🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٣
🚘 نسخة غير مصححة

موضوعة كلّها ، اختلق الرجل في كلّ ما ينتقد به عثمان رواية تظهر فيها لوائح الكذب ، يريد بها رفاء لما هنالك من فتق ، وهو الذي قذف أبا ذر ونظراءه من الصالحين ، غير مكترث لمغبّة الكذب والافتراء ، ومن ملامح الكذب في هذه الرواية أنّ تسيير من سُيّر إلى الشام من قرّاء الكوفة ونُسّاكها وضرب كعب إنّما هو على عهد سعيد بن العاص لا الوليد بن عقبة كما زعمه مختلق الرواية.

وإنّ كتاب عثمان إلى الوليد لا يصحّ ، ولم يؤثر في أيّ من مدوّنات التاريخ والسير ، ولو كان تفرّد به أُناس يوثق بهم لكان مجالاً للقبول ، لكن الرواية كما قيل :

صحاحهم عن سجاح عن مسيلمة

عن ابن حيّان والدوسيّ يمليهِ

وكلّهم ينتهي إسناد باطله

إلى عزازيل مُنشيه ومُنهيهِ (١)

على أنّه يقول فيها : إنّ وليداً قرأه على رءوس الأشهاد ، كأنّه يحاول معذرةً عمّا ارتكب من كعب ، وإنّه كان برضىً من المسلمين ، ولو صحّت المزعمة لكانت مستفيضة ، إذ الدواعي كانت متوفّرة على نقلها ، لكنهم لم يسمعوها فلم يرووها ، مضافاً إلى أنّ المعروف من كعب بن عبدة أنّه كان من نسّاك الكوفة وقرّائها كما سمعته من كلام البلاذري وغيره لا ممّن يتلهّى بالنيرنجات وأشباهها.

وإن تعجب فعجب أنّ صاحب النيرنج ـ لو صدقت الأحلام ـ يُعزّر ويعاقب ، ومُعاقر الخمور ـ وليد الفجور ـ لا يحدّ لشربه الخمر إلاّ بعد نقمة الصحابة على خليفة الوقت من جرّاء ذلك ، ثمّ يكون مُقيم الحدّ عليه غيره وهو مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام.

ولم يكن في أُولئك المسيّرين من يسمّى مالك بن عبد الله ، وإنّما كان فيهم مالك ابن الحارث الأشتر ومالك بن حبيب الصحابيّان كما تقدّم ذكرهما.

وأبيات كعب تناسب أن يخاطب بها عثمان لا الوليد ؛ فإنّه هو ابن أروى بنت

__________________

(١) البيتان من قصيدة للشريف ابن فلاح الكاظمي. (المؤلف)

٨١

كريز وفيها صراحة بسبب اغتراب كعب وجفوته وشتمه ، وأنّها كانت في ذات الله ، يقول ذلك بملء فمه ، ولا يردّ عليه رادّ بأنّها ليست في ذات الله وإنّما هي لأنّه كان يعالج نيرنجاً.

هكذا لعبت بالتاريخ يد الأهواء والشهوات تزلّفاً إلى أُناس وانحيازاً عن آخرين (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) (١).

ـ ٤٦ ـ

تسيير الخليفة عامر بن عبد قيس التميمي البصري

الزاهد الناسك إلى الشام

أخرج الطبري (٢) من طريق العلاء بن عبد الله بن زيد العنبري أنّه قال : اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع ، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلاً يكلّمه ويخبره بأحداثه ، فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ثم العنبري وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس ، فأتاه فدخل عليه فقال له : إنّ ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً فاتّق الله عزّ وجلّ وتب إليه وانزع عنها. قال له عثمان : انظر إلى هذا فإنّ الناس يزعمون أنّه قارئ ثمّ هو يجيء فيكلّمني في المحقّرات فو الله ما يدري أين الله. قال عامر : أنا لا أدري أين الله؟ قال : نعم ، والله ما تدري أين الله. قال عامر : بلى والله إنّي لأدري إنّ الله بالمرصاد لك. فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان ، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وإلى سعيد بن العاص ، وإلى عمرو بن العاص ، وإلى عبد الله بن عامر فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغ عنهم. فلمّا اجتمعوا عنده قال لهم : إنّ لكلّ امرئ وزراء ونصحاء وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي ، وقد صنع الناس ما قد رأيتم ، وطلبوا

__________________

(١) الزخرف : ٨٣ ، والمعارج : ٤٢.

(٢) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٣٣ حوادث سنة ٣٤ ه‍.

٨٢

إليّ أن أعزل عمّالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليّ.

فقال له عبد الله بن عامر : رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمّرهم في المغازي حتى يذلّوا لك ، فلا يكون همّة أحدهم إلاّ نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه.

ثمّ أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له : ما رأيك؟ قال : يا أمير المؤمنين إن كنت تريد رأينا فاحسم عنك الداء واقطع عنك الذي تخاف ، واعمل برأيي تصب. قال : وما هو؟ قال : إنّ لكلّ قوم قادة متى تهلك يتفرّقوا ولا يجتمع لهم أمر. فقال عثمان : إنّ هذا الرأي لو لا ما فيه.

ثمّ أقبل على معاوية فقال : ما رأيك؟ قال : أرى لك يا أمير المؤمنين أن تردّ عمّالك على الكفاية لما قبلهم وأنا ضامن لك قبلي.

ثمّ أقبل على عبد الله بن سعد فقال : ما رأيك؟ قال : أرى يا أمير المؤمنين أنّ الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.

ثمّ أقبل على عمرو بن العاص فقال له : ما رأيك؟ قال : أرى أنّك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل ، فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل ، فإن أبيت فاعتزم عزماً وامض قدماً.

فقال عثمان : مالك قمل فروك؟ أهذا الجدّ منك؟ فأسكت عنه دهراً ، حتى إذا تفرّق القوم قال عمرو : لا والله يا أمير المؤمنين لأنت أعزّ عليّ من ذلك ، ولكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول كلّ رجل منّا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيراً أو أدفع عنك شرّا.

فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وأمرهم

٨٣

بتجمير (١) الناس في البعوث ، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه (٢).

وقال البلاذري في الأنساب (٣) (٥ / ٥٧) : قال أبو مخنف لوط بن يحيى وغيره : كان عامر بن [عبد] قيس التميمي يُنكر على عثمان أمره وسيرته ، فكتب حُمران بن أبان مولى عثمان إلى عثمان بخبره ، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز في حمله فحمله ، فلمّا قدم عليه فرآه وقد أعظم الناس إشخاصه وإزعاجه عن بلده لعبادته وزهده ، ألطفه وأكرمه وردّه إلى البصرة.

وروى ابن المبارك في الزهد من طريق بلال بن سعد أنّ عامر بن عبد قيس وُشِي به إلى عثمان ، فأمر أن يُنفى إلى الشام على قتب ، فأنزله معاوية الخضراء وبعث إليه بجارية وأمرها أن تعلمه ما حاله ، فكان يقوم الليل كلّه ويخرج من السحر فلا يعود إلاّ بعد العتمة ، ولا يتناول من طعام معاوية شيئاً ، كان يجيء معه بكسر فيجعلها في ماء فيأكلها ويشرب من ذلك الماء ، فكتب معاوية إلى عثمان بحاله فأمره أن يصله ويدنيه فقال : لا أرب لي في ذلك. الإصابة لابن حجر (٣ / ٨٥).

وذكر (٤) ابن قتيبة في المعارف (ص ٨٤ و ١٩٤) ، وابن عبد ربّه في العقد الفريد (٢ / ٢٦١) ، والراغب في المحاضرات (٢ / ٢١٢) جملة ممّا نُقم به على عثمان وعدّوا منه : أنّه سيّر عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام ، وقال ابن قتيبة : كان خيّراً فاضلاً.

قال الأميني : منظر غريب لعمرك في ذلك اليوم ، أليس من المستغرب أنّ صلحاء البلاد مضطهدون فيه على بكرة أبيهم؟ فمن راسف تحت نير الاضطهاد ، ومن معتقل في غيابة الجبّ ، ومن مغترب يجفل به من منفى إلى منفى ، ومن منقطع عن

__________________

(١) تجمير الجيش : جمعهم في الثغور وحبسهم عن العود إلى أهليهم.

(٢) أنساب البلاذري : ٥ / ٤٣ [٦ / ١٥٦] ، تاريخ الطبري : ٥ / ٩٤ [٤ / ٣٣٣ حوادث سنة ٣٤ ه‍] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ٩٢ [٢ / ٢٧٥ حوادث سنة ٣٤ ه‍] ، تاريخ ابن خلدون : ٢ / ٣٩٠ [٢ / ٥٩٢]. (المؤلف)

(٣) أنساب الأشراف : ٦ / ١٧٢.

(٤) المعارف : ص ١٩٥ و ٤٣٦ ، العقد الفريد : ٤ / ١٠٣ ، محاضرات الأُدباء : ٢ / ٤٧٦.

٨٤

العطاء ، ومن ممقوت ينظر إليه شزراً ، ومن مضروب تُدق به أضالعه ، إلى مشتوم يُهتك في الملأ الديني. لما ذا ذلك كلّه؟ لأنّهم غضبوا للحق ، وأنكروا المنكر ، فهلاّ كان في وسع من يفعل بهم ذلك إقناعهم بالإقلاع عمّا ينكرونه وفيه رضا الله قبل كلّ شيء ، ومرضاة رسوله من بعده ، ومرضاة الأُمّة جمعاء ، وبه كانت تُدحر عنه المثلات وتخمد الفتن ، وكانت فيه مجلبة للمودّة ، ومكتسح للقلاقل ، وهو أدعى لجمام النفس ، وسيادة الأمن ، وإزاحة الهرج ، وكان خيراً له من ارتكاب العظائم بالنفي والضرب والشتم والإزعاج والجفوة. ولو كان الخليفة يرى خطأهم في إنكارهم عليه فإنّه كان في وسعه أن يعقد لهم محتفلاً للتفاهم ، فإمّا أن يتنازلوا عن بعض ما أرادوا ، أو يتنازل هو عن بعض ما يبتغيه ، أو يتكافآ في التنازل فتقع خيرة الكلّ على أمر واحد ، وكان عقد هذا المنتدى خيراً له ممّا عقده للنظر في شأن عامر بن عبد قيس ، وجمع خلقاً من أُصول الجور ، وجذوم الفتن ، وجراثيم العيث والفساد ، فروع الشجرة الملعونة ، وهم الذين جرّوا إليه الويلات بجورهم وفجورهم واستعبادهم الأُمّة وابتغائهم الغوائل ، وهملجتهم وراء المطامع فلم يسمع منهم في ذلك المجتمع ولا في غيره إلاّ رأي مُستغش ، ونظريّة خائن ، أو أفيكة مائن ، أو دسيسة لعين بلسان النبيّ الأقدس مرّة بعد أُخرى ، وهو مع ذلك يراهم وزراءه ونصحاءه وأهل ثقته ، أوَلا تعجب من خلافة يكون هؤلاء وزراءها ونصحاءها وأهل ثقة صاحبها؟!

ثمّ انظر كيف كان التفاهم بين الرجلين : الخليفة وسفير المسلمين إليه ، هذا يذكّره بالتقوى والتوبة إلى الله وينهاه عن ارتكاب العظائم التي استعظمها المسلمون العلماء منهم والقرّاء والنسّاك وذوو الرأي والمسكة ، والخليفة يعدّ ما استعظمته الأُمّة من المحقّرات ، ثمّ يهزأ به ويقذفه بقلّة المعرفة مشفوعاً ذلك باليمين كما قذف به كعباً وصعصعة بن صوحان وسمع منهما ما سمعه من عامر لأنّهم حملة العلم ، والعلم حرف واحد كثّره الجاهلون.

والأعجب كيف يعير الخليفة إلى سعاية حُمران بن أبان أُذناً واعية وقد رآه

٨٥

على الفاحشة هو بنفسه ؛ وذلك أنه تزوّج امرأة في العدّة ، فضربه ونفاه إلى البصرة (١) وأسرّ إليه سرّا فأخبر به عبد الرحمن بن عوف ، فغضب عليه عثمان ونفاه (٢). وقال البلاذري في الأنساب (٣) (٥ / ٥٧) : كان عثمان وجّه حُمران إلى الكوفة حين شكا الناس الوليد بن عقبة ليأتيه بحقيقة خبره فرشاه الوليد ، فلمّا قدم على عثمان كذب عن الوليد وقرّظه. ثمّ إنّه لقي مروان فسأله عن الوليد فقال له : الأمر جليل فأخبر مروان عثمان بذلك ، فغضب على حمران وغرّبه إلى البصرة لكذبه عليه وأقطعه داراً.

كيف وثق خليفة المسلمين بخبر إنسان هذا شأنه من الفسق والتهوّر ، والله جلّ اسمه يقول : (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ) (٤).

ثمّ اعجب أنّ حمران نفاه الخليفة على فسقه وأقطعه داراً لجمع شمله ، والعبد الصالح أبو ذر الغفاري الصادق المصدوق أُجفل إلى الربذة ، وتُرك في البرّ الأقفر لا يأوي إلى مضرب ، ولا يظلّه خباء ، هذا من هوان الدنيا على الله.

وهل الخليفة عرف عامراً ومكانته في الأُمّة ومنزلته من الزهد والتقوى ومحلّه من التعبّد والنزاهة ، فأصاخ فيه إلى قول الوشاة وأشخصه إلى المدينة مرّة وسيّره إلى الشام على القتب أخرى ، وأزرى به وأهانه حين مثل بين يديه؟ أو أنّه لم يعرفه ولا شيئاً من فضله ، فوثق بما قالوه؟ وكان عليه أن يعرفه لمّا علم بسفارته من قبل وجهاء البصرة وأهل الحريجة والتقوى ، ذوي الحلوم الراجحة ، والآراء الناضجة ، فإنّهم لا يرسلون طبعاً إلاّ من يرضونه في مكانته وعلمه وعقله وتقواه. وهل كان فيما يقوله

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٥ / ٩١ [٤ / ٣٢٧ حوادث سنة ٣٣ ه‍] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ٦٠ [٢ / ٢٧١ حوادث سنة ٣٣ ه‍]. (المؤلف)

(٢) تهذيب التهذيب : ٣ / ٢٤ [٣ / ٢٢]. (المؤلف)

(٣) أنساب الأشراف : ٦ / ١٧٢.

(٤) الحجرات : ٦.

٨٦

مغضبة؟ أو أنّه ما كان يتحرّى صالح الأُمّة وصلاح من يسوسها؟

إنّ من العصيب أن نعترف بأنّه ما كان يعرف عامراً وصلاحه ، فقد كان يسير بذكره الركبان ، وهبّت بأريج فضله النسائم في الأجواء والأرجاء ، وفي طيّات المعاجم والسِّير اليوم نماذج من تلكم الشهرة الطائلة عن عامر بين العباد وفي البلاد يوم ألزم نفسه أن يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة (١) فكانوا يعدّونه من أولياء الله المقرّبين ، وأوّل الزهّاد الثمانية ، وذكروا له كرامات ومكرمات.

أفمن الممكن إذن أن لا يعرفه الخليفة؟ ولم يكن فيما ينكره إلاّ ما أصفقت على إنكاره أهل الحلّ والعقد يومئذٍ من الصالح العام في الحواضر الإسلاميّة كلّها ، غير أنّهم لم يجدوا ـ كما أنّ عامراً لم يجد ـ أُذناً مصغية لهتافهم ، فتكافأ دؤوب الخليفة على التصامم ودؤوب القوم على الإنكار حتى استفحل الخطب ودارت الدوائر.

وهلمّ معي ننظر إلى رواية الضعفاء رواية كذّاب متروك ، عن مجهول منكر ، عن وضّاع متّهم بالزندقة متّفق على ضعفه : السري ، عن شعيب ، عن سيف بن عمر ، عن محمد وطلحة : أنّ عثمان سيّر حمران بن أبان أن تزوّج امرأة في عدّتها وفرّق بينهما وضربه وسيّره إلى البصرة ، فلمّا أتى عليه ما شاء الله وأتاه عنه الذي يحبّ ، أذن له فقدم عليه المدينة ومعه قوم سعوا بعامر أنّه لا يرى التزويج ، ولا يأكل اللحم ، ولا يشهد الجمعة فألحقه عثمان بمعاوية ، فلمّا قدم عليه رأى عنده ثريداً فأكل أكلاً عربيّا (٢) ، فعرف أنّ الرجل مكذوب عليه فعرّفه معاوية سبب إخراجه ، فقال : أمّا الجمعة فإنّي أشهدها في مؤخّر المسجد ثمّ أرجع في أوائل الناس ، وأمّا التزويج فإنّي

__________________

(١) تاريخ ابن عساكر : ٧ / ١٦٩ [٢٦ / ١٧ رقم ٣٠٥٢ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١١ / ٢٧٧] ، الإصابة : ٣ / ٨٥ [رقم ٦٢٨٤]. (المؤلف)

(٢) كذا في كامل ابن الأثير ، وفي بقية المصادر : أكلاً غريباً.

٨٧

خرجت وأنا يُخطب عليّ ، وأمّا اللحم فقد رأيت (١).

أوَلا تعجب من الذين اتّخذوا هذه الرواية مصدراً في تعذير عثمان عن نفي عامر وإشخاصه وهم يبطلون الرواية في غير هذا المورد بوجود واحد من رجال هذا السند الثلاثة ، لكنّهم يحتجّون بروايتهم جميعاً هاهنا ، وفي كلّ ما نقم به على عثمان؟!

ثمّ لننظر فيما وُشي به على الرجل بعد الفراغ من النظرة في حال الواشي وهو حمران المتقدّم ذكره ، هل يوجب شيء منها ذمّا أو تعزيراً أو تأديباً أو تغريباً؟ وهل هي من المعاصي المسقطة لمحلّ الإنسان؟ أمّا ترك التزويج فلم يثبت حرمته إن لم يكن من باب التشريع وأخذه ديناً ، وإنّما النكاح من المرغّب فيه ، على أنّه كان لم يزل يخطب لنفسه لكنّه لا يجد من يلائمه في خفّة المئونة. أخرج أبو نعيم في الحلية (٢ / ٩٠) : إنّ عامر بن عبد قيس بعث إليه أمير البصرة ، فقال : إنّ أمير المؤمنين أمرني أن أسألك مالك لا تزوّج النساء؟ قال : ما تركتهنّ وإنّي لدائب في الخطبة ، قال : ومالك لا تأكل الجبن؟ قال : أنا بأرض فيها مجوس فما شهد شاهدان من المسلمين أن ليس فيه ميتة أكلته. قال : وما يمنعك أن تأتي الأمراء؟ قال : إنّ لدى أبوابكم طلاّب الحاجات فادعوهم واقضوا حوائجهم ، ودعوا من لا حاجة له إليكم.

وأخرج من طريق أحمد بن حنبل بإسناده عن الحسن قال : بعث معاوية إلى عبد الله بن عامر أن انظر عامر بن عبد قيس فأحسن إذنه وأكرمه ومره أن يخطب إلى من شاء وأمهر عنه من بيت المال ، فأرسل إليه أنّ أمير المؤمنين قد كتب إليّ وأمرني أن آمرك أن تخطب إلى من شئت وأمهر عنك من بيت المال. قال : أنا في الخطبة دائب. قال : إلى من؟ قال : إلى من يقبل منّي الفلقة والتمرة.

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٥ / ٩١ [٤ / ٣٢٧ حوادث سنة ٣٣ ه‍] ، تاريخ ابن عساكر : ٧ / ١٦٧ [٢٦ / ٩ رقم ٣٠٥٢] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ٦٠ [٢ / ٢٧٢ حوادث سنة ٣٣ ه‍] ، أُسد الغابة [٣ / ١٣٢ رقم ٢٧١٢] ، تاريخ ابن خلدون : ٢ / ٣٨٩ [٢ / ٥٩١]. (المؤلف)

٨٨

وهذان الحديثان يكذّبان ما جاء به السري ، ولو صحّ ذلك فما وجه هذه المسألة في أيّام معاوية عن تزويج عامر؟

وأمّا ترك اللحوم فليس من المحرّم أيضاً وقد جاءت السنّة بتحليلها كلّها من غير إيجاب ، نعم تركها النهائي مكروه إن لم يكن من باب التديّن ، وقد تستدعي المبالغة في الزهادة الذهول عن شئون الدنيا بأسرها فلا يلتفت صاحبها إلى الملاذّ كلّها ، وكان مع ذلك لعامر عذر ، قال ابن قتيبة في المعارف (١) (ص ١٩٤) : وكان سبب تسييره أنّ حمران بن أبان كتب فيه : أنّه لا يأكل اللحم ، ولا يغشى النساء ، ولا يقبل الأعمال ـ يعرّض بأنّه خارجيّ (٢) ـ فكتب عثمان إلى ابن عامر : أن ادعُ عامراً فإن كانت فيه الخصال فسيّره. فسأله ، فقال : أمّا اللحم فإنّي مررت بقصّاب يذبح ولا يذكر اسم الله ، فإذا اشتهيت اللحم اشتريت شاة فذبحتها ، وأمّا النساء فإنّ لي عنهنّ شغلاً ، وأمّا الأعمال فما أكثر من تجدونه سواي. فقال له حمران : لا أكثر الله فينا أمثالك ، فقال له عامر : بل أكثر الله فينا من أمثالك كسّاحين وحجّامين.

وأمّا عدم الحضور للجمعة : فقد بيّن عامر نفسه حقيقته لمعاوية وهو الصادق الأمين على أنّه كان له أن لا يحضر الجمعة والجماعة إن لم ير لمقيمها أهليّة للائتمام به ، وليس من المنكر ذلك في حقّ الولاة الأمويّين يومئذٍ.

وعلى فرض صحّة الرواية وكون كلّ ممّا نُبز به حوباً كبيراً ، فكان من الميسور تحقيق حال الرجل من قبل والي البصرة كما وقع ذلك فيما مرّ من رواية أبي نعيم بالنسبة إلى التزويج وأكل الجبن وإتيان الأمراء. ولا أدري هل من الفرائض في

__________________

(١) المعارف : ص ٤٣٩.

(٢) كذا في المعارف ، فإذا كان المراد بالخارجي نسبته إلى الخوارج ، فإن هذا لا يصح كما هو معلوم ؛ لأنّ هؤلاء فرقة وُجدت تأريخياً بعد وقعة صفين. وقد يكون أراد بهذا الوصف الخروج عن سنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

٨٩

الشريعة السمحاء أكل الجبن بحيث يوجب تركه التجسّس والتفتيش؟ وعلى كلّ فما الموجب لإجفال الرجل العظيم من مستقرّ أمنه على قتب إلى الشام منفى الثائرين على الخليفة؟ وأيّ عقل يقبل تسييره وتعذيبه لتلك الأُمور التافهة؟ نعم : الغريق يتشبّث بكلّ حشيش.

ـ ٤٧ ـ

تسيير الخليفة عبد الرحمن الجمحي

عدّ ممّن سيّره الخليفة عبد الرحمن بن حنبل الجمحي. قال اليعقوبي : سيّر عبد الرحمن صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى القموس (١) من خيبر ، وكان سبب تسييره إيّاه أنّه بلغه كرهه مساوئ ابنه وخاله ، وأنّه هجاه.

وقال العلائي عن مصعب وأبو عمر في الاستيعاب (٢) : إنّه لمّا أعطى عثمان مروان خمسمائة ألف من خمس إفريقية قال عبد الرحمن :

وأحلف بالله جهد اليمين

ما ترك الله أمراً سُدى

ولكن جُعِلتَ لنا فتنةً

لكي نُبتلى بك أو تُبتلى

دعوتَ الطريدَ فأدنيته

خلافاً لِما سنّه المصطفى

وولّيتَ قرباكَ أمرَ العباد

خلافاً لسنّة من قد مضى

وأعطيت مروان خمس الغنيم

ـآثرته وحميت الحمى

ومالاً أتاك به الأشعري

من الفيء أعطيته من دنا

فإنَّ الأمينينِ قد بيّنا

منارَ الطريق عليه الهدى

__________________

(١) كذا في لفظ اليعقوبي [٢ / ١٧٣] ، وفي الإصابة [٢ / ٣٩٥ رقم ٥١٠٧] : الغموص كما في الأبيات. والصحيح : القموص ، بالقاف المفتوحة وآخره صاد مهملة [وهو جبل بخيبر عليه حصن أبي الحُقيق اليهودي. معجم البلدان : ٤ / ٣٩٨]. (المؤلف)

(٢) الاستيعاب : القسم الثاني / ٨٢٨ رقم ١٤٠١.

٩٠

فما أخذا درهماً غيلةً

ولا قسّما درهماً في هوى (١)

فأمر به فحُبِس بخيبر ، وأنشد له المرزباني في معجم الشعراء أنّه قال وهو في السجن

إلى الله أشكو لا إلى الناس ما عدا

أبا حسنٍ غلاّ شديداً أُكابدُه

بخيبر في قعر الغموص كأنَّها

جوانب قبرٍ أعمق اللحدّ لاحدُه

أإن قلتُ حقاً أو نشدتُ أمانة

قُتِلت؟ فمن للحقِّ إن مات ناشدُه؟

وكتب إلى عليّ وعمّار من الحبس :

أبلغ عليّا وعمّاراً فإنّهما

بمنزلِ الرشدِ إنَّ الرشدَ مُبتدرُ

لا تتركا جاهلاًحتى يوقّره

دين الإله وإن هاجت به مُررُ

لم يبق لي منه إلاّ السيف إذ علقت

حبائل الموت فينا الصادق البررُ

يعلم بأنيَ مظلومٌ إذا ذكرت

وسط النديِّ حجاج القوم والعذرُ

فلم يزل عليّ يكلّم عثمان حتى خلّى سبيله على أنّه لا يساكنه بالمدينة فسيّره إلى خيبر فأنزله قلعة بها تسمّى القموص ، فلم يزل بها حتى ناهض المسلمون عثمان وساروا إليه من كلّ بلد ، فقال عبد الرحمن :

لو لا عليٌّ فإنَّ الله أنقذني

على يديه من الأغلال والصفدِ

لما رجوتُ لدى شدٍّ بجامعةٍ

يُمنى يديّ غياث الفوت من أحدِ

نفسي فداءُ عليٍّ إذ يخلّصني

من كافرٍ بعد ما أغضى على صمدِ

كان عبد الرحمن مع عليّ في صفّين ، قال الطبري من طريق عوانة : إنّه جعل ابن حنبل يقول يومئذٍ :

إن تقتلوني فأنا ابن حنبل

أنا الذي قد قلت فيكم نعثل

__________________

(١) قد تنسب هذه الأبيات إلى أسلم ، راجع : ٨ / ٢٥٨. (المؤلف)

٩١

راجع (١) : تاريخ الطبري (٦ / ٢٥) ، تاريخ اليعقوبي (٢ / ١٥٠) ، الاستيعاب (٢ / ٤١٠) ، شرح ابن أبي الحديد (١ / ٦٦) ، الإصابة (٢ / ٣٩٥).

قال الأميني : هذا أحد المعذّبين الذين أقلّتهم غيابة الجبّ مُصفّداً بالحديد ولم يجهز عليه إلاّ إنكاره المنكر ، وجنوحه إلى الحقّ المعروف ، والكلام فيه لدة ما كرّرناه في غير واحد من زملائه الصالحين ، وأحسن ما ينمّ عن سريرته شعره الطافح بالإيمان.

ـ ٤٨ ـ

تسيير الخليفة عليّا أمير المؤمنين

لعلّ التبسّط في البحث عمّا جرى بين عثمان أيّام خلافته وبين عليّ أمير المؤمنين يوجب خدش العواطف ، وينتهي إلى ما لا يُحمد عقباه ، والتاريخ وإن لم يحفظ منه إلاّ النزر اليسير غير أنّ في ذلك القليل غنىً وكفاية وبه تُعرف جليّة الحال ، ونحن نمرّ به كراماً ، فلا نحوم حول البحث عن كلمه القوارص لعليّ عليه‌السلام ، البعيدة عن ساحة قدسه ، النائية عن مكانته الراقية التي لا يُدرك شأوها ، ويقصر دون استكناهها البيان.

أيسع لمن أسلم وجهه لله وهو محسن وآمن بالكتاب وبما نزل من آيه في سيّد العترة ، وصدّق بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبما صدع به من فضائل عليّ عليه‌السلام ، وجاوره مع ذلك حقباً وأعواماً بيت بيت ، ووقف على نفسيّاته الكريمة وهو على ضمادة من أفعاله وتروكه وشاهد مواقفه المبرورة ومساعيه المشكورة في تدعيم الدين الحنيف ، أيسع لمسلم هذا شأنه أن يخاطب أخا الرسول المطهّر بلسان الله بقوله : لم لا يشتمك ـ مروان ـ إذا شتمته ، فو الله ما أنت عندي بأفضل منه ومروان طريد رسول الله وابن طريده

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ٤٦ حوادث سنة ٣٧ ه‍ ، تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٧٣ ، الاستيعاب : القسم الثاني / ٨٢٨ رقم ١٤٠١ ، شرح نهج البلاغة : ١ / ١٩٨ خطبة ٣.

٩٢

ولعينه وابن لعينه (١)؟

أم بقوله له : والله يا أبا الحسن ما أدري أشتهي موتك؟ أم اشتهي حياتك؟ فو الله لئن متّ ما أُحبّ أن أبقى بعدك لغيرك لأني لا أجد منك خلفاً ، ولئن بقيت لا أعدم طاغياً يتّخذك سلّماً وعضداً ، ويعدّك كهفاً وملجأ ، لا يمنعني منه إلاّ مكانه منك ومكانك منه ، فأنا منك كالابن العاقّ من أبيه إن مات فجعه وإن عاش عقّه. إلى آخر ما مرّ في (ص ١٨).

أم بقوله له : ما أنت بأفضل من عمّار ، وما أنت أقلّ استحقاقاً للنفي منه (٢).

أم بقوله له : أنت أحقّ بالنفي من عمّار (٣)؟

أم بقوله الغليظ الذي لا يحبّ المؤرّخون ذكره ونحن سكتنا عن الإعراب عنه (٤)؟

وبعد هذه كلّها يزحزحه عليه‌السلام عن مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقلقه من عقر داره ويخرجه إلى ينبُع مرّة بعد أخرى قائلاً لابن عبّاس : قل له فليخرج إلى ماله بينبُع ، فلا أغتمّ به ولا يغتمّ بي.

ألا مُسائل الرجل عمّا أوجب أولويّة الإمام الطاهر المنزّه عن الخطل ، المعصوم من الزلل بالنفي ممّن نفاهم من الأُمّة الصالحة؟ أكان ـ بزعمه ـ عليّ عليه‌السلام شيوعيّا اشتراكيّا شيخاً كذّاباً كأبي ذر الصادق المصدّق؟ أم كان عنده دويبة سوء كابن مسعود أشبه الناس هدياً ودلاّ وسمتاً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟

__________________

(١) راجع : ٨ / ٣٩٧ ، ٣٠٢. (المؤلف)

(٢) الفتنة الكبرى : ص ١٦٥ [المجموعة الكاملة لمؤلّفات طه حسين ـ الفتنة الكبرى ـ : مج ٤ / ٣٦٠]. (المؤلف)

(٣) راجع : صفحة ١٩ من هذا الجزء. (المؤلف)

(٤) راجع : ٨ / ٢٩٨ ، ٢٩٩ ، ٣٠٦ ، ٣٢٣. (المؤلف)

٩٣

أم كان الرجل يراه ابن متكإ ، عاضّا أير أبيه ، طاغياً كذّاباً يجترىء عليه ويجرّي عليه الناس كعمّار جلدة ما بين عيني النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟

أم كان يحسبه معالجاً نيرنجاً ككعب بن عبدة الصالح الناسك؟

أم كان يراه تاركاً الجبن واللحم والجمعة والتزويج كعامر بن عبد قيس القارى الزاهد المتعبّد؟

أم كان الإمام متكلّماً بألسنة الشياطين غير عاقل ولا ديّن كصلحاء الكوفة المنفيّين؟

حاشا صنو النبيّ الأقدس عن أن يُرمى بسقطة في القول أو في العمل بعد ما طهّره الجليل ، واتّخذه نفساً لنبيّه ، واختارهما من بين بريّته نبيّا ووصيّاً.

وحاشا أُولئك المنفيّين من الصحابة الأوّلين الأبرار والتابعين لهم بإحسان عن تلكم الطامّات والأفائك والنسب المفتعلة.

نعم ؛ كان يرى الرجل كلاّ من أُولئك الصفوة البررة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر طاغياً اتّخذ عليّا عليه‌السلام سلّماً ويعدّه كهفاً وملجأ يدافع عنهم بوادر غضب الخليفة ، ويحول بينهم وبين ما يرومه من عقوبة تلك الفئة الصالحة الناقمة عليه لما ركبه من النهابير (١) ، فدفع هذا المانع الوحيد عن تحقّق هواجس الرجل كان عنده أولى بالنفي من أُولئك الرجال المنفيّين ، ولولاه لكان يشفي منهم غليله ، ويتسنّى له ما كان يبتغيه من البغي عليهم ، والله يدافع عن الذين آمنوا وأنّه على نصرهم لقدير.

على أنّه ليس من المعقول أن يكون من يأوي إلى مولانا أمير المؤمنين وآواه هو طاغياً كما يحسبه هذا الخليفة ، فإنّه لا يأوي إلى مثله إلاّ الصالح الراشد من

__________________

(١) النهابير : جمع نهبورة : وهي المهالك ، وأصلها الحُفَر بين الآكام.

٩٤

المظلومين وهو عليه‌السلام لا يحمي إلاّ من هو كذلك ، وهو وليّ المؤمنين ، وأمير البررة ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وإمام المتّقين ، وسيّد المسلمين ، كلّ ذلك نصٌّ من الرسول الصادق الأمين. وليتني أدري ممّ كان يغتمّ عثمان من مكان أمير المؤمنين عليه‌السلام بالمدينة؟ ووجوده رحمة ولطف من الله سبحانه وتعالى على الأُمّة جمعاء لا سيّما في البيئة التي تُقلّه ، يكسح عن أهلها الفساد ، ويكبح جماح المتغلّبين ، ويقف أمام نعرات المتهوّسين ، ويسير بالناس على المنهج اللاحب سيراً صحيحاً.

نعم ؛ يغتمّ به سماسرة النهمة والشره فيروقهم بعاده ليهملج كلّ منهم إلى غاياته قلق الوضين (١). وما كان هتاف الناس به يومئذ إلاّ لأن يقيم أود الجامعة ، ويعدّل الخطّة العوجاء ، ويقف بهم على المحجّة الواضحة ، غير أنّ ذلك الهتاف لا يروق من لا يروقه ذلك كلّه ، فالاغتمام به جناية على المجتمع الديني ، ووقوف أمام سير الصالح العام.

ولعمر الله إنّ هذه القوارص هي التي فتحت باب الجرأة على أمير المؤمنين بمصراعيه طيلة حياته ، وهتكت منه حجاب حرمته وكرامته ، وأطالت عليه ألسنة البذاءة والوقيعة فيه ، وعثمان هو الذي أزرى بالإمام في الملأ الديني ، وصغّره في أعين الناس وجرّأ عليه طغام الأمويّين وسفلة الأعراب ، فباذأه أبناء أُميّة وهم على آسال خليفتهم اتّخذوه أُسوة وقدوة في شتيمته وقذيعته وآذوا نبيّهم في أخيه علم الهدى. (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (٢) ، (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٣) ، (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ

__________________

(١) الوضين : بطان منسوج بعضه على بعض يُشدُّ به الرحل على البعير ، وقوله : قلق الوضين أي سريع الحركة يوصف بالخفّة وقلة الثبات ، كالحزام إذا كان رخواً.

(٢) الأحزاب : ٥٧.

(٣) التوبة : ٦١.

٩٥

بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (١).

ـ ٤٩ ـ

آية نازلة في الخليفة

أخرج الواحدي والثعلبي من طريق ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك ، قالوا : نزل قوله تعالى في سورة النجم (٣٣ ، ٣٤ ، ٣٥) : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى* وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى) (٢) * (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى) : نزلت في عثمان رضى الله عنه كان يتصدّق وينفق في الخير ، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح : ما هذا الذي تصنع؟ يوشك أن لا يُبقي لك شيئاً. فقال عثمان : إنّ لي ذنوباً وخطايا وإنّي أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه ، فقال له عبد الله : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمّل عنك ذنوبك كلّها. فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة ، فأنزل الله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى). إلخ. فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله.

وذكره جمع من المفسّرين ، وفي تفسير النيسابوري : معنى تولّى : ترك المركز يوم أُحد.

راجع (٣) : أسباب النزول للواحدي (ص ٢٩٨) ، تفسير القرطبي (١٧ / ١١١) ، الكشّاف (٣ / ١٤٦) ، تفسير النيسابوري هامش الطبري (٢٧ / ٥٠) ، تفسير الشربيني (٤ / ١٢٨).

__________________

(١) الأحزاب : ٥٨.

(٢) قال ابن عباس ومجاهد وطاوس وقتادة والضحّاك : أكدى : انقطع فلا يعطي شيئاً. يقال : البئر أكدت. (المؤلف)

(٣) أسباب النزول : ص ٢٦٧ ، الجامع لأحكام القرآن : ١٧ / ٧٣ ، الكشّاف : ٤ / ٤٢٧ ، غرائب القرآن للنيسابوري : ٦ / ٢٠٩ ، السراج المنير : ٤ / ١٣٤.

٩٦

قال الأميني : لا غرابة من ابن أبي سرح وقد تشاكلت أحواله يوم كفره وإسلامه وردّته وزلفته من عثمان على عهد خلافته إن لهج بهذه السخافة التي لا تلائم أيّا من نواميس العدل ، ولكن إن تعجب فعجب قبول عثمان تلكم الخرافة منه ، ومنحه إيّاه ناقته برحلها على أن يحمل عنه ذنوبه (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (١). وإشهاده عليه وإمساكه عن الصدقات ، وحسبانه أنّ ما قاله ذلك الساخر كائن لا محالة ، كأنّ بيد ابن أبي سرح أزمّة الحساب ، وعنده مقاليد يوم القيامة ، وهو الخبير بما يكون فيه ، فأنبأه بأنّ ذنوبه مُحيت بتلك المبادلة ، أو أنّ عثمان نفسه كان يعلم الغيب ، فهو يرى أنّ ما يقوله حميمه حقّ ، وكأنّه نسي قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ) (٢). وقوله تعالى : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) (٣). وقوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٤). وقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (٥). (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) (٦). (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) (٧). (وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٨) إلى آي كثيرة من أمثالها ، وهي كلّها تقرّر حكم العقل بقبح أخذ أيّ أحد بجريمة غيره.

__________________

(١) الأنعام : ١٦٤.

(٢) العنكبوت : ١٢ ، ١٣.

(٣) النساء : ١٢٣.

(٤) الزلزلة : ٧ ، ٨.

(٥) المدّثّر : ٣٨.

(٦) النساء : ١١١.

(٧) غافر : ١٧.

(٨) الجاثية : ٢٢.

٩٧

والعدل يحكم بأنّ ابن أبي سرح وهو مثال المآثم والمخازي إن حُمّل إثماً من جرّاء قولته هذه فإنّما هو جرأته على الله تعالى وتصغيره عظمة نيران القسط الإلهي ونهيه عن الصدقة لا ما سبق لعثمان اقترافه من السيّئات ، لكن هلمّ معي إلى ضئولة عقل من يصدّق تلكم المهزأة ، ويرتّب عليها آثاراً عمليّة حتى ندّد به الذكر الحكيم.

وهب أنّا غاضينا الراوي على عود الرجل إلى ما كان بعد نزول الآية الكريمة ، لكن ذلك لا يُجديه نفعاً يُزيح عنه وصمة ضعف الرأي وقوّة الرعونة فيه ، نعم ؛ كان يُجديه لو لم يعبأ بتلكم الضلالة ، أو أنّه عدل عنها بقوّة التفكير لا بتوبيخ الوحي الإلهي ، وليته لم يعدل فإنّه عدل إلى ما عرفت من سيرته في الصدقات ، وجاء يخضم مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع.

ـ ٥٠ ـ

الخليفة لا يعرف المخلص من النار

أخرج ابن عساكر في تاريخه (١) (٢ / ٥٨) من طريق أحمد بن محمد ، أبي عليّ بن مكحول البيروتي قال : مرّ عمر على عثمان بن عفّان فسلّم عليه ، فلم يردّ عليه‌السلام ، فجاء عمر إلى أبي بكر الصدّيق فقال : يا خليفة رسول الله ألا أُخبرك بمصيبة نزلت بنا من بعد رسول الله؟ قال : وما هي؟ قال : مررت على عثمان فسلّمت عليه فلم يردّ عليّ السلام. فقال أبو بكر : أَوَكان ذلك؟ قال : نعم. فأخذ بيده وجاء إلى عثمان فسلّما عليه ، فردّ عليهما‌السلام فقال أبو بكر : جاءك عمر فسلّم عليك فلم تردّ عليه؟ فقال : والله يا خليفة رسول الله ما رأيته. قال : وفي أيّ شيء كانت فكرتك؟ قال : كنت مفكّراً في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فارقناه ولم نسأله كيف الخلاص والمخلص من النار؟ فقال أبو بكر : والله لقد سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبرني ، فقال عثمان : ففرّج عنّا ، قال أبو بكر : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تمسّكوا بالعروة الوثقى : قول لا إله إلاّ الله.

__________________

(١) تاريخ مدينة دمشق : ٥ / ٣٨٧ رقم ١٦٤ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٣ / ٢٦٨.

٩٨

قال الأميني : أكان في أُذن الرجل وقر على عهد النبوّة عمّا كان يتهالك دونه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويهتف به آناء الليل وأطراف النهار منذ بدء البعثة إلى أن لقي ربّه من الإشادة بكلمة التوحيد ، وأنّ الإخلاص بها هو المنقذ الفذّ ، والسبب الوحيد للنجاة من الهلكة التي من ورائها النار ، وأنّ (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) (١). (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) (٢). (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ) (٣). و (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ) (٤).

ألم يك يسمع نداءه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا» (٥)؟

وقوله : «من شهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، حرّم الله عليه النار».

وقوله : «من قال : لا إله إلاّ الله مخلصاً دخل الجنّة».

وقوله : «ما من أحد يشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، صدقاً من قلبه إلاّ حرّمه الله على النار».

وقوله : «إنّي لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقّا من قلبه فيموت على ذلك إلاّ حرم على النار : لا إله إلاّ الله». إلى أحاديث كثيرة جمع جملة ضافية منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (٦) (٢ / ١٦٠ ـ ١٦٤).

__________________

(١) لقمان : ٢٢.

(٢) البقرة : ٢٥٦.

(٣) البقرة : ٨٢.

(٤) المائدة : ٧٢.

(٥) تاريخ البخاري : ج ٤ / القسم الثاني / ص ١٤ [مج ٨ / ١٤ رقم ١٩٧٧]. (المؤلف)

(٦) الترغيب والترهيب : ٢ / ٤١٢ ـ ٤١٦.

٩٩

أو أنّ الرجل كان يسمع هذه الكلمات الذهبيّة ، لكنّه لا يعيرها أُذناً واعية فنسيها؟ فإن كان لم يعِ هذه وهي أساس الدعوة فما الذي وعاه؟ وما الذي تعقّله من نبيّ جاء وذهب ولم يعرف ما هو المخلص من النار؟ ولم يبعث إلاّ لانتشال أُمّته منها ، وفي يده كتابه الكريم فيه تبيان كلّ شيء ، وأيّ نبيّ كان يحسبه عثمان ، نبيّ العظمة؟ وعلى أيّ أساس علا صُروح إسلامه؟ وأيّ مسلم هذا يدرك أيّام دعوة نبيّه كلّها ثمّ يدركه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الموت ولم يعرف المسكين بعدُ ما ينجيه من النار؟ نعم ؛ لم يألُ نبيّ الإسلام في تنوير سبل السلام ، وإنقاذ البشر من النار ، فما ذا عليه إن لم تصادفه نفس صاغية إلى تعاليمه فلم تحفظها؟

ـ ٥١ ـ

ترك الخليفة التكبير في كلّ خفض ورفع

أخرج أحمد بالإسناد عن مطرف عن عمران بن حصين قال : صلّيت خلف عليّ صلاة ذكّرني صلاة صلّيتها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والخليفتين ، قال : فانطلقت فصلّيت معه فإذا هو يكبّر كلّما سجد وكلّما رفع رأسه من الركوع فقلت : يا أبا نجيد من أوّل من تركه؟ قال : عثمان رضى الله عنه حين كبر وضعف صوته تركه (١).

قال الأميني : سيوافيك البحث الضافي في الجزء العاشر إن شاء الله تعالى حول التكبيرة في الصلاة عند كلّ رفع وخفض وأنّها سنّة ثابتة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسالمت عليها الأُمّة ، وعمل بها الصحابة ، واستقرّ عليهاإجماع أئمّة المذاهب ، وهذا الحديث يعطينا خُبراً بأنّ أوّل من تركها هو عثمان وتبعه معاوية وبنو أُميّة ، وما زال الناس على هذا المزن وتمرّنت عليه الأُمّة طوعاً أو كرهاً حتى ضاعت السنّة الثابتة ونُسيت ، وكان من جاء بها يُعدّ أحمق كأنّه ارتكب أمراً شاذّا عن الشرع المقدّس ، والتبعة في ذلك

__________________

(١) مسند أحمد : ٤ / ٤٢٨ ، ٤٢٩ ، ٤٤٠ ، ٤٤٤ [٥ / ٥٩٠ ح ١٩٣٣٩ و ٥٩٣ ح ١٩٣٥٩ و ٥٩٧ ح ١٩٣٨٠ و ٦٠٩ ح ١٩٤٥٠ و ٦١٦ ح ١٩٤٩٣]. (المؤلف)

١٠٠