أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

أبي بكر جابر الجزائري

أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير - ج ٥

المؤلف:

أبي بكر جابر الجزائري


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة العلوم والحكم
الطبعة: ٣
الصفحات: ٦٣٩
  نسخة غير مصححة

(وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) : أي وتبذلون أموالكم وأرواحكم جهادا في سبيل الله تعالى.

(ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) : أي الدخول في هذه الصفقة التجارية الرابحة خير لكم من تركها حرصا على بقائكم وبقاء أموالكم مع أنه لا بقاء لشىء في هذه الدار.

(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) : أي هذا هو الربح الصافي مقابل ذلك الثمن الذاهب الزائل الذي هو المال والنفس مع أن الكل لله تعالى واهبكم أنفسكم وأموالكم.

(ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) : أي النجاة من عذاب النار الأليم ثم دخول الجنة والظفر بما فيها من النعيم المقيم هو حقا الفوز العظيم.

(وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) : أي وعلاوة أخرى تحبونها قطعا إنها نصر من الله لكم ولدينكم وفتح قريب للأمصار والمدن ، وما يتبع ذلك من رفعة وسعادة وهناء.

(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) : أي وبشر يا رسولنا المؤمنين الصادقين بذاك الفوز وهذه العلاوة.

(كُونُوا أَنْصارَ اللهِ) : أي لتنصروا دينه ونبيه وأولياءه.

(كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) : أي فكونوا أنتم أيها المؤمنون مثل الحواريين ، والحواريون أصحاب عيسى وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا.

(فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ) : أي بعيسى عليه‌السلام ، وقالوا إنه عبد الله رفع إلى السماء.

(وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ) : أي من بني إسرائيل فقالوا إنه ابن الله رفعه إليه.

(فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ) : فاقتتلت الطائفتان : فنصرنا وقوينا الذين آمنوا.

(فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ) : أي غالبين عالين.

معنى الآيات :

قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ (١) آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) أي يا من صدقتم الله ورسوله هل لنا أن ندلكم على تجارة عظيمة الربح ثمرتها النجاة من عذاب أليم في

__________________

(١) هذا جواب ما سألوا عنه وطلبوا معرفته وهو : أحب الأعمال الى الله تعالى ، والاستفهام مستعمل في العرض كما يقال :

هل لك في كذا؟ أو هل لك إلى كذا؟ على سبيل العرض والترغيب والتشويق إلى ما يذكر له.

٣٤١

الدنيا والآخرة. وقوله (تُؤْمِنُونَ (١) بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) هذا هو رأس المال الذي تقدمونه. إيمان بالله ورسوله حق الإيمان ، جهاد في سبيل الله بالنفس والمال وأنبه إلى أن هذه الصفقة التجارية (خَيْرٌ لَكُمْ) من عدمها (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ربحها وفائدتها. (٢) (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) إنها النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي أولا ، ثم مغفرة ذنوبكم وإدخالكم جنات تجري من تحتها الأنهار ، أي من تحت قصورها وأشجارها ، (وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي إقامة دائمة. ثانيا ثم زاد الحق في ترغيبهم فقال (ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إنه النجاة من النار ، ودخول الجنة ، فلا فوز أعظم منه قط هذا ولكم علاوة على ذلك الربح العظيم وهي ما أخبر تعالى عنها بقوله : (٣) (وَأُخْرى تُحِبُّونَها) أي وفائدة أخرى تحبونها : (نَصْرٌ مِنَ اللهِ) أي لكم على أعدائكم ولدينكم على سائر الأديان (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) لمكة ولباقى المدن والقرى فى الجزيرة وما وراءها. وقوله تعالى (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي وبشر (٤) يا رسولنا الذين آمنوا بنا وبرسولنا وبوعدنا ووعيدنا بحصول ما ذكرناه كاملا ، وقد تم لهم كاملا ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) هذا نداء ثان في هذا السياق الكريم ناداهم بعنوان الإيمان أيضا إذ الإيمان هو الطاقة المحركة الدافعة فقال (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ (٥) اللهِ) أي التزموا بنصرة ربكم وإلهكم الحق في دينه ونبيه وأوليائه المؤمنين. قولوا كما قال الحواريون (٦) لما دعاهم عيسى نبيهم لنصرته قائلا من أنصارى إلى الله أي من ينصرني في حال كوني متوجها إلى الله انصر دينه وأولياءه ، فأجابوه قائلين نحن أنصار الله. فكونوا أنتم أيها المسلمون مثلهم ، وقد كانوا رضي الله عنهم كما طلب منهم.

__________________

(١) جملة : (تُؤْمِنُونَ) بيانية لأهل العرض السابق يثير سؤالا وهو : ما الذي ريد أن يدلنا عليه؟ فالجواب : الايمان والجهاد. (تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ.). الخ.

(٢) (يَغْفِرْ لَكُمْ) بالجزم لأن الفعل واقع موقع جواب الطلب إذ : تؤمنون وتجاهدون لفظهما لفظ الخبر ومعناهما الإنشاء أي : آمنوا وجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم ، وجزم (وَيُدْخِلْكُمْ) أيضا على العطف على يغفر.

(٣) (وَأُخْرى) الجملة معطوفة على (يَغْفِرْ لَكُمْ). وما بعدها وجيء بالجملة اسمية للدلالة على الثبوت والتحقق ، فأخرى : مبتدأ خبره محذوف أي : وأخرى لكم أي ثابتة لكم وتحبون : صفة لأخرى.

(٤) لقد شوق الله أصحاب رسوله إلى تحقيق الإيمان بالجهاد فأيقنوا وعزموا على الجهاد فأصبح أسمى أمانيهم فأنجز الله لهم ما وعدهم فأمر رسوله أن يبشرهم بما وعدهم تعجيلا للمسرة.

(٥) الأنصار : جمع نصير وهو الناصر : القوي النصرة ، وقرأ نافع (كُونُوا أَنْصارَ اللهِ) بتنوين أنصارا وقرأ حفص بدون تنوين مضاف إلى اسم الجلالة.

(٦) الحواريون : جمع حواري بفتح الحاء وتخفيف الواو وهي معربة عن الحبشية (حواريا) وهو الصاحب الصفي وأطلق هذا الاسم على أصحاب عيسى الاثنى عشر رجلا ، وقد سمى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الزبير بن العوام حواريه على التشبيه بأحد الحواريين فقال : (لكل نبي حواري وحواري الزبير).

٣٤٢

وقوله تعالى (فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي فاقتتلوا فأيدنا أي قوينا ونصرنا الذين آمنوا وهم الذين قالوا عيسى عبد الله ورسوله رفعه ربه تعالى إلى السماء ، (عَلى عَدُوِّهِمْ) وهم الطائفة الكافرة التى قالت عيسى ابن الله رفعه إليه تعالى الله أن يكون له ولد.

وقوله تعالى (فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ) (١) أي غالبين عالين إلى أن احتال اليهود على إفساد الدين الذي جاء به عيسى وهو الإسلام أي عبادة الله وحده بما شرع أن يعبد به فحينئذ لم يبق من المؤيدين إلا أنصار قليلون هنا وهناك وعلا الكفر والتثليث واستمر الوضع كذلك إلى أن بعث الله رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم فانضم الى الإسلام من انضم من النصارى فأصبحوا بالإسلام ظاهرين على عدوهم من المشركين المؤلهين لعيسى والحيارى في تقويمه مرة يقولون هو الله ، ومرة يقولون : هو ابن الله ، ومرة يقولون : ثالث ثلاثة هو الله. وضللهم وتركهم في هذه المتاهات الانتفاعيون من الرؤساء والجاهلون المقلدون من المرءوسين كما فعل نظراؤهم في الإسلام فحولوه الى طوائف وشيع إلا أن الإسلام تعهد الله بحفظه الى يوم القيامة فمن أراده وجده صافيا كما نزل في كتاب الله وسنة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن لم يرده وأراد الضلالة وجدها في كل عصر ومصر.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ فضل الجهاد بالمال والنفس وأنه أعظم تجارة رابحة.

٢ ـ تحقيق بشرى المؤمنين التى أمر الله رسوله أن يبشرهم بها فكان هذا برهانا على صحة الإسلام وسلامة دعوته.

٣ ـ بيان استجابة المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما طلب منهم من نصرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ودينه والمؤمنين معه. وهى نصرة الله تعالى المطلوبة.

__________________

(١) (ظاهِرِينَ) أي : غالبين يقال : ظهر عليه أي غلبه وهو مشتق من الظهر الذي هو العمود الوسط من جسد الإنسان والدواب ، ومثل الظهور : التأييد مشتق من اليد وكذا عضده : إذا نصره وقواه مأخوذ من العضد.

٣٤٣

سورة الجمعة (١)

مدنية وآياتها احدى عشرة آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤))

شرح الكلمات :

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) : أي ينزه الله تعالى عما لا يليق به ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات بلسان القال والحال ، ولم يقل (من) بدل (ما) تغليبا لغير العاقل لكثرته علي العاقل.

(فِي الْأُمِّيِّينَ) : أي العرب لندرة من كان يقرأ منهم ويكتب.

(رَسُولاً مِنْهُمْ) : أي محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ هو عربي قرشي هاشمي.

(وَيُزَكِّيهِمْ) : أي يطهرهم أرواحا واخلاقا.

(وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) : أي هدى الكتاب وأسرار هدايته.

(وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) : أي وإن كانوا من قبل بعثة الرسول في ضلال الشرك والجاهلية.

(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) : أي وآخرين مؤمنين صالحين لما يلحقوا أي لم يحضروا حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يعلّم الكتاب والحكمة ، وسيلحقون بهم وهم

__________________

(١) سورة الجمعة أي : السورة التي يذكر فيها لفظ الجمعة وهل المراد بالجمعة يوم الجمعة أو صلاة الجمعة الظاهر أن المراد بلفظ الجمعة : صلاة الجمعة ، وجائز أن يكون المراد يوم الجمعة وقد نزلت الجمعة جملة واحدة سنة ست من الهجرة.

٣٤٤

كل من لم يحضر حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من العرب والعجم.

(ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) : أي كون الصحابة حازوا فضل السبق هذا فضل يؤتيه من يشاء فلا اعتراض ولكن الرضا وسؤال الله من فضله فإنه ذو فضل عظيم.

معنى الآيات :

قوله تعالى : (يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) يخبر تعالى عن نفسه أنه يسبحه بمعنى ينزهه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله من سائر مظاهر العجز والنقص ويقدسه كذلك وذلك بلسان الحال والقال وهذا كقوله من سورة الإسراء وان من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. ومع هذا شرع لنا ذكره وتسبيحه وتعبدنا به ، وجعله عونا لنا على تحمل المشاق واجتياز الصعاب فكم أرشد رسوله له في مثل قوله : سبح اسم ربك ، وسبحه بكرة وأصيلا ، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا. وواعد على لسانه رسوله بالجزاء العظيم على التسبيح في مثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر» ورغب فيه في مثل قوله : «كلمتان ثقيلتان في الميزان خفيفتان على اللسان حبيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم».

وقوله (الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ) أي المالك الحاكم المتصرف في سائر خلقه لا حكم إلا له. ومرد الأمور كلها إليه المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله من سائر النقائص والحوادث.

وقوله تعالى (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) أي كل خلقه ينزهه ويقدسه وهو العزيز الغالب على أمره الذي لا يحال بينه وبين مراده الحكيم في صنعه وتدبيره لأوليائه وفي ملكه وملكوته. وقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي (١) بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ) (٢) أي بعث في الأمة العربية الأمية رسولا منهم هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ هو عربي قرشي هاشمي معروف النسب الي جده الأعلى عدنان من ولد اسماعيل بن إبراهيم الخليل.

وقوله : (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) أي آيات الله التى تضمنها كتابه القرآن الكريم وذلك لهدايتهم وإصلاحهم ، وقوله (وَيُزَكِّيهِمْ) أي ويطهرهم أرواحا وأخلاقا وأجساما من كل ما يدنس الجسم

__________________

(١) قال ابن عباس رضي الله عنهما : الأميون العرب كلهم من كتب منهم ومن لم يكتب لأنهم لم يكونوا أهل كتاب وكونه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أميا ومن أمة أمية هو دليل معجزته وصدق نبوته.

(٢) (رَسُولاً مِنْهُمْ) قال ابن اسحق : ما من حي من أحياء العرب إلا ولرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيهم قرابة وقد ولدوه إلا حي تغلب فإن الله تعالى طهّر نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم منهم لنصرانيتهم ، فلم يجعل لهم عليه ولادة.

٣٤٥

ويدنس النفس ويفسد الخلق. وقوله (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ). أي يعلمهم الكتاب الكريم يعلمهم معانيه وما حواه من شرائع وأحكام ، ويعلمهم (١) الحكمة في كل أمورهم والإصابة والسداد في كل شؤونهم ، يفقههم في أسرار الشرع وحكمه في أحكامه. وقوله (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي والحال والشأن أنهم كانوا من قبل بعثته فيهم لفى ضلال مبين ضلال في العقائد ضلال في الآداب والاخلاق ضلال في الحكم والقضاء في السياسة ، وادارة الأمور العامة والخاصة.

وقوله تعالى : (وَآخَرِينَ (٢) مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي وآخرين من العرب والعجم جاءوا من بعدهم وهم التابعون وتابعوا التابعين (٣) الى يوم القيامة آمنوا وتعلموا الكتاب والحكمة التى ورثها رسول الله فيهم لما يلحقوا بهم في الفضل لأنهم فازوا بالسبق إلى الإيمان وبصحبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم و (ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ تقرير التوحيد.

٢ ـ تقرير النبوة المحمدية.

٣ ـ بيان فضل الصحابة على غيرهم.

٤ ـ شرف الإيمان والمتابعة للرسول وأصحابه رضي الله عنهم.

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ

__________________

(١) قال مالك بن أنس : الحكمة الفقه في الدين.

(٢) روى مسلم عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا قال : وفينا سلمان الفارسي قال فوضع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يده على سلمان ثم قال : لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء نعم فقد دخلت فارس في الإسلام بعد الفتح العمري وآمن رجال فوفوا وكانوا من أفاضل الرجال وصدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا أن الحزب الوطني الذي تكون في الظلام للانتقام من الإسلام فعل العجب في إفساد أمة الإسلام ومن ذلك ضرب الأمة بالمذهب الرافضي الذي فرق المسلمين ودمرهم أيما تدمير.

(٣) من العرب وغيرهم من سائر العجم كبعض الفرس والروم والبربر والسودان والترك والمغول والأكراد والصين والهنود وغيرهم وفي هذا معجزة قرآنية إذ صدق قوله (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) وقد لحقوا فآمنوا وتعلموا وزكوا.

٣٤٦

دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨))

شرح الكلمات :

(حُمِّلُوا التَّوْراةَ) : أي كلفوا بالعمل بها عقائد وعبادات وقضاء وآدابا وأخلاقا

(ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها) : أي لم يعملوا بما فيها ، ومن ذلك نعته صلى‌الله‌عليه‌وسلم والأمر بالإيمان فجحدوا نعته وحرفوه ولم يؤمنوا به وحاربوه.

(بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ) : أي المصدقة للنبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا المثل الذي ضربه الله لليهود هو كمثل الحمار يحمل أسفارا أي كتبا من العلم وهو لا يدرى ما فيها.

(قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا) : أي اليهود المتدينون باليهودية.

(إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) : أي وأنكم أبناء الله وأحباؤه وأن الجنة خاصة بكم.

(فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) : أي ان كنتم صادقين في أنكم أولياء الله فتمنوا الموت مؤثرين الآخرة على الدنيا ومبدأ الآخرة الموت فتمنوه إذا.

(بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) : أي بسبب ما قدموه من الكفر والتكذيب بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يتمنون.

(وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) : أي المشركين ولازم علمه بهم أنه يجزيهم بظلمهم العذاب الأليم.

(تَفِرُّونَ مِنْهُ) : أي لأنكم لا تتمنونه أبدا وذلك عين الفرار منه.

(فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) : أي حيثما اتجهتم فإنه ملاقيكم وجها لوجه.

(ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) : أي الى الله تعالى يوم القيامة.

٣٤٧

معنى الآيات :

قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ) أي كلفوا بالعمل بها من اليهود والنصارى (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها) أي ثم لم يعملوا بما فيها من أحكام وشرائع ومن ذلك جحدهم لنعوت النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والأمر بالإيمان به واتباعه عند ظهوره. وقوله تعالى : (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) (١) أي كمثل حمار يحمل على ظهره أسفارا من كتب العلم النافع وهو لا يعقل ما يحمل ولا يدرى ماذا على ظهره من الخير ، وذلك لأنه لا يقرأ ولا يفهم (٢). وقوله تعالى (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ) أي المصدقة للنبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا المثل الذي ضربه تعالى لأهل الكتاب من يهود ونصارى. وقوله (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، ولهذا ما هداهم إلى الإسلام. لتوغلهم في الظلم والكفر والشر والفساد لم يكونوا أهلا لهداية الله تعالى.

وقوله تعالى : (قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا) أي قل يا رسولنا يا أيها الذين هادوا أي يا من هم يدّعون أنهم على الملة اليهودية ، (إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) حيث ادعيتم انكم أبناء الله وأحباؤه ، وأن الجنة لكم دون غيركم الى غير ذلك من دعاويكم (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ) (٣) (كُنْتُمْ صادِقِينَ) في دعاويكم إذ الموت طريق الدار الآخرة فتمنوه لتموتوا فتستريحوا من كروب الدنيا وأتعابها.

وقوله تعالى : (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً) أخبر تعالى وهو العليم أنهم لا يتمنونه في يوم من الأيام أبدا ، وبيّن تعالى علة ذلك بقوله : (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) من الذنوب والآثام الموجبة للعذاب. وقوله (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) أي من أمثال هؤلاء اليهود وسيجزيهم بظلمهم عذاب الجحيم. وقوله تعالى : (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) (٤) أي قل لهم يا رسولنا إن الموت الذي تفرون منه ولا تتمنونه فرارا وخوفا

__________________

(١) قال بعض أهل العلم : أبطل الله ادعاء اليهود في ثلاث آيات من هذه السورة افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم بقوله : (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) وبأنهم أهل كتاب فشبههم بالحمار يحمل أسفارا ، وبالسبت فشرع الله للمسلمين الجمعة فلم يبق لهم ما يفخرون به على المسلمين.

(٢) أنشد بعضهم عائبا بعض من يحمل رواية الحديث وهو لا يفهم المراد منها :

إن الرواة على جهل بما حملوا

مثل الجمال عليها يحمل الودع

لا الودع ينفعه حمل الجمال له

ولا الجمال بحمل الودع تنتفع

الودع والواحدة ودعة مناقيف صغار تخرج من قاع البحر.

(٣) الأمر فى قوله تعالى : (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) للتعجيز فلذا لم يفعلوا ولو فعلوا لما بقيت فيهم عين تطرف ؛ لأنهم كاذبون.

(٤) جملة (الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) صفة للموت ، وفيه إشارة إلى خطإهم في الهلع والخوف من الموت ولا تعارض بين هذه الآية وهي تدعو إلى تمني الموت ، وبين النهي عنه في الحديث الصحيح : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به) لأن طلب التمني من اليهود كان لتحديهم ، والنعي عن تمني الموت كان بسبب الجزع من الضر حيث يجب الصبر لما في المرض من تكفير الذنوب ، وفي الحديث :

(من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) وهذا الحديث يفسّر ما تقدم فإن العبد الصالح إذا كان في سياقات الموت يحب الموت للقاء الله تعالى ، والعبد غير الصالح يكره لقاء الله كراهية اليهود لما يعلم من ذنوبه وعظيم آثامه فهو يخاف الموت لذلك.

٣٤٨

منه (فَإِنَّهُ (١) مُلاقِيكُمْ) لا محالة حيثما كنتم سوف يواجهكم وجها لوجه (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) وهو الله تعالى الذي يعلم ما غاب في السماء والأرض ، ويعلم ما يسر عباده ، وما يعلنون وما يظهرون وما يخفون (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ويجزيكم الجزاء العادل إنه عليم حكيم.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ ذم من يحفظ كتاب الله ولم يعمل بما فيه.

٢ ـ التنديد بالظلم والظالمين.

٣ ـ بيان كذب اليهود وتدجيلهم في أنهم أولياء الله وأن الجنة خالصة لهم.

٤ ـ بيان أن ذوى الجرائم أكثر الناس خوفا من الموت وفرارا منه.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١))

شرح الكلمات :

(إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ) : أي إذا أذن المؤذن لها عند جلوس الإمام على المنبر.

(مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) : أي في يوم الجمعة وذلك بعد الزوال.

(فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ) : أي امضوا الى الصلاة.

(وَذَرُوا الْبَيْعَ) : أي اتركوه ، وإذا لم يكن بيع لم يكن شراء.

__________________

(١) من أحسن ما قيل في الوعظ بالموت قول طرفة :

وكفى بالموت فاعلم واعظا

لمن الموت عليه قد قدر

فاذكر الموت وحاذر تركه

إن في الموت لذي اللب عبر

كل شيء سوف يلقى حتفه

في مقام أو على ظهر سفر

والمنايا حوله ترصده

ليس ينجيه من الموت حذر

وقال زهير :

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

ولو رام أسباب السماء بسلّم

٣٤٩

(وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ) : أي اطلبوا الرزق من الله تعالى بالسعى والعمل.

(تُفْلِحُونَ) : أي تنجون من النار وتدخلون الجنة.

(انْفَضُّوا إِلَيْها) : أي إلى التجارة.

(وَتَرَكُوكَ قائِماً) : أي على المنبر تخطب يوم الجمعة.

(ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ) : أي ما عند الله من الثواب في الدار الآخرة خير من اللهو ومن التجارة.

(وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) : أي فاطلبوا الرزق منه بطاعة واتباع هداه.

معنى الآيات

قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي يا من صدقتم الله ورسوله (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ (١) الْجُمُعَةِ) (٢) أي إذا أذن المؤذن بعد زوال يوم الجمعة وجلس الإمام على المنبر (فَاسْعَوْا (٣) إِلى ذِكْرِ (٤) اللهِ) أي امضوا إلى ذكر الله الذي هو الصلاة والخطبة إذ بهما يذكر الله تعالى. وقوله (وَذَرُوا الْبَيْعَ) (٥) إذ هو الغالب من أعمال الناس ، والا فسائر الأعمال يجب إيقافها والمضيّ إلى الصلاة.

وقوله (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي ترك الأعمال من بيع وشراء وغيرها والمضيّ إلى أداء صلاة الجمعة وسماع الخطبة خير ثوابا وعاقبة.

وقوله تعالى (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ) أي أديت وفرغ منها (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) أي لكم بعد انقضاء الصلاة أن تتفرقوا حيث شئتم في أعمال الدين والدنيا. تبتغون من فضل الله ، (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً) أي أثناء تفرقكم وانتشاركم في أعمالكم اذكروا الله ولا تنسوه واذكروه ذكرا كثيرا (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي رجاء فلا حكم وفوزكم في دنياكم وآخرتكم.

__________________

(١) المراد من النداء : الأذان الذي يكون فيه الإمام على المنبر إذ كان الأذان واحدا حتى زاد عثمان رضي الله عنه ثانيا حين كثر الناس بالمدينة.

(٢) لفظ (الْجُمُعَةِ) : بضم كل من الجيم والميم ، وبتسكين الميم ، والجمع : جمع كغرفة وغرف وجمعات كغرفات وكان يومها يسمى العروبة بفتح العين وقيل أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي وقيل : الأنصار ، وأول جمعة صليت في الإسلام هي الجمعة التي جمع فيها أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير أهل المدينة وصلوها وكانوا اثنى عشر رجلا : وأول جمعة صلاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة هي جمعته في بني سالم بن عوف وهو في طريقه من قباء إلى المدينة ، وأول جمعة بعدها كانت بجواثي : قرية من قرى البحرين.

(٣) ليس المراد بالسعي الجري واشتداد العدو وإنما هو المشي والمضي لحديث الصحيح : (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن أئتوها وعليكم السكينة) ومن إطلاق السعي والمراد المضي والعمل لا غير قول الشاعر :

أسعي على جل بني مالك

كل امريء في شأنه ساعي

وفي القرآن : (مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها).

(٤) ذكر الله : الصلاة والخطبة قبلها.

(٥) لا خلاف في حرمة البيع والشراء عند الأذان الثاني.

٣٥٠

وقوله تعالى : (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً) هذه الآية نزلت في شأن قافلة زيت كان صاحبها دحية بن خليفة الكلبى الأنصارى رضى الله عنه قدمت من الشام ، وكان عادة أهل المدينة إذا جاءت قافلة تجارية تحمل الميرة يستقبلونها بشيء من اللهو كضرب الطبول والمزامير. وصادف قدوم القافلة يوم الجمعة والناس في المسجد ، فلما انقضت الصلاة وطلع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على المنبر يخطب ، وكانت الخطبة بعد الصلاة لا قبلها كما هي بعد ذلك فخرج الناس يتسللون حتى لم يبق مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الا اثنا عشر رجلا وامرأة فنزلت هذه الآية تعيب عليهم خروجهم وتركهم نبيهم يخطب. فقال تعالى في صورة عتاب شديد (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها) أي خرجوا إليها (وَتَرَكُوكَ) يا رسولنا قائما على المنبر تخطب. وقوله تعالى : (قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ) أي أعلمهم يا نبينا أن ما عند الله من ثواب الآخرة خير من اللهو والتجارة التي خرجتم إليها ، (وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) فاطلبوا الرزق منه بطاعته وطاعة رسوله ولا يتكرر منكم مثل هذا الصنيع الشين. وإلا فقد تتعرضون لعذاب عاجل غير آجل.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ وجوب صلاة الجمعة ووجوب (١) المضى اليها عند النداء الثاني الذي يكون والامام على المنبر.

٢ ـ حرمة البيع والشراء وسائر العقود إذا شرع المؤذن يؤذن الاذان الثاني.

٣ ـ الترغيب في ذكر الله والإكثار منه والمرء يبيع ويشترى ويعمل ويصنع ولسانه ذاكر.

٤ ـ ينبغي أن لا يقل المصلون الذين تصح صلاة الجمعة بهم عن اثنى عشر رجلا أخذا من حادثة انفضاض الناس عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يخطب الى القافلة حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا.

__________________

(١) ورد في فضل الجمعة والغسل لها قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه) وقوله : (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما لم تغش الكبائر) (مسلم) وقوله : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) (في الصحيح).

٣٥١

سورة المنافقون

مدنية وآياتها إحدى عشرة آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤))

شرح الكلمات :

(إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ) : أي حضر مجلسك المنافقون كعبد الله بن أبي وأصحابه.

(قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) : أي قالوا بألسنتهم ذلك وقلوبهم على خلافه.

(وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) : أي والله يعلم أن المنافقين لكاذبون أي بما أضمروه من أنك غير رسول الله.

(اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) : أي سترة ستروا بها أموالهم وحقنوا بها دماءهم.

(فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) : أي فصدوا بها عن سبيل الله أي الجهاد فيهم.

(إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) : أي قبح ما كانوا يعملونه من النفاق.

(ذلِكَ) : أي سوء عملهم.

(بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) : أي آمنوا بألسنتهم ، ثم كفروا بقلوبهم أي استمروا على ذلك.

(فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ) : أي ختم عليها بالكفر.

٣٥٢

(فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) : أي الإيمان أي لا يعرفون معناه ولا صحته.

(تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) : أي لجمالها إذ كان ابن أبي جسيما صحيحا وصبيحا ذلق اللسان.

(وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) : أي لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم.

(كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) : أي كأنهم من عظم أجسامهم وترك التفهم وعدم الفهم خشب مسندة أي أشباح بلا أرواح ، وأجسام بلا أحلام.

(يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) : أي يظنون كل صوت عال يسمعونه كنداء في عسكر أو إنشاد ضالة عليهم وذلك لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم.

(هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) : أي العدو التام العداوة فاحذرهم أن يفشوا سرك أو يريدوك بسوء.

(قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) : أي لعنهم الله كيف يصرفون عن الإيمان وهم يشاهدون أنواره وبراهينه.

معنى الآيات

قوله تعالى (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ) لنزول هذه السورة سبب هو أن زيد (١) بن أرقم رضى الله عنه قال كنت مع عمى فسمعت عبد الله بن أبيّ بن سلول يقول لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فذكرت ذلك لعمى فذكر ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأرسل رسولا إلى ابن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فصدقهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكذبنى فأصابنى هم لم يصبنى مثله فجلست في بيتي فأنزل الله عزوجل إذا جاءك المنافقون الى قوله الأعز منها الأذل فأرسل الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال إن الله قد صدقك.

قوله (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ) أي إذا حضر مجلسك المنافقون عبد الله بن أبي ورفاقه (قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) وذلك بألسنتهم دون قلوبهم. قال تعالى : (وَاللهُ يَعْلَمُ (٢) إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) سواء شهد بذلك المنافقون أو لم يشهدوا. (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) في شهادتهم لعدم مطابقة قولهم لاعتقادهم. (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) أي جعلوا من أيمانهم الكاذبة جنة كجنة المقاتل يسترون

__________________

(١) رواه البخاري في صحيحه والترمذي وغيرهما كانت هذه الحادثة في غزوة بني المصطلق سنة خمس من الهجرة.

(٢) جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين وفائدة هذا الاعتراض دفع ما قد يتوهمه من يسمع جملة : (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) أنه تكذيب لجملة (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ).

٣٥٣

بها كما يستتر المحارب بجنته فوق رأسه ، فهم بأيمانهم الكاذبة أنهم مؤمنون وقوا بها أنفسهم وأزواجهم وذرياتهم من القتل والسبي ، وبذلك (فَصَدُّوا عَنْ (١) سَبِيلِ اللهِ) أنفسهم وصدوا غيرهم ممن يقتدون بهم وصدوا المؤمنين عن جهادهم بما أظهروه من إيمان صورى كاذب. قال تعالى : (إِنَّهُمْ (٢) ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) يذم تعالى حالهم ويقبح سلوكهم ذلك وهو اتخاذ أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل الله وقوله تعالى الآية رقم ٣ (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ (٣) عَلى قُلُوبِهِمْ) أي سوء عملهم وقبح سلوكهم ناتج عن كونهم آمنوا ثم شكوا أو ارتابوا فنافقوا وترتب على ذلك أيضا الطبع على قلوبهم (فَهُمْ) لذلك (لا يَفْقَهُونَ) معنى الايمان ولا صحته من بطلانه وهذا شأن من توغل في الكفر أن يختم على قلبه فلا يجد الإيمان طريقا الى قلب قد أقفل عليه بطابع الكفر وخاتم النفاق والشك والشرك.

وقوله تعالى في الآية (٤) (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ (٤) تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) أي وإذا رأيت يا رسولنا هؤلاء المنافقين ونظرت إليهم تعجبك أجسامهم لجمالها إذ كان ابن أبي جسيما صبيحا (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) وذلك لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم. وقوله تعالى : (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) وهو تشبيه رائع : انهم لطول أجسامهم وجمالها وعدم فهمهم وقلة الخير فيهم كأنهم خشب مسندة على جدار لا تشفع ولا تنفع كما يقال.

وقوله تعالى : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) وذلك لخوفهم والرعب المتمكن من نفوسهم نتيجة ما يضمرون من كفر وعداء وبغض للإسلام وأهله فهم إذا سمعوا صيحة في معسكر أو صوت منشد ضاله يتوقعون أنهم معتبون بذلك شأن الخائن وأكثر ما يخافون أن ينزل القرآن بفضيحتهم وهتك أستارهم. قال تعالى (٥) (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) يا رسولنا إن قلوبهم مع أعدائك فهم يتربصون بك الدوائر.

قال تعالى : (قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) فسجل عليهم لعنة لا تفارقهم إلى يوم القيامة كيف يصرفون عن الحق وأنواره تغمرهم القرآن ينزل والرسول يعلم ويزكى وآثار ذلك في المؤمنين

__________________

(١) الفاء للتفريع فجملة (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) متفرعة عن جملة (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً).

(٢) الجملة تذييلية من أجل تفظيع حالهم ، والتنديد بسوء سلوكهم.

(٣) الإشارة إلى قوله : (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ).

(٤) هذه الجملة معطوفة على سابقتها وهي (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) وهي واقعة موقع الاحتراس والتتميم لدفع إيهام من يغره ظاهر صورهم وأشكالهم كما في قول حسان رضي الله عنه :

لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ

جسم البغال وأحلام العصافير

(٥) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا إذ قوله تعالى : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) يثير تساؤلات فأجيب السائل المتطلع بقوله تعالى : (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) ونفسيتهم المريضة هي التي جعلتهم يحسبون كل صيحة عليهم كما قال المتنبي :

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

وصدّق ما يعتاده من توهم

٣٥٤

ظاهرة في آرائهم وأخلاقهم. ولم يشاهدوا شيئا من ذلك والعياذ بالله من عمى القلوب وانطماس البصائر.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ بيان أن الكذب ما خالف الاعتقاد وإن طابق الواقع.

٢ ـ التحذير من الاستمرار على المعصية فإنه يوجب الطبع على القلب ويحرم صاحبه الهداية.

٣ ـ التحذير من الاغترار بالمظاهر كحسن الهندام وفصاحة اللسان.

٤ ـ الكشف عن نفسية الخائن والظالم والمجرم وهو الخوف والتخوف من كل صوت أو كلمة خشية أن يكون ذلك بيانا لحالهم وكشفا لجرائمهم.

(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨))

شرح الكلمات :

(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا) : أي معتذرين.

(لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ) : أي رفضوا الاعتذار الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) : أي يعرضون عما دعوا إليه وهم مستكبرون.

٣٥٥

(سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ) : أي يا رسولنا.

(أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) :

(لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) : أي إيأس من مغفرة الله لهم.

(إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) : أي لأن من سنة الله انه لا يهدى القوم الفاسقين المتوغلين في الفسق عن طاعة الرب تعالى وهم كذلك.

(يَقُولُونَ) : أي لأهل المدينة.

(لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) : أي من المهاجرين.

(حَتَّى يَنْفَضُّوا) : أي يتفرقوا عنه.

(لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ) : أي من غزوة كانوا فيها هى غزوة بنى المصطلق.

(لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) : يعنون بالأعز أنفسهم ، وبالأذل المؤمنين.

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) : أي الغلبة والعلو والظهور.

معنى الآيات

ما زال السياق الكريم في الحديث عن المنافقين فقوله تعالى في الآية (٥) (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ) وذلك عند ما قال ابن أبى ما قال من كلمات خبيثة منها قوله فى المهاجرين : سمن كلبك يأكلك. وقوله لصاحبه : لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرقوا عن محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقوله مهددا لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز يعنى نفسه ورفاقه المنافقين الأذل يعنى الأنصار والمهاجرين. فلما قال هذا كله وأكثره في غزوة بنى (١) المصطلق وأخبر به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فجاء فحلف بالله ما قال شيئا من ذلك أبدا وذهب فنزلت هذه السورة الكريمة تكذبه.

ولما نزلت هذه السورة بفضيحته جاءه من قال له : يا أبا الحباب «كنية ابن أبي» إنه قد نزل فيك آى شداد فاذهب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستغفر لك فلوى رأسه أي عطفه إلى جهة غير جهة من يخاطبه وقال : أمرتموني أن أؤمن فآمنت وأمرتمونى أن أعطى زكاة مالى فأعطيت فما بقى إلا أن أسجد لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزلت هذه الآيات الثلاث (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا) أي معتذرين (يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ. لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ) أي رفضوا العرض (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) عنك (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) والمراد بهم ابن أبي عليه لعائن الله قال تعالى لرسوله : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) فأيأس رسوله من المغفرة لهم ، وعلل تعالى ذلك بقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٢)

__________________

(١) سبب نزول هذه السورة والآيات منها أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم (غزا بني المصطلق على ماء يقال له (المريسيع) من ناحية قديد إلى الساحل فازدحم أجير لعمر يقال له : جهجاه مع حليف لابن أبي يقال له : سنان على ماء بالمشلل فصرخ جهجاه بالمهاجرين وصرخ سنان بالأنصار فجاء ابن أبي وقال كلماته الخبيثة التي هي في التفسير. ونزلت السورة.

(٢) وهم كل من سبق في علم الله أنه لا يتوب لما أحاط به من الذنوب.

٣٥٦

وابن أبي من أكثر الفاسقين فسقا! إذ جمع بين الكذب والحلف الكاذب والنفاق والشقاق والعداء والكبر والكفر الباطنى وذكر تعالى قولات هذا المنافق واحدة بعد واحدة فقال (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ : لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) أي قال لإخوانه لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرقوا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقرعه رب العزة وأدبه ببيان فساد ذوقه ورأيه فقال تعالى : (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ (١) وَالْأَرْضِ) فجميع الأرزاق بيده وهو الذي يرزق من يشاء والمنافق نفسه رزقه على الله فكيف يدعى انه إذا لم ينفق على من عند رسول الله يجوعون فيتفرقون يطلبون الرزق بعيدا عن محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ) لعماهم وظلمة نفوسهم ومرض قلوبهم (لا يَفْقَهُونَ) هذا ولا يفهمونه ، ولذا قال رئيسهم كلمته الخبيثة. تلك كانت القولة الأولى. والثانية هي قوله (لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ). قالها في غزوة بني المصطلق وهي غزوة سببها أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعلم أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار وهو أبو جويريه زوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إحدى أمهات المؤمنين. فلما سمع بذلك خرج إليهم حتى لقبهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فوقع القتال فهزم الله بنى المصطلق وأمكن رسوله من أبنائهم ونسائهم وأموالهم وأفاءها على المؤمنين ، واصطفى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لنفسه جويرية بوصفها بنت سيد القوم إكراما لها ثم عتقها وتزوجها فرأى المؤمنون أن ما بأيديهم من السبي لا ينبغى لهم وقد أصبحوا أصهار نبيهم فعتقوا كل ما بأيديهم فقالت عائشة رضى الله عنها ما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جوبرية بنت الحارث فقد أعتق بتزويج رسول الله لها مائة أهل بيت من بنى المصطلق.

في هذه الغزاة قال ابن أبي قولته الخبيثة وذلك أن رجلين (٢) انصاريا ومهاجرا تلاحيا على الماء (٣) (٤) فكسع المهاجر الانصارى برجله فصاح ابن أبي قائلا عليكم صاحبكم ، ثم قال : والله ما مثلنا ومحمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وغاب عن ذهن هذا المنافق أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين أي الغلبة والظهور والعلو لا للمنافقين والمشركين الكافرين ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولا غيره لعمى بصائرهم ولما

__________________

(١) (الخزائن) جمع خزانة وهي البيت الذي يخزن فيه الطعام. روى الترمذي أن عمر رضي الله عنه قال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إشفاقا عليه ورحمة به : ما كلّفك الله يا رسول الله ما لا تقدر عليه ، عند ما قال لرجل سأله عطاء ابتع علي فإذا جاء شيء قضيته فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا فتبسم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعرف في وجهه البشر وقال : بهذا أمرت).

(٢) تقدم ذكر اسميهما وهما : جهجاه ، وسنان.

(٣) تقدم أن هذا الماء كان بالمشللّ.

(٤) كسعه : ضربه في دبره.

٣٥٧

بلغ الغزاة المدينة وقف عبد الله بن عبد الله بن أبي في عرض الطريق واستل سيفه فلما جاء أبوه يمر قال له والله لا تمر حتى تقول : محمد الأعز وأنا الأذل ، فلم يبرح حتى قالها : وكان ولده مؤمنا صادقا من خيرة الأنصار.

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ لا ينفع الاستغفار للكافر ولا الصلاة عليه بحال.

٢ ـ ذمّ الإعراض والاستكبار عن التوبة والاستغفار. فمن قيل له استغفر الله فليستغفر ولا يتكبر بل عليه أن يقول : استغفر الله أو اللهم اغفر لي.

٣ ـ مصادر الرزق كلها بيد الله تعالى فليطلب الرزق بطاعة الله ورسوله لا بمعصيتهما.

٤ ـ العزة الحقة لله ولرسوله وللمؤمنين ، فلذا يجب على المؤمن أن لا يذل ولا يهون لكافر.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١))

شرح الكلمات :

(لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ) : أي لا تشغلكم.

(عَنْ ذِكْرِ اللهِ) : كالصلاة والحج وقراءة القرآن وذكر الله بالقلب واللسان.

(وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) : أي ومن ألهته أمواله وأولاده عن أداء الفرائض فترك الصلاة أو الحج وغيرهما من الفرائض فقد خسر ثواب الآخرة.

وأنفقوا مما رزقكم الله : أي النفقة الواجبة كالزكاة وفي الجهاد والمستحبة.

٣٥٨

(لَوْ لا أَخَّرْتَنِي) : أي هلا أخرتني يطلب التأخير ولا يقبل منه.

(فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) : أي حتى أزكى وأحج وأكثر من النوافل والأعمال الصالحة.

معنى الآيات :

قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (١) نادى تعالى المؤمنين لينصح لهم أن لا تكون حالهم كحال المنافقين الذين تقدم في السياق تأديبهم فقال لهم يا من آمنتم بالله ورسوله : (لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ (٢) وَلا أَوْلادُكُمْ) أي لا تشغلكم (عَنْ (٣) ذِكْرِ اللهِ) بأداء فرائضه واجتناب نواهيه والإكثار من طاعته والتقرب إليه بأنواع القرب. ثم خوفهم نصحا لهم بقوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أي بأن ألهته أمواله وأولاده عن عبادة الله (فَأُولئِكَ) البعداء (هُمُ الْخاسِرُونَ) يوم القيامة بحرمانهم من الجنة ونعيمها ووجودهم في دار العذاب لا أهل لهم فيها ولا ولد. وبالغ عزوجل في إرشادهم فقال : (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ) مبادرين الأجل فإنكم لا تدرون متى تموتون. (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ) (٤) متمنيا طالبا حاثا في طلبه : (رَبِ) أي يا رب (لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي إلى وقت قريب من هذا (فَأَصَّدَّقَ) (٥) بمالى ، (وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) فأحج وأتقرب إليك يا رب بما تحب من أنواع القربات والطاعات ولكن لا ينفعه التمنى ولا الطلب والدعاء ، لأن حكم الله الأزلي أنه تعالى (لَنْ يُؤَخِّرَ) (٦) نفسا أي نفس (إِذا جاءَ أَجَلُها) أي إذا حضر وقت وفاتها وقوله تعالى : (وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) يحض المؤمنين على إصلاح أعمالهم والتزود لآخرتهم بإعلامهم بأنه مطلع على أعمالهم خبير بها.

__________________

(١) قد تكون المناسبة بين هذه الآية وما سبقها هي قول المنافقين : (لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) فحذر تعالى المؤمنين من التأثر بالنظرية المادية التي يحملها ابن أبي وصرخ بها ، ودعاهم إلى الإنفاق في سبيل الله قبل فوات الأوان بالموت أو الفقر وقلة ما ينفقون.

(٢) (لا) هي النافية اشربت معنى النهي فجزمت المضارع وفي الآية دليل على أن ما لا يشغل عن ذكر الله من مال وولد لا إثم فيه.

(٣) ذكر الله هنا مستعمل في الحقيقة والكناية فيشمل الذكر باللسان وهو فعل سائر الطاعات ، والذكر بالقلب : وهو التذكر الموجب للطاعة.

(٤) قال القرطبي : في الآية دليل على وجوب تعجيل أداء الزكاة ولا يجوز تأخيرها أصلا وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها. وهو كما قال رحمه‌الله تعالى.

(٥) المضارع منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية الواقعة في جواب الطلب ، وجزم (أكن) لأنه في جواب الطلب مباشرة فلم تسبقه الفاء حتى يتعين نصبه بأن المضمرة.

(٦) (نَفْساً) نكرة في سياق النفي وهو (وَلَنْ يُؤَخِّرَ) تعم كل نفس ، والمراد من النفس الروح وقيل فيها : نفس أخذا من النفس وهو الهواء الذي يخرج من الأنف والفم من كل حيوان ذي رئة وسميت روحا أخذا من الروح بفتح الراء لأن الروح به ، والروح : الراحة.

٣٥٩

هداية الآيات

من هداية الآيات :

١ ـ حرمة التشاغل بالمال والولد مع تضييع بعض الفرائض والواجبات.

٢ ـ حرمة تأخير الحج مع القدرة على أدائه تسويفا وتماطلا مع الإيمان بفرضيته.

٣ ـ وجوب الزكاة والترغيب في الصدقات الخاصة كصدقة الجهاد والعامة على الفقراء والمساكين.

٤ ـ تقرير عقيدة البعث والجزاء.

سورة التغابن

مكية الا آخرها فمدني وآياتها ثماني عشرة آية

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤))

شرح الكلمات :

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ) : أي ينزه الله ويقدسه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله.

(ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) : أي من سائر المخلوقات بلسان الحال والقال.

(لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) : أي له دون غيره الملك الدائم الحق وله الحمد العام.

(وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) : أي هو ذو قدرة كاملة على فعل ما أراد ويريد.

٣٦٠