🚘

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
🚘 نسخة غير مصححة

لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥))

شرح الكلمات :

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) : أي قبل قومك يا رسولنا بالبعث والتوحيد والنبوة قوم نوح.

(وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ) : أي وكذب أصحاب الرس وهي بئر كانوا مقيمين حولها يعبدون الأصنام وثمود وهم أصحاب الحجر قوم صالح.

(وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ) : وكذبت عاد قوم هود ، وكذب فرعون موسى عليه‌السلام.

(وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ) : أي وكذب قوم لوط أخاهم لوطا ، وكذب أصحاب الأيكة شعيبا.

(وَقَوْمُ تُبَّعٍ) : أي وكذب قوم تبع الحميري اليمني.

كل قد كذب الرسل : أي كل من ذكر قد كذب الرسل فلست وحدك المكذّب يا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(فَحَقَّ وَعِيدِ) : أي فوجب وعيدي لهم بنزول العذاب عليهم فنزل فهلكوا.

(أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) (١) : أي أفعيينا بخلق الناس أولا والجواب لا إذا فكيف نعيى بخلقهم ثانية وإعادتهم كما كانوا؟.

(بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) : أي هم غير منكرين لقدرة الله عن الخلق الأول بل هم في خلط وشك من خلق جديد لما فيه من مخالفة العادة وهي أن كل من مات منهم يرونه يفنى ولا يعود حيّا.

معنى الآيات :

ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء وإثبات النبوة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال تعالى (كَذَّبَتْ) (٢) (قَبْلَهُمْ) أي قبل قريش المكذبين بالبعث والجزاء وبالنبوة المحمدية كذبت قبلهم (قَوْمُ نُوحٍ) وهي أول أمة كذبت وعاش نوح نبيها ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوها إلى الله فلم يؤمن منهم أكثر من نيف وثمانين نسمة ، (وَأَصْحابُ الرَّسِ) أيضا قد أخذوا نبيهم ورسوه في بئر فقتلوه فأهلكهم الله

__________________

(١) أي : (أَفَعَيِينا) به فنعي بالبعث وهو توبيخ لمنكري البعث وجواب على قولهم ذلك رجع بعيد يقال : عييت بالأمر : إذا لم تعرف وجهه هذا في المعاني أما في الذوات فعيي بمعنى عجز ولم يقدر عليه.

(٢) هذا استئناف ابتدائي الغرض منه تسلية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإعلامه أن أمما كثيرة قد كذبت رسلها قبل تكذيب قومه له صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

١٤١

تعالى في بئر كانوا يقيمون على أصنام حولها يعبدونها فأهلكهم في تلك البئر وأهلك ثمودا وهم قوم صالح ، وعادا وهم قود هود وفرعون موسى وقوم لوط (١) ، (وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ) أي الشجر الملتف إذ كانوا يعبدون أشجار تلك الأيكة ، (وَقَوْمُ تُبَّعٍ) وهو تبع الحميري اليمني. وقوله تعالى (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ) أي كل تلك الأمم التي ذكرنا كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم ولا بما جاءوهم به من التوحيد والشرع (فَحَقَّ وَعِيدِ) (٢) أي فوجب لذلك عذابهم الذي واعدتهم به على ألسنة رسلي إن لم يؤمنوا فأهلكناهم أجمعين وقومك يا محمد هم موعودون أيضا بالعذاب إن لم يبادروا بالإيمان والطاعة. وقوله تعالى (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ (٣) الْأَوَّلِ) والجواب لا إذ الاستفهام للنفي أي لم يعي الله تعالى بخلق كل ما خلق من الملائكة والإنس والجن فكيف إذا يعيى بالإعادة وهي أهون من البدء والبداية ، وقوله تعالى (بَلْ هُمْ) (٤) (فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي انهم غير منكرين لقدرتنا على الخلق الأول بل هم في لبس أي خلط وشك من خلق جديد لما فيه من مخالفة العادة حيث هم يرون الناس يموتون ولا يحيون.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تعزية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتسليته بإعلامه بأن قومه ليسوا أول من كذب الرسل.

٢ ـ تهديد المصرين على التكذيب من كفار قريش بالعذاب إذ ليسوا بأفضل من غيرهم وقد أهلكوا لما كذبوا.

٣ ـ تقرير البعث والجزاء وإثبات عقيدتهما بالأدلة العقلية كبدء الخلق.

٤ ـ ضعف إدراك المنكرين للبعث لظلمة نفوسهم بالشرك والمعاصي.

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ

__________________

(١) قوله تعالى : (وَإِخْوانُ لُوطٍ) عبر بالإخوان دون القوم تنويع للأسلوب والمراد بهم قوم لوط ، والأخوة هنا أخوة تلازم ومواطنة وما هي بأخوة دين ولا نسب وأصحاب الأيكة : هم قوم شعيب عليه‌السلام.

(٢) أي : صدق وعده فيهم ووجب وقوعه عليهم.

(٣) الاستفهام للإنكار والتغليظ إذ لا يسعهم إلا الاعتراف بأن الله تعالى الذي خلق كل شيء في الأرض والسماء ومن جملة ذلك خلقهم هم المنكرون للبعث فكيف يعجز عن إعادة خلقهم مرة أخرى للجزاء والحساب.

(٤) (بَلْ) للإضراب الإبطالي أي : ما عيينا بالخلق الأول.

١٤٢

(١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢))

شرح الكلمات :

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) : أي خلقناه بقدرتنا وعلمنا لحكمة (١) اقتضت خلقه فلم نخلقه عبثا.

(وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) : أي ونعلم ما تحدث به نفسه أي نعلم ما في نفسه من خواطر وإرادات.

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) : أي نحن بقدرتنا على الأخذ منه والعطاء والعلم بما يسر ويظهر أقرب إليه من حبل الوريد الذي هو في حلقه.

(إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ) : أي نحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عمله فيكتبانه.

(عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ) (٢) : أي أحدهما عن يمينه قعيد والثاني عن شماله قعيد أيضا.

(ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ) : أي ما يقول من قول.

(إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) : أي إلا عنده ملك رقيب حافظ عتيد حاضر معد للكتابة.

(وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ) : أي غمرة الموت وشدته بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عيانا.

(ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) : أي ذلك الموت الذي كنت تهرب منه وتفزع.

(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) : أي ونفخ إسرافيل في الصور الذي هو القرن ذلك يوم الوعيد للكفار بالعذاب.

(مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ) : أي معها سائق يسوقها إلى المحشر وشهيد يشهد عليها.

__________________

(١) هذه الحكمة هي ذكره تعالى وشكره بأنواع العبادات لقوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وسائر المخلوقات هي لأجل الناس فعاد الأمر إلى أن المخلوقات كلها مخلوقة لعلة العبادة.

(٢) القعيد بمعنى المقاعد كالجليس بمعنى المجالس.

١٤٣

(لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) : أي من هذا العذاب النازل بك الآن.

(فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ) : أي أزلنا عنك غفلتك بما تشاهده اليوم.

(فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) : أي حاد تدرك به ما كنت تنكره في الدنيا من البعث والجزاء.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) حسب سنتنا في الخلق خلقناه بقدرتنا وعلمنا لحكمة (١) اقتضت خلقه منا ولم نخلقه عبثا ونحن (نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) أي ما تتحدث به نفسه من إرادات أو خواطر ، ونحن أي ربّ العزة والجلال (أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (٢) فلو أردنا أن نأخذ منه أو نعطيه أو نسمع منه أو نعلم به لكنا على ذلك قادرين وقربنا في ذلك منه أقرب من حبل عنقه إلى نفسه وذلك في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان (الْمُتَلَقِّيانِ) سائر أقواله وأعماله يثبتانها ويحفظانها وقوله (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ) أي أحد الملكين وهما المتلقيان عن يمينه قاعد والثاني عن شماله قاعد هذا يكتب الحسنات وذاك يكتب السيئات.

ولفظ قعيد معناه قاعد كجليس بمعنى مجالس أو جالس ، وقوله تعالى (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ) أي ما يقول الإنسان (إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) أي إلا عنده ملك رقيب حافظ ، وعتيد حاضر لا يفارقانه مدى الحياة إلا أنهما يتناوبان ملكان بالنهار وملكان بالليل ويجتمعون في صلاتي الصبح والعصر وقوله تعالى (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ (٣) بِالْحَقِ) أي وإن طال العمر فلا بد من الموت وها هي ذي قد جاءت سكرة الموت أي غمرته وشدته بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر للبعث والدار الآخرة المكذب به يراه عيانا. (ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) أي يقال له هذا الموت الذي كنت منه تحيد أي تهرب وتفزع. وقوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) أي نفخ اسرافيل في الصور أي القرن الذي قد التقمه وجعله في فيه من يوم بعث النبي الخاتم نبيّ آخر الزمان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو ينتظر متى يؤمر فينفخ نفخة الفناء ذلك أي يوم ينفخ في الصور هو (يَوْمُ الْوَعِيدِ) (٤) بالعذاب للكافرين ، وفعلا نفخ في الصور نفخة البعث بعد نفخة الفناء (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ) أي ملك يسوقها إلى

__________________

(١) تقدم بيان الحكمة للخلق تحت رقم واحد من هذا السياق في شرح الكلمات.

(٢) الوريد : واحد الشرايين ، وهو ثاني شريانين يخرجان من التجويف الأيسر من القلب وهما عرقان يكتنفان صفحتي العنق في مقدميهما متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه ، والحبل : العرق والجمع عروق ويختلف أسمه باختلاف موضعه من الجسم.

(٣) السكرة : اسم لما يعتري الإنسان من ألم واختلال في المزاج يحد من إدراك العقل فيختل الإدراك ويعتري العقل غيبوية وهو مشتق من السكر وهو الغلق لأنه يغلق العقل ، ومنه جاء وصف السكران.

(٤) يوم وعيد للكافرين ويوم وعد صادق للمؤمنين ، ولما كان السياق في دعوة الكافرين إلى الإيمان ذكر الوعيد دون الوعد.

١٤٤

المحشر وملك شاهد يشهد عليها. ويقال لذلك الذي جاء به سائق يسوقه وشاهد يشهد عليه (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) أي كنت في الدنيا في غفلة عن الآخرة وما فيها وغفلتك من شهواتك ولذّاتك وغرورك بالحياة الدنيا من هذا العذاب النازل بك الآن (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ) أي أزلنا عنك غفلتك بما تشاهده اليوم عيانا بيانا من ألوان العذاب (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي حاد تدرك به وتبصر ما كنت تكفر به في الدنيا وتنكره.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان قدرة الله وعلمه وأنه أقرب إلى الإنسان من حبل وريده ألا فليتق الله امرؤ.

٢ ـ تقرير عقيدة أن لكل إنسان مكلف ملكين يكتبان حسناته وسيئاته.

٣ ـ بيان أن للموت سكرات قطعا اللهم هون علينا سكرات الموت.

٤ ـ ساعة الاحتضار يؤمن كل إنسان بالدار الآخرة إذ يرى ما كان ينكره يراه بعينه.

٥ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض بعض أحوال وأهوال الآخرة.

(وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) (١) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠))

شرح الكلمات :

(وَقالَ قَرِينُهُ) : أي الملك الموكل به.

(هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) : أي هذا عمله حاضر لديّ.

__________________

(١) قرأ نافع : يوم يقول بالياء ، وقرأ حفص (نَقُولُ) بالنون.

١٤٥

(كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) : أي كثير الكفر والجحود لتوحيد الله وللقائه ولرسوله معاند كثير العناد.

(مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ) : أي مناع للحقوق والواجبات من المال وغيره.

(الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) : أي أشرك بالله فجعل معه آلهة أخرى يعبدها.

(رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ) : أي يقول قرينه من الشياطين يا ربنا ما أطغيته أي ما حملته على الطغيان.

(وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) : أي ولكن الرجل كان في ضلال بعيد عن كل هدى متوغلا في الشرك والشر.

(وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) : أي قدمت إليكم وعيدي بالعذاب في كتبي وعلى لسان رسلي.

(ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ) : أي ما يغير القول عندي وهو قوله لأملأن جهنم منكم أجمعين.

(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ) : أي وما الله بظلام للعبيد يوم يقول لجهنم هل امتلأت.

(وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) : أي لم أمتليء هل من زيادة فيضع الجبار عليها قدمه فتقول قط قط.

معنى الآيات :

ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مشاهد القيامة وأحوال الناس فيها فقال تعالى (وَقالَ قَرِينُهُ) (١) أي قال قرين (٢) ذلك الكافر الذي جيئ به إلى ساحة فصل القضاء ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه. قال قرينه وهو الملك الموكل به (هذا ما لَدَيَ) أي من أعمال هذا الرجل الذي وكلت بحفظ أعماله وكتابتها (عَتِيدٌ) أي حاضر. وهنا يقال لمن استحق النار (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ) وهو خطاب لمن (٣) جاءا به وهما السائق والشهيد (كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ) فهذه خمس صفات قد اجتمعت في شخص واحد فأوبقته الأولى (كَفَّارٍ) أي كثير الكفر الذي هو الجحود لما يجب الإيمان به والتصديق من سائر أركان الإيمان الستة ، والثانية عنيد والعنيد التارك لكل ما وجب عليه المعاند في الحق المعاكس في المعروف وهي شر صفة ، الثالثة مناع للخير أي كثير المنع للخير مالا كان أو غيره لا يبذل معروفا قط ، الرابعة معتد أي على حدود

__________________

(١) الواو واو الحال ، والجملة حالية ، وصاحب الحال تاء الخطاب في قوله تعالى (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) والقرين ، بمعنى مقرون وهو مأخوذ من القرن بفتح القاف والراء وهو الحبل إذ كانوا يقرنون البعير بمثله بحبل سموه القرن.

(٢) اختلف في تحديد القرين على ثلاثة أقوال وما ذكر في التفسير هو أرجحها.

(٣) وجائز أن يكون خطابا لواحد بصيغة التثنية على حد قول الشاعر : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.

١٤٦

الشرع معتد على الناس ظالم لهم بأكل حقوقهم وأذيتهم في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم الخامسة مريب أي شاك لا يعرف التصديق بشيء من أمور الدين فهو جامع لكل أنواع الكفر وقوله (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً) وهذا وصف سادس وهو أسوأ تلك الصفات وهو اتخاذه إلها آخر يعبده دون الله تعالى وقوله تعالى (فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ) هذا أمر آخر أكد به الأمر الأول وهو ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. وقوله تعالى (قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) قال هذا القول القرين لما قال المشرك معتذرا ربّ إن قريني من الشياطين أطغاني فرد عليه القرين بما أخبر تعالى به عنه في قوله قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد فقال الرب تعالى (لا تَخْتَصِمُوا (١) لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) فرد الله حجة كل من الكافر والقرين من الشياطين وأعلمهما أنه قد قدم إليهما بالوعيد في كتبه وعلى ألسن رسله من كفر بالله وأشرك به وعصى رسله فإن له نار جهنم خالدا فيها أبدا. وقوله تعالى (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) أخبر (٢) تعالى أن حكمه نافذ فيمن كفر به وعصى رسله إذ سبق قوله لإبليس عند ما أخرج آدم من الجنة بوسواسه وهو لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين. فهذا القول الإلهي لا يبدل ولا يقدر أحد على تبديله وتغييره وقوله (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) نفى تعالى الظلم عن نفسه والظلم هو أن يعذب مطيعا ، أو يدخل الجنة كافرا عاصيا. وقوله تعالى (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) أي اذكر يا نبينا لقومك المنهمكين في الشرك والمعاصي ما ينتظر أمثالهم من عذاب جهنم اذكر لهم يوم نقول لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد بعدما يدخل فيها كل كافر وكافرة من الإنس والجن وتقول طالبة الزيادة هل من مزيد؟ ولما لم يبق أحد يستحق عذاب النار يضع الجبار فيها قدمه فينزوي بعضها في بعض وتقول قط قط والحديث معناه في الصحيحين وغيرهما.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

٢ ـ التحذير من الصفات الست التي جاءت في الآية وهي الكفر والعناد ومنع الخير والاعتداء

__________________

(١) النهي عن المخاصمة دال على أن النفوس الكافرة ادعت أن قرناءها أطغوها ، وأن القرناء تنصلوا من ذلك ، وأن النفوس أعادت القول فكانت بذلك خصومة فأسكتهم الحق عزوجل بقوله : (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ).

(٢) المبالغة في وصف (بِظَلَّامٍ) راجعة إلى تأكيد النفي المطلق إذ المراد لا أظلم شيئا من الظلم ، وليس المعنى ما أنا بكثير الظلم أو شديده إذ الأمر في أمثلة المبالغة أن يقصد بها المبالغة في النفي. قال طرفة :

ولست بحلال التلاع مخافة

ولكن متى يسترفد القوم أرفد

إذ لم يرد نفي كثرة حلوله التلاع وإنما أراد كثرة النفي إذ هو لم يحل في تلعة بالمرة جبنا وخوفا.

١٤٧

والشك والشرك.

٣ ـ بيان خصومة أهل النار من إنسان وشيطان.

٤ ـ نفي الظلم عن الله تعالى وهو كذلك فلا يظلم الله أحدا من خلقه.

٥ ـ إثبات (١) صفة القدم للربّ تعالى كما يليق هذا الوصف بذاته التي لا تشبه الذوات سبحانه وتعالى عن صفات المحدثين من خلقه.

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥))

شرح الكلمات :

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) : أي قرّبت الجنة للمتقين الذين اتقوا الشرك والمعاصي.

(غَيْرَ بَعِيدٍ) (٢) : أي مكانا غير بعيد منهم بحيث يرونها.

(لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) : أي رجاع إلى طاعة الله كلما ترك طاعة عاد إليها حافظ لحدود الله.

(مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) : أي خاف الله تعالى فلم يعصه وإن عصاه تاب إليه وهو لم يره.

(وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) : أي مقبل على طاعته تعالى.

(ادْخُلُوها بِسَلامٍ) : أي ويقال لهم وهم المتقون أدخلوها أي الجنة بسلام أي مع سلام وحال كونكم سالمين من كل مخوف.

(وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) : أي مزيد من الانعام والتكريم في الجنة وهو النظر إلى وجه الله الكريم.

__________________

(١) أخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض ، وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشء الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة) نزع هنا بعض أهل العلم كالقرطبي إلى تأويل القدم ففسرها بما يقدم للنار من أقوام وأولوا كذلك لفظ الرجل في حديث (حتى يضع الله عليها رجله) وقالوا الرجل بمعنى العدد الكثير من الناس كالرجل من الجراد ، ولا داعي لهذا التأويل الذي لم يؤوله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يحدث به أصحابه فالأسلم للمؤمن أن يؤمن بصفات الله ويمرها كما جاءت فالقدم ، والرجل كاليد والعين صفات ذات لله يؤمن العبد بها وهو يعتقد أنها لا تشبه صفات العباد وهي كذلك والحمد لله.

(٢) (غَيْرَ بَعِيدٍ) نعت لمحذوف تقديره مكانا غير بعيد من المتقين والإزلاف التقريب.

١٤٨

معنى الآيات :

ما زال السياق في تقرير البعث والجزاء بذكر بعض مظاهره قال تعالى بعد ما ذكر ما لأهل النار من عذاب (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ) أي (١) أدنيت وقربت (لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) وهم الذين اتقوا الله تعالى بترك الشرك والمعاصي فلا تركوا فريضة ولا غشوا كبيرة. (٢) وقوله تعالى (هذا ما تُوعَدُونَ) أي يقال لهم هذا ما توعدون أي من النعيم المقيم ، (لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) أي رجاع إلى طاعة الله تعالى حفيظ أي حافظ لحدود الله. حفيظ أيضا لذنوبه لا ينساها كلما ذكرها استغفر الله تعالى منها. وقوله (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) هذا بيان للأواب الحفيظ وهو من خاف الرحمن تعالى بالغيب أي وهو غائب عنه لا يراه ولم يعصه بترك واجب ولا بفعل حرام ، وقوله (وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) (٣) أي إلى ربه أي مقبل على طاعته بذكر الله فلا ينساه ويطيعه فلا يعصيه ، وقوله تعالى (ادْخُلُوها) أي يقال لهم أي للمتقين ادخلوها أي الجنة (٤) (بِسَلامٍ) أي مسلما عليكم وسالمين من كل مخوف كالموت والمرض والألم والحزن و (ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) أي في الجنة وفي النار فأهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون (٥) فيها وقوله (لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها) أي لأهل الجنة ما يشاءون أي ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم وقوله (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) أي وعندنا لكم مزيد من النعيم وهو النظر إلى وجهه الكريم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ فضل التقوى وكرامة المتقين على ربّ العالمين.

٢ ـ فضل الأواب الحفيظ وهو الذي كلما ذكر ذنبه استغفر ربّه.

٣ ـ بيان أكبر نعيم في الجنة وهو رضا الله والنظر إلى وجهه الكريم.

(وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ

__________________

(١) عطف على (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ).

(٢) أو تركوا وغشوا ولكن تابوا وصحت توبتهم فقبلت منهم فهم كمن لم يترك فريضة ولم يغش كبيرة إذ التوبة تجب ما قبلها ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

(٣) أي : حضر يوم القيامة مصاحبا قلبه المنيب إلى الله ، وفي الحديث : (من مات على شيء بعث عليه) فهذا العبد عاش ومات على قلب منيب فبعثه به شاهد عليه بالإنابة إلى ربه.

(٤) هذا كقوله تعالى : (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ).

(٥) هذا المطلق من الأخبار مقيد قطعا بمن مات على الشرك والكفر أما من مات على الإيمان والتوحيد فإنه لا يخلد في النار بل يخرج منها إلى الجنة ومن ينكر هذا كالخوارج فقد كذب الله ورسوله ومن كذب الله ورسوله عامدا فقد كفر.

١٤٩

لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥))

شرح الكلمات :

(وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) : أي كثيرا من أهل القرون قبل كفار قريش أهلكناهم.

(هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً) : أي أهل القرون الذين أهلكناهم قبل كفار قريش هم أشد قوة وأعظم أخذا من كفار قريش ومع هذا أهلكناهم.

(فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) : أي بحثوا وفتشوا في البلاد علّهم يجدون مهربا من الهلاك فلم يجدوا.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى) : أي إن في المذكور من إهلاك الأمم القوية موعظة.

(لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) : أي الموعظة تحصل للذي له قلب حيّ وألقى سمعه يستمع.

(وَهُوَ شَهِيدٌ) : وهو شهيد أي حاضر أثناء استماعه حاضر القلب والحواس.

(وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) : أي من نصب ولا تعب.

(فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) : أي فاصبر يا رسولنا على ما يقوله اليهود وغيرهم من التشبيه لله والتكذيب بصفاته.

١٥٠

(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) : أي صل حامدا لربك قبل طلوع الشمس وهي صلاة الصبح.

(وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) : أي صل صلاة الظهر والعصر.

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) : أي صل صلاتي المغرب والعشاء.

(وَأَدْبارَ السُّجُودِ) : أي بعد أداء الفرائض فسبح بألفاظ الذكر والتسبيح.

(وَاسْتَمِعْ) : أي أيها المخاطب إلى ما أقول لك.

(يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) : أي يوم ينادي إسرافيل من مكان قريب من السماء وهو صخرة بيت المقدس فيقول أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

(يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِ) : أي نفخة إسرافيل الثانية وهي نفخة البعث يعلمون عاقبة تكذيبهم.

(ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) : أي من القبور.

(يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً) : أي يخرجون من قبورهم مسرعين بعد تشقق القبور عنهم.

(ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ) : أي ذلك حشر للناس وجمع لهم في موقف الحساب يسير سهل علينا.

(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ) : أي من الكفر والباطل فلا تيأس لذلك سننتقم منهم.

(وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) : أي بحيث تجبرهم على الإيمان والتقوى.

(فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ) : أي عظ مرغبا مرهبا بالقرآن فاقرأه على المؤمنين فهم الذين يخافون وعيد الله تعالى ويطمعون في وعده.

معنى الآيات :

بعد ذلك العرض العظيم لأحوال القيامة وأهوالها على كفار قريش المكذبين بالتوحيد والنبوة والبعث ولم يؤمنوا فكانوا بذلك متعرضين للعذاب فأخبر تعالى رسوله أن هلاكهم يسير فكم (١) أهلك تعالى (قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً) أي قوة وأخذا ولما جاءهم العذاب فروا يبحثون

__________________

(١) قوله تعالى : (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ) هذا تعريض بالتهديد للمشركين وتسلية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. و (كم) خبرية.

١٥١

عن مكان يحيصون إليه أي يلجأون فلم يجدوا وهو معنى قوله تعالى (فَنَقَّبُوا فِي) (١) (الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) (٢)؟ وقوله تعالى (إِنَّ فِي ذلِكَ) (٣) أي الذي ذكرنا من قوله وكم أهلكنا قبلهم من قرن (لَذِكْرى) أي موعظة يتعظ بها عبد (كانَ لَهُ قَلْبٌ) حيّ وألقى سمعه يستمع (وَهُوَ شَهِيدٌ) أي حاضر بكل مشاعره وأحاسيسه. وقوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أولها الأحد وآخرها الجمعة (وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) أي نصب أو تعب ، هذا الخبر ردّ الله تعالى به على اليهود الذين قالوا أتم الله خلق السموات والأرض في يوم الجمعة واستراح يوم السبت فلذا هم يسبتون أي يستريحون يوم السبت فرد تعالى عليهم بقوله (وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) أي تعب ، إذ التعب يلحق العامل من الممارسة والمباشرة لما يقوم بعمله والله تعالى يخلق بكلمة التكوين فلذا لا معنى لأن يصيبه تعب أو نصب أو لغوب وقوله تعالى (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ) أي فاصبر يا رسولنا على ما يقوله يهود وغيرهم من الكفر والباطل واستعن على ذلك أي على الصبر وهو صعب بالصلاة والتسبيح (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) (٤) (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) ، (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) وأدبار النجوم فشمل هذا الإرشاد والتعليم الإلهي الصلوات الخمس (٥) ، إذ قبل طلوع الشمس فيه صلاة الصبح وقبل الغروب فيه صلاة الظهر والعصر ومن الليل فيه صلاة المغرب والعشاء ، ولنعم العون على الصبر الصلاة ، ولذا كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، وقوله (وَأَدْبارَ السُّجُودِ) (٦) أي بعد الصلوات الخمس سبح ربك متلبسا بحمده. نحو سبحان الله والحمد لله والله أكبر. وقوله (وَاسْتَمِعْ (٧) يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) أي واستمع أيها الخاطب يوم ينادي اسرافيل من مكان

__________________

(١) (النقب) الثقب فالتنقيب مأخوذ منه ، ومعنى الآية أي : ذللوا وأخضعوا وتصرفوا في الأرض بالحفر والغرس والبناء ونحت الجبال وإقامة السدود والحصون وما إلى ذلك من مظاهر القوة في الأرض ولم يغن ذلك عنهم من الله شيئا وجاءهم الموت من حيث لا مهرب منه ولا محيص.

(٢) المحيص : مصدر ميمي من : حاص : إذا عدل عن الطريق وهرب فالمحيص : المهرب ، والاستفهام إنكاري وهو بمعنى النفي.

(٣) الإشارة إلى كل ما ذكر من الاستدلال والتهديد في الآيات السابقة والذكرى : التذكرة العقلية لمن توفر له ثلاثة شروط : القلب الحيّ وإلقاء السمع للإصغاء وحضور البال.

(٤) في الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي قال : كنا جلوسا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم (إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ جرير (وسبح بحمد ربك ..)

(٥) وجائز أن يراد بها نوافل الصلاة فيكون الذي قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر ولكن ما في التفسير أولى وأصح وأنها الصلوات الخمس إذ السورة مكية ونزلت بعد فرض الصلوات الخمس.

(٦) قرأ نافع : وإدبار بكسر الهمزة ، وقرأ حفص (وَأَدْبارَ) بفتحها.

(٧) التعبير بالاستماع فيه معنى التشويق لما يسمع ، والمعنى ، أقم الصلاة وهي زادك إلى الدار الآخرة وانتظر موعد الجزاء فإنه كائن يوم ينادي المنادي للقيام للجزاء على الصبر والصلاة كما هو على الشرك والعصيان ، والآية تحمل التسلية وتدعو إلى الصبر والصلاة.

١٥٢

قريب وهو صخرة بيت المقدس وهو مكان قريب من السماء فيقول المنادي وهو اسرافيل أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء وقوله (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِ) وهي نفخة إسرافيل الثانية نفخة البعث (ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) من القبور ويوم يرى المكذبون عاقبة تكذيبهم. وقوله (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ) (١) (عَنْهُمْ سِراعاً) أي يخرجون مسرعين ذلك المذكور من تشقق الأرض وخروجهم مسرعين حشر علينا لهم يسير أي سهل لا صعوبة فيه ، وقوله (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ) فيه تسلية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفيه تهديد لكفار قريش. وقوله (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) أي بذي قوة وقدرة فائقة تجبرهم بها على الإيمان والاستقامة وعليه فمهمتك ليست الإجبار وأنت عاجز عنه وإنما هي التذكير (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ) إذا (مَنْ يَخافُ وَعِيدِ) وهم المؤمنون الصادقون والمسلمون الصالحون.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ مشروعية تخويف العصاة والمكذبين بالعذاب الإلهي وقربه وعدم بعده.

٢ ـ للانتفاع بالمواعظ شروط أن يكون السامع ذا قلب حي واع وأن يلقى بسمعه كاملا وأن يكون حاضر الحواس شهيدها.

٣ ـ وجوب الصبر والاستعانة على تحقيقه بالصلاة.

٤ ـ مشروعية الذكر والدعاء بعد الصلاة فرادى لا جماعات.

٥ ـ تقرير البعث وتفصيل مبادئه.

٦ ـ المواعظ ينتفع بها أهل القلوب الحية.

__________________

(١) قرأ نافع تشقق بفتح التاء وتشديد الشين وأصلها تتشقق بتائين فأدغمت التاء الثانية في الشين بعد قلبها شينا ، وقرأ حفص بتخفيف الشين على حذف إحدى التائين.

١٥٣

سورة الذّاريات

مكية

وآياتها ستون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤))

شرح الكلمات :

(وَالذَّارِياتِ ذَرْواً) : أي الرياح تذروا التراب وغيره ذروا.

(فَالْحامِلاتِ وِقْراً) : أي السحب تحمل الماء.

(فَالْجارِياتِ يُسْراً) : أي السفن تجري على سطح الماء بسهولة.

(فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً) : أي الملائكة تقسم بأمر ربها الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد.

(إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ) : أي إن ما وعدكم به ربكم لصادق سواء كان خيرا أو شرا.

(وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ) : أي وأن الجزاء بعد الحساب لواقع لا محالة.

(وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ) : أي ذات الطرق كالطرق التي تكون على الرمل والحبك جمع حبيكة.

(إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) : أي يا أهل مكة لفي قول مختلف أي في شأن القرآن والنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فمنهم من يقول القرآن سحر وشعر وكهانة ومنهم من يقول النبي كاذب أو ساحر أو شاعر.

١٥٤

(يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) : أي يصرف عن النبي والقرآن من صرف.

(قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) : أي لعن الكذابون الذين يقولون بالخرص والكذب.

(الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ) : أي في غمرة جهل تغمرهم ساهون أي غافلون عن أمر الآخرة.

(يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) : أي يسألون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم سؤال استهزاء متى يوم القيامة؟ وجوابهم يوم هم على النار يفتنون أي يعذبون فيها.

معنى الآيات :

قوله تعالى (وَالذَّارِياتِ) (١) هذا شروع في قسم ضخم أقسم الله تعالى به وهو (الذَّارِياتِ ذَرْواً) أي الرياح تذروا التراب وغيره من الأشياء الخفيفة (فَالْحامِلاتِ (٢) وِقْراً) أي السحب تحمل الماء (فَالْجارِياتِ (٣) يُسْراً) أي السفن تجري على سطح الماء (فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً) أي الملائكة تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بأمر ربها كل هذا قسم أقسم الله به وجوابه (إِنَّما تُوعَدُونَ) أيها الناس من البعث والجزاء بالنعيم المقيم أو بعذاب الجحيم لصادق (وَإِنَّ الدِّينَ) أي الجزاء العادل (لَواقِعٌ) أي كائن لا محالة. وقوله (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ) (٤) هذا قسم آخر أي ذات الطرق كالتي على الرمل جمع حبيكة بمعنى طريقة (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) هذا جواب القسم فمنكم من يقول محمد ساحر ومنكم من يقول كاذب أو كاهن. ومنكم من يقول في القرآن سحر وشعر كهانة وقوله تعالى (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) أي يصرف عن القرآن ومن نزل عليه من أفك أي صرف بقضاء الله وقدره. وقوله تعالى : (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) أي لعن الكذابون الذين يقولون بالخرص والكذب والظن (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ) جهل تغمرهم (ساهُونَ) أي غافلون عن أمر الآخرة وما لهم فيه من عذاب لو شاهدوه ما ذاقوا طعاما ولا شرابا لذيذا.

__________________

(١) هنا ذكر القرطبي موعظة عجبا وهي أن رجلا يقال له : صبيغ بلغ عمر عنه أنه يسأل عن تفسير مشكل القرآن فقال : اللهم أمكني منه فدخل الرجل على عمر يوما وهو لابس ثيابا وعمامة وعمر يقرأ القرآن فلما فرغ قام إليه الرجل وقال : يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟ فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ثم قال : ألبسوه ثيابه واجعلوه على قتب وأبلغوا به أهله ثم ليقم خطيبا فليقل : إن صبيغا طلب العلم فأخطأ فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم. وأخرى وهو أن ابن الكواء سأل عليا رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين ما (الذَّارِياتِ) قال : ويلك سل تفقها ولا تسأل تعنتا.

(٢) (فَالْحامِلاتِ وِقْراً) السحب تحمل الماء كما تحمل ذوات الأربع الوقر : أي الحمل الثقيل.

(٣) جائز أن يراد ب (فَالْجارِياتِ) السفن ، وأن يراد بها الرياح تجري بالسحب بعد تراكمها ، واليسر : اللين والهون ، أي الجاريات جريانا لينا هينا شأن السير بالشيء الثقيل كما قال الأعشى.

كأن مشيتها من بيت جارتها

مشي السحابة لا ريث ولا عجل

(٤) (الْحُبُكِ) بفتح فسكون : إجادة النسج وإتقان الصنع ، وجائز أن يكون المراد بالحبك حبك السماء أي : نجومها لأنها تشبه الطرائق الموشاة في الثوب. وعن الحسن أنها طرائق المجرة أو طرائق السحاب ، والكل جائز.

١٥٥

وقوله تعالى (يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) أي متى قيام الساعة ومجيئها وهم في هذا مستهزئون ساخرون وجوابهم في قوله تعالى (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) أي يعذبون ويقال لهم (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) أي عذابكم (هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) أي تطالبون به رسولنا بتعجيله لكم استخفافا وتكذيبا منكم.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء حيث أقسم تعالى على ذلك.

٢ ـ تقرير عقيدة القضاء والقدر في قوله يؤفك عنه من أفك.

٣ ـ لعن الله الخراصين الذين يقولون بالخرص والكذب ويسألون استهزاء وسخرية لا طلبا للعلم والمعرفة للعمل.

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣))

شرح الكلمات :

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) : أي إن الذين (١) اتقوا ربهم في بساتين وعيون تجري خلال تلك البساتين والقصور التي فيها كقوله تجري من تحتها الأنهار.

(آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ) : أي آخذين ما أعطاهم ربهم من الثواب.

__________________

(١) لما ذكر تعالى مآل الكافرين وهو أنهم على النار يفتنون أي : يعذبون كما قال الشاعر :

كل امرىء من عباد الله مضطهد

ببطن مكة مقهور ومفتون

ذكر مآل المؤمنين المتقين فقال : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ) فذكر ما هم فيه من النعيم المقيم.

١٥٦

(إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ) : أي كانوا قبل دخولهم الجنة محسنين في الدنيا أي في عبادة ربهم وإلى عباده.

(كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) : أي كانوا في الدنيا يحيون الليل ولا ينامون فيه إلا قليلا.

(وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) : أي وفي وقت السحور وهو السدس الأخير من الليل يستغفرون يقولون ربنا اغفر لنا.

(وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) : أي للذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل لتعففه وهذا الحق أوجبوه على أنفسهم زيادة على الزكاة الواجبة.

(وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ) : أي من الجبال والأنهار والأشجار والبحار والإنسان والحيوان دلالات على قدرة الله مقتضية للبعث والموجبة للتوحيد للموقنين أما غير المؤمنين فلا يرون شيئا.

(وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) : أي آيات من الخلق والتركيب والاسماع والابصار والتعقل والتحرك أفلا تبصرون ذلك فتستدلون به على وجود الله وعلمه وقدرته.

(وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) : أي من الأمطار التي بها الزرع والنبات وسائر الأقوات وما توعدون من ثواب وعقاب إن كل ذلك عند الله في السماء مكتوب في اللوح المحفوظ.

(فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ) : إنه لحق أي ما توعدون لحق ثابت.

(مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) : أي إن البعث لحق مثل نطقكم فهل يشك أحد في نطقه إذا نطق والجواب لا يشك فكذلك ما توعدون من ثواب وعقاب.

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي كذب بها المشركون في مكة فقال تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) أي إن الذين اتقوا ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه بترك الواجبات ولا بفعل المحرمات هؤلاء يوم القيامة في بساتين وعيون تجري في تلك البساتين وقوله (آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ) أي ما أعطاهم ربهم من ثواب هو نعيم مقيم في دار السّلام. ثم ذكر تعالى مقتضيات هذا العطاء العظيم والثواب الجزيل فقال (إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ) دخولهم الجنة (مُحْسِنِينَ) في الدنيا فأحسنوا نياتهم وأعمالهم اخلصوها لله ربهم وأتوا بها وفق ما ارتضاه وشرعه لعباده بلا زيادة ولا نقصان كما أحسنوا إلى عباده ولم يسيئوا إليهم بقول ولا عمل هذا موجب وآخر أنهم (كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما

١٥٧

يَهْجَعُونَ) (١) أي لا ينامون من الليل إلا قليلا إذ أكثر الليل يقضونه في الصلاة وهو التهجد وقيام الليل (وَبِالْأَسْحارِ) أي وفي السدس الأخير من الليل (هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار وثالث (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) أي وزيادة على الزكاة المفروضة في كل مال بلغ النصاب فإنهم أوجبوا على أنفسهم في أموالهم حقا يبذلونه للسائل الذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل لحيائه وعفته. هذه موجبات العطاء الكريم الذي أعطاهم ربهم من النعيم المقيم في جنات وعيون. وقوله تعالى (وَفِي الْأَرْضِ (٢) آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ) أي وفي ما خلق في الأرض من مخلوقات من جبال وأنهار وزروع وضروع وأنواع الثمار ، وإنسان وحيوان آيات أي دلائل وعلامات على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته وكلها موجبة له التوحيد ومقررة لقدرته على البعث الآخر والجزاء وكون هذه الآيات للموقنين مبني على أن الموقنين ذووا بصائر وإدراك لما يشاهدون في الكون فكلما نظروا إلى آية في الكون ازداد إيمانهم وقوى فبلغوا اليقين فيه فأصبحوا أكثر من غيرهم في الاهتداء والانتفاع بكل ما يسمعون ويشاهدون. وقوله تعالى (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) أي وفي أنفسكم (٣) أيها الناس من الدلائل والبراهين المتمثلة في خلق الإنسان واطواره التي يمر بها من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى طفل إلى شاب فكهل وفي إدراكه وسمعه وبصره ونطقه إنها آيات أخرى دالة على وجود الله وتوحيده وقدرته على البعث والجزاء وقوله (أَفَلا تُبْصِرُونَ) توبيخ لأهل الغفلة والاعراض عن التفكر والنظر إذ لو نظروا بأبصارهم متفكرين ببصائرهم لاهتدوا إلى الإيمان والتوحيد والبعث والجزاء. وقوله تعالى (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) أي (٤) يخبر تعالى عباده أن رزقهم في السماء يريد تدبير الأمر في السماء والأمطار التي هي سبب كل الثمار والحبوب وسائر الخضر والفواكه التي هي غذاء الإنسان في السماء وقوله وما توعدون من خير وشر من رحمة وعذاب الكل في السماء إذ الأمر لله وهو يحكم بالرحمة والعذاب على من يشاء وكتاب المقادير الذي كتب فيه كل شيء هو في السماء.

وقوله تعالى (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ)

__________________

(١) الهجوع : النوم ليلا ، والتهجاع : النومة الخفيفة قال الشاعر :

قد حصت البيضة رأسي فما

أطعم نوما غير تهجاع

والفعل هجع يهجع هجوعا ، و (ما) زائدة لتقوية الكلام أي : كانوا ينامون قليلا من الليل ، والجملة : (كانُوا قَلِيلاً) الخ بدل من جملة : (كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ) بدل بعض من كل.

(٢) هذا متصل بالقسم في قوله : (وَالذَّارِياتِ) إنه بعد أن حقق عقيدة البعث بالإقسام عليها عطف شواهد من الأدلة على ذلك.

(٣) مما هو آية في النفس أن المرء يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من مكانين ولو شرب لبنا محضا لخرج منه الماء ومنه الغائط فتلك الآية فى النفس.

(٤) يروى أن الحسن رحمه‌الله تعالى كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم.

١٥٨

إِنَّهُ لَحَقٌ (١) مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (٢) هذا قسم منه تعالى أقسم فيه بنفسه على أن البعث والجزاء يوم القيامة حق ثابت واجب الوقوع كائن لا محالة إذا كنا لا نشك في نطقنا إذا نطقنا أن ما نقوله ونسمعه لا يمكن أن يكون غير ما نطقنا به وسمعناه فكذلك البعث الآخر واقع لا محالة.

هداية الآيات :

من هداية الآيات :

١ ـ بيان ما للمتقين من نعيم مقيم في الدار الآخرة.

٢ ـ بيان صفات المتقين من التهجد بالليل والاستغفار في آخره والانفاق في سبيل الله.

٣ ـ بيان أن في الأرض كما في الأنفس آيات أي دلائل وعلامات على قدرة الله على البعث والجزاء.

٤ ـ بيان أن في السماء رزق العباد (٣) فلا يطلب إلا من الله تعالى وأن ما نوعده من خير وشر أمره في السماء ومنها ينزل بأمره تعالى فليكن طلبنا الخير من الله دائما وتعوذنا من الشر بالله وحده.

(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠))

__________________

(١) (ما) في (مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) مزيدة للتوكيد ، والمضارع (تَنْطِقُونَ) جيء به بدلا عن المصدر نطقكم لإفادته التشبيه بنطقهم المتجدد المحسوس لهم وتقدير الكلام أن ما توعدونه من البعث والجزاء لحق مثل نطقكم الذي لا تنكرونه إذ لا يوجد من ينكر نطقه أبدا.

(ما) في (مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) مزيدة للتوكيد ، والمضارع (تَنْطِقُونَ) جيء به بدلا عن المصدر نطقكم الذي لا تنكرونه إذ لا يوجد من ينكر نطقه أبدا.

(٢) قيل : خص النطق من بين سائر الحواس : لأن ما سواه من الحواس يدخله التشبيه ، والنطق سليم من ذلك.

(٣) ذكر القرطبي عند تفسير هذه الآية قصة مأثورة عن الأصمعي خلاصتها : أن أعرابيا قال له : اقرأ عليّ من كلام الرحمن شيئا فقرأ عليه : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) ففهمها الأعرابي على حقيقتها فكسر قوسه ونحر بعيره فتصدق به وتاب إلى ربه ولقيه بعد سنة فطلب منه أن يسمعه من كلام الرحمن فقرأ عليه (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ.). الآية فأخذ الأعرابي رداءه وهو يقول : من يغضب الرحمن. وما زال يرددها حتى مات.

١٥٩

شرح الكلمات :

(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ) : أي قد أتاك يا نبيّنا حديث أي كلام.

(ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) : أي جبريل وميكائيل وإسرافيل أكرمهم إبراهيم الخليل.

(فَقالُوا سَلاماً) : أي نسلم عليك سلاما.

(قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) : أي عليكم سلام أنتم قوم منكرون أي غير معروفين.

(فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) : أي عدل ومال إلى أهله فجاء بعجل سمين حنيذ.

فقال ألا تأكلون : أي فأمسكوا عن الأكل فقال لهم ألا تأكلون.

(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) : أي فأضمر في نفسه خوفا منهم.

(بِغُلامٍ عَلِيمٍ) : أي بولد يكون ذا علم كبير غزير.

(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) : أي في رنّة وصيحة.

(فَصَكَّتْ وَجْهَها) : أي لطمت وجهها أي ضربت بأصابعها جبينها متعجبة.

(وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) : أي كبيرة السن وعقيم لم يولد لها قط.

(قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ) : أي قالت الملائكة لها كالذي قلنا لك قال ربك.

(إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) : أي انه هو الحكيم في تدبيره وتصريف شؤون عباده. العليم بما يصلح للعبد وما لا يصلح فليفوض الأمر إليه.

معنى الآيات :

قوله تعالى (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ (١) ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) (٢) هذا الحديث يشتمل على موجز قصة قد ذكرت في سورة هود والحجر والمقصود منه تقرير نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم إن مثل هذا القصص لا يتم لأميّ لا يقرأ ولا يكتب إلا من طريق الوحي كما أنه يحمل في نهايته التهديد بالوعيد لمشركي قريش المصرين على الكفر والتكذيب والإجرام الكبير إذ في نهاية القصة يسأل ابراهيم الملائكة قائلا فما خطبكم أيها المرسلون فيجيبون قائلين إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين أي لتدميرهم وإهلاكهم من أجل إجرامهم ، وقريش في هذا الوقت مجرمة مستحقة للعذاب كما استحقه إخوان لوط. فقوله تعالى في خطاب رسوله هل أتاك حديث ضيف إبراهيم

__________________

(١) هذا الكلام مستأنف ابتدائي سيق لتسلية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتقرير نبوته وإنذار قومه المكذبين المصرين على الشرك والظلم ، ولفظ الضيف ، يطلق على الواحد وأكثر وافتتاح الكلام بهل للتفخيم للحدث الذي يخبر عنه والتهويل من شأنه.

(٢) قال فيهم المكرمين : لخدمة إبراهيم إياهم وإكرامه لهم بتقديم العجل الحنيذ ، وقيل هم مكرمون من قبل الله تعالى.

١٦٠