.

(وَيَصُدَّكُمْ) : أي يصرفكم.

(فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) : أي انتهوا فالإستفهام للأمر لا للإستخبار.

(جُناحٌ فِيما طَعِمُوا) : أي إثم فيما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر قبل تحريم ذلك.

معنى الآيات :

لمّا نهى الله تعالى المؤمنين عن تحريم ما أحل الله تعالى لهم بيّن لهم ما حرّمه عليهم ودعاهم إلى تركه واجتنابه لضرره بهم ، وإفساده لقلوبهم وأرواحهم فقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ (٣) آمَنُوا) أي يا من صدقتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا اعلموا (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

__________________

(١) صحّ عن عمر رضي الله عنه أنّه خطب يوما فقال : أيّها الناس ألا إنّه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب والتمر ، والعسل والحنطة والشعير» والخمر ما خامر العقل أي : ستره وغطّاه فأصبح المرء يهذي ويقول الخطأ والصواب.

(٢) ما دامت علّة التحريم في الخمر والميسر هي إثارة العداوة بين إخوة الإيمان ، والصدّ وهو الإلهاء عن ذكر الله وعن الصلاة فإن كل ما ينشأ عنه إثارة العداوة والصدّ عن الذكر والصلاة فهو حرام.

(٣) هذه الآية نزلت بعد وقعة أحد وكانت في السنة الثالثة من الهجرة أي في آخرها ولكنها وقعت هنا في سورة المائدة بعد نزولها وهذه الآية هي الناسخة لإباحة الخمر ويروى في سبب نزولها أن ملاحاة كانت بين سعد بن أبي وقاص ورجل من الأنصار سببها شرب خمر في ضيافة لهم.

١١

وَالْأَنْصابُ (١) وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ) أي سخط وقذر مما يدعو إليه الشيطان ويزيّنه للنفوس ويحسنه لها لترغب فيه ، وهو يهدف من وراء ذلك إلى إثارة العداوة والبغضاء بين المسلمين الذين هم كالجسم الواحد. وإلى صدهم عن ذكر الله الذي هو عصمتهم وعن الصلاة التي هي معراجهم إلى الله ربهم ، وآمرتهم بالمعروف وناهيتهم عن المنكر ، ثم أمرهم بأبلغ أمر وأنفذه إلى قلوبهم لخطورة هذه المحرمات الأربع وعظيم أثرها في الفرد والمجتمع بالشر والفساد فقال : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٢)؟!) وأمرهم بطاعته وطاعة رسوله وحذرهم من مغبة المعصية وآثارها السيئة فقال (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) مغبة ذلك ثم أعلمهم أنّهم إن تولوا عن الحق بعد ما عرفوه فالرسول لا يضيره توليهم إذ ما عليه إلا البلاغ المبين وقد بلّغ وأما هم فإن جزاءهم على توليهم سيكون جزاء الكافرين وهو الخلود في العذاب المهين. هذا معنى قوله : (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا (٣) أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وقوله تعالى في الآية الأخيرة (٩٣) (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا (٤) وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقد نزلت لقول بعض الأصحاب (٥) لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (يا رسول الله ما بال الذين ماتوا من إخواننا وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر؟) أي كيف حالهم فهل يؤاخذون أو يعفى عنهم فأنزل الله تعالى هذه الآية فأعلم أنهم ليس عليهم جناج أي إثم أو مؤاخذة فيما شربوا وأكلوا قبل نزول التحريم بشرط أن يكونوا قد اتقوا الله في محارمه وآمنوا به وبشرائعه ، وعملوا الصالحات استجابة لأمره وتقربا إليه. فكان رفع الحرج عليهم مقيدا بما ذكر. وقوله : (ثُمَّ اتَّقَوْا ...) كما لا (٦) جناح على الأحياء فيما طعموا وشربوا قبل التحريم

__________________

(١) ذكر الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر المقصود منه تأكيد التحريم وتقويته نظرا لما ألفته النفوس منهما ، والمراد من تحريم الأنصاب تحريم عبادتها وصنعها ، وبيعها.

(٢) هذه الصيغة تستعمل للحث على الفعل إذا المأمور بدا عليه التراخي أو عدم الاهتمام مما أمر بفعله أو تركه. والفاء في (فَهَلْ أَنْتُمْ) تفريع عن قوله : (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ.). الآية ، والمأمور بالانتهاء عنه هو الخمر والميسر فلذا يقدّر عنهما بعد (مُنْتَهُونَ).

(٣) (فَاعْلَمُوا) جواب الشرط أي فإن توليتم عن طاعة الله والرسول فاعلموا أن توليكم لا يضر الرسول شيئا إنما على الرسول البلاغ وقد بلّغكم.

(٤) جملة : (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا) تأكيد لفظي لجملة : (إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ).

(٥) يروى أن القائل : أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو سؤال اشفاق ورحمة على من مات وهو يشرب هذا المحرم.

(٦) الجناح ، الإثم المترتب عن الجنح الذي هو الميل إلى المعصية وعدم الطاعة.

١٢

وبشرط الإيمان ، والعمل الصالح والتقوى لسائر المحارم ، ودوام الإيمان والتقوى والإحسان في ذلك بالإخلاص فيه لله تعالى.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ حرمة الخمر والقمار ، وتعظيم الأنصاب والاستقسام بالأزلام.

٢ ـ وجوب الانتهاء من تعاطي هذه المحرمات فورا وقول انتهينا يا ربنا كما قال عمر رضي الله عنه.

٣ ـ بيان علة تحريم شرب الخمر ولعب الميسر وهي إثارة العداوة والبغضاء بين الشاربين واللاعبين والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهما قوام حياة المسلم الروحية.

٤ ـ وجوب طاعة الله والرسول والحذر من معصيتهما.

٥ ـ وجوب التقوى حتى الموت ووجوب الإحسان في المعتقد والقول والعمل.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦))

١٣

شرح الكلمات :

(لَيَبْلُوَنَّكُمُ) : ليختبرنكم.

(الصَّيْدِ) (١) : ما يصاد. (٢)

(تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ) (٣) : كبيض الطير وفراخه.

(وَرِماحُكُمْ) : جمع رمح ، وما ينال به هو الحيوان على اختلافه.

(لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ) : ليظهر الله تعالى بذلك الاختبار من يخافه بالغيب فلا يصيد.

(فَمَنِ اعْتَدى) (بعد التحريم) : بأن صاد بعد ما بلغه التحريم.

(وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) : جمع حرام والحرام : المحرم لحج أو عمرة ويقال رجل حرام وامرأة حرام.

(مِنَ النَّعَمِ) : النعم : الإبل والبقر والغنم.

(ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) : أي صاحبا عدالة من أهل العلم.

(وَبالَ أَمْرِهِ) : ثقل جزاء ذنبه حيث صاد والصيد حرام.

(وَلِلسَّيَّارَةِ) : المسافرين يتزوّدون به في سفرهم. وطعام البحر ما يقذف به إلى الساحل.

معنى الآيات :

ينادي الرب تبارك وتعالى عباده المؤمنين ليعلمهم مؤكدا خبره بأنه يبلوهم اختبارا لهم ليظهر (٤) المطيع من العاصي فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ) فحرم عليهم تعالى الصيد وهم حرم ثم ابتلاهم بوجوده بين أيديهم بحيث تناله أيديهم ورماحهم بكل يسر وسهولة على نحو ما ابتلى به بني إسرائيل في تحريم الصيد يوم السبت فكان السمك يأتيهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا يأتيهم كذلك بلاهم ربهم بما كانوا يفسقون بيد أن المسلمين استجابوا لربهم

__________________

(١) أذن للمحرم ولمن في الحرم في قتل ما يؤذي كالحية والعقرب ، والغراب والفأرة وكل ما يؤذي كالأسد والنمر والذئب والفهد لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة».

(٢) الصيد مصدر صاد يصيد صيدا وأطلق المصدر على اسم المفعول : المصيد فقالوا : صيد.

(٣) قوله : (تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ) يريد صغار الصيد ، وفراخه وبيضه. (وَرِماحُكُمْ) هو كبار الصيد الذي لا يؤخذ باليد ولكن بآلة الصيد.

(٤) أي ليظهر ذلك لهم إقامة للحجة عليهم أما هو سبحانه وتعالى فعلمه بذلك أزلي سابق.

١٤

وامتثلوا أمره ، على خلاف بني إسرائيل فإنهم عصوا وصادوا فمسخهم قردة خاسئين.

وقوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) ، أي فمن صاد بعد هذا التحريم فله عذاب أليم هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٩٤). أما الآية الثانية (٩٥) وهي قوله تعالى : (يا أَيُّهَا (١) الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا (٢) الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) فأكد لهم تحريم الصيد وبيّن لهم ما يترتب على ذلك من جزاء فقال (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) فالحكم الواجب على من قتله جزاء (مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهى الإبل والبقر والغنم (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فالعدلان ينظران إلى الصيد وما يشبهه من النعم فالنعامة تشبه الجمل وبقرة الوحش تشبه البقرة ، والغزال يشبه التيس وهكذا فإن شاء (٣) من وجب عليه بغير أو بقرة أو تيس أن يسوقه إلى مكة الفقراء الحرم فليفعل وإن شاء اشترى بثمنه طعاما وتصدق به ، وإن شاء صام بدل كل نصف صاع يوما لقوله تعالى : (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) وقوله تعالى : (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) أي ثقل جزاء مخالفته وقوله تعالى : (عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ) أي ترك مؤاخذتكم على ما مضى ، وأما مستقبلا فإنه تعالى يقول (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ (٤) اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ) ومعناه أنه يعاقبه على معصيته ولا يحول دون مراده تعالى حائل ألا فاتقوه واحذروا الصيد وأنتم حرم ، هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة (٩٦) فقد أخبر تعالى بعد أن حرم على المؤمنين الصيد وهم حرم وواجب الجزاء على من صاد. أخبر أنه امتنانا منه عليهم أحل لهم صيد البحر أي ما يصيدونه من البحر وهم حرم كما أحل لهم طعامه وهو ما يقذفه البحر من حيوانات (٥) ميتة على ساحله (مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) وهم المسافرون يتزودون به في سفرهم ويحرم عليهم صيد البر ما داموا حرما ، وأمرهم بتقواه أي بالخوف من عقوبته فيلزموا طاعته بفعل ما أوجب وترك ما حرم ، وذكرهم بحشرهم جميعا إليه يوم القيامة للحساب والجزاء فقال : (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).

__________________

(١) روي أنّ أبا اليسر عمرو بن مالك الأنصاري قتل حمار وحش وهو محرم بعمرة عام الحديبية فنزلت هذه الآية.

(٢) القتل لغة : إفاتة الروح وهو أنواع منها النحر ، والذبح ، والخنق ، والرضخ وشبهه.

(٣) قالت العلماء : ما يجزئ من الصيد شيئان دواب وطير فيجزئ ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ففي النعامة بدنه والطير : القيمة إلا الحمام ففيه شاة.

(٤) الجمهور أنّ من صاد ودفع الجزاء ثمّ صاد كلما صاد لزمه الفداء ، وبعض أهل العلم يرى أنه لا يحكم عليه بشيء ويترك لله تعالى ويقال له : ينتقم الله منك.

(٥) مذهب مالك حلية ميتة البحر مطلقا لحديث : «هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته» وحديث العنبر.

١٥

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ ابتلاء الله تعالى لأصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحديبية بكثرة الصيد بين أيديهم. وحرم عليهم صيده فامتثلوا أمر الله تعالى ولم يصيدوا فكانوا خيرا من بني إسرائيل وأفضل منهم على عهد انبيائهم.

٢ ـ تحريم الصيد على المحرم إلا صيد البحر فإنه مباح له.

٣ ـ بيان جزاء من صاد وهو محرم وانه جزاء مثل ما قتل من النعم.

٤ ـ وجوب التحكيم فيما صاده المحرم ، ولا يصح أن يكفر الصائد بنفسه.

٥ ـ صيد الحرم حرام على الحرام من الناس والحلال.

(جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠))

شرح الكلمات :

(الْكَعْبَةَ) : الكعبة كل بناء مربع والمراد بها هنا بيت الله الحرام.

(قِياماً لِلنَّاسِ) : يقوم به أمر دينهم بالحج إليه والاعتمار ودنياهم بأمن داخله وجبي ثمرات كل شيء إليه.

١٦

(الشَّهْرَ الْحَرامَ) : أي المحرم والمراد به الأشهر الحرم الأربعة رجب والقعدة والحجة ومحرم.

(الْهَدْيَ) : ما يهدى إلى البيت من أنواع الهدايا.

(وَالْقَلائِدَ) : جمع قلادة ما يقلده البعير أو البقرة المهدى إلى الحرم.

(الْبَلاغُ) : بلاغ ما أمره بإبلاغه.

(ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ) : أي ما تظهرون وما تخفون.

(الْخَبِيثُ) : مقابل الطيب وهو الحرام وهو عام في المحسوسات والمعقولات.

(أُولِي الْأَلْبابِ) : أصحاب العقول.

معنى الآيات :

قوله تعالى : (جَعَلَ (١) اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ (٢) قِياماً لِلنَّاسِ) المراد من الناس العرب في جاهليتهم قبل الإسلام ومعنى قياما : أن مصالحهم قائمة على وجود البيت يحج ويعتمر يأمن الآتى إليه والداخل في حرمه ، وكذا الشهر (٣) الحرام وهي أربعة أشهر القعدة والحجة ومحرم ورجب ، (٤) وكذا الهدي وهو ما يهدى إلى الحرم من الأنعام ، وكذا القلائد جمع قلادة وهي ما يقلده الهدي إشعارا بأنه مهدى إلى الحرم ، وكذا ما يقلده الذاهب إلى الحرم نفسه من لحاء (٥) شجر الحرم إعلاما بأنه آت من الحرم أو ذاهب إليه فهذه الأربعة البيت الحرام والشهر الحرام والهدى والقلائد كانت تقوم مقام السلطان بين العرب فتحقق الأمن والرخاء في ديارهم وخاصة سكان الحرم من قبائل قريش فهذا من تدبير الله تعالى لعباده وهو دال على علمه وقدرته وحكمته ورحمته ولذا قال تعالى : (ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي حقق ذلك الأمن والرخاء في وقت لا دولة لكم فيه ولا نظام ليعلمكم أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات وشتى

__________________

(١) الله الذي أوجد الكعبة إذ أمر خليله ببنائها فبناها هذا الإيجاد الأخير أمّا الأوّل فكان على عهد آدم عليه‌السلام ، وجعل هنا بمعنى صيرها كذلك أي قياما للناس الذين هم العرب.

(٢) قياما وقيما وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لأن أصل الفعل قام يقوم قواما وقياما.

(٣) الشهر : اسم جنس ولذا أريد به هنا الأشهر الحرم الأربعة.

(٤) يقال له رجب الأصم لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح ويقال : رجب مضر لأن مضر كانت تعظّمه أكثر من غيره ، والأصب حيث يصب فيه الخير صبّا.

(٥) لحاء ككساء : قشر الشجر.

١٧

المخلوقات لا يخفى عليه من أمرها شيء ، وأنه بكل شيء عليم فهو الإله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه فاعبدوه ، وتوكلوا عليه واتركوا عبادة غيره والنظر إلى سواه ، وإن لم تفعلوا فسوف يعاقبكم بذلك أشد العقوبة وأقساها فإنه عزوجل شديد العقاب فاعلموا ذلك واتقوه.

هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى (٩٧) والثانية (٩٨) أما الآية الثالثة (٩٩) فقد أكدت مضمون قوله تعالى في الآية الثانية (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) وهو وعيد شديد فقال تعالى (ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) (١) وقد بلّغ ، فأنذر وأعذر ، وبقي الأمر إليكم إن أنبتم إلى ربكم وأطعتموه فإنه يغفر لكم ويرحمكم لأنه غفور رحيم ، وإن أعرضتم وعصيتم فإنه يعلم ذلك منكم ويؤاخذكم به ويعاقبكم عليه وهو شديد العقاب وقوله (وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ) وعد ووعيد لأن علمه تعالى بالظواهر والبواطن يترتب عليه الجزاء فإن كان العمل خيرا كان الجزاء خيرا وإن كان العمل شرا كان الجزاء كذلك.

هذا مضمون الآية الثالثة أما الرابعة (١٠٠) فإنه تعالى يقول لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قل للناس أيها الناس أنه (لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ) (٢) من المعتقدات والأقوال والأعمال والرجال والأموال (٣) ، (وَالطَّيِّبُ) منها ، ولو أعجبتكم (٤) أي سرتكم كثرة الخبيث فإن العبرة ليست بالكثرة والقلة وإنما هي بالطيّب النافع غير الضار ولو كان قليلا ، وعليه (فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ) أي خافوه فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه رجاء حصول الفلاح لكم بالنجاة من المرهوب والحصول على المرغوب المحبوب.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ بيان عظيم تدبير الله تعالى لخلقه ، إذ أمّن مصالح قريش والعرب فأوجد لهم أمنا

__________________

(١) أي ليس عليه هداية الناس ولا التوفيق ولا الثواب. وأصل البلاغ : البلوغ وهو الوصول ، بلغ المكان يبلغه وصل إليه ، وأبلغه الشيء أوصله إليه فعلى الرسول إبلاغ أمر الله ونهيه وأخباره إلى عباده بأسلوب بلاغي يصل به إلى نفوسهم في أطيب لفظ وأحسنه.

(٢) الخبيث لا يساوي الطيب مقدارا ولا انفاقا ومكانا ولا ذهابا فالطيب يأخذ جهة اليمين ، والخبيث يأخذ ذات الشمال ، والطيّب والطيّبون في الجنة ، والخبيث والخبثاء في النار.

(٣) قالت العلماء : في قوله : (لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ) الآية دليل على أنّ البيع الفاسد يفسخ ويرد الثمن على المبتاع وشاهده من السنة قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ».

(٤) الخطاب في قوله (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) الخطاب صالح لكل من هو أهل للخطاب والانتفاع به من عقلاء هذه الأمة ولذا قلت في التفسير ولو أعجبتكم ولم أقل : أعجبتك.

١٨

واستقرارا وتبع ذلك هناءة عيش وطيب حياة بما ألقى في قلوب عباده من احترام وتعظيم للبيت الحرام والشهر الحرام ، والهدي والقلائد ، الأمر الذى لا يقدر عليه إلا الله.

٢ ـ بيان مسئولية الرسول أزاء الناس وأنها البلاغ لا غير وقد بلغ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٣ ـ تقرير الحكمة القائلة العبرة بالكيف لا بالكم فمؤمن واحد أنفع من عشرة كفرة ودرهم حلال خير من عشرة حرام وركعتان متقبلتان خير من عشرة لا تقبل.

٤ ـ الأمر بالتقوى رجاء فلاح المتقين.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)) (١) (٢)

شرح الكلمات :

(إِنْ تُبْدَ لَكُمْ) : تظهر لكم تضركم.

__________________

(١) من الأحناف من يمنع الحبس ، والوقف تعلّقا واستدلالا بهذه الآية وهو محجوج بإجماع الصحابة لحديث عمر في الصحيح إذ قال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم «احبس الأصل وسبّل الثمرة».

(٢) وذلك إذا نتجت خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء وإن كان أنثى بحروا أذنها أي شقوها وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها ، والسائبة ، بغير يسيب بنذر ينذره أحدهم للآلهة إن حصل له كذا سيّب كذا وتترك فلا تمنع من رعي ولا ماء ولا يركبها أحد.

١٩

(عَفَا اللهُ عَنْها) : سكت عنها فلم يذكرها أو لم يؤاخذكم بها.

(سَأَلَها قَوْمٌ) : طلبها غيركم من الأمم السابقة.

(ما جَعَلَ اللهُ) : أي ما شرع.

(بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ) : البحيرة : الناقة تبحر أذنها أي تشق ، والسائبة : الناقة تسيّب.

(وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ) : الوصيلة : الناقة يكون أول إنتاجها أنثى ، والحام : الجمل يحمى ظهره للآلهة.

(ما أَنْزَلَ اللهُ) : من الحق والخير.

(ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) : من الباطل والضلال.

معنى الآيات :

لقد أكثر بعض الصحابة من سؤال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى تضايق منهم فقام خطيبا فيهم وقال : «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» .. فقام رجل يدعى عبد الله بن حذافة كان إذا تلامى مع رجل دعاه إلى غير أبيه فقال من أبي يا رسول الله؟ فقال : أبوك حذافة ، وقال أبو هريرة : خطبنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا ولو قلت نعم ، لوجبت ، ولو وجبت لما استطعتم ، ثم قال : ذروني ما تركتكم» فنزلت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ (١) إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أي تظهر لكم جوابا لسؤالكم يحصل لكم بها ما يسؤكم ويضركم ، (وَإِنْ (٢) تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) أي يبينها رسولنا لكم. أما أن تسألوا عنها قبل نزول القرآن بها فذلك ما لا ينبغي لكم لأنه من باب إحفاء رسول الله وأذيته ثم قال تعالى لهم : (عَفَا اللهُ عَنْها) أي لم يؤاخذكم بما سألتم (وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ، فتوبوا إليه يتب (٣) عليكم واستغفروه يغفر لكم ويرحمكم فإنه غفور رحيم. وقوله تعالى : (قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ) أي قد سأل أسئلتكم التنطعية

__________________

(١) ممنوع من الصرف لأنّه مشبه بحمراء. في الآية دليل على كراهة السؤال لغير حاجة وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنّ الله حرّم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات ، وكره لكم ثلاثا : قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».

(٢) إن قيل : ما وجه أنه تعالى نهاهم عن السؤال ثم أذن لهم بقوله : (وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها ..) الخ؟ الجواب : إن تسألوا عن غيرها مما دعت الحاجة إليه ، ففي الكلام حذف مضاف كما قدّمناه فتأمله.

(٣) بعد انقطاع الوحي أمن الناس من نزول ما قد يسوء ومع هذا فإن سؤال التنطع والتعنت مكروه دائما وفي الحديث الصحيح : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

٢٠