أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

برسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (يُؤْتِكُمْ) أي يعطكم (كِفْلَيْنِ) أي حظين ونصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ) ومثوبته (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) في الدنيا وهو الهداية الإسلامية إذ الإسلام صراط مستقيم صاحبه لا يضل ولا يشقى وتمشون به في الآخرة على الصراط إلى دار السّلام الجنة ، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ذنوبكم الماضية والحاضرة (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (١) وذلك ليعلم (أَهْلُ الْكِتابِ) من اليهود والنصارى الذين رفضوا الإيمان بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والدخول في الإسلام أنهم (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ) أي لا يقدرون على الحصول على شيء (٢) من فضل الله ، (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

هداية الآيتين

من هداية الآيتين :

١ ـ أعظم نصيحة تقدم لأهل الكتاب لو أخذوا بها تضمنها نداء الله لهم وما وعدهم به في هذه الآية الكريمة.

٢ ـ فضل الإيمان والتقوى إذ هما سبيل الولاية والكرامة في الدنيا والآخرة.

٣ ـ إبطال مزاعم أهل الكتاب في احتكار الجنة لهم ، وإعلامهم بأنهم محرمون منها ما لم يؤمنوا برسول الله ويتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

__________________

(١) هذا بناء على أن (لا) زائدة في قوله : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) إذ الأصل لأن يعلم فزيدت اللام لتوكيد الكلام فصارت (لِئَلَّا يَعْلَمَ) أي : لأن يعلم.

(٢) أي : إلا باذن الله إذ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والظاهر أن المراد من الفضل هنا خصوص النبوة والرسالة وأن أهل الكتاب من اليهود يريدون حصر النبوة والرسالة في شعب اسرائيل فلذا جحدوا نبوة ورسالة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكفروا بهما فناداهم تعالى بعنوان الإيمان الذي يدعونه وأمرهم بتقواه بترك الكذب والاحيتال وأمرهم بالإيمان برسوله وواعدهم مضاعفة الأجر إن هم آمنوا ، وكان هذا إعلاما منه تعالى أن أهل الكتاب لا يقدرون على حصر الفضل فيهم ومنعه عن غيرهم فقد نبأ وأرسل من بني عمهم محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهم كارهون منكرون مكذبون ، وهم بين خيار بين إما الإيمان بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والفوز بالجنة والنجاة من النار وإما الإصرار على إنكار رسالته والكفر به مع الخسران في الحياتين ولا يهلك على الله إلا هالك.

٢٨١

الجزء الثامن والعشرون

سورة المجادلة

مدنية وآياتها ثنتان وعشرون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤))

شرح الكلمات :

(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها) : أي تراجعك أيها النبي في شأن زوجها أوس بن الصامت.

(وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ) : أي وحدتها وفاقتها وصبية صغارا إن ضمتهم إليه ضاعوا وإن ضمهم إليها جاعوا.

(وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما) : أي تراجعكما أنت أيها الرسول والمحاورة لك وهي خولة بنت ثعلبة.

(إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) : أي لأقوالكما بصير بأحوالكما.

٢٨٢

(الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ) : أي يحرمون نساءهم بقول أنت عليّ كظهر أمي.

(ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) : أي ليس هن بأمهاتهم.

(إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) : ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ، أو أرضعنهم.

(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً) : أي وإنهم بالظهار ليقولون منكرا من القول وزورا أي كذبا.

(وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) : أي على عباده أي ذو صفح عليهم غفور لذنوبهم إن تابوا منها.

(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ) (١) : أي بأن يقول لها أنت عليّ كظهر أمي أو أختي ونحوها من المحارم.

(ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) : أي يعزمون على العودة للتي ظاهروا منها ، إذ كان الظهار في الجاهلية طلاقا.

(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) : أي فالواجب عليه تحرير رقبة مؤمنة قبل أن يجامعها.

(ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) : أي تؤمرون به فافعلوه على سبيل الوجوب.

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) : أي فمن لم يجد الرقبة لانعدامها أو غلاء ثمنها فالواجب صيام شهرين متتابعين.

(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) : أي من قبل الوطء لها.

(فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) : أي الصيام لمرض أو كبر سن.

(فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) : أي فعليه قبل الوطء ، أن يطعم ستين مسكينا يعطى لكل مسكين مدا من (٢) بر أو مدين من غير البر كالتمر والشعير ونحوهما من غالب قوت أهل البلد.

(ذلِكَ) : أي ما تقدم من بيان حكم الظهار الذي شرع لكم

(لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) : أي لأن الطاعة إيمان والمعصية من الكفران.

__________________

(١) قرأ نافع يظهّرون أصلها (يتظهرون) فأدغمت التاء في الظاء فصارت يظّهرون بتشديد الظاء والهاء وقرأ حفص (يَظْهَرُونَ).

(٢) وردت روايات متعددة في كمية الإطعام الإجماع على أنها إطعام ستين مسكينا ، وإنما الخلاف في المقدار ، فأظهرها وأصحها حديث البخاري وفيه : (فأعانه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بخمسة عشر صاعا. فتصدق بها على ستين مسكينا فهذا ظاهر في أنها ستون مدّا لكل مسكين مدّ لأن الخمسة عشر صاعا بستين مدّا إذ الصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٢٨٣

(وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) : أي أحكام شرعه.

(وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ) : أي وللكافرين بها الجاحدين لها عذاب أليم أي ذو ألم.

معنى الآيات :

قوله تعالى (قَدْ سَمِعَ اللهُ) هذه الآية الكريمة نزلت في خولة بنت ثعلبة الأنصارية وفي زوجها أوس بن الصامت أخى عبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين كان قد ظاهر منها زوجها أوس ، فقال لها في غضب غير مغلق أنت عليّ كظهر أمي ، وكان الظهار يومئذ طلاقا ، وكانت المرأة ذات أطفال صغار وتقدم بها وبزوجها السن فجاءت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تشكو إليه ما قال زوجها فذكرت للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ضعفها (١) وضعف زوجها وضعف أطفالها الصغار ، وما زالت تراجع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتحاوره في شأنها وشأن زوجها حتى نزلت هذه الآيات الأربع من فاتحة سورة المجادلة التي سميت بها السورة فقيل سورة المجادلة بكسر الدال ، ويصح فتحها فقال تعالى مخاطبا رسوله (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها) أي قد سمع الله قول المرأة التي تجادلك أي تراجعك في شأن زوجها الذي ظاهر منها ، (وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ) بعد أن قلت لها : والله ما أمرت في شأنك بشيء ، تشكو إلى الله ضعف حالها. (وَاللهُ يَسْمَعُ) (٢) (تَحاوُرَكُما) أي مراجعتكما لبعضكما بعضا الحديث وأجابكما (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) أي سميع لأقوال عباده عليم بأحوالهم وهذا حكم الظهار فافهموه واعملوا به.

أولا : أن الظهار الذي هو قول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي لا يجعل المظاهر منها أمّا له إذ أمه هي التي ولدته وخرج من بطنها ، والزوجة لا تكون أمّا بحال من الأحوال.

ثانيا : هذا القول كذب وزور ومنكر من القول وقائله آثم فليتب إلى الله ويستغفره.

ثالثا : لو لا عفو الله وصفحه على عباده المؤمنين ومغفرته للتائبين لعاقبهم على هذا القول الكذب الباطل.

رابعا : على (الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) أي يعزمون على وطئها بعد الظهار منها فالواجب عليهم قبل الوطء لها (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ذكرا كانت أو أنثى صغيرة أو كبيرة لكن مؤمنة لا كافرة ، فمن لم يجد الرقبة لانعدامها ، أو غلاء ثمنها فيجزئه (فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) فإن لم يستطع لعلة قامت به فالواجب إطعام ستين مسكينا يعطى كل مسكين مدّا من برّ أو نصف صاع من

__________________

(١) من جملة ما روي أنها قالت : يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني ، فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما أوحى إليّ في هذا شيء فقالت : يا رسول الله أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟ فقال : هو ما قلت لك فقالت : إلى الله أشكو لا إلى رسوله فأنزل الله (قَدْ سَمِعَ اللهُ.). الخ.

(٢) روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله عزوجل : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها).

٢٨٤

غير البر كالشعير والتمر ونحوهما كل ذلك من قبل أن يتماسّا من باب حمل المطلق على المقيد إذ قيد الأول بقبل المسيس (١) فيحمل هذا الأخير عليه.

وقوله (ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) أي ذلك الذي تقدم من بيان حكم الظهار (٢) شرعه لكم لتؤمنوا بالله ورسوله إذ الإيمان اعتقاد وقول وعمل ، فطاعة الله ورسوله إيمان ومعصيتهما من الكفران. وقوله تعالى (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) أي لا تعتدوها بل قفوا عندها (وَلِلْكافِرِينَ) بها المتعدين لها (عَذابٌ أَلِيمٌ) أي ذو ألم موجع جزاء تعديهم حدود الله.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ إجابة الله لأوليائه بتفريج كروبهم وقضاء حوائجهم فله الحمد وله الشكر.

٢ ـ حرمة الظهار باعتباره منكرا وكذبا وزورا فيجب التوبة منه.

٣ ـ بيان حكم المظاهر وهو أن عليه عتق رقبة قبل أن يجامع امرأته المظاهر منها. فإن لم يجد الرقبة المؤمنة صام شهرين متتابعين من الهلال إلى الهلال وإذا انقطع التتابع لمرض بنى على ما صامه. فإن لم يستطع لمرض ونحوه أطعم ستين مسكينا فأعطى لكل مسكين على حدة مدّا من بر أو مدين من غير البر كالشعير والتمر.

٤ ـ لو جامع المظاهر قبل إخراج الكفارة أثم فليستغفر ربّه وليخرج كفارته. ولا شيء عليه لحديث الترميذي الصحيح.

٥ ـ طاعة الله ورسوله إيمان ، ومعصية الله ورسوله من الكفران.

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ

__________________

(١) من مس امرأته قبل الكفارة فليكف عنها مرة أخرى حتى يكفر لحديث النسائي : (أن رجلا ظاهر من امرأته ولم يكفّر حتى وطئها فذكر ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمره ألا يقربها حتى يكفّر).

(٢) هل على المرأة إذا ظاهرت من زوجها شيء؟ الجمهور : أنه لا شيء عليها وإن كفرت كفارة يمين فذلك اللائق بها.

٢٨٥

مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧))

شرح الكلمات :

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) : أي يخالفون الله ورسوله ويعادونهما.

(كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : أي ذلّوا وأهينوا كما ذل وأهين من قبلهم لمخالفتهم رسولهم.

(وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ) : أي والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات دالة على صدق الرسول

(عَذابٌ مُهِينٌ) : أي يوقعهم في الذل والهوان.

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً) : أي يوم القيامة.

(أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ) : أي جمعه وعدّه ونسوه هم.

(وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) : أي لا يغيب عنه شيء من الأشياء.

(ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى) : أي من متناجين.

(ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) : إلا هو تعالى رابعهم بعلمه بهم ، وقدرته عليهم.

(وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ) : أي أقل من الثلاثة وهما الاثنان.

(إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) : أي في أيّ مكان من الأرض أو السماء.

معنى الآيات :

قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) هذه الآية تحمل بشرى لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإعلامه بهزيمة قريش وهي تحزب الأحزاب لحربه في غزوة الخندق فقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ (١) وَرَسُولَهُ) أي يخالفون الله ورسوله ويعادونهما (٢) (كُبِتُوا) أي ذلوا وأهينوا (كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الذين كذبوا رسلهم فأكبتهم الله أي أذلهم وأهانهم.

وقوله تعالى : (وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ) كلها دالة على صدق رسولنا فيما جاءهم به ودعاهم

__________________

(١) المحادة والمشاقة والمعاداة متقاربة المعنى فالمحاد الواقف في حد وخصمه في آخر ، وكذا المشاقّ : هو في شق والآخر في شق مقابل ، وكذا المعادي هو في عدوة والآخر في أخرى مقابلة له ، والعدوة : هي عدوة الوادي أحد جانبيه.

(٢) الكبت : الخزي والإذلال ، وعبر في الآية بالماضي (كُبِتُوا) لتحقق وقوعه كقوله تعالى : (أَتى أَمْرُ اللهِ).

٢٨٦

إليه ، ومع هذا عادوه وحاربوه فلهذا يكبتهم الله ويذلهم في الدنيا (وَلِلْكافِرِينَ) (١) أمثالهم (عَذابٌ مُهِينٌ) يوم القيامة (يَوْمَ (٢) يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً) لا يتخلف منهم أحد (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا) من الشر والفساد. (أَحْصاهُ اللهُ) إذ كتبته ملائكته وكتب قبل فعلهم له في كتاب المقادير اللوح المحفوظ ونسوه لعمى قلوبهم وكفرهم بربهم ولقائه فلا يذكرون لهم ذنبا حتى يتوبوا منه ويستغفروا. وقوله تعالى (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي زيادة على أن أعمالهم كتبها في اللوح المحفوظ وأن الملائكة من الكرام الكاتبين قد كتبوها فإن الله تعالى شهيد على كل شيء فلا يقع شيء إلا تحت بصره وعلمه.

وقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ) تقرير لما سبق من إحاطة علم الله بكل شيء وأن أعمال أولئك المخالفين المحادين محصية معلومة وسيجزيهم بها. أي ألم تعلم يا رسولنا أن الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض من دقيق الأشياء وجليلها ورد أن جماعة من المنافقين تخلفوا يتناجون بينهم إغاظة للمؤمنين فنزلت هذه الآية تعرض بهم وتكشف الستار عن نياتهم. (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى) (٣) أي من ذوي نجوى أو من متناجين (ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) ، أي إلا والله تعالى رابعهم بعلمه بهم وقدرته عليهم وهذه فائدة المعية العلم والقدرة على الأخذ والعطاء ، (وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ) كالأثنين ، (وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) بعلمه وقدرته وإحاطته أينما كانوا تحت الأرض أو فوقها في السماء أو دونها ، (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ) أي يخبرهم ويعلمهم (بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ) ليجزيهم به (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تقرير لما سبق من علمه بالمحادين له وبالمنافقين المناوئين للمؤمنين وسيجزى الكل بعدله وهو العزيز الحكيم.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ وعيد الله الشديد بالإكبات والذل والهوان لكل من يحاد الله ورسوله.

٢ ـ إحاطة علم الله بكل شيء وشهوده لكل شيء وإحصاه لكل أعمال العباد حال توجب مراقبة الله تعالى والخشية منه والحياء منه أشد الحياء.

٣ ـ الإرشاد إلى أن التناجى للمشاورة في الخير ينبغي أن يكون عدد المتناجين ثلاثة أو خمسة

__________________

(١) الجملة معطوفة على جملة (كُبِتُوا) و (ال) في الكافرين : للجنس ليعم الوعيد كل كافر.

(٢) يجوز أن يكون (يَوْمَ) متعلقا بالكون المقدر الذي تعلق به (لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ) أي للكافرين عذاب مهين (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ) وجائز أن يكون منصوبا على تقدير فعل اذكر كما هو شائع في أمثاله.

(٣) النجوى اسم مصدر فعله : ناجاه يناجيه مناجاة واسم المصدر نجوى فهو بمعنى التناجي أي : ما يكون تناجي ثلاثة من الناس إلا الله مطلع عليهم كرابع لهم وكل سرار نجوى.

٢٨٧

أو سبعة ليكون الواحد عدلا مرجحا للخلاف قاضيا فيه إذ اختلف اثنان لا بد من واحد يرجح جانب الخلاف وإذا اختلف اربعة لا بد من خامس يرجح جانب الخلاف.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠))

شرح الكلمات :

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى) : أي المسارة الكلامية والمنهيون هم اليهود والمنافقون.

(ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا) : أي من التناجى تعمدا لأذية المؤمنين بالمدينة.

(وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) : أي بما هو إثم في نفسه ، وعداوة الرسول والمؤمنين.

(وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) : أي يتناجون فيوصى بعضهم بعضا بمعصية الرسول وعدم طاعته.

(وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ) : أي جاءوك أيها النبي حيوك بقولهم السام عليك.

(بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ) : أي حيوك بلفظ السام عليك ، وهذا لم يحيى الله به رسوله بل حياه بلفظ السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

٢٨٨

(وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) : أي سرا فيما بينهم.

(لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ) : أي هلا يعذبنا الله بما نقول له ، فلو كان نبيا لعاجلنا الله بالعقوبة.

(حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها) : أي يكفيهم عذاب جهنم يصلونها فبئس المصير لهم.

(فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) : أي فلا يناج بعضكم بما هو إثم ولا بما هو عدوان وظلم ولا بما هو معصية للرسول.

(وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى) : أي وتناجوا إن أردتم ذلك بالبر أي الخير والتقوى وهي طاعة الله والرسول.

(إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ) : أي إنما النجوى بالإثم والعدوان من الشيطان أي بتغريره.

(لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) : أي ليوهمهم انها بسبب شيء وقع مما يؤذيهم.

(وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) : ألا وليس التناجى بضار المؤمنين شيئا إلا بإرادة الله تعالى.

(وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) : أي وعلى الله لا على غيره يجب أن يتوكل المؤمنون.

معنى الآيات :

قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ) الآية .. هذه نزلت في يهود المدينة والمنافقين فيها. إذ كانوا يتناجون أي يتحدثون سرّا على مرأى من المؤمنين ، والوقت وقت حرب فيوهمون المؤمنين إن عدوا قد عزم على غزوهم ، أو أن سرية هزمت أو أن مؤامرة تحاك ضدهم فنهاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن التناجى ، وقال لا يتناج اثنان دون (١) ثالث وأبوا إلا أن يتناجوا فأنزل الله تعالى هذه الآية يعجب رسوله منهم ويوعدهم بعد فضحهم وكشف الستار عن كيدهم للمؤمنين ومكرهم بهم فقال تعالى لرسوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ (٢) نُهُوا عَنِ النَّجْوى) وهي التناجى المحادثة السرية أمام الناس ، (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ) عصيانا وتمردا عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، (وَيَتَناجَوْنَ) لا بالبر والتقوى ، ولكن (بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ (٣) الرَّسُولِ) أي بما هو إثم في نفسه كالغيبة والبذاء في القول ، وبالعدوان وهو الاعتداء على المؤمنين وظلمهم ، وبمعصية الرسول فيوصى بعضهم بعضا بعصيان الرسول وعدم طاعته في أمره ونهيه. هذا وشرّ منه أنهم إذا جاءوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حيّوه بما لم يحيه به الله فلم يقولوا السّلام عليكم ولكن

__________________

(١) الحديث ثابت في الصحيح وفي الموطأ قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد) وفي الحديث دليل على التحريم ونظيره : أن يتكلم اثنان بلغة غير لغة الثالث فإنه كنجوى اثنين دون ثالث.

(٢) الاستفهام للتعجيب والمراد به توبيخ اليهود الذين نزلت الآية فيهم مع إخوانهم المنافقين.

(٣) كتبت (مَعْصِيَةِ) بالتاء المفتوحة دون المربوطة التي يوقف عليها بالهاء في موضعين من هذه السورة ، ويوقف عليها بالهاء ويجوز بالتاء وأما في الوصل فلا بد من التاء.

٢٨٩

يقولون السام عليكم والسام الموت يلوون بها ألسنتهم ، ويأتون الرسول واحدا واحدا ليحيوه بهذه التحية الخبيثة ليدعوا عليه بالموت لعنة الله عليهم ما أكثر أذاهم وما أشد مكرهم وما أنتن خبثهم ويقولون في أنفسهم أي فيما بينهم لو كان محمد نبيا لآخذنا الله بما نقول له من الدعاء عليه بالموت وهذا معنى قوله تعالى عنهم : (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ) أي هلّا عذبنا الله بما نقول لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم لو كان نبيا. (١) قال تعالى (حَسْبُهُمْ) (٢) عذابا (جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها) يحترقون بحرها ولظاها يوم القيامة (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الذي يصيرون إليه في الدار الآخرة جهنم وزقومها وحميمها وضريعها وغسلينها ويحمومها وفوق ذلك غضب الله ولعنته عليهم.

وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ) هذه الآية والتي بعدها نزلت في تربية المؤمنين روحيا وتهذيبهم أخلاقيا فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أي صدقوا الله ورسوله إذا تناجيتم لأمر استدعى ذلك منكم (فَلا تَتَناجَوْا) (٣) (بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) فتكون حالكم كحال اليهود والمنافقين ولكن (تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى) أي بما هو خير في نفسه لا إثم فيه وبطاعة الله ورسوله إذ هما التقوى ، (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) يوم القيامة لمحاسبتكم ومجازاتكم فاتقوه بطاعته وطاعة رسوله.

وقوله تعالى : (إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ) أي هو الدافع إليها والحامل عليها وذلك لعلة وهي أن يوقع المؤمنين في غم وحزن ، وليس التناجى ولا الشيطان بضار المؤمنين شيئا إلا بإرادة الله تعالى لحكم عالية يعلمها الله ، ولذا فلا تحزنوا ولا تغتموا لما ترون من تناجى أعدائكم من اليهود والمنافقين ، وتوكلوا على الله في أموركم كلها. (وَعَلَى اللهِ) تعالى لا على غيره (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) في كل زمان ومكان. فإن الله تعالى كاف من يتوكل عليه كافيه كل ما يهمه والله على ذلك قدير.

__________________

(١) قال ابن العربي : جهل هؤلاء اليهود أن الله تعالى حليم لا يعاجل بالعقوبة من سبه فقد قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم (لا أحد أصبر على الأذى من الله يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم).

(٢) روى الترمذي وصححه عن أنس (أن يهوديا أتى على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى أصحابه فقال : السام عليكم. فردّ عليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال أتدرون ما قال هذا؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال كذا ردوه عليّ فردوه فقال : قلت السام عليكم؟ قال : نعم فقال النبي عند ذلك إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا : عليك ما قلت ، فأنزل الله تعالى (وَإِذا جاؤُكَ) الآية.

(٣) الجمهور أن حرمة تناجي الاثنين دون الثالث والثلاثة دون الرابع وهكذا هو باق على تحريمه وليس مخصوصا بحالة الحرب كما في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأن الفاظ الحديث عامة. منها حديث الصحيح عن ابن عمر : (إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد). وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه).

٢٩٠

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ بيان مكر اليهود والمنافقين وكيدهم للمؤمنين في كل زمان ومكان.

٢ ـ إذا حيا الكافر المؤمن ورد عليه المؤمن رد عليه بقوله وعليكم لما صح أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم دخل عليه ناس من اليهود فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعليكم. فقالت عائشة رضى الله عنها عليكم السام ولعنكم (١) الله وغضب عليكم. فقال لها عليه الصلاة والسّلام يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش فقالت ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال لها أو ما سمعت ما أقول : وعليكم. فأنزل الله هذه الآية رواه الشيخان.

٣ ـ إذا سلم الذميّ وكان سلامه بلفظ السّلام عليكم لا بأس أن يرد عليه بلفظه.

٤ ـ حرمة التناجى بغير البر والتقوى لقوله تعالى إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس الآية من سورة النساء. (٢)

٥ ـ لا يجوز أن يتناجى اثنان دون الثالث لما يوقع ذلك في نفس الثالث من حزن لا سيما إن كان ذلك في سفر أو في حرب وما إلى ذلك.

٦ ـ وجوب التوكل على الله وترك الأوهام والوساوس فإنها من الشيطان.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

__________________

(١) اختلف في جواز ومنع السّلام على أهل الكتاب والذي عليه الجمهور جوازه للسنة الصحيحة في ذلك ويرى بعضهم وجوب الرد لعموم الآية : (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها).

(٢) هي قوله تعالى : (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً).

٢٩١

(١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣))

شرح الكلمات :

(تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ) : أي توسعوا في المجالس التي هي مجالس علم وذكر.

(فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) : أي في الجنة وفي الرزق والقبر.

(انْشُزُوا فَانْشُزُوا) : أي قوموا للصلاة أو لغيرها من أعمال البر.

(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) : أي بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وفي غرفات الجنان في الآخرة.

(وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) : أي ويرفع الذين اوتوا العلم درجات عالية لجمعهم بين العلم والعمل.

(إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ) : أي أردتم مناجاته.

(فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) : أي قبل المناجاة تصدقوا بصدقة ثم ناجوه صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) : أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لما فيه من نفع الفقراء وأطهر لذنوبكم.

(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) : أي فإن لم تجدوا ما تتصدقون به.

(فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : أي غفور لمناجاتكم رحيم بكم فليس عليكم في المناجاة بدون صدقة إثم.

(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ؟) : أي أخفتم الفقر ان قدمتم بين يدي نجواكم صدقات.

(فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) : أي تقديم الصدقات ، وتاب الله عليكم بأن رخص لكم في تركها.

(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) : أي على الوجه المطلوب من إقامتها وأخرجوا الزكاة.

(وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) : أي وداوموا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله.

(وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) : أي من أعمال البر والإحسان وسيثيبكم على ذلك بالجنة.

٢٩٢

معنى الآيات :

ما زال السياق الكريم في تربية المؤمنين وتهذيبهم ليكملوا ويسعدوا فقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي صدقوا الله ورسوله (إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ) أي إذا قال لكم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو غيره توسعوا (١) في المجلس ليجد غيركم مكانا بينكم فتوسعوا ولا تضنوا بالقرب من الرسول أو من العالم الذي يعلمكم أو المذكر الذي يذكركم وإن أنتم تفسحتم أي فإن الله تعالى يكافئكم فيوسع عليكم في الدنيا بسعة الرزق وفي البرزخ في القبر وفي الآخرة في غرفات الجنان.

وقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا) (٢) أي قوموا من المجلس لعلة أو للصلاة أو للقتال أو لفعل بر وخير فانشزوا أي خفوا وقوموا يئبكم الله فيرفع الله الذين آمنوا منكم (٣) درجات بالنصر والذكر الحسن في الدنيا وفي غرف الجنة في الآخرة (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) أي ويرفع الذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون درجات عالية لجمعهم بين الإيمان والعلم والعمل.

وقوله : (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) يذكرهم تعالى بعلمه بهم في جميع أحوالهم ليراقبوه ويكثروا من طاعته ويحافظوا علي تقواه.

وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) أمرهم تعالى إذا أراد أحدهم أن يناجى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويكلمه وحده أن يقدم صدقة أولا ثم يطلب المناجاة وكان هذا لمصلحة الفقراء أولا ثم للتخفيف (٤) عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ كل مؤمن يود أن يخلو برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويقرب منه ويكلمه والرسول بشر لا يتسع لكل أحد فشرع الله هذه الصدقة فأعلمهم أنه يريد التخفيف عن رسوله. فلما علموا ذلك وتحرجوا من بذل صدقة وأكثرهم فقراء

__________________

(١) قال قتادة : كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض ، وروي عن ابن عباس أن هذا في صفوف القتال إذ كانوا يتشاحون على الصف الأول فأمروا بالفسح لبعضهم حتى يتمكنوا من الوقوف في الصف الأول مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم واللفظ عام يشمل هذا وذاك. قال القرطبي : والصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر سواء كان مجلس حرب أو علم أو ذكر أو مجلس صلاة كيوم الجمعة وفي الحديث الصحيح : (نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ولكن تفسحوا وتوسعوا).

(٢) قال قتادة : المعنى : أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف ، والنشز : الارتفاع مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها ، ومنه قيل للمرأة التي تترفّع على زوجها ناشز.

(٣) في الآية مدح لأهل العلم : قاله ابن مسعود وفي الحديث : (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب). وقيل لعمر رضي الله عنه في مولى استخلفه فقال : إنه قارىء لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض أما إن نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قال : (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع آخرين) وعن ابن عباس : خيّر سليمان بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه.

(٤) قال ابن عباس : نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف عن رسوله فأنزل هذه الآية فلما نزلت كفّ الناس.

٢٩٣

لا يجدها نسخ تعالى ذلك ولم تدم مدة الوجوب أكثر من ليالى ونسخها الله تعالى بقوله الآتي أأشفقتم. الآية.

وقوله تعالى (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) (١) أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لكم حيث تعود الصدقة على الفقراء إخوانكم وأطهر أي لنفوسكم لأن النفس تطهر بالعمل الصالح وقوله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) أي ما تقدمونه صدقة قبل المناجاة فناجوه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا حرج عليكم لعدم وجدكم (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لكم (رَحِيمٌ) بكم. وقوله تعالى (أَأَشْفَقْتُمْ) (٢) أي أخفتم الفاقة والفقر إن أنتم ألزمتم بالصدقة بين يدي كل مناجاة وعليه فإن (لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) برفع هذا الواجب ونسخه فرجع بكم إلى عهد ما قبل وجوب الصدقة (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) بأدائها في أوقاتها في جماعة المؤمنين مراعين شرائطها وأركانها وسننها وآدابها (وَآتُوا الزَّكاةَ) الواجبة في أموالكم. (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في أمرهما ونهيهما يكفكم ذلك عوضا عن الصدقة التي نسخت تخفيفا عليكم ورحمة بكم.

وقوله (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (٣) أي فراقبوه في طاعته وطاعة رسوله تفلحوا فتنجوا من النار وتدخلوا الجنة دار الأبرار.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ الندب إلى فضيلة التوسع في مجالس العلم والتذكير.

٢ ـ الندب والترغيب في القيام بالمعروف وأداء الواجبات إذا دعى المؤمن إلى ذلك.

٣ ـ فضيلة الإيمان وفضل العلم والعمل به.

٤ ـ مشروعية النسخ في الشريعة قبل العمل بالمنسوخ وبعده إذ هذه الصدقة نسخت قبل أن يعمل بها اللهم إلا ما كان من عليّ (٤) رضي الله عنه فإنه أخبر أنه تصدق بدينار وناجى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم نسخت هذه الصدقة فكان يقول في القرآن آية لم يعمل بها أحد غيري وهى فضيلة له رضى الله عنه.

__________________

(١) قال ابن العربي : في الآية دليل على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح فإن الله تعالى قال (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) ثم نسخ ذلك مع كونه خيرا وأطهر. ولكن قد يقال إنّ ما نسخ من أجله قد يكون أكثر منفعة للمسلمين في دينهم ودنياهم ، وإن كان خافيا عن المسلمين لا يعلمونه.

(٢) الاستفهام المراد به لوم الأصحاب على تأخرهم عن المناجاة لما فرضت عليها الصدقة. قيل كان ما بين الآيتين الناسخة والمنسوخة عشرة أيّام.

(٣) الجملة تذييل لجملة : (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) وهي كناية عن التحذير من التفريط في طاعة الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(٤) روي أن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : لقد كانت لعليّ رضي الله عنه ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حمر النعم : تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.

٢٩٤

٥ ـ في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله في الواجبات والمحرمات عوض عما يفوت المؤمن من النوافل.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩))

شرح الكلمات :

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا) : أي ألم تنظر إلى المنافقين الذين تولوا.

(قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) : أي اليهود.

(ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ) : أي ما هم منكم أيها المؤمنون ولا منهم أي من اليهود بل هم مذبذبون.

(وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) : أي يحلفون لكم أنهم مؤمنون وهم يعلمون أنهم غير مؤمنين.

(إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) : أي قبح أشد القبح عملهم وهو النفاق والمعاصى.

(اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) : أي سترا على أنفسهم وأموالهم فادعوا الإيمان كذبا وحلفوا أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.

٢٩٥

(فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) : أي فصدوا بتلك الأيمان المؤمنين عن سبيل الله التي هي جهادهم وقتالهم.

(فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) : أي يوم يبعثهم من قبورهم يوم القيامة يحلفون لله أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون اليوم لكم أنهم مؤمنون.

(وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) : أي يظنون في أيمانهم الكاذبة أنهم على شيء من الحق.

(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) : أي غلب عليهم الشيطان.

(فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ) : فلم يذكروه بألسنتهم إلا تقية ولا يذكرون وعده ولا وعيده.

(أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) : أي أولئك البعداء أتباع الشيطان وجنده.

(أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ) : أي إن أتباع الشيطان وجنده هم المغبونون الخاسرون في صفقة حياتهم.

معنى الآيات :

في هذه الأيام التي نزلت فيها هذه السورة كان النفاق بالمدينة بالغا أشده ، وكان اليهود كذلك كثيرين ومتحزبين ضد الإسلام والمسلمين وذلك قبل اجلائهم من المدينة ففي هذه الآية يحذر الله تعالى رسوله والمؤمنين من العدوين معا ويكشف الستار عنهم ليظهرهم على حقيقتهم ليحذرهم المؤمنون فيقول تعالى (أَلَمْ تَرَ) (١) أي تنظر يا رسولنا (إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ) (٢) (اللهُ عَلَيْهِمْ) وهم اليهود تولاهم المنافقون ولاية نصرة وتحزب ضد الرسول والمؤمنين. يقول تعالى هؤلاء المنافقون (ما هُمْ مِنْكُمْ) أيها المؤمنون (وَلا مِنْهُمْ) من اليهود بل هم مذبذبون حيارى يترددون بينكم وبين اليهود معكم في الظاهر ومع اليهود في الباطن.

وقوله تعالى : (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٣) أي أنهم كاذبون إذ كانوا يأتون رسول الله ويحلفون له أنهم مؤمنون به وبما جاء به وهم يعلمون أنهم كاذبون إذ هم غير مؤمنين به ولا مصدقين. فتوعدهم الله عزوجل بقوله : (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً) أي هيأ لهم وأحضره وذلك يوم القيامة ، وندد بصنيعهم وقبح سلوكهم بقوله (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ولذا أعد لهم العذاب

__________________

(١) الاستفهام تعجيبي ووجه التعجب من حالهم أنهم تولوا قوما من غير جنسهم وليسوا على دينهم وإنما حملهم الاشتراك في عداوة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين.

(٢) عرف اليهود في القرآن بأنهم المغضوب عليهم وتكرر ذلك في القرآن الكريم.

(٣) روي عن عكرمة وابن عباس في سبب نزول هذه الآية : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان جالسا في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه إذ قال يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق قد عاينه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال. علام تشتمني أنت وأصحابك؟ قال دعني أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء فأنزل الله تعالى : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً).

٢٩٦

الشديد لسوء سلوكهم وقبح أعمالهم.

وقوله تعالى : (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ (١) جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) أي اتخذ هؤلاء المنافقون أيمانهم التي يحلفونها لكم بأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين اتخذوها ستارة ووقاية يقون بها أنفسهم من القتل وأموالهم من الأخذ فصدوا بتلك الأيمان الكاذبة المؤمنين عن سبيل الله التي هي قتالهم لأنهم كفار مشركون يجب قتالهم حتى يدخلوا في دين الله أو يهلكوا لأنهم ليسوا أهل كتاب فتقبل منهم الجزية.

وقوله تعالى (فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) أي يوم القيامة يهانون ويذلون به.

وقوله تعالى (لَنْ تُغْنِيَ (٢) عَنْهُمْ) أي يوم القيامة أموالهم التي يجمعونها ويتمتعون بها اليوم كما لا تغنى عنهم أولادهم الذين يعتزون بهم (مِنَ اللهِ شَيْئاً) من الإغناء فلا تقبل منهم فدية فيفتدون بأموالهم ولا يطلبون من أولادهم نصرة فينصرونهم. (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) لا يخرجون منها ولا يموتون فيها ولا يحيون.

وقوله تعالى (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً) إي اذكر يا رسولنا يوم يبعثهم الله جميعا في عرصات القيامة (فَيَحْلِفُونَ (٣) لَهُ) أنهم كانوا مؤمنين (كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) اليوم أنهم مؤمنون. (وَيَحْسَبُونَ) اليوم أي يظنون أنهم على شيء من الصواب والحق (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) (اسْتَحْوَذَ (٤) عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) أي غلب عليهم (فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ) فلا يذكرونه إلا قليلا كما أنساهم ذكر وعده ووعيده فلذا هم لا يرغبون فيما عنده ولا يرهبون مما لديه. (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) أي أتباعه وجنده. (أَلا إِنَّ حِزْبَ (٥) الشَّيْطانِ) أي أتباعه وجنده (هُمُ الْخاسِرُونَ) أي المغبونون في صفقتهم في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة.

__________________

(١) (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) الجملة مستأنفة استثنافا بيانيا لأن سائلا قد يسأل : ما الذي حملهم على الحلف الكاذب؟ فالجواب اتخاذهم أيمانهم جنة والجنة الوقاية من جن إذا استتر أي : وقاية من شعور المسلمين ليتمكنوا من الصد عن الإسلام تحت شعاره.

(٢) في الآية إشارة إلى أن كبار المنافقين كانوا ذوي ثروة ومال وهذا من الأسباب الحاملة لهم على البقاء على الكفر حفاظا على أموالهم ومراكزهم في المجتمع في نظرهم ، فأخبر تعالى أنّ مالهم الذي يحافظون عليه أولادهم الذين يعتزون بهم إذا نزل بهم عذاب الله لن يغني ذلك عنهم من الله شيئا.

(٣) صح الحديث بأن من مات على شيء يبعث عليه ، ولما مات المنافقون على النفاق بعثوا عليه ، فلذا يحلفون لله تعالى أنهم كانوا مؤمنين كما هم يحلفون في الدنيا بأنهم مؤمنون وهم كاذبون ، وهذا كقوله تعالى : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ). وهذا في عرصات القيامة.

(٤) مجرد استحوذ : حاذ الشيء : إذا أحاطه وصرفه كيف يريد ، يقال : حاذ العير : إذا جمعها وساقها غالبا لها فاشتقّوا منه استفعل : للاستيلاء ، والتدبير والمعالجة ولا يقال استحوذ إلا لمن كان عاقلا يحسن التدبير والتصريف.

(٥) جيء بحرف التنبيه والاستفتاح (أَلا) تنبيها على أهمية ما دخلت عليه وأنه مما يحق أن ينتبه له. وضمير الفصل (هو) لإفادة القصر ، وهو قصر إدعائى للمبالغة في مقدار خسرانهم.

٢٩٧

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ حرمة موالاة اليهود.

٢ ـ حرمة الحلف على الكذب وهي اليمين الغموس.

٣ ـ من علامات استحواذ الشيطان على الإنسان تركه لذكر الله بقلبه ولسانه ولوعده ووعيده بأعماله وأقواله.

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢))

شرح الكلمات :

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) : أي يخالفون الله ورسوله فيما يأمران به وينهيان عنه.

(أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) : أي المغلوبين المقهورين.

(كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) : أي كتب في اللوح المحفوظ أو قضى وحكم بأن يغلب بالحجة أو السيف.

(يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) : أي يصادقون من يخالف الله ورسوله بمحبتهم ونصرتهم.

(وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) : أي يقصدونهم بالسوء ويقاتلونهم على الإيمان كما وقع للصحابة.

٢٩٨

(أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) : أي أثبت الإيمان في قلوبهم.

(وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) : أي برهان ونور وهدى.

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) : أي رضى الله عنهم بطاعتهم إياه في الدنيا ورضوا عنه في الآخرة بإدخاله إياهم في الجنة.

(أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) : أي ألا إن جند الله وأولياءه هم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة.

معنى الآيات :

يخبر تعالى موجها المؤمنين مرشدا لهم إلى أقوم طريق وأكمل الأحوال فيقول : (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) أي يخالفونهما في أمرهما ونهيهما وما يدعوان إليه من الدين الحق (أُولئِكَ) أي المخالفون في زمرة (الْأَذَلِّينَ) (١) في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى (كَتَبَ (٢) اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) أي كتب في اللوح المحفوظ وقضى بأن يغلب رسوله أعداءه بالحجة والسيف (٣). (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) أي ذو قوة لا تقهر وعزة لا ترام فلذا قضى بنصرة رسوله على أعدائه مهما كانت قوتهم.

وقوله تعالى : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ (٤) بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) يقول تعالى لرسوله لا تجد أناسا يؤمنون بالله إيمانا صادقا بالله ربا وإلها وباليوم الآخر (يُوادُّونَ) بالمحبة والنصرة (مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) بمخالفتهما في أمرهما ونهيهما وما يدعوان إليه من توحيد الله وطاعته وطاعة رسوله (وَلَوْ كانُوا) أقرب قريب إليهم من أب أو إبن أو أخ أو عشيرة. وقوله تعالى (أُولئِكَ كَتَبَ) أي الله تعالى (فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) أي أثبته وقرره فيها فهو لا يبرح ينير لهم طريق الهدى حتى ينتهوا إلى جوار ربهم.

__________________

(١) (الْأَذَلِّينَ) جمع الأذل وهو : الأكثر ذلا من كل ذليل والذل المهانة والصغار والاحتقار.

(٢) روي أن مقاتلا قال : قال المؤمنون لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا الله على فارس والروم فقال عبد الله بن أبي بن سلول أتظنون أن الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم عليها ، والله إنهم لأكثر عددا وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك فأنزل الله تعالى : (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَ) أي : قضى الله ذلك.

(٣) من بعث منهم بالحجة فإنه غالب بالحجة ومن بعثه بالسيف فهو غالب بالسيف بإذنه تعالى.

(٤) ذكر لنزول هذه الآية عدة أسباب وهي وإن لم تنزل في كلها فإنها منطبقة عليها فقيل : إنها نزلت في عبد الله بن عبد الله ابن أبي بن سلول فقد جاء لوالده بفضلة ماء من شراب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعل الله يطهر قلبه من النفاق فسأله ما هذا فأخبره فقال عليه لعائن الله : فهلا جئتني ببول أمّك فإنه أطهر منها فغضب وجاء يستأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قتله فلم يأذن له ، وقيل نزلت في أبي بكر الصديق لما ضرب والده بشدّة لما سبّ له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقيل : نزلت في الذين بارزوا أقرباءهم يوم بدر.

٢٩٩

(وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ (١) مِنْهُ) أي ببرهان ونور منه سبحانه وتعالى هذا في الدنيا وأما فى الآخرة فيدخلهم (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي بساتين غناء تجرى الأنهار المختلفة من خلال الأشجار والقصور خالدين فيها لا يخرجون منها أبدا ، وفوق ذلك (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) بطاعتهم إياه (وَرَضُوا عَنْهُ) في الآخرة بإدخاله إياهم الجنة دار المتقين.

وقوله تعالى : (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ) أي أولئك العالون في كمالاتهم الروحية حزب الله أي جنده وأولياؤه ، ثم أعلن تعالى عن فوزهم ونجاحهم فقال : (أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢) أي الفائزون يوم القيامة بالنجاة من النار ودخول الجنة.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ كتب الله الذل والصغار على من حاده وحاد رسوله بمخالفتهما فيما يحبان ويكرهان.

٢ ـ قضى الله تعالى بنصرة رسوله فنصره إنه قوي عزيز.

٣ ـ (٣) حرمة موالاة الكافر بالنصرة والمحبة ولو كان أقرب قريب ، وقد قاتل أصحاب رسول الله آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم في بدر. وفيهم نزلت هذه الآية تبشرهم برضوان الله تعالى لهم ، وإنعامه عليهم اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم.

سورة الحشر (٤)

مدنية وآياتها أربع وعشرون آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ

__________________

(١) قيل : هو جبريل ، وقيل : بنصر منه ، وقال الربيع بن أنس : بالقرآن وحججه.

(٢) استدل مالك بهذه الآية (لا تَجِدُ قَوْماً.). الخ على معاداة القدرية وترك مجالستهم. إذا كان هذا في القدرية فكيف بالرافضة؟!

(٣) روي أن داود عليه‌السلام قال : إلهي : أمن حزبك وحول عرشك؟ فأوحى الله إليه : يا داود : الغاضة أبصارهم النقية قلوبهم السليمة أكفهم. أولئك حزبي وحول عرشي.

(٤) وسمّاها ابن عباس سورة بني النضير لذكر قصة بني النضير فيها وسمّاها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم (سورة الحشر) في حديث الترمذي عن معقل بن يسار أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : (من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر (هو الله) الخ وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي وإن مات في يومه مات شهيدا ، ومن قرأها حين يمسي كذلك). وقال فيه : حسن غريب.

٣٠٠