أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

نحو أوديتهم التي بها مزارعهم ومنازلهم (قالُوا هذا عارِضٌ (١) مُمْطِرُنا) أي هذا سحاب يعرض في السماء ذاهبا صوب وادينا ليسقينا ، وهو معنى قوله (هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا) أي ممطر أراضينا المصابة بالجفاف الشديد. قال تعالى (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ) أي ليس بالسحاب الممطر بل هو العذاب الذي طالبتم به لجهلكم وخفة أحلامكم ، وبيّنه بقوله (رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ) أي تحمل في ثناياها العذاب الموجع ، (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) تمر به فتهلكه (بِأَمْرِ رَبِّها) أي بإذنه وقد أتت عليهم عن آخرهم ولم ينج إلا هود والذين آمنوا معه برحمة من الله خاصة ، (فَأَصْبَحُوا لا (٢) يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ) أي لا يرى الرائي إذا نظر إليهم إلّا مساكنهم خالية ما بها أحد. قال تعالى (كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (٣) أي كهذا الجزاء بالدمار والهلاك نجزي المجرمين أي المفسدين أنفسهم بالشرك والمعاصي.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان سنة الله في الأمم في إرسال الرسل إليهم

٢ ـ وبيان مهمة الرسل وهي النذارة والبلاغ.

٣ ـ بيان سفه وجهل الأمم التي تطالب بالعذاب وتستعجل به.

٤ ـ بيان أن عادا أهلكت بالريح الدّبور ، وأن نبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نصر بريح الصبا كما في الحديث الصحيح.

٥ ـ بيان سنة الله تعالى في إهلاك المجرمين وهم الذين يصرون على الشرك والمعاصي.

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ

__________________

(١) العارض : السحاب الذي يعترض جو السماء ، والاستقبال التوجه نحو الشيء ليكون قبالته.

(٢) قرأ الجمهور ومنهم نافع : لا ترى بالتاء المفتوحة ، وقرأ حفص وغيره (لا يُرى) بالياء والبناء للمجهول ، والمراد بالمساكن : آثارها وبعض الجدران الشاخصة منها.

(٣) في الآية دليل على إفساد الإجرام وأنه سبب كل هلاك ، وحقيقته : أنه إفساد الروح بالشرك والمعاصي فعلا وتركا.

٦١

أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨))

شرح الكلمات :

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) : أي ولقد مكنا قوم عاد من القوة التي لم نمكنكم أنتم من مثلها.

(وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً) : وجعلنا لهم أسماعا وأبصارا.

(فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ) : أي من الإغناء.

(إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ) : أي لعلة هي أنهم كانوا يجحدون بآيات الله وهي حججه البيّنة.

(وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) : أي نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به.

(وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى) : أي من أهل القرى كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين.

(وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) : أي كررنا الحجج وضربنا الأمثال ونوعنا الأساليب لعلهم يرجعون إلى الحق فيؤمنون ويوحدون.

(فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً) : أي فهلا نصرهم بدفع العذاب عنهم الذين اتخذوهم من دون الله آلهة يتقربون بهم إلى الله في زعمهم.

(بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ) : أي غابوا عنهم عند نزول العذاب.

(وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ) : أي خذلان آلهتهم لهم وعدم نصرتهم لهم بل غيابهم عنهم هو إفكهم وافتراؤهم الذي كانوا يفترونه.

معنى الآيات :

ما زال السياق في مطلب هداية قريش انه لما قص تعالى عليهم قصة عاد وتجلت فيها عظات كثيرة وعبرة كبيرة قال لهم (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ) (١) أي قوم عاد مكناهم في الأرض فأعطيناهم من مظاهر

__________________

(١) الجملة في محل نصب على الحال من واو الجماعة في قوله : (قالُوا أَجِئْتَنا) والكلام مستعمل في التعجيب من عدم انتفاعهم بمواهب عقولهم.

٦٢

القوة المادية (فِيما إِنْ (١) مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) (٢) أنتم يا معشر كفار قريش (وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً) أي قلوبا (فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ) أي أسماعهم (وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ) من الإغناء (إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ) أي بحججه وبيّناته الدالة على وجوب توحيده وحاق أي نزل بهم العذاب الذي كانوا إذا خوفوا به وأنذروا استهزأوا وسخروا وقوله تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى) كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وقوله (وَصَرَّفْنَا الْآياتِ) أي وكررنا الحجج وضربنا الأمثال ونوعنا العظات والعبر (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إلى الحق الذي انصرفوا عنه وهو التوحيد والاستقامة فأبوا إلّا الإصرار على الشرك والباطل فأهلكناهم. (٣) (فَلَوْ لا) أي فهلا (نَصَرَهُمُ الَّذِينَ (٤) اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً) يتقربون بها إلى الله في زعمهم والجواب ما نصروهم (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ) أي غابوا فلم يعثروا عليهم بالكلية. قال تعالى (وَذلِكَ إِفْكُهُمْ (٥) وَما كانُوا يَفْتَرُونَ) أي ذلك الذي تم لهم من الخذلان والعذاب هو إفكهم أي كذبهم وافتراؤهم الذي كانوا يعيشون عليه قبل هلاكهم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان أن الإعراض عن دين الله والإصرار على الفسق عن أمر الله ، والاستمرار على الخروج على طاعته إذا استوجب صاحبه العذاب ونزل به لم يغن عنه ذكاؤه ولا دهاؤه ولا علمه وحضارته ولا علوه وتطاوله.

٢ ـ بيان أن الآيات والحجج وضرب الأمثال وسوق العبر والعظات لا تنفع في هداية العبد ، إذا لم يرد الله هدايته (فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ) ويحيق به العذاب ويهلكه جزاء تكذيبه وكفره وإعراضه وفسقه.

__________________

(١) (فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) (ما) موصولة و (إن) نافية عدولا عن النفي بما حتى لا تجتمع ميمان ، الموصولة والنافية ارتقاء في الأسلوب.

(٢) التمكين : إعطاء المكنة : بفتح الميم وكسر الكاف وهي : القدرة والقوة ، يقال : مكن من كذا وتمكن إذا قدر عليه ، ومكنه أقدره عليه.

(٣) أصل لو لا إذا دخلت على الجملة الفعلية كانت للتحضيض على تحصيل ذلك الفعل فإذا كان الفاعل غير المخاطب بالكلام كانت للتوبيخ ، إذ لا طائل في تحضيض المخاطب على فعل غيره ، والإتيان بالموصول لما في الصلة من التنبيه على الخطأ والغلط في عبادة الأصنام التي لم تغن عنهم شيئا كقول الشاعر :

إن الذين ترونهم إخوانكم

يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا

(٤) الكلام تضمن التوبيخ للأمم الهالكة على شركهم وعنادهم لرسلهم تعريضا بقريش المصرة على الخطأ نفسه الذي هلكت به الأمم المجاورة لها لعلهم يتذكرون فيتوبون.

(٥) (وَذلِكَ إِفْكُهُمْ) هذه فذلكة قوله تعالى : (فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا) الخ والإشارة إلى ما تضمنه قوله : اتخذوا من دون الله قربانا آلهة والافتراء نوع من الكذب كابتكار الأخبار الكاذبة ، ويرادف الاختلاق.

٦٣

٣ ـ بيان غياب الشركاء من الأنداد التي كانت تعبد عن عابديها فضلا عن نصرتها لهم وذلك الخذلان هو جزاء كذبهم وافترائهم في الحياة الدنيا.

(وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢))

شرح الكلمات :

(وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ) : أي واذكر إذ أملنا إليك نفرا من الجن جن نصيبين أو نينوي.

(فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا) : أي حضروا سماع القرآن قالوا أي بعضهم لبعض أصغوا لاستماع القرآن.

(فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) : أي فرغ من قراءته رجعوا إلى قومهم مخوفين لهم من العذاب.

(مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) : أي من الكتب السابقة كالتوراة والانجيل والزبور وغيرها.

(يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) : أي من العقائد في الشرائع والاسلام.

(وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) : أي ويحفظكم هو عذاب يوم القيامة.

(فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ) : أي فليس بمعجز الله هربا منه فيفوته.

(أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) : أي الذين لم يجيبوا داعي الله وهو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الإيمان.

: أي في ضلال عن طريق الإسعاد والكمال ظاهر بيّن.

٦٤

معنى الآيات :

ما زال السياق في طلب هداية قوم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنه بعد أن ذكرهم بعاد وما أصابها من دمار وهلاك نتيجة شركها وكفرها وإصرارها على ذلك فقال تعالى (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ) إلى آخر الآيات ذكرهم هنا بما هو تقريع لهم وتوبيخ إذ أراهم أن الجن خير منهم لسرعة استجابتهم للدعوة والقيام بتبليغها فقال تعالى (وَإِذْ) (١) (صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ) (٢) أي اذكر لقومك من كفار مكة وغيرها إذ صرفنا إليك نفرا من الجن وهم عدد ما بين السبعة إلى التسعة من جن نصيبين وكانوا من أشراف الجن وسادتهم صرفناهم إليك أي أملناهم إليك وأنت تقرأ في صلاة الصبح ببطن نخلة بين مكة والطائف صرفناهم إليك (يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا) (٣) أي أصغوا واستمعوا ولا تشوشوا ، قاله بعضهم لبعض ، (فَلَمَّا قُضِيَ) أي القرآن فرغ منه ، (وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ) أي رجعوا إلى قومهم من الجن بنصيبين ونينوي منذرين إياهم أي مخوفينهم من عذاب الله إذا استمروا على الشرك والمعاصي فماذا قالوا لهم قالوا ما أخبر تعالى به عنهم (قالُوا يا قَوْمَنا) (٤) (إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى) (٥) وهو القرآن (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي من الكتب الإلهية التي سبق نزولها كصحف ابراهيم والتوراة والزبور والإنجيل ، ووصفوا القرآن بما يلي يهدي إلى الحق والصواب في كل شيء اختلف فيه الناس من العقائد والديانات والأحكام ، ويهدي إلى صراط مستقيم أي طريق قاصد غير جور ألا وهو الإسلام دين الأنبياء عامة.

وقالوا مبلغين منذرين (يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ) (٦) وهو محمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (وَآمِنُوا بِهِ) أجيبوه إلى ما يدعو إليه من توحيد الله وطاعته وآمنوا بعموم رسالته وبكل ما جاء به من الهدى ودين الحق ويكون جزاؤكم على ذلك أن (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) أي يغفر لكم الذنوب التي بينكم وبين الله تعالى بسترها عليكم ولا يؤاخذكم بها ، وأما الذنوب التي بينكم وبين بعضكم بعضا فإنها لا تغفر إلا من قبل المظلوم نفسه باستسماحه أو ردّ الحق إليه ، وقوله

__________________

(١) الجملة معطوفة على قوله (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ) وإن طلبت المناسبة بين هذه الآيات وما تقدمها في السورة فهي قوله تعالى (أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ).

(٢) النفر : العدد دون العشرين.

(٣) (أَنْصِتُوا) أمر بتوجيه الأسماع إلى الكلام اهتماما به لئلا يفوت منه شيء وفي الحديث : (أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر جابرا في حجة الوداع فقال له : استنصت الناس) قبل أن يبدأ خطبته صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(٤) جملة : (قالُوا يا قَوْمَنا) الخ مبينة لقوله تعالى : (مُنْذِرِينَ).

(٥) ظاهر الآية أنهم كانوا يهودا مؤمنين بموسى ولم يكونوا على دين عيسى عليه‌السلام.

(٦) قال ابن عباس رضي الله عنهما : استجاب لهم سبعون رجلا من قومهم فأتوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فوافقوه بالبطحاء «مكة» فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم.

٦٥

ويجركم (١) من عذاب أليم أي ويحفظكم منقذا لكم من عذاب أليم أي ذي ألم موجع وهو عذاب النار ، ثم قالوا : (وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ) أي لم يستجب لنداء محمد فيؤمن به ويوحد الله تعالى فليس بمعجز في الأرض أي لله بل الله غالب على أمره ومهما حاول الهرب فإن الله مدركه لا محالة (وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ) يتولون أمره ولا أنصار ينصرونه. قال تعالى (أُولئِكَ) أي المذكورون في هذا السياق ممن لم يجيبوا داعي الله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي في عمى وغواية بين أمرهم واضح لا يستره شيء.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ إثبات عالم الجن وتقريره في هذا السياق ولذا كان إنكار الجن كإنكار الملائكة كفرا.

٢ ـ وجوب التأدب عند تلاوة القرآن بالإصغاء التام.

٣ ـ وجوب البلاغ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي الحديث بلغوا عني ولو آية.

٤ ـ الإعراض عن دين الله يوجب الخذلان والحرمان.

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥))

__________________

(١) اختلف في : هل مؤمنو الجن يدخلون الجنة أو لا؟ فذهب أبو حنيفة والحسن البصري قبله إلى أن ثوابهم أن ينجوا من النار فقط ثم يكونون ترابا كسائر الحيوان ، وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنهم يدخلون الجنة ، وحجة المانعين من دخولهم الجنة هذه الآية (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) ودليل من قال بدخولهم الجنة قوله تعالى في هذه السورة (لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا).

٦٦

شرح الكلمات :

(وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَ) : أي لم يتعب ولم ينصب لخلق السموات والأرض.

(بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى) : أي انه قادر على إحياء الموتى وإخراجهم أحياء من قبورهم للحشر.

(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) : أي ليعذبوا فيها.

(أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ) : أي يقال لهم تقريعا : أليس هذا أي العذاب بحق؟.

(قالُوا بَلى وَرَبِّنا) : أي انه لحق وربنا حلفوا بالله تأكيدا لخبرهم.

(فَاصْبِرْ) : أي يا رسولنا محمد على أذى قومك.

(أُولُوا الْعَزْمِ) : أي أصحاب الحزم والصبر والعزم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلّى الله عليهم أجمعين وسلم. وهم أصحاب الشرائع.

(وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) : أي ولا تستعجل نزول العذاب لأجلهم.

كأنهم يوم يرون العذاب : أي في الآخرة.

(لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً) : أي لم يقيموا في الدنيا إلا ساعة من نهار وذلك لطول العذاب.

(بَلاغٌ) : أي هذا القرآن بلاغ للناس أي تبليغ لهم.

(فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) : أي ما يهلك إلا القوم التاركون لأمر الله المعرضون عنه الخارجون عن طاعته.

معنى الآيات :

ما زال السياق في مطلب هداية قريش الكافرة بالتوحيد المكذبة بالبعث والنبوة فقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا) أي أعملوا (أَوَلَمْ (١) يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) إنشاءا وإبداعا من غير مثال سابق (وَلَمْ يَعْيَ) (٢) أي ينصب ويتعب (بِخَلْقِهِنَ) أي السموات والأرض بقادر على أن يحيى الموتى لحشرهم إليه ومحاسبتهم ومجازاتهم بحسب أعمالهم في الدنيا الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها (بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقوله تعالى (وَيَوْمَ يُعْرَضُ (٣) الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) لما أثبت البعث وقرره ذكر بعض ما يكون فيه فقال ويوم يعرض الذين كفروا على النار أي تعرضهم الزبانية على النار فيقولون لهم

__________________

(١) الاستفهام إنكاري ، وجوابه قوله تعالى : (بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

(٢) عيي كرضي ويعي كيرضى وهو : العجز في الحيلة والرأي وأما الإعياء بمعنى التعب ففعله : أعيا يعيى إعياء إذا تعب ، وجائز أن يكون عيي بمعنى نصب وتعب.

(٣) أظهر في موضع الإضمار للإشارة إلى علة الحكم وهي : الكفر تحذيرا منه.

٦٧

تقريعا وتوبيخا (أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ)؟ (١) أي أليس هذا التعذيب بحق؟ فيقولون مقسمين على ثبوته بما أخبر تعالى عنهم في قوله : (قالُوا بَلى وَرَبِّنا) فلما اعترفوا قيل لهم (فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي بسبب كفركم أي جحودكم لتوحيد الله ولقائه. ثم أمر تعالى رسوله أن يتدرّع بالصبر وأن يتمثل صبر أولي (٢) العزم ليكون أقوى منهم صبرا كما هو أعلى منهم درجة فقال له فاصبر يا رسولنا على ما تلاقي من أذى قومك من تكذيب وأذى فاثبت لذلك كما ثبت أولوا العزم من قبلك ، والظاهر انهم المذكورون في قوله تعالى من سورة الأحزاب (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) ، ومن الجائز أن يكون عدد أولي العزم أكثر مما ذكر وقوله تعالى (وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) لما أمره بالصبر نهاه عن استعجال العذاب لقومه فقال فاصبر ولا تستعجل العذاب لهم. (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) (٣) تعليل لعدم استعجال العذاب لأنه قريب جدا حتى إنهم يوم ينزل بهم ويرونه كأنهم لم يلبثوا في الدنيا على طول الحياة فيها إلا ساعة من نهار وقوله تعالى (بَلاغٌ) أي هذا القرآن وما حواه من تعليم وبيان للهدى تبليغ للناس وقوله (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) (٤) ينفي تعالى هلاك غير الفاسقين عن أوامره الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

٢ ـ الكفر هو الموجب للنار والكفر هو تكذيب بوجود الله تعالى وهو الإلحاد أو تكذيب بلقائه تعالى أو بآياته أو رسله ، أو شرائعه بعضا أو كلّا.

٣ ـ وجوب الصبر على الطاعات فعلا ، وعن المعاصي تركا ، وعلى البلاء بعدم التّضجّرو السّخط.

٤ ـ اطلاق الفسق على الكفر باعتباره خروجا عن طاعة الله فيما يأمر به من العقائد والعبادات وينهى عنه من الشرك والمعاصي.

__________________

(١) الاستفهام تقريري وتنديم على ما كانوا يزعمونه من الباطل ، وإقسامهم بقولهم : (وَرَبِّنا) من باب التحنن والتخضع تلمسا العفو وعدم المؤاخذة.

(٢) (الْعَزْمِ) : نية محققة على عمل أو قول دون تردد ، والمحمود منه ما كان في امتثال أوامر الله ورسوله واجتناب نواهيهما ، ودونه ما كان فيما يجلب خيرا ويدفع شرا.

(٣) (مِنْ نَهارٍ) وصف لساعة ، وكونها من نهار إشارة إلى قلتها وعدم طولها بخلاف ساعة الليل فإنها ترى طويلة. و (بَلاغٌ) خبر ، والمبتدأ محذوف تقديره : هذا بلاغ.

(٤) (فَهَلْ يُهْلَكُ) الاستفهام للنفي ولذا صح الاستثناء منه ، و (ال) في (الْقَوْمُ) للجنس ليشمل كل من فسق ، والفسق : الخروج عن طاعة الله والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالإصرار على الشرك والكفر.

٦٨

سورة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (١)

أو القتال

مدنية

وآياتها ثمان وثلاثون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣))

شرح الكلمات :

(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) : أي كفروا بتوحيد الله ولقائه وبآياته ورسوله وصدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام.

(أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) : أي أحبط أعمالهم الخيرية كإطعام الطعام وصلة الأرحام فلا يرى لها أثر يوم القيامة.

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) : أي آمنوا بالله وآياته ورسوله ولقائه وأدوا الفرائض واجتنبوا النواهي.

(وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ) : أي بالقرآن الكريم.

(كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) : أي محا عنهم ذنوبهم وغفرها لهم.

(وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) : أي شأنهم وحالهم فهم لا يعصون الله تعالى.

(ذلِكَ) : أي اضلال أعمال الكافرين وتكفير سيئات المؤمنين.

__________________

(١) تسميتها بسورة محمد أكثر وأشهر في كتب التفسير والحديث معا.

٦٩

(بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ) : أي الشيطان في كل ما يمليه عليهم ويزينه لهم من الكفر. والشرك والمعاصي.

(وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ) : أي التوحيد والعمل الصالح.

(كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ) : أي كما بيّن تعالى حال الكافرين ، وحال المؤمنين في هذه الآية يبين للناس أمثالهم ليعتبروا.

معنى الآيات :

قوله تعالى (الَّذِينَ (١) كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) (٢) هذه جملة خبريّة أخبر تعالى فيها عن حال من كفر بالله ورسوله وصد عن سبيل الله أي الإسلام غيره من الناس أضل الله عمله (٣) فأحبطه فلم يحصل له ثواب في الآخرة ، ولازمه انه هالك في النار ، وتكون هذه الجملة كأنها جواب لسؤال نشأ عن قوله تعالى في خاتمة سورة الأحقاف قبل هذه السورة وهي فهل يهلك إلّا القوم الفاسقون أي ما يهلك إلّا القوم الفاسقون فقال قائل من هم القوم الفاسقون؟ فكان الجواب الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وهو وجه ارتباط بين السورتين حسن. هذا وقوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا) : أي (٤) بالله ورسوله وآياته ولقائه (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) أي أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا رمضان وحجوا البيت الحرام ووصلوا الأرحام وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، ولو بالاستعداد للقيام بذلك إذ بعض هذه الصالحات لم يشرع بعد و (آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ) صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة لأنها وحي إلهي يتلقاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي صحيح الحديث [ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه] وقوله تعالى (وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) : أي القرآن لأنه ناسخ للكتب قبله ولا ينسخ بكتاب بعده. فهو الحق الثابت الباقي إلى نهاية الحياة. وقوله (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) : أي محا عنهم ذنوبهم (وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) (٥) أي شأنهم وحالهم فلم يفسدوا بعد بشرك ولا كفر

__________________

(١) الكفر الإشراك بالله والصد عن سبيل الله ، هو صرف الناس عن اتباع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والدخول في الإسلام ، ويدخل فيه الصد عن المسجد الحرام للاعتمار والحج.

(٢) قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في المطعمين ببدر وهم اثنا عشر رجلا : أبو جهل والحارث بن هشام وذكرهم ، وهم الذين أطعموا الناس يوم بدر ليثبتوا على القتال ولا يفروا ، أبطل أعمالهم لعلة شركهم وكفرهم والآية عامة في كل كافر وما بعدها في كل مؤمن.

(٣) أصل الإضلال : الخطأ عن الطريق ، ولما كان المطعمون عملوا عملا ظنوا أنه خير لهم ونافع فلما أبطله الله تعالى عليهم فلم ينتفعوا به كانوا كمن ضل طريقه فشقى وهلك.

(٤) هذه فئة المؤمنين المقابلة لفئة الكافرين ذكر لها ثلاث صفات كما تلك ثلاث صفات وهي : الإيمان المقابل للكفر ، والإيمان بما نزل على محمد المقابلة للصد عن سبيل الله ، وعمل الصالحات المقابلة لما فعله المطعمون من الطعام.

(٥) البال : يطلق على القلب وعلى العقل ، وعلى ما يخطر للمرء من التفكير وهو أكثر إطلاقه ولعله حقيقة فيه ، ومجاز في غيره ، ويطلق أيضا على الحال والشأن ، والقدر لحديث (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر).

٧٠

هذا جزاؤهم على إيمانهم وصالح أعمالهم. وقوله تعالى (ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (١) اتَّبَعُوا الْباطِلَ) : وهو الشيطان وما يزينه من أعمال الشرك والشر والفساد ، (وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ) : وهو القرآن وما جاء به ودعا إليه من العقائد الصحيحة والعبادات المزكية للنفس المهذبة للأرواح. أي ذلك الجزاء للذين كفروا والذين آمنوا بسبب أن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. وقوله تعالى (كَذلِكَ يَضْرِبُ (٢) اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ) : أي مثل هذا التبيين لحال الكافرين وحال المؤمنين في هذه الآيات يبيّن الله للناس أمثالهم أي أحوالهم بالخسران والنجاح ليعتبروا فيسلكوا سبيل النجاح ، ويتجنبوا سبيل الخسران ، فضلا منه تعالى.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان طريقي الفلاح والخسران فطريق الفلاح الإيمان والعمل الصالح وطريق الخسران الشرك والمعاصي.

٢ ـ بيان أن أعمال البر مع الكفر والشرك لا تنفع صاحبها يوم القيامة ولا تشفع له وقد يثاب عليها في الدنيا فيبارك له في ماله وولده.

٣ ـ بيان الحكمة في ضرب الأمثال وهي هداية الناس إلى ما يفلحون به ، فينجون من النار ويدخلون الجنة.

(فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا

__________________

(١) هذا تبيين للسبب الأصلي في إضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال المؤمنين والباء : بأن : سببية ، واسم الإشارة مبتدأ والخبر : قوله (بِأَنَّ الَّذِينَ ..) الخ والإشارة إلى ما تقدم من الخبرين (أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) و (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ).

(٢) هذه الجملة تذييل لما سبق من بيان حال كل من الكافرين والمؤمنين و (يَضْرِبُ) بمعنى يلقي مبيّنا ، والأمثال : جمع مثل وهو : الحال التي تمثل صاحبها أي : تشهره للناس وتعرفهم به فلا يلتبس بنظائره.

٧١

فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩))

شرح الكلمات :

(فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) : أي إذا كان الأمر كما ذكر فإذا لقيتم الذين كفروا في ساحة المعركة فاضربوا رقابهم ضربا شديدا تفصلون فيه الرقاب عن الأبدان.

(حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ) : أي أكثرتم فيهم القتل ولم يصبح لهم أمل في الانتصار عليكم.

(فَشُدُّوا الْوَثاقَ) : أي فأسروهم بدل قتلهم وشدوا الوثاق أي ما يوثق به الأسير من إسار قدّا كان أو حبلا حتى لا يتفلتوا ويهربوا.

(فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) (١) : أي بعد أسركم لهم وشد وثاقهم فإما أن تمنوا منّا أي تفكوهم من الأسر مجانا ، وإما تفادونهم بمال أو أسير مسلم ، وهذا بعد نهاية المعركة.

(حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) : أي واصلوا القتال والأخذ والأسر إلى أن تضع الحرب أوزارها وهي آلاتها وذلك عند إسلام الكفار أو دخولهم في عهدكم فهذه غاية انتهاء الحرب حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

(ذلِكَ) : أي الأمر ذلك الذي علمتم من استمرار القتال إلى غاية إسلام الكفار أو دخولهم في عهدكم وذمتكم.

(وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) : أي بغير قتال منكم كأن يخسف بهم الأرض أو يصيبهم بوباء ونحوه.

(وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) : ولكن أمركم بالقتال وشرعه لكم لحكمة هي أن يبلو بعضكم ببعض أي يختبركم من يقاتل منكم ومن لا يقاتل ، والمؤمن يقتل فيدخل الجنة والكافر يقتل فيدخل النار.

(وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) (٢) : أي قتلهم العدو ، وقرىء قاتلوا في سبيل الله.

__________________

(١) (مَنًّا) و (فِداءً) : منصوبان على المفعولية المطلقة أي : تمنون منأ وإما تفدون فداء.

(٢) قرأ نافع قاتلوا بالبناء للفاعل ، وقرأ حفص : (قُوتِلُوا) بالبناء للمفعول.

٧٢

(فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ) : أي لا يحبطها ولا يبطلها.

(سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ) : أي سيوفقهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم ويصلح شأنهم.

(وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ) : أي ويدخلهم يوم القيامة الجنة بينها لهم فعرفوها بما وصفها لهم في كتابه وعلى لسان رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ) : أي في دينه ورسوله وعباده المؤمنين.

(يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) : أي على عدوكم ويثبت أقدامكم في المعارك.

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ) : أي تعسوا تعسا أي هلاكا وخيبة لهم.

(وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) : أي احبطها وأبطلها فلم يحصلوا بها على طائل.

(ذلِكَ) : أي الضلال والتعس.

(بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ) : أي من القرآن المشتمل على أنواع الهدايات والاصلاحات.

(فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ) : أي أبطلها وأضلها فلا ينتفعون بها لا في الدنيا ولا في الآخرة.

معنى الآيات :

لقد تقدم أن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد أضل أعمالهم وذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله إذا كان الأمر كذلك فليقاتلوا لانهاء كل من المفسدتين كفرهم وصدهم غيرهم عن الإسلام وهذا ما دل عليه قوله تعالى (فَإِذا لَقِيتُمُ (١) الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ) أي (٢) فاضربوا رقابهم ضربا يفصل الرأس عن الجسد وواصلوا قتالهم (حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ) أي أكثرتم فيهم القتل ، (فَشُدُّوا الْوَثاقَ) أي (٣) احكموا ربط الأسرى بوضع الوثاق وهو الحبل في أيديهم وأرجلهم حتى لا يتمكنوا من قتلكم ولا الهرب منكم وبعد ذلك أنتم وما يراه إمامكم من المصلحة العليا فإن رأى المن فمنوا عليهم مجانا بلا مقابل ، وإما تفادونهم فداء بمال ، أو برجال ، وستظل تلك حالكم قتل وأخذ وأسر ثم من وعفو مجاني ، أو فداء بعوض ومقابل إلى أن تضع الحرب أوزارها أي اثقالها من عدد وعتاد حربي ، وذلك لوصولكم إلى الغاية من الحرب وهي أن يسلم الكافر ، أو يدخل في ذمة المسلمين ، وهو معنى قوله تعالى في سورة البقرة (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ

__________________

(١) الفاء للتفريع أي : تفريع هذا الكلام على ما قبله ، والمقصود تهوين شأن الكافرين في قلوب المسلمين ، وإغراء المسلمين بقطع دابر الكافرين و (فَإِذا) : ظرفية شرطية ، وجوابها : (فَضَرْبَ الرِّقابِ) واللقاء معناه المقابلة في ساحة الحرب.

(٢) (فَضَرْبَ) : نصب ضرب على المفعولية المطلقة أي : فاضربوا الرقاب ضربا ، والجملة كناية عن قتل المشركين في ساحة المعركة سواء كان الضرب بالسيف أو الرمح أو السهام ، فصارت هذه الجملة لما تحمله من معاني الأخذ بالشدة كأنها مثل سائر.

(٣) (الْوَثاقَ) بفتح الواو ، ويجوز كسرها الشيء الذي يوثق به وهو كناية عن الأسر إذ الأسر يستلزم وضع الإسار في يد الأسير ليقاد به.

٧٣

وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ). : وقوله تعالى (ذلِكَ) : أي الأمر الذي علمتم من استمرار القتل والأسر إلى أن تضع الحرب أوزارها (١) بالدخول في (٢) الإسلام أو في ذمة المسلمين وقوله ولو شاء الله لا نتصر منهم أي بدون قتال منكم ولكن بخسف أو وباء أو صواعق من السماء ولكن لم يفعل ذلك من أجل أن يبلو بعضكم ببعض أي ليختبركم بهم. فيعلم المجاهدين منكم والصابرين ، ويبلوهم بكم فيعاقب من شاء منهم بأيديكم ، ويتوب على من يشاء منهم كذلك ، إذ انتصاركم عليهم ووقوعهم تحت سلطانكم يساعدهم على التوبة إلى الله والرجوع إلى الحق فيسلموا فيفلحوا بالنجاة من النار ودخول الجنة ، وقوله تعالى (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) : وفي قراءة (٣) والذين قتلوا في سبيل الله وهذه عامة في شهداء أحد وغيرهم وإن نزلت الآية فيهم فإن الله تعالى يخبر عن إنعامه عليهم بقوله (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ) في الدنيا ويوفقهم إلى كل خير ويصلح شأنهم ، ويدخلهم في الآخرة الجنة عرفها لهم أي بينها لهم في كتابه ولسان رسوله وطيّبها لهم أيضا ، (٤) وفي الآخرة يهديهم إلى منازلهم في الجنة كما قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم [فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا] «البخاري» ، وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) أي يا من آمنتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا إن تنصروا الله بنصر دينه ونبيّه وأوليائه بقتال أعدائه ينصركم الله ويجعل الغلبة لكم ، ويثبت أقدامكم في كل معترك لقيتم فيه المشركين والكافرين. وهذا وعد من الله تعالى كم أنجزه لعباده المؤمنين في تاريخ الجهاد في سبيل الله ، وقوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً (٥) لَهُمْ) أي تعسوا تعسا (٦) وهلكوا هلاكا وخابوا وخسروا ، (وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) فلم يعثروا عليها ولم يروا لها أدنى فائدة ذلك الجزاء وتلك العقوبة بأنهم أي بسبب (بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ) أي من القرآن من آيات التوحيد والشرائع والأحكام فأحبط أي لذلك أعمالهم فخسروا في الحياتين.

__________________

(١) الأوزار : جمع وزر كحمل وأحمال ، والمراد بها الأثقال من العتاد الحربي وهي كناية عن انتهاء الحرب بنصر الإسلام والمسلمين.

(٢) اختلف في : هل هذه الآية منسوخة أو محكمة والصحيح أنها محكمة وأن الإمام مخير بين القتل والأسر والفداء والمن ولكن لا بد من النظر في مصلحة الإسلام والمسلمين فنظر الحاكم يكون محققا للمصلحة العامة.

(٣) قاتلوا قراءة نافع و (قُتِلُوا) قراءة حفص كما تقدم في النهر قريبا.

(٤) قال ابن عباس (عَرَّفَها لَهُمْ) أي طيّبها لهم بأنواع الملاذ مأخوذ من العرف بفتح العين : الرائحة الطيبة.

(٥) التعس : الشقاء ، ويطلق على الهلاك والخيبة والسقوط والانحطاط.

(٦) (فَتَعْساً) : منصوب على المفعولية المطلقة كما في التفسير ويجوز أن يكون مستعملا في الدعاء عليهم لقصد التحقير والتفضيع لشأنهم وهو مثل سقيا ورعيا له وتبا له وويحا له ، وإن كان هذا فإنه يتعين تقدير قول محذوف أي : فقال الله : تعسا لهم. كقول أم مسطح : تعس مسطح دعاء عليه.

٧٤

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ وجوب الجهاد على أمة الإسلام ومواصلته كما بيّن تعالى في هذه الآيات إلى أن لا يبقى كافر يحارب بأن يدخلوا في الإسلام أو يعاهدوا ويدخلوا في ذمة المسلمين ويقبلوا على إصلاح أنفسهم وإعدادها للخير والفلاح.

٢ ـ إمام المسلمين مخير في الأسرى بين المنّ والفداء ، والقتل أيضا لأدلة من السنة.

٣ ـ بشرى المجاهدين في سبيل الله بإكرام الله لهم وإنعامه عليهم في الدنيا والآخرة.

٤ ـ يظفر بالنصر الحقيقي من نصر الله تعالى في دينه وأوليائه.

٥ ـ إنذار الكافرين بالتعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة.

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤))

شرح الكلمات :

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) : أي أغفل هؤلاء المشركون فلم يسيروا في البلاد.

(فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : أي كيف كانت نهاية الذين من قبلهم كعاد وثمود.

(دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها) : أي دمر عليهم مساكنهم فأهلكهم وأولادهم وأموالهم وللكافرين أمثال تلك العاقبة السيئة.

٧٥

(وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) : أي لا ناصر لهم.

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ) : أي بمتع الدنيا من مطاعم ومشارب وملابس ويأكلون.

(كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) : أي كأكل الأنعام بنهم وازدراد والنار مأواهم.

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً) : أي وكثير من أهل قرية هي أشد قوة.

(مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) : أي مكة إذ أخرج أهلها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) : أي على حجة وبرهان من أمر دينه فهو يعبد الله على علم.

(كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) : أي كمن زين الشيطان له سوء عمله.

(وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) : أي واتبعوا أهواءهم في عبادة الأصنام والجواب ليسوا سواء ولا مماثلة بينهما أبدا.

معنى الآيات :

قوله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (١) يوبخ تعالى المشركين المصرين على الشرك والكفر على إصرارهم على الشرك والعناد فيقول أغفلوا (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ) كعاد وثمود وقوم لوط إذ دمر تعالى عليهم بلادهم فأهلكهم وأولادهم وأموالهم فيعتبروا بذلك ، وقوله تعالى (وَلِلْكافِرِينَ) أمثال تلك العاقبة المدمّرة ، وعيد لكفار مكة بأن ينزل عليهم عقوبة كعقوبة الأولين إن لم يتوبوا من شركهم وإصرارهم عليه ، وعنادهم فيه. وقوله (ذلِكَ) (٢) أي نصر المؤمنين وقهر الكافرين بسبب (بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا) أي وليهم ومتولي أمرهم وناصرهم. (وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) لأن الله تعالى خاذلهم ومن يخذله الله فلا ناصر له. وقوله تعالى (إِنَّ اللهَ (٣) يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) هذا وعد من الله تعالى لأهل الإيمان والعمل الصالح بأن يدخلهم يوم القيامة جنات أي بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار وقوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ) في الدنيا بملاذها وشهواتها ، (وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ) إذ ليس لهم همّ إلا بطونهم وفروجهم ، ولذا هم لا

__________________

(١) الفاء للتفريع ، تفريع هذه الجملة الكلامية على الجملة السابقة وهي : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ) والاستفهام للتقرير التوبيخي.

(٢) جائز أن يكون اسم الإشارة منصرفا إلى مضمون قوله تعالى (وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها) فيفيد أن ما أصاب المشركين من الدمار والخزي والعار بسبب أن الله ناصر الذين آمنوا وما في التفسير في غاية الوضوح.

(٣) كلام مستأنف استئنافا بيانيا ، إذ هو بمثابة جواب لمن سأل عن حال المؤمنين في الآخرة وحال الكافرين في الدنيا ، أما في الآخرة فالأمر معلوم وهو أنهم أصحاب النار هم فيها خالدون إذ بيّن تعالى حال المؤمنين في الآخرة ، وحال الكافرين في الدنيا.

٧٦

يلتفتون إلى الآخرة. (وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (١) أي مقام ومنزل ومصير ، وهذا وعيد شديد للكافرين. وهذا هو الترغيب والترهيب الذي هو سمة بارزة في أسلوب القرآن في الهداية البشرية وقوله تعالى (وَكَأَيِّنْ (٢) مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) (٣) (أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ) هذه الآية نزلت ساعة خروج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من بيته إلى غار ثور مهاجرا فقد التفت إلى مكة وقال أنت أحب البلاد إلى الله وأحب بلاد الله إليّ ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك. ومعنى الآية الكريمة وكثير من القرى أهلها أشد قوة من أهل قريتك «مكة» التي أخرجك أهلها حيث حكموا بإعدامه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أهلكناهم أي أهل تلك القرى فلا ناصر وجد لهم عند إهلاكنا لهم. فكانت هذه الآية تحمل تسلية لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأي تسلية!! وقوله تعالى (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) أي على علم وبرهان من صحة معتقده وعبادته لله تعالى راجيا ثوابه خائفا من عقابه وهؤلاء هم المؤمنون ، (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ) أي قبيح عمله من الشرك والكفر فهو يعيد الأصنام ، (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) هم في ذلك فلم يتبعوا وحيا إلهيا ولا عقلا إنسانيا فهل حالهم كحال من ذكروا قبلهم والجواب لا يتماثلان إذ بينهما من الفوارق كما بين الحياة والموت ، والجنة والنار.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير قاعدة : العاقل من اعتبر بغيره.

٢ ـ تقرير ولاية الله لأهل الإيمان والتقوى.

٣ ـ بيان الفرق بين الماديين وأهل الإيمان والاستقامة على منهج الإسلام.

٤ ـ تسلية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تخفيفا من آلامه التي يعانيها من إعراض المشركين وصدوفهم عن الإسلام.

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ

__________________

(١) المثوى : مكان الثواء ، الذي هو الاستقرار ، وشاهده قول الشاعر :

آذنتنا ببينها أسماء

رب ثاو يملّ منه الثواء

(٢) (كَأَيِّنْ) تدل بوضعها على كثرة العدد مثل كم والمراد بالقرية أهلها بدليل أهلكناهم إذ لم يقل : أهلكناها ، والمراد بالقرية هنا : مكة أمّ القرى وأضيفت إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم تشريفا لها زيادة على شرفها إذ هي بلد الله الأمين.

(٣) أطلق الإخراج على ما عامل به المشركون الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الجفاء والأذى ومحاربة نشر الدعوة فكان ذلك سبب خروجه منها ، فأطلق الإخراج على مسبباته ، وإلا فالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج باختياره ولم يكرهه المشركون على الخروج بل كانوا يحاولون منعه من الخروج.

٧٧

يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥))

شرح الكلمات :

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) : أي صفة الجنة دار السّلام التي وعد الله بها عباده المتقين له.

(مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ) : أي غير متغيّر الريح والطعم لطول مكثه.

(وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) : أي من الشمع وفضلات النحل.

(وَسُقُوا ماءً حَمِيماً) : أي حارا شديد الحرارة.

(فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ) : أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم.

معنى الآيات :

قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي) (١) (وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) هذه الآية الكريم تضمنت شرحا وافيا لآنهار الجنة ، وشراب أهل النار ، كما اشتملت على مقارنة بين حال أهل الإيمان والتقوى وما وعدوا به من مغفرة ذنوبهم وإدخالهم الجنة ، وبين حال أهل النار وهم خالدون فيها وما وعدوا فيها من ألوان العذاب الشديد فقوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ) أي صفتها الممثلة لها الشارحة لحالها التي وعد المتقون أي التي وعد الله تعالى بها عباده المتقين له وهم أولياؤه الذين عبدوه ووحدوه فأطاعوه في الأمر والنهي فاتقوا بذلك الشرك والمعاصي. (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ) (٢) أي غير متغير الطعم ولا الريح بطول المكث (وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) أي بحموضة ولم يصر قارصا ولذلك لم يتغير ريحه أيضا وأنهار من خمرة لذة للشاربين (٣) أي وفيها (أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ) هي لذة لمن يشربها وسبب لذاذتها أنها غير كدرة ولا مسكرة ولا ريح غير طيبة لها ، (وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) أي وفيها أنهار من عسل مصفى أي من الشمع وفضلات النحل وقوله (وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) أي من سائر أنواع

__________________

(١) هذه الآية مستأنفة استئنافا بيانيا إذ فيها بيان لما قد يسأل عنه السائل. و (مَثَلُ الْجَنَّةِ) مبتدأ والخبر محذوف يقدّر ، بمثل مما سيوصف لكم أو ما سيتلى عليكم أو مما يتلى عليكم مثل الجنة وجملة : (فِيها أَنْهارٌ) بدل مفصل من مجمل.

(٢) أسن الماء : كضرب يأسن ، وكنصر وفرح أيضا فهو آسن : إذا تغير لونه.

(٣) اللذة : وصف وليست اسما وهي تأنيث اللذ أي اللذيذ قال الشاعر :

ذكرت شبابي اللذ غير قريب

ومجلس لهو طاب بين شروب

واللذاذة انفعال نفساني.

٧٨

الثمار من فواكه وغيرها. ومع ذلك (مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) لسائر ذنوبهم فهل يستوى من هذه حالهم بحال من هو خالد في النار لا يخرج منها وسقوا ماء حميما حارا شديد الحرارة فلما سقوه وشربوه قطع أمعاءهم (١) أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم والعياذ بالله من النار وحال أهل النار اللهم أجرنا من النار اللهم اجرنا من النار اللهم أجرنا من النار.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ التقوى هي السبب المورث للجنة هكذا جعلها الله عزوجل ، والتقوى هي بعد الإيمان فعل المأمورات وترك المنهيات من سائر أنواع الشرك والمعاصي.

٢ ـ بيان بعض نعيم الجنة من الشراب والفواكه.

٣ ـ بيان بعض عذاب النار وهو الخلود فيها وشرب الحميم.

٤ ـ تقرير البعث والجزاء ، وأن لا مماثلة بين أهل السعادة وأهل الشقاء.

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩))

شرح الكلمات :

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) : أي ومن الكفار المنافقين من يستمع إليك في خطبة الجمعة.

(ما ذا قالَ آنِفاً) : أي الساعة أي استهزاء منهم وسخرية يعنون انه شيء لا يرجع إليه ولا يعتد به لعدم فائدته.

__________________

(١) الأمعاء : جمع معى بكسر الميم وقد تفتح وهو ما ينتقل إليه الطعام بعد نزوله من المعدة ، ويسمى عفج بوزن كتف.

٧٩

(طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) : أي بالكفر فلذا هم لا يعون.

(وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) : أي في الكفر والنفاق.

(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) : أي المؤمنون.

(زادَهُمْ هُدىً) : أي زادهم الله هدى.

(وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) : أي ألهمهم ما يتقون به عذاب الله تعالى.

(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ) : أي ما ينتظر أهل مكة إلّا الساعة.

(أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) : أي فجأة.

(فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) : أي علاماتها كبعثة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وانشقاق القمر والدخان.

(فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ) : أي أنى لهم إذا جاءتهم التذكر الذي ينفعهم إذ قد أغلق باب التوبة.

(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) : أي فبناء على ما تقدم لك يا نبيّنا فاعلم أنه لا يستحق العبودية إلا الله فاعبده وتوكل عليه.

(وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) : أي قل استغفر الله أو اللهم اغفر لي.

(وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) : أي واستغفر للمؤمنين والمؤمنات.

(وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) : أي متصرفكم في النهار وأنتم تتصرفون في أمور دنياكم.

(وَمَثْواكُمْ) : أي مكان ثواكم وإقامتكم ونومكم بالليل.

معنى الآيات :

قوله تعالى ومنهم من يستمع إلى هذه الآية (١٦) والآية التي بعدها مدنيّتان لا شك لأنهما نزلت في شأن المنافقين قال تعالى مخبرا رسوله عن بعض المنافقين (وَمِنْهُمْ) أي ومن بعض المنافقين (مَنْ يَسْتَمِعُ (١) إِلَيْكَ) أي إلى حديثك يوم الجمعة وأنت تخطب الناس على المنبر (حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ) أي من المسجد (قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (٢) من أصحابك كعبد الله بن مسعود (ما ذا قالَ آنِفاً) (٣) ، وقولهم هذا ظاهر عليه الخبث إذا لو كانوا مؤمنين محبين لقالوا

__________________

(١) روي عن مقاتل أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن التابوت والحارث بن عمرو وزيد بن الصلت ، ومالك بن الدخشم من المنافقين بالمدينة إلا أن مالك بن الدخشم قد أسلم وحسن إسلامه والاستماع السماع ولكن بعناية واهتمام يتظاهرون بذلك نفاقا لا غير.

(٢) هم نفر من أصحاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم منهم عبد الله بن مسعود ، وأبو الدرداء وابن عباس وإن كان يومها صغيرا فإنه لا مانع أن يسأل ويجيب لما هو مؤهل له من طلب العلم والكمال فيه.

(٣) (آنِفاً) : أي الآن وهو أقرب الأوقات ، وسؤالهم هذا سؤال استهزاء ، وآنفا لم يسمع إلا ظرفا هكذا ، وقيل هو مشتق من الأنف لأنه أول ما يظهر من البعير فأطلق على أقرب الوقت. ومنه أمر أنف ، ورقة أنف لم ترع بعد قال الشاعر :

ويحرم سر جارتهم عليهم

ويأكل جارهم أنف القصاع

٨٠